دور الدین فی إحیاء الثورات
نعم فی ظلّ الأوضاع المزریه التی وصلت إلیها الأمه الإسلامیه کان لابد من موقظ وعامل داخلی یطرق باب الوجدان لیذکر بالقیم والأخلاق ویدفع نحو تحریر النفس من شباک شیاطین الإنس الذین عتوا فی الأرض فسادا أشد من فساد الأبالسه والشیاطین، فکان لابد من نهضه عارمه تجرف رواسب القهر والفقر والظلم وتطیح برؤوس الفساد والظلم، وهذا المحرّک الذی یقدر على إحیاء المجتمع بعد موته لا یمکن إلا أن یکون هو التوجه نحو الإسلام الحامل لمفاهیم وتعالیم تزکی النفس وتطهرها من دنس الرذیله وتبعث فیها روح التضحیه والقیم الرفیعه لدفعها بالتالی الى ساحات الکفاح والتضحیه لتکتب نصرا عظیما تستطیع من خلاله أن ترجع هویتها الضائعه وتستعید کرامتها التی أهدرت بفعل عماله السلطان وتبعیته لدول الاستکبار.
إن التوجه الدینی هو الضامن لسعاده الإنسان فی کلا الدارین والإنسانیه بلا دین تسیر نحو مستنقع الظلام الدامس ونحو مشاکل وابتلاءات عجیبه وصعبه، فعندما أراد أهل الدنیا أن یتدبروا أمورهم بلا دین فإنهم ابتلوا بمشاکل معقده لا تمت الى الإنسانیه وقیمها بصله، لأنهم لم یلتجئوا الى رکن وثیق بل حاروا فی أوهام أفقدتهم الصواب وسارت بهم نحو طریق الضیاع والخراب، فمثلا عندما أراد الغرب أن یدبر شؤونه بلا دین فإنه أخذ الأمور على حسب عقول الرجال فأراد أن یعبر عن الحریه الشخصیه فأطلق العنان للشهوات الجنسیه حتى وصل بهم الأمر الى العمل على تشریع الزواج المثلی مع ما یستتبع هذا من فصل لعرى الفطره ومحاربه لرب الشریعه ومفاسده الاجتماعیه أکثر من أن تخفى على عاقل، وهذه هی نتیجه الدنیا بلا دین فإن نتیجتها هی تلاشی الأسره وتغرب تعالیم الإنسانیه.
إن الإسلام هو القادر الوحید على إسعاد البشریه والرقی بها نحو التقدم والعداله والحریه الحقیقیه والقیم العالیه والباقیه أبد الدهر خصوصا وأنه یحمل نظریه إلهیه ترسم معالم الطریق المستقیم وتغطی کل تفاصیل الحیاه الإنسانیه ویحمل أیضا تشریعات سماویه معصومه عن الخطأ والاشتباه والالتباس، والغرب یعلم کل هذه الأمور عن الإسلام ولذا فإنه ومنذ أن دخل الى بلادنا وتعرف على دیننا ذهب الى محاربته ومقاتلته قتالا عنیفا لم تهدأ ناره منذ أول أزمنه الاستعمار وغزو المنطقه الإسلامیه، واستعمل لأجل تذویب تعالیم هذا الدین ومحو أثاره الأصیله کل کیده مستعینا بالخبراء والمفکرین والمنظرین ومستفیدا من إمکانیاته المادیه والمالیه الضخمه للنیل من بهاء الإسلام وعلوه.
وقد بثّ الشبهات بواسطه أجهزته الإعلامیه والإعلانیه الضخمه فی وسط المجتمع الإسلامی راجیا منها أن تزلزل عقیده الناس بالإسلام وتمحو تعالیمه خصوصا الحیه منها کشبهه فصل الدین عن الدوله والمجتمع وحصره فی النطاق الشخصی والعلاقه بین العبد وربه حتى شاعت هذه الشبهه وانطلت على الکثیرین بما فیهم بعض رجال الدین.
وقد استفاد الغرب من إمکانیاته العسکریه لأضعاف المجتمع المسلم فعمل على استعماره ومن ثم تقسیمه وتفتیته الى دول صغیره الحجم وقلیله الخطر والقوه. وقد بثَ کل جهوده لإبقاء المجتمع المسلم فی حاله من الفقر والجهل والمشاکل الطائفیه والمذهبیه والتناحر القومی والجغرافی حتى لا تقوم قائمه للمسلمین ولا یهدأ لهم بال وبهذا یکون الغرب قد أبعد خصمه الأقوى عن ساحه التنافس لأنه علم أن الإسلام والأمه الإسلامیه لو نعموا بالاستقرار والوحده والألفه فإنهم سیثبتون للعالم قوه حضارتهم وتعالیم دینهم.
ولابد أن یعلم الغرب أنه مهما عمل لتأخیر النهضه الإسلامیه فإنها ستقوم وسترجع القوه للمجتمع المسلم وهاهی بوادرها وطلائعها بدأت بالوفود الى ساحات الکفاح لتثبت أنها تحمل عقیده لا یمکن نسخها وتعالیم لا یمکن قتلها.