مبانی علم المعرفه فی الفلسفه الإنسیه ـ القسم الثانی

0

کان کانط یتصوّر أن الذهن یتضمّن ثلاث قوى أصلیه : ( الإحساس ) ، و( المعرفه ) و( الإراده ) ، وکلّ منها مختص بواحد من ثلاثه أنواع من النقد والتمحیص (۱۴) ، ویعتمد کانط وأتباعه على المعرفه للتوصل إلى النتائج الفلسفیه وفی مشربهم تأکید رجحان کفّه الذهن مقابل الماده ، وهذا القول مؤدّاه فی النهایه ، أنّ لا وجود لغیر الذهن (۱۵) .
یقول کانط : إنّ دنیا الخارج لا تبعث سوى ماده الإحساس ، أمّا آلتنا الذهنیه ، فهی التی تنظم هذه الماده فی الزمان والمکان ، وتهیئ التصوّرات التی نفهم التجربه بوساطتها . أنّ الأمور بحدّ ذاتها ، أو الأشیاء بنفسها التی هی علل إحساساتنا ، لیست معرفیه ، وهذه الأمور لیست واقعه فی الزمان ولا فی المکان ، ولیست جوهراً ، ولا یمکن وصفها بأی من التصوّرات الکلّیه التی یسمّیها کانط نفسه ( المعقولات ) . والزمان والمکان ذهنیان ، ولیس لهما وجود خارجی ، وهما جزء من آله إدراکنا .
 ویقول کانط : إنّ الزمان والمکان لیسا تصوراً ، وإنّما هما شکلان من أشکال ( الرؤیه ) ، لکنّ التصوّرات موجوده من قبل ، وتلک ( المعقولات ) الاثنا عشریه ، أخذها کانط من المنطق القیاسی (۱۶) .
إنّ محور أفکار کانط هو أنّ عالمنا موجود بقدر ما نفکّر فیه ، أی بذلک المقدار الذی یتبع قوانین التفکّر ، یقول :
( لقد افترض حتى الیوم ، أنّ جمیع علومنا ومعارفنا ، یجب أن تأتی مطابقه لواقع الأشیاء ، حسنا ، فلیحقّقوا مرّه واحده فی هذه المساله القائله : أنّه إذا نظّمت الأشیاء طبقا لمعرفتنا ، لربّما أعطتنا سعاده أکبر ) .
هذه هی نفسها الثوره العارمه ، التی حدثت فی نظریه المعرفه ، وعبر عنها کانط نفسه ، فی أثناء مقارنته بینها وبین ثوره کوبرنیک فی علم النجوم . بناء على ذلک ، فإنّ یقیناً مرتبطا بالحقائق العلمیه ، أمر یمکن أن نعده خطأً أو توهماً ، إنّ بنیه الذهن البشری نفسها معدّه بحیث تستوعب فی داخلها جمیع معارفها خالصه وحقیقیه فی الحدود التی اکتشفت من طریق النقد .
ومن أجل هذه الواقعیه التجریبیه ، الشرط الأصلی ( للتصوّر ) هو خارج التجربه ، أنّ ( الشیء بذاته ) لا یعرف من طریق العلم ، والعقل الذی یتصوّر أنّ باستطاعته أن یتوصّل إلى جوهر الأشیاء وعمق ( الأنا ) ، بمنظار علم النفس مخطئ .
علم النفس والعقل والمیتافیزیاء متعلّقه ( بالشیء بذاته ) ، والعلم الإلهی العقلی غیر موجود ، ولا یمکن أن یکون موجوداً ، نحن فی علم کانط المعرفی ، لا نحقّق سوى فی ( الأعراض ) . یبدو ، بناء على ذلک ، بالنسبه إلى أی شیء خارج عن محوطه علم الظاهر ، أی علم الأخلاق وعلم الدین ، یمیل نقد کانط قبل مذهب هیوم الشکّی وبصوره ، أکثر جذریه منه إلى النفی والإنکار ، لأنّ الاعتماد على قوى العقل الذاتیه لا یوصل إلى شیء ) (۱۷) .
وتحلّل فلسفه کانط قدرات الفکر البشری على نحو أکثر تنظیماً من الفلسفات الإنسانیه التی سبقتها ، وتعترف بشکل منصف : أنّ العقل البشری الذی هو فی تفکّره قائم بذاته ( من دون ارتباط بعامل ما فوق عالم الماده ) ، لیست لدیه القدره على معرفه الحقیقه .
وبتعبیر آخر ، فلسفه کانط هی عالم الأعراض والظواهر ، ولیس فی هذا أی أثر للحقیقه . وهو فی جوابه عن مشکله الثنائیه الدکارتیه ، عرف بالحقیقه وبالمعنى الواقعی للموجودات ، التی لم تتوصّل إلیها الفلسفه الدکارتیه . ولیس فی نظریاته أیّ أثر للجوهر الواحد السبینوزی ، کموفق بین المعنى والماده ، وکذلک ارتباط الفکر بامتداداته أی الماده ، قد انقطعت أیضاً ، إلى حد أنّ یقول کانط ، أنّ لا طریق أساسا یوصل إلى حقیقه الأمور ، وحتى إلى عمق ( الأنا ) وحقیقتها من منظار علم النفس .
إنّ حدود المعرفه تتلخص فی الأعراض الذهنیه للموجودات ، وهذه ، کانت النتیجه الطبیعیه لمحاوله کانط أن ینظم الأشیاء مطابقه لمعرفه ( الأنا ) ، ولعده الذهن البشری المحور والأصل الذین یهبان الأشیاء صورها .
( لقد صرّح کانط ، فی فلسفته ، بأنّ العالم الخارجی یتحقّق عن طریق التصوّر الذی یتشکّل فی ذهن العالم ، وتخلّى عن مثالیته بالنسبه إلى الماورائیات وعلم الکون ، لیتمکّن بالعقل وبمعرفه المنهج النقدی من تحصیل العلاقه بین العلّه المعلول ) (۱۸) .
یعتقد کانط أنّنا نعرف العالم بالطریقه التی یمکننا أن نعرفها ، وتتدخّل الذات فی هذه المعرفه ( ثوره کانط الکوبرنیکیه ) ؛ بمعنى أنّ الإنسان هو الذی یهب العالم معناه ، والإنسان هو واهب الصور ، أنا موجود بأن أعطی عمل المعرفه ،  بـ ( الأمر نفسه ) صورته . وهذه هی المرحله الجدیده من الفلسفه ( الإنسیه ) ، أی أنّ العالم بحدّ ذاتّه مادّه محضه ، وعالم الأمر نفسه هیولی ، وأنا الذی أهبه الصوره ) (۱۹) .
الفرضیه فی فلسفه کانط تقول : أنّ الإدراکات هی علم الأشیاء بذاتها ، أو هی بحسب قولنا نابعه من وقائع العالم المادی . لک،ّ هذه الفرضیه لیس لها أیّ ضروره منطقیه على الإطلاق ، فإذا ترکنا هذه الفرضیه ، لن تکون الإدراکات حینئذٍ ( ذهنیه ) أیّ معنى من المعانی ، لأنّه لیس هنالک ما یقف فی مواجهتها . ( الشیء فی نفسه ) ، فی فلسفه کانط ، عنصر غیر متعیّن ، وقد تخلى عنه ورثه کانط المباشرون کلّیاً ، فوقعوا نتیجه لذلک فی مأزق شبیه  بـ ( أصاله الأنا ) Solipasm  لدى دیکارت .
الفلاسفه المتأثرون بـ کانط :
إنّ تناقضات فلسفه کانط هی التی جعلت من غیر الممکن تجنب هذا الأمر ، فکان على الفلاسفه الذین تأثّروا بکانط أن یتّجهوا بسرعه نحو التجربه ، أو باتّجاه المطلق ..
( فیخته ) (۱۷۶۲ ـ ۱۸۱۴) ، خلیفه کانط المباشر ، تخلّى عن فرضیه ( الأشیاء فی ذاتها ) ، وأوصل الاعتقاد بأصاله الذهن إلى حدٍّ بدا کأنّه جنون . یقول : ( إنّ ( الأنا ) هی الواقعه النهائیه الوحیده ، وسبب وجودها هو أنّ وجود الله مبنی علیها ، و( اللا أنا ) التی هی واقعه فرعیه موجوده أیضاً ؛ لأنّ ( الأنا ) سبب وجودها ) (۲۰) .
کان تأثیر علم کانط المعرفی فی تلمیذه فیخته ، أنّه إضافه إلى قبوله ما جاء فی فلسفه کانط عن فاعلیه الذهن المطلقه ، سعى إلى حلّ الثنائیه الدیکارتیه ، لأنّ التعارض بین الموجودات والظواهر بمنظار کانط ، أصبح أعمق بکثیر من التعارض بین الجسم والروح الدیکارتی ، لذلک سعى لأن یستبدل الوحده من جدید بالثنائیه ، لکن الحاکم المطلق فی هذه الوحده ، کان ذهن الإنسان لا غیر ، لذلک سال : ( من أین یعلم أنّ ماده العلم أیضاً کصورته ، لیست فی الذهن نفسه ، وإذا کانت کذلک ینتفی امتیاز الأعراض والذوات ، لأنّنا اعتبرنا الأعراض نتیجه مؤثّرات تدخل إلى الذهن من الخارج ، ولکن بما انّنا اعتقدنا أنّ لا تأثیرات تصل إلى الذهن من الخارج وکلّ شیء یأتی من الفکر نفسه ، فإنّ الأعراض تصبح غیر حقیقیه ، ولا یبقى مجال لوجود الذوات التی کنا نظن أنّها منشأ تلک الأعراض ، والأصل الأصیل هو شیء واحد ، أی هو نفسه الذی ینسب إلیه العلم وهو الذی یقول ( أنا ) ، وهو نفسه الذی یصنع المعلوم ویخلقه . بیان المساله ، أنّ ما یعلمه الناس عن ( الوجود ) وهو إمّا ( الأعراض ) أو ( الذوات ) ، لیس حقیقیا وإنّما هو ظواهر ، لیس ذاتاً وإنّما هو مظهر ، الحقیقی هو تلک ( الأنا ) نفسها ) (۲۱) .
( الأنا ) ، بناء على نظره کانط هذه ، لا تستطیع حتى أن تکون کاشفه لحقیقه الأشیاء ، وفی تفکیر تلمیذه فیخته ، الحقیقه المحضه منحصره بالفرد ، وهکذا یلخّص فیخته جمیع الأشیاء بصوره مطلقه فی الظاهره نفسها ، وبتعبیر آخر : لیس ( الموجود ) فی رأیه سوى ( الظاهره ) ، لتحلّ الوحده لدیه محلّ ثنائیه کانط .
أمّا فی ما یتعلّق بمعرفه ما بعد الطبیعه ، فإنّ کانط یعتقد أنّ معرفتها محال ( لأنّ کلّ ما یتصوّره الذهن ، فهو یتصوّره من خلال الزمان والمکان ) . بعباره أخرى : الحواس هی منبع المعرفه الأوّل والوحید ، بناءً على ذلک ، لا اعتبار للمقولات إلاّ إذا ارتبطت بالتجربه الحسیه ، ولکلّ مقوله ارتباط خاص بالزمان ، ومن الصعب أن یکون للمعقولات التی هی بحسب التعریف لا زمانیه فی الأصل ، اعتبار ومعنى ) (۲۲) .

لقد استنتج کانط أنّ عمل ( علم ما بعد الطبیعه ) الهدام ، بالمعنى المتعارف علیه ، محکوم بالانکسار والفشل ، فقوّه الفهم لدینا تستطیع فی حدود قدرتها القصوى أن تکشف فقط أوضاعاً وأحوالاً تجعلنا نتعرّف إلى العالم الظاهر ، لکن أیّ جهد للذهاب وراء هذا العالم ، واستخدام أوصاف أحکامنا الضروریه بالنسبه إلى التجربه لکشف عناصر العالم الواقعی ، تنتهی دائماً بالانکسار وسوء العاقبه . نحن لا یمکننا القول مطلقاً : أنّ عالم الذات المعقول زمانی ومکانی ، یمکننا فقط أن نقول : أنّ العالم الظاهر یجب أن یکون هکذا ، ولا یمکننا أن نقول مطلقاً . أنّ عالم الذات المعقول یشمل جواهر وأعراضا مرتبطه معاً من ناحیه علّیه ، ولکن یمکننا القول فقط : أنّ عالم الحقّ یجب أن یفسّر على هذا النحو ، وبناء على ذلک فإنّ کلّ جهد للبحث والاستدلال عن حدود ( الذات ) (النفس) ، أو ( الشیء فی نفسه ) ( العالم ) ، أو الله ، هو بنظر کانط توهّم جدلی مؤسف (۲۳) ، یقول کانط :
( إنّ منهج المیتافیزیاء الصحیح هو أساساً المنهج نفسه الذی استخدمه ( نیوتن ) فی العلوم الطبیعیه ، وتوصّل بوساطته إلى نتائج باهره ) (۲۴) .
وفی الیوم نفسه ، وفی اللحظه نفسها ، التی کتب فیها کانط هذه العبارات البسیطه ، کان یعبر ( خط الموت ) ، الذی کانت وراءه تلک الصحراء الیباب القاحله ، التی لا یستطیع أن یعیش فیها أی نوع من أنواع ما بعد الطبیعه .
الملاحظ أنّه إذا کان دیکارت قد اعتمد على قدره العقل المتناهی للإحاطه بالله اللامتناهی ، إلاّ أنّ أصول فلسفته الإنسانیه انتهت مع کانط ( بنقد العقل الخاص ) ، إلى القول بعجز العقل ، وحین قطع الفکر الإنسی علاقه العقل بما وراءه ، أی الوحی کلیاً ، حکم على الإنسان بالإقصاء عن عالم معرفه الحقیقه ، وکذلک عن معرفه ما فوق عالم الطبیعه ، کما أقفل فی وجهه طریق الوصول إلى معرفه الله الطبیعیه . وبتعبیر آخر : إذا کان إسبینوزا قد جعل ذلک الإله القائم فی الذهن الإنسانی (مبدأ للمعرفه) محدوداً بعالم الطبیعه ، لتکون معرفته ممکنه من دون اتصال بما وراء الذهن الآدمی ، فإنّ عجز العقل فی فلسفه کانط عن معرفه الطبیعه فی نفسها أدّى إلى حرمان الإنسان حتى من معرفه الله المعادل للطبیعه ( لدى إسبینوزا ) .
جوله فی علم المعرفه الانسی :
إنّ نهضه الإنسیه (المذهب الإنسانی ) ، التی کانت قد طرحت ، فی البدایه ، بوصفها توجّها من التوجّهات ، تحولّت فی مسیره تطوّرها فی القرن الخامس عشر ، التی بدأتها بالأصل الدیکارتی : ( أنا أفکر ، إذاً أنا موجود ) ، إلى فلسفه وطریقه خاصه فی التفکیر ، والإنسان الذی لم یکن یحس فی داخله بالحاجه إلى الدین سعى بعد عصر النهضه إلى بناء نظامه الفکری على أساس أصولی قائم على حریه الإنسان وکرامته ( من دون الارتباط بالخالق ) ، وفی هذه المسیره طرح دیکارت الإنسان أساساً للکینونه وللوجود ، على عکس التفکیر المتعلّق بالمبدأ ، لأنّه فی التفکیر المتعلّق بالمبدأ ( الکینونه ) والوجود المطلق أصل فی موجودیه الإنسان ، وفی باب علم المعرفه ، یصبح الإنسان ( مبدأ المعرفه ) فی حین أنّه فی التفکیر الذی یرکز على ( محوریه الإنسان ) ، أو بتعبیر آخر ( البناء الفکری الذاتی ) (۲۵) ، الإنسان أصل ( الکینونه ) والوجود ، وهو بمنظار علم المعرفه ( مبدأ المعرفه ) .
بناء على ذلک ، فإنّ الأصل الدیکارتی : ( أنا أفکر ، إذاً أنا موجود ) ، الذی یشکّل نقطه البدایه لمحوریه الإنسان فی التفکیر العقلانی ، کان مرتبطا  بـ ( الفطریات ) (۲۶) ، التی یمکن أن تکون ـ على نحو ما ـ نقطه اتصال بالمبدأ ، ولکن حین أنکرت ( الفطریات ) فی فلسفه ( جون لوک ) التجریبیه (۲۷) ، أحرز الإنسان استقلالا کاملاً عن المبدأ ، أمّا فلسفه بارکلی ( التی بنیت على أساس ( الأنا المدرکه ) ، حیث أدرکت حاجه ( الأنا التجریبیه ) إلى وجود الله فقد ابتلیت بنوع من السفسطه ، وبدلاً من إثبات وجود الله انجرّت إلى بناء إله ذهنی ( کان أسرع عطباً من الأصنام الخشبیه والحجریه ) ، و( بارکلی الذی کان یهدف فی البدایه إلى إثبات وجود الله ، بعلمه المعرفی المثالی المبنی على التجربه التی محورها الإنسان ، وقد نجح عملیا فی إثبات وجود إله قائم فی ذهن الإنسان (مدرک) ، لم یکن سوى صنم ذهنی صرف ، لا وجود خارجیاً له ، وسیظهر فی التفکیر الفرویدی بعد ذلک بسنوات أنموذج هذا الأمر أکثر وضوحاً (۲۸) .
وصلت الفلسفه الإنسانیه ، فی مسیره تطوّرها فی اتجاهین : ( الأنا العقلانیه ) و( الأنا التجریبیه ) ، إلى تناقض عجیب فی فلسفه هیوم ، ولم یبق لدیه من حیله سوى الشک ، فأنکر عالم الماده ( الذی استبعد فی تفکیر بارکلی ) ، وأنکر أیضاً النفس الإنسانیه التی کانت محور ( المذهب الإنسانی ) ، ما یشیر إلى أنّه کلّما اعتمد الإنسان مبدأ للمعرفه ، لن یکون لشک دیکارت المنهجی ( بعد عبور المراحل العقلانیه والتجریبیه ) من مستقبل سوى ( شکّ هیوم الماحق ) ، إلى حدّ أنّ هیوم لم ینفِ الجوهر المادی والضروره العلّیه فقط ، وإنّما أنکر أیضاً ( الأنا النفسانیه ) التی کانت بعد دیکارت محور التفکیر ، وأوصل نظریه المعرفه التی تتمحور حول الإنسان إلى معبر مسدود ، فهو یقول : ( لیس لدینا أیّ تأثر بذواتنا ، ولذا لا وجود لدینا لأفکار نابعه من ذواتنا ) (۲۹) ، وقد قیل : ( إنّ مذاهب الشک کانت فی تاریخ الفلسفه قرینه ( للمذاهب الإنسیه الیقینیه ) (۳۰) .
سعى کانط بعد هیوم لیهب ( الأنا ) التی کانت قد أعدمت ، روحاً جدیده وطرح فی ثورته الکوبرنیکیه الإنسان موجودا واهباً للصور ، حیث ( یهب الذهن للماده الخارجیه صوره الزمان والمکان ، ویحوّلها إلى ظاهره ) (۳۱) .
شرع کانط الذی شکّک بشکوک هیوم فی مقدره العقلانیه والعقل المحض ، بالتحقیق فی مقدره آله الفهم الفاهمه ، وعد معرفه ( الأشیاء فی ذاتها ) غیر ممکنه ) (۳۲) ، وقد أعلن برغسون فی انتقاده لنظریه کانط ( أنّنا لا نرى فی تفکیره أی نسبه ممکنه الإدراک ، أو أی قدر مشترک بین الشیء فی نفسه أی الحقیقه الواقعه ، والتنوعات المحسوسه التی نصوغ بوساطتها معرفتنا بالعالم الخارجی ) (۳۳) .
بعد أن عبر کانط خط ( عدم اعتبار العقل ) ، شرع بالتحقیق فی قوه فهم الإنسان الفاهمه ، بوصفها واهبه للصور ، واقر بأنّ الإنسان هو الموضوع والمحور ، کما أنّه فی تقسیم مراتب الوجود ( التی جاءت کالتالی : الوجود أو الواجب أو الممکن ) ، اعتمد تقسیماً جدیداً ، هو أنّ الموجود أو الفاعل المعرفی هو ( الأنا ) أو ( متعلّق الأنا المعرفی ) وفی کل الأحوال ، وصل تأثیر محوریه الإنسان فی فکر کانط إلى أوج استحکامه ، واعتمد الإنسان ملاک المعرفه ومبدأها الوحید .

فی محوریه الإنسان هذه ، لا مکان للمعرفه الماورائیه ولوجود الله ، لان کانط کان یعتقد أنّ لیس بإمکان العقل الإنسانی ولا فی وسعه أن یؤیّد ما بعد الطبیعه والله ، أو یهز الإیمان بهما ویزعزعه (۳۴) .

فی هذا الجزء من البحث ننتقل من ( ذاتانیه ) کانط إلى تحقیق مجمل فی علم المعرفه لدى خلفائه ، فکما أنّ خلفاء دیکارت سعوا لاعتماد نوع من الوحده بدلاً من ثنائیه الجسد والروح :
( إسبینوزا ) استبدل بها الجوهر الفرد ، و( لایبنتز ) المذهب الذری ( المونادولوجیا ) ومالبرانش المذهب الظرفی ( اوکازیانالیسم ) ، حاول خلفاء کانط بالطریقه نفسها أن یحلّوا مشکله الثنائیه الکانطیه ، وقد أسهم کلّ من فیخته وشلینغل بحصّته لاستبدال الوحده بالثنائیه ، وفی هذا الطریق وقعوا هم أیضاً تحت تأثیر السفسطه (ما یشبه نظریات بارکلی ) ، یرى فیخته (۱۷۶۲ ـ ۱۸۱۴) أنّ تلاقی ( الأنا ) مع ( اللا أنا ) ، لا یشبه اللقاء مع شیء مقدّم علیها ومستقل عنها ، ف ـ ( اللا أنا ) من خلق ( الأنا ) ، تضعها الأنا فی مقابلها لتوجد نفسها . النتیجه أنّ التفکیر یصنعنا کمؤدّى لهویتی ( الأنا ) و( اللا أنا ) ، ولیس لله تشخص أو تعیّن وإنّما هو ( الأنا المثال للإنسانیه ) ، وهو قائم بالنفوس الجزئیه قیاماً حلولیاً ومشتاق إلى تعیّن ذاته (۳۵) ، الإله الذی خلقه الإنسان ـ الذی هو نفسه المحور ـ ما هو مصیره ؟ وما هو موقف الإنسان من قیمومه إله قائم فی الذهن البشری . یقول البیرکامو : ( الإنسان الذی کان یستمد تماسکه الذاتی من خالقه ، وجد نفسه ، منذ تلک اللحظه التی انفصل فیها عنه رسمیاً ، أسیر اللحظات والأیام العابره ، والتأثر غیر المجدی ، حائراً مضطرباً کجمیع الذین لا یملکون قواعد للحیاه ) (۳۶) .
جان بول سارتر ، أحد النماذج البارزه لطغیان مرکزیه الإنسان فی مقابل الله ، کان یؤمن بإلوهیه الإنسان ، وعلى یدیه وصلت محوریه علم المعرفه الإنسی فی نهایه مسیرتها إلى تألیه الإنسان ، ففی نظر سارتر لا وجود للإله ، ولذلک فإنّ فرضیه النظام أو تصمیم الخَلْق ، لا جدوى منها ، ومحال هی الفرضیه القائله أنّ العالم مرکّب من مجموعات واقعیه مؤلّفه من أشیاء متشابهه ومتماثله ، وهم شرکاء فی طبیعه مشترکه . وکلّ فردٍ هو واحد ووحید ومطلق وکامل ، وما من طبیعه إنسانیه مشترکه على الإطلاق ( مع أنّ مجموعه مشترکه من الأوضاع والأحوال ، أو ما یسمّى بالوضع الإنسانی یجتاحنا کلّنا ) .
یستنتج من هنا أن لا وجود للقیم ، والمسلّم هو أنّ الإنسان حرّ ، لیصنع نفسه خطوه خطوه ، بإرادته متجاوزاً الأحوال والأوضاع التی تعترض طریقه … على الإنسان فی جمیع مراحل حیاته أن یتمرکّز حول ذاته وحده (۳۷) .
بناء على ذلک ، فقد وصلت الفلسفه الإنسیه فی نهایه مسیرتها فی فلسفه سارتر إلى حد إنکار الوحده النوعیه للبشر ، وکل إنسان منحصر فی فردیّته ، ولیس فی تفکیره أی حلقه من حلقات زنجیر یمکن أن یربط الأفراد المنفصلین عن بعضهم ، وهذا هو الأمر مصدر التشتت والتبعثر إلى حد أنّ الحیاه فی نظره : ( جولات دائمه لأنواع معیّنه من الاضطراب والقلق تثقل بشکل لا یمکن تجنبه على شعور وإدراک الموجود الذی یعلم أنّه عاجلاً أو آجلا سیفنى … فالموت حادثه مهیبه ومخیفه ) (۳۸) .
وهکذا فإنّ سارتر لم یبدأ بإنکار الله فقط ، وإنّما نفى أیّ نوع من أنواع القیم لدى الإنسان ، إله الفلسفه الإنسیه ، الذی وصل فی النهایه إلى الاضطراب والحیره والخوف من العدم ، لأن المصیر المحتوم لتفکیر یجعل الإنسان الفانی محور جمیع الأمور وحتى موضوعاً للعباده ، لا یصل أخیراً إلاّ إلى نهایه لا جدوى من ورائها ، وکذلک إلى خوف من العدم ، وحرمان الإنسان إمکانیه أیّ نوع من أنواع السعاده فی هذا العالم ( السعاده التی کانت مطلب الإنسیین الأساسی فی عصر النهضه ) ، هذه السعاده الأرضیه المنفصله عن المتعالی ظلّ المفکّرون الغربیون یسعون وراءها منذ حوالی ستمئه عام .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 هوامش القسم الثانی :
 14 ـ ببکین ، ریتشارد ، استرول ، آروم ، کلیات الفلسفه ، ترجمه إلى الفارسیه سید جلال الدین مجتبوی ، منشورات‏ حکمت ، طهران ، ۱۳۷۴ه .ش ، ۱۹۹۵ ، ص ۲۳۳ .
 15 ـ راسل برتراند ، تاریخ فلسفه الغرب ، ترجمه إلى الفارسیه نجف دریا بندرى ، فرانکلینی ۱۳۵۳هـ .ش ، ۱۹۷۴م ، الکتاب ‏الثالث ، ص ۳۷۴ .
۱۶ ـ م .ن ، ص ۳۸۰ .
۱۷ ـ ووکاسه بیر ، الفلسفات الکبرى ، م .س . ، ص ۱۰۵ .
۱۸ ـ دیویی ، جان ، بنیه الفلسفه الجدیده ، ترجمه إلى الفارسیه صالح أبو سعیدی ، منشورات إقبال . طهران ۱۳۷۳ه .ش ،۱۹۹۴م ، ص ۵۷ .
 19 ـ الفلسفه ، والبحث عن الحقیقه ، ترجمه الى الفارسیه سید جلال لادین مجتبوی ، منشورات حکمت ، ۱۳۷۰ه .ش ،۱۹۹۱م ، ص ۲۸۰ .
 20 ـ کاسیرر ، ارنست ، الفلسفه والثقافه ، ترجمه الى الفارسیه بزرگ نادر زاده ، مؤسسه المطالعات والتحقیقات الثقافیه ،طهران ۱۳۶۰ه .ش ، ۱۹۸۱م ، ص ۳۹۷ .
۲۱ ـ فروغی ، محمد علی اسیر حکمت در اوربا ، زوار ، طهران ، ۱۳۴۴ ، ج‏3 ، ص ۱۹ .
 22 ـ فلسفه یا بژوهش حقیقت ، ص ۲۹۰ ـ ۲۹۲ .
۲۳ ـ کلیات فلسفه ، ص ۲۰۱ .
 24 ـ نقد تفکر فلسفی غرب ، ص ۲۱۳ .
 25 ـ See . Heidegger, Lettre sur Lhumanism, pp . 61,63 M
۲۶ ـ راجع ، تأملات ، التأمل الثالث .
 27 ـ سیر حکمت در أوربا ، ج الثانی ، ص ۱۱۳ ـ ۱۲۸ .
 28 ـ دیورانت ، ویل . لذات فلسفه ، ترجمه عباس زریاب ، ص ۳۸۳ .
 29 ـ راسل ، برتراند ، تاریخ فلسفه غرب ، ص ۳۰۱ .
۳۰ ـ کاسیرر ، آرنست . فلسفه وفرهنگ ، ص ۶ .
 31 ـ Can, Critigue of pure . M . Bearkley, New 1960 Reason in The philosophers Eueopean from Descar York, Introduction .Tes to Nietzche, ed
۳۲ ـ فلسفه یا بژوهش حقیقت ، ص ۲۷۱ .
 33 ـ برغسون ، هنری ماده ویاد ، ترجمه علی قلی بیانی ، نشر فرهنگ إسلامی ، طهران ۱۳۷۵ه .ش ، ص ۳۲۵ .
 34 ـ فلسفه یا بژوهش حقیقت ، ص ۲۷۱ .
 35 ـ فولکیه ، بل . ما بعد الطبیعه ترجمه یحیى مهدوی ، نشر جامعه ، طهران ۱۳۶۲ه .ش ، ص ۳۰۷ .
۳۶ ـ کامو ، آلبر . انسان طاغی ، ترجمه مهبد إیرانی طلب ، نشر قطره ، طهران ۱۳۷۴ه .ش ، ص ۴۸ .
 37 ـ فلسفه یا بژوهش حقیقت ، ص ۳۷۵ و۳۷۶ .
 38 ـ م .ن ، ص ۳۷۶ .  

Leave A Reply

Your email address will not be published.