ارتباط قضیه المهدی (ع) بنهایه حرکه التاریخ
غیر أنّ المارکسیّه کانت قد تورّطت فی خطأ قاتل حین أنکرت وجود الله تعالى ، وتعاملت مع حرکه النبوّات من خلال الصیغ المحرّفه للدین الإلهی ، ومِن ثَمّ فشلتْ فی اکتشاف المراحل العامّه لحرکه التاریخ واکتشاف السنن التی تنقل الواقع من مرحله إلى اُخرى ، ثمّ تقف به عند نهایته المحتومه .
ولئنْ انفتح الفکر البشری الوضعی من خلال الفکر المارکسی فی القرن التاسع عشر المیلادی على إدراک الحتمیّه التاریخیّه ، ومِن ثَمّ العمل على اکتشاف مراحل التاریخ الحتمیّه والقوانین العامّه للتاریخ ، ثمّ أخطأ فی اکتشافه(۲) ، فإنّ الفکر النبوی منذ انطلاقته الأولى قبل آلاف السنین قد بنى تصوّراته عن حرکه المجتمع البشری على أساس هذه الحتمیّه ، وقدّم فکره واضحه عن سنن التاریخ ومراحله .
وقد احتفظ التراث الدینی للیهود والنصارى والمسلمین بنصوص مشترکه حول ذلک ، ویستطیع الباحث أنْ یقول : إنّ هذه القضیه هی إحدى أهمّ القضایا الأساسیّه المشترکه بین الأدیان الثلاثه .
وهنا أودّ أنْ أؤکّد أنّ النصوص الدینیّه التی یحفل بها تراث الأدیان الثلاثه ، یقدّم بالإضافه إلى ذلک معلومات موحّده عن الشخوص التاریخیّین الذین تتقوّم بهم حرکه التاریخ ونهایتها ، فلسنا فقط أمام فکره مشترکه حول نهایه حرکه التاریخ ، بل أمام تصوّرات موحّده عن هویه شخوصها التاریخیّین ، یمکن استفادتها من تلک النصوص .
نعم ، بلحاظ هذه النصوص التی تتحدّث عن الأشخاص التاریخیّین وجدتُ قراءات وتفسیرات مختلفه ، جعلتنا أمام مصادیق مختلفه للفکره الواحده ، والباب مفتوح لحوار علمی هادئ بین الأدیان الثلاثه واتجاهاتها الداخلیه ، لبحث سبل الوصول إلى القراءه الموحّده لتلک النصوص .
وفی ضوء هذه المقدّمه نستطیع القول : إنّ قضیه المهدی الموعود الحجّه ابن الحسن العسکری (علیه السّلام) , ابن الحسین المظلوم الشهید (علیه السّلام) فی المعتقد الشیعی ترتبط أساساً بمراحل حرکه التاریخ وسننها ، کما تقدّمها الحرکه النبویه ککل من خلال وثائقها الأساسیه : القرآن والتوراه والإنجیل .
وإنّ الحرکه الشیعیه تدّعی من خلال تراثها المعتبر أنّ المهدی الموعود (علیه السّلام) بطل نهایه التاریخ الذی تشخّصه النصوص الشیعیه بمحمّد بن الحسن العسکری (علیه السّلام) , ابن الحسین المظلوم الشهید (علیه السّلام) ، هو نفسه الذی تشخّصه النصوص الدینیّه المسیحیّه والیهودیّه .
دلیلنا على هذا التصوّر ما یؤکّده القرآن من أنّ نهایه التاریخ المشرقه أمر حتمه الله تعالى , وبیّنه فی القرآن , وفی کتبه التی أنزلها على الأنبیاء السابقین . وتأکید القرآن أنّ خبر بعثه النبی المکّی موجود فی التوراه والإنجیل ، وتأکید أهل البیت فی أخبارهم أنّ الکتب السابقه بشّرتْ بمحمّد وأهل بیته (علیهم السّلام) ، وأنّ علیّاً والحسین والمهدی (علیهم السّلام) قد ذُکروا فی الکتب السابقه کما ذُکر النبی (صلّى الله علیه وآله) .
القدر المتّفق علیه بین أهل الدیانات السماویّه الثلاث حول نهایه التاریخ :
یتّفق أتباع الدیانات السماویّه الثلاث : المسلمون والنصارى والیهود على الإیمان بأنّ المستقبل النهائی لمسیره الحیاه على الأرض هی انتصار أطروحه الإیمان على أطروحه الکفر ، وسیاده الحق والعلم والعدل الاجتماعی , وعباده الله تعالى ، ووراثه الأرض مِن قِبل الصالحین ، وانتهاء الخرافه والضلال والظلم وکل أشکال الانحراف .
ویتّفقون أیضاً على أنّ الشخص الذی سیحقّق الله على یده على العهد هو من ذرّیه إبراهیم (علیه السّلام) , وأنّ الشریعه التی یحکم بها هذا الشخص لیست هی شریعه موسى (علیه السّلام) ، وإنّما هی شریعه النبی الذی سیبعثه الله تعالى إلى الأزمنه الأخیره(۳) ، هذا النبی الذی ینتظره الأُمّیّون .
فی القرآن الکریم قوله تعالى : ( وَلَقَدْ کَتَبْنَا فِی الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّکْرِ أَنَّ الأَرْضَ یَرِثُهَا عِبَادِیَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِی هَذَا لَبَلاَغاً لِقَوْمٍ عَابِدِینَ )(۴) .
وفی الکتاب المقدّس الْمَزْمُورُ السَّابِعُ وَالثَّلاَثُونَ لِدَاوُدَ :
لاَ یُقْلِقْکَ أَمْرُ الأَشْرَارِ ، وَلاَ تَحْسِدْ فَاعِلِی الإِثْمِ ، ۲ فَإِنَّهُمْ مِثْلَ الْحَشِیشِ سَرِیعاً یَذْوُونَ ، وَکَالْعُشْبِ الأَخْضَرِ یَذْبُلُونَ . ۳ تَوَکَّلْ عَلَى الرَّبِّ وَاصْنَعِ الْخَیْرَ . اسْکُنْ فِی الأَرْضِ ( مُطْمَئِنّاً ) وَرَاعِ الأَمَانَهَ . ۴ ابْتَهِجْ بِالرَّبِّ فَیَمْنَحَکَ بُغْیَهَ قَلْبِکَ . ۵ سَلِّمْ لِلرَّبِّ طَرِیقَکَ وَتَوَکَّلْ عَلَیْهِ فَیَتَوَلَّى أَمْرَکَ . ۶ یُظْهِرُ بَرَاءَتَکَ کَالنُّورِ ، وَحَقَّکَ ظَاهِراً کَشَمْسِ الظَّهِیرَهِ . ۷ اسْکُنْ أَمَامَ الرَّبِّ وَانْتَظِرْهُ بِصَبْرٍ ، وَلاَ تَغَرْ مِنَ الَّذِی یَنْجَحُ فِی مَسْعَاهُ ، بِفَضْلِ مَکَائِدِهِ . ۸ کُفَّ عَنِ الْغَضَبِ ، وَانْبُذِ السَّخَطَ ، وَلاَ تَتَهَوَّرْ لِئَلاَّ تَفْعَلَ الشَّرَّ . ۹ لأَنَّ فَاعِلِی الشَّرِّ یُسْتَأْصَلُونَ . أَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَإِنَّهُمْ یَرِثُونَ خَیْرَاتِ الأَرْضِ . ۱۰ فَعَمَّا قَلِیلٍ ( یَنْقَرِضُ ) الشِّرِّیرُ ، إِذْ تَطْلُبُهُ وَلاَ تَجِدُهُ . ۱۱ أَمَّا الْوُدَعَاءُ فَیَرِثُونَ خَیْرَاتِ الأَرْضِ وَیَتَمَتَّعُونَ بِفَیْضِ السَّلاَمِ … . 16 الْخَیْرُ الْقَلِیلُ الَّذِی یَمْلِکُهُ الصِّدِّیقُ أَفْضَلُ مِنْ ثَرْوَهِ أَشْرَارٍ کَثِیرِینَ ، ۱۷ لأَنَّ سَوَاعِدَ الأَشْرَارِ سَتُکْسَرُ ، أَمَّا الأَبْرَارُ فَالرَّبُّ یَسْنِدُهُمْ . ۱۸ الرَّبُّ عَلِیمٌ بِأَیَّامِ الْکَامِلِینَ ، وَمِیرَاثُهُمْ یَدُومُ إِلَى الأَبَدِ … . 27 حِدْ عَنِ الشَّرِّ وَاصْنَعِ الْخَیْرَ ، فَتَسْکُنَ مُطْمَئِنّاً إِلَى الأَبَدِ . ۲۸ لأَنَّ الرَّبَّ یُحِبُّ الْعَدْلَ ، وَلاَ یَتَخَلَّى عَنْ أَتْقِیَائِهِ ، بَلْ یَحْفَظُهُمْ إِلَى الأَبَدِ . أَمَّا ذُرِّیَّهُ الأَشْرَارِ فَتَفْنَى . ۲۹ الصِّدِّیقُونَ یَرِثُونَ خَیْرَاتِ الأَرْضِ وَیَسْکُنُونَ فِیهَا إِلَى الأَبَدِ . ۳۰ فَمُ الصِّدِّیقِ یَنْطِقُ دَائِماً بِالْحِکْمَهِ ، وَیَتَفَوَّهُ بِکَلاَمِ الْحَقِّ . ۳۱ شَرِیعَهُ إِلَهِهِ ثَابِتَهٌ فِی قَلْبِهِ ، فَلاَ تَتَقَلْقَلُ خَطَوَاتُهُ . ۳۲ یَتَرَبَّصُ الشِّرِّیرُ بِالصِّدِّیقِ وَیَسْعَى إِلَى قَتْلِهِ . ۳۳ لَکِنَّ الرَّبَّ لاَ یَدَعُهُ یَقَعُ فِی قَبْضَتِهِ ، وَلاَ یَدِینُهُ عِنْدَ مُحَاکَمَتِهِ . ۳۴ انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاسْلُکْ دَائِماً فِی طَرِیقِهِ ، فَیَرْفَعَکَ لِتَمْتَلِکَ الأَرْضَ ، وَتَشْهَدَ انْقِرَاضَ الأَشْرَارِ . ۳۵ قَدْ رَأَیْتُ الشِّرِّیرَ مُزْدَهِراً وَارِفاً کَالشَّجَرَهِ الْخَضْرَاءِ الْمُتَأَصِّلَهِ فِی تُرْبَهِ مَوْطِنِهَا . ۳۶ ثُمَّ عَبَرَ وَمَضَى ، لَمْ یُوجَدْ . فَتَّشْتُ عَنْهُ فَلَمْ أَعْثُرْ لَهُ عَلَى أَثَرٍ . ۳۷ لاَحِظِ الْکَامِلَ وَانْظُرِ الْمُسْتَقِیمَ ، فَإِنَّ نِهَایَهَ ذَلِکَ الإِنْسَانِ تَکُونُ سَلاَما . ۳۸ أَمَّا الْعُصَاهُ فَیُبَادُونَ جَمِیعا . وَنِهَایَهُ الأَشْرَارِ انْدِثَارُهُمْ . ۳۹ لَکِنَّ خَلاَصَ الأَبْرَارِ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ ، فَهُوَ حِصْنُهُمْ فِی زَمَانِ الضِّیقِ . ۴۰ یُعِینُهُمُ الرَّبُّ حَقّاً ، وَیُنْقِذُهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ ، وَیُخَلِّصُهُمْ لأَنَّهُمُ احْتَمَوْا بِهِ .
اختلاف المسلمین عن الیهود والنصارى فی هویه القائد الإلهی الموعود وکتابه :
ویختلف المسلمون مع الیهود والنصارى فی تعیین هویّه الشخص الذی یجری الله تعالى على یده هذا الحدث العظیم المرتقَّب ، وفی الاُمّه التی ینطلق منها ذلک القائد الإلهی الکبیر ، وفی الشریعه الإلهیّه التی یعمل بها ویطبّقها .
فیعتقد المسلمون جمیعاً : بأنّه من ذرّیه إسماعیل (علیه السّلام) ، من ذرّیه محمّد (صلّى الله علیه وآله) خاتم الأنبیاء ، من فاطمه بنت النبی (صلّى الله علیه وآله) . وإنّ اُمّه هذا القائد هی اُمّه محمّد (صلّى الله علیه وآله) ، وإنّ شریعته هی شریعه محمّد (صلّى الله علیه وآله) .
روى أبو داود ، وابن ماجه ، وابن حنبل ، والطبرانی ، والحاکم فی المستدرک ، وغیرهم ، قولَ النبی (صلّى الله علیه وآله) : ( لَوْ لَمْ یَبْقَ مِنْ الدَهْرِ ( الدنیا ) إلاّ یَوْمٌ وَاحِدٌ ، لَبَعَثَ اللهُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ بَیْتِی یَمْلَؤُهَا ( الأرض ) عَدْلاً کَمَا مُلِئَتْ جَوْرَاً ) .
وقوله (صلّى الله علیه وآله) أیضاً : ( المَهْدِی مِنْ عِتْرَتِی مِنْ وُلْدِ فَاطِمَه ) .
ویعتقد الیهود والنصارى : أنّه مِن ذرّیه إسحاق (علیه السّلام) ، من ذرّیه یعقوب (علیه السّلام) ، ومن ذرّیه داود (علیه السّلام) .
ویقول النصارى : بأنّ هذا القائد الإسرائیلی هو المسیح عیسى بن مریم (علیه السّلام) ، وأنّه قُتل على ید الیهود , ثمّ أحیاه الله تعالى وأقامه من الأموات , ورفعه إلى السماء ، وأنّه سینزله فی فی آخر الدنیا لیحقّق به وعده .
أمّا الیهود فیقولون : إنّه لم یولد بعد .
قال المفسّر الیهودی حنان ایل فی تعلیقته على الفقره (۲۰) من الإصحاح (۱۷) من سفر التکوین التی تشیر إلى وعد الله تعالى فی إسماعیل (علیه السّلام) ، وهی : ( أمّا إسماعیل فقد سمعتُ قولک فیه ، ها أنا ذا أبارکه وأنمیه وأکثره جدّاً جدّاً ، ویلد اثنی عشر رئیساً وأجعله اُمّه عظیمه ) .
( نلاحظ من هذه النبوءه فی هذه الآیه أنّ ۲۳۳۷ سنه مضتْ قبل أنْ یصبح العرب ـ سلاله إسماعیل ـ اُمّه عظیمه ( بظهور الإسلام سنه ۶۲۴م ) ، فی هذه الفتره انتظر إسماعیل بشوق حتى تحقّق الوعد الإلهی أخیراً وسیطر العرب على العالم . أمّا نحن ذرّیه إسحق فقد تأخّر تحقّق الوعد الذی أُعطی لنا ؛ بسبب ذنوبنا . من المؤکّد أنّ هذا الوعد الإلهی سیتحقّق فیما بعد ، فلا نیأس )(۵) .
وفی سفر أشعیا ۱۱ ـ ۱ :
وَیُفْرِخُ بُرْعُمٌ مِنْ جِذْعِ یَسَّى ، وَیَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ جُذُورِهِ . ۲ : وَیَسْتَقِرُّ عَلَیْهِ رُوحُ الرَّبِّ ، رُوحُ الْحِکْمَهِ وَالْفِطْنَهِ ، رُوحُ الْمَشُورَهِ وَالْقُوَّهِ ، رُوحُ مَعْرِفَهِ الرَّبِّ وَمَخَافَتِهِ . ۳ وَتَکُونُ مَسَرَّتُهُ فِی تَقْوى الرَّبِّ ، وَلاَ یَقْضِی بِحَسَبِ مَا تَشْهَدُ عَیْنَاهُ ، وَلاَ یَحْکُمُ بِمُقْتَضَى مَا تَسْمَعُ أُذُنَاهُ ، ۴ إِنَّمَا یَقْضِی بِعَدْلٍ لِلْمَسَاکِینِ ، وَیَحَکُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِی الأَرْضِ ، وَیُعَاقِبُ الأَرْضَ بِقَضِیبِ فَمِهِ ، وَیُمِیتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَهِ شَفَتَیْهِ ؛ ۵ لأَنَّهُ سَیَرْتَدِی الْبِرَّ وَیَتَمَنْطَقُ بِالأَمَانَهِ . ۶ فَیَسْکُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْحَمَلِ ، وَیَرْبِضُ النِّمْرُ إِلَى جِوَارِ الْجَدْیِ ، وَیَتَآلَفُ الْعِجْلُ وَالأَسَدُ وَکُلُّ حَیَوَانٍ مَعْلُوفٍ مَعاً ، وَیَسُوقُهَا جَمِیعاً صَبِیٌّ صَغِیرٌ . ۷ تَرْعَى الْبَقَرَهُ وَالدُّبُّ مَعاً ، وَیَرْبِضُ أَوْلاَدُهُمَا مُتجَاوِرِینَ ، وَیَأْکُلُ الأَسَدُ التِّبْنَ کَالثَّوْرِ ، ۸ وَیَلْعَبُ الرَّضِیعُ فِی ( أَمَانٍ ) عِنْدَ جُحْرِ الصِّلِّ ، وَیَمُدُّ الفَطِیمُ یَدَهُ إِلَى وَکْرِ الأَفْعَى ( فَلاَ یُصِیبُهُ سُوءٌ ) . ۹ لاَ یُؤْذُونَ وَلاَ یُسِیئُونَ فِی کُلِّ جَبَلِ قُدْسِی ؛ لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِیءُ مِنْ مَعْرِفَهِ الرَّبِّ کَمَا تَغْمُرُ الْمِیَاهُ الْبَحْرَ . ۱۰ : فِی ذَلِکَ الْیَوْمِ یَنْتَصِبُ أَصْلُ یَسَّى رَایَهً لِلأُمَم ِ ، وَإِلَیْهِ تَسْعَى ( وإیّاهُ تَنْظُرُ ) جَمِیعُ الشُّعُوبِ ( Gentiles ) ، وَیَکُونُ مَسْکَنُهُ مَجِیداً .
والقول الفصل فیما اختلف فیه المسلمون عن النصارى والیهود بشأن القائد الموعود ، وهل هو من ذرّیه إسحاق أو ذرّیه إسماعیل (علیهما السّلام) ، یکون من خلال التحقیق فی :
۱ ـ مسأله مَن هو النبی الذی ینتظره الأُمّیّون , هل هو عیسى (علیه السّلام) أَمْ محمّد (صلّى الله علیه وآله) ؟
۲ ـ ومسأله مَن هو الوارث الأبدی لإمامه إبراهیم (علیه السّلام) , هل هو إسماعیل والأصفیاء من ذرّیته أَمْ إسحاق والأصفیاء من ذرّیته (علیهم السّلام) ؟
۳ ـ وکذلک مَن هو القائد الإلهی الذی سیتعرّض لمحنه الذبح بلا ذنب ، ویکون قتله سبباً لهدایه کثیرین ، کما یکون قتله سبباً لحفظ الدین ونشره ، کما یکون من ذرّیته نسلٌ تطول أیّامه ، یتحقّق على یده الغد المشرق فی تاریخ البشریه ؟
والمسألتان الأولیان : بحثهما علماء المسلمین ، وأدرکهما الکثیر من علماء الیهود والنصارى ، وأعلنوا اتّباعهم للنبیّ وأهل بیته (علیهم السّلام)(۶) .
أمّا المسأله الثالثه : فقد قامتْ المسیحیّه البولسیه على تفسیر النصوص التی تتحدّث عن رجل الآلام والمحن المذبوح کما یُذبح الکبش أنّه عیسى بن مریم ، إلاّ أنّ النص یأبى الانطباق علیه ؛ لأنّ عیسى (علیه السّلام) لم یکن له نسل ، سواء طالتْ أیّامه أو قصرتْ ، وهی مسأله جدیده وفّقنا الله تعالى لإثارتها ، وقد هیئنا نصوصها کامله ، نرجو أنْ تَرَ النور قریباً .
أمّا لفظه ( یَسَّى ) التی تشیر إلى والد داود فی النص الآنف الذکر ، فإنّه بعد استقرار المسائل الثلاث الآنفه الذکر ، یصبح من السهل اکتشاف تحریفها ، وکونها فی الأصل تشیر إلى محمّد (صلّى الله علیه وآله) وولده المهدی .
اختلاف الشیعه عن السُّنّه فی قضیّه القائد الموعود :
یعتقد الشیعه : أنّ هذا القائد الموعود هو محمّد بن الحسن العسکری (علیه السّلام) الذی وُلِدَ سنه ۲۵۶ هجریه ، وقد نصّ أبوه الحسن العسکری على إمامته ، ثمّ غاب المهدی (علیه السّلام) بإذن الله تعالى غیبَتَین : صغرى وکبرى ، نظیر غیبَتَی عیسى (علیه السّلام) .
الأُولى : وهی الغیبه الصغرى ، کانت حین أنجاه الله تعالى من مکر السلطه العبّاسیه ، فکان یعیش حاله الاختفاء منذ ولادته ، حیث أخفاه أبوه (علیه السّلام) . وبعد وفاه أبیه (علیه السّلام) سنه ۲۶۱ هـ صار یوجّه شیعه أبیه بواسطه وکلائه النوّاب الأربعه الذین استمرّت نیابتهم تسعاً وستین سنه تقریباً (۲۶۱ ـ ۳۲۹) .
الثانیه : وهی الغیبه الکبرى التی بدأتْ بعد موت النائب الرابع علی بن محمّد السَمَری ، وقد أخبر الشیعه عند موته بعدم وجود نائب خاص بعده حتّى یظهر الله تعالى ولِیّه فی آخر الزمان .
ویرى أهل السُنّه : أنّ المهدی (علیه السّلام) لم یولَد بعد ، بل یولَد فی آخر الزمان .
والقول الفصل فیما اختلف فیه الشیعه عن السُّنّه بشأن القائد الموعود ، وهل وُلِدَ حقّاً ، وأنّه ابن الحسن العسکری (علیه السّلام) , أو هو سوف یُولد فی المستقبل ؟ یکون من خلال التحقیق فی مسأله وجود أوصیاء معصومین للنبیّ (صلّى الله علیه وآله) ، وأنّ شیعه هؤلاء الأوصیاء مصدَّقون فی النقل عن أئمّتهم , شأنهم فی ذلک شأن أتباع المذاهب الاُخرى حینما ینقلون عن أئمّتهم مسائل الفقه ومسائل التاریخ الخاصه بهم .
وقد أجمع جمهور الشیعه منذ أقدم عصورهم على أنّ أئمّتهم (علیهم السّلام) قد نصّ النبیُّ (صلّى الله علیه وآله) علیهم ، وبَیَّنَ عددهم ، وأنّ الأئمّه (علیهم السّلام) قد نصّ السابق منهم على اللاحق ، وأنّ الحسن العسکری (علیه السّلام) أخبر أنّه له ولد ، وأنّه وصیّه ، وأنّه المهدی المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه) .
وقد استدلّ الشیعه على مسأله النص من النبی (صلّى الله علیه وآله) على الإمامه الإلهیّه لأهل بیته (علیهم السّلام) بحدیث الثقلین ، وحدیث السفینه ، واستدلّوا على عددهم بحدیث الاثنی عشر ، واستدلوا على أنّ أوّل الأئمّه الإلهیّین هو علی (علیه السّلام) ثمّ الحسن (علیه السّلام) ثمّ الحسین (علیه السّلام) بحدیث الغدیر ، وحدیث المنزله ، وحدیث الکساء ، وحدیث الحسن والحسین سبطان من الأسباط ، وکلها مرویّه فی الأحادیث السنّیه المعتبره .
أمّا إمامه التسعه من ذرّیه الحسین (علیه السّلام) فقد استدلّوا علیها بأحادیث الوصیّه فی کتب الشیعه المعتبره ، کقول الإمام الباقر (علیه السّلام) : ( یَکُوْنُ تِسْعَهُ أَئِمَّهٍ مِنْ ذُرِّیَّهِ الحُسَیْنِ بْن عَلِیّ ، تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ ) . رواه الکلینی .
وقول الإمام الصادق (علیه السّلام) : ( أَتَرَوْنَ أَنَّ المُوْصِیْ مِنَّا یُوْصِیْ إِلَى مَنْ یُرِیْدُ ؟! لاَ وَاللهِ ، وَلَکِنَّهُ عَهْدٌ مَعْهُوْدٌ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَیْهِ وَآلِهِ) إِلَى رَجُلٍ فَرَجُل حَتَّى انْتَهَى إِلَى نَفْسِهِ ) .
وفی لفظ آخر : ( إِلَى أنْ یَنْتَهِی إِلَى صَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ )(۷) .
وبالواقع التاریخی الذی تمیّزت به سیره هؤلاء التسعه من وراثه الجامعه والجفر التی کتبها علیٌّ (علیه السّلام) عن النبی (صلّى الله علیه وآله) فی لقاءاتهما الخاصّه ، وما جرى على یدهم من الإخبار بالمغیّبات والکرامات التی لا یجریها الله تعالى إلاّ على ید أصفیائه المؤیّدین بتأیید خاصّ منه .
وقد حاول الإخوه من أهل السُنّه ردّ فکره النص من النبی (صلّى الله علیه وآله) على الأئمّه (علیهم السّلام) وعلى أوّلهم علی (علیه السّلام) ؛ بمنع دلاله أو تضعیف أسانید النصوص النبویه التی یستشهد بها الشیعه على دعواهم ، وقد قابلهم علماء الشیعه بمناقشه ردودهم وبیان خطئها .
وقد حاول البعض من فِرق الشیعه ـ وبخاصّه الزیدیه ـ ردّ فکره الاثنی عشریه ، وقابلهم علماء الشیعه بالردّ علیهم .
وحاول بعض المعاصرین من الکُتّاب ردّ فکره ولاده المهدی (علیه السّلام) ؛ بدعوى أنّ القائلین بذلک هم واحد من اثنی عشره فرقه انقسمت إلیها شیعه الحسن العسکری (علیه السّلام) ، استناداً إلى کتابَی فِرق الشیعه : للنوبختی ، والمقالات والفِرَق للأشعری الشیعی ، وقد أجبنا عن ذلک مفصّلاً فی کتابنا حول إمامه أهل البیت ووجود المهدی (علیه السّلام) .
الغیبه لا تعنی تعطیل العمل بالأحکام الإسلامیّه :
لم تکن الغیبه لتعنی تعطیل العمل بأحکام الإسلام ، کیف یکون ذلک وأصل مسأله وجود أوصیاء للنبی إنّما هی الحفاظ على الإسلام ؛ لیبقى سلیماً میسّراً لِمَن أراد العمل به . وقد أدّى الأئمّه (علیهم السّلام) وظیفتهم هذه على أتمّ وجه ؛ حیث ربّوا حمله أُمناء لعلومهم ، ولم یکن تسلّم الحکم فی المجتمع الإسلامی ککلّ ، مِن قِبلهم ، إلاّ بعض شؤونهم ، ولم یتوفّر الشرط الأساس لنهوض أغلبهم فیه ، وهو شرط وجود الناصر الکفوء وانقیاده لهم کما أشار أمیر المؤمنین (علیه السّلام) : ( أَمَا وَالّذِی فَلَقَ الحَبّهَ وَبَرَأَ النَسمَهَ ، لَوْلاَ حُضُوْرُ الحَاضِرِ وَقِیَامُ الحُجَّهِ بِوُجُوْدِ النَاصِرِ ، لأَلْقَیْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا ، وَلَسَقَیْتُ آخِرَهَا بِکَأْسِ أَوَّلِهَا ) .
إنّ الغیبه کانت مکراً إلهیّاً فی قِبال مکر العبّاسیِّین ، أرادوا قَتْل الإمام وأراد اللهُ تعالى حفظه وادّخاره للیوم الموعود . ومن جانب آخر فإنّ مِن أبرز حِکَم الغیبه وأسرارها الواضحه على صعید الأمّه الخاصّه ـ شیعه أهل البیت (علیهم السّلام) ـ هی إتاحه الفرصه لحَمَلَهِ تُراث الأئمّه أنْ یمارس مسؤولیّاتها الفکریه والعلمیه والسیاسیه ککل ، على أساس فهمهم البشری غیر المعصوم للقرآن والتراث الفکری الذی خلّفتْه التجربه المعصومه للنبیّ والأئمّه (علیهم السّلام) .
وتأتی فکره عوده المعصوم الغائب فی آخر الدنیا , وظهوره مرّه ثانیه على المسرح الاجتماعی والسیاسی ؛ لتقییم التجارب السابقه للمسیره غیر المعصومه ، والکشف عن مستوى تمثیلها وصدق تعبیرها وأمانتها من ناحیه ، ومن ناحیه اُخرى لتحقیق الوعد الإلهی الآنف الذکر .
إنّ مفهوم انتظار الفرج یرتبط بالمهدی محمّد بن الحسن العسکری (علیه السّلام) الذی عاش مشرّداً مختفیاً ، ولا زالتْ هذه الحاله ترافق وجوده الشریف ـ اللهمَّ عجّل فرج ولیّک الحجّه بن الحسن (علیه السّلام) ـ , ولیس له ربط بالاُمّه إلاّ من ناحیه کونه قائدها المعصوم المُعدّ لأداء وظیفه إلهیّه خاصّه ، قدّر الله لها أنْ تکون خاتمه المسیره على الأرض کلّها ، وأنْ یُعِیْنَه فیها النبیّ عیسى (علیه السّلام) .
ویتّضح من ذلک سرّ انحصار هذا المفهوم ضمن الدائره الشیعیه ؛ إذ إنّ الدائره السُّنیّه لا تؤمن بمهدی مولود , غائب مشرّد , خائف طرید .
علامات الظهور :
الأخبار التی تتحدّث عن علامات ظهور المهدی (علیه السّلام) سواء فی الکتب الشیعیه أو فی الکتب السنّیه تستهدف غالباً تشخیص زمن الظهور ، ویوجد اتّجاهان فی دراستها :
الأوّل : یدرسها على أنّها تخبر بحوادث مستقلّه عن بعضها البعض .
الثانی : یدرسها على أنّها تُخبر عن وضع اجتماعی وسیاسی وتکنولوجی یعیشه العالم قبیل الظهور . وبعباره اُخرى : ترسم لنا حاله العالم السیاسیه والاجتماعیه والتکنولوجیه قبیل الظهور .
وفی ظلّ الاتجاه الثانی یتّضح لأیّ باحث فی علامات الظهور أنّ العالم الیوم أقرب من أی وقت مضى إلى عهد الظهور .
فمن الناحیه التکنولوجیه تتحدّث الأخبار عن عالم فیه طائرات تنقل المسافرین من بلد إلى بلد ، وإذاعات بعدد شعوب العالم تستطیع بث الخبر الواحد فی آنٍ واحد للعالم أجمع ، وتلفون متلفز یسمع مَن فی المشرق أخاه الذی فی المغرب ویرى صورتَه ، وکومبیوترات یدویه تحتوی على برامج متنوّعه تغنی حاملها عن اصطحاب آلاف الکتب .
ومن الناحیه الاجتماعیه تتحدّث عن وضع اجتماعی للنساء تظهر فیه کاسیات عاریات ، وهو کنایه عن التبرّج والسفور ، وظهور أنواع من المنکرات ممّا لا یتصوّره الإنسان قبل حدوثه .
ومن الناحیه السیاسیه تتحدّث عن کشف عن هیکل سلیمان الذی یستلزم قیام دوله إسرائیل فی قلب العالم العربی والإسلامی ، ووجود حرکات إسلامیّه فی المجتمعات الإسلامیّه تسعى لإقامه الحکم الإسلامی ، یسجن الکثیر من أفرادها ، وقیام دوله توطّئ للمهدی (علیه السّلام) فی المشرق ، واختلاف العاملین الشیعه فی وعدم اجتماع کلمتهم ، وتجتمع کلمتهم بییعتهم للمهدی (علیه السّلام) ، وظهور دعوات مهدویه کاذبه ، وغیر ذلک ، وکلّ ذلک ممّا جاء ذکره فی أحادیث علامات الظهور .
.ــــــــــــــــــــــ
(۱) هناک نوعان من الحتمیّه :
۱ ـ الحتمیّه فی الطبیعه : ویراد بها القول بوجود علاقات ضروریه ثابته فی الطبیعه ، توجب أنْ تکون کلّ ظاهره من ظواهرها مشروطه بما یتقدّمها أو یصحبها من الظواهر الاُخرى . ومعنى ذلک أنّ القول بالحتمیّه ضروریّ لتعمیم نتائج الاستقراء العلمی ، فلولا اعتقادنا أنّ ظواهر الطبیعه تجری وِفق نظامٍ کلّیٍّ دائم لَمَا استطعنا أنْ نعمّم نتائج الاستقراء .
۲ ـ الحتمیّه التاریخیّه : ونرید بها الوقوع الضروری للحدث التاریخی ، أو الاتّجاه التاریخی ، بمعنى أنّهما لو توفّرت الشروط التی توجب حدوثهما لحدثا اضطراراً . ( المعجم الفلسفی ، مصطلح الحتمیّه ) .
ویوجد فی الفکر البشری موقفان من الحتمیّه التاریخیّه :
الأوّل : موقف ینادی بالحتمیّه التاریخیّه ، ویدعو إلى استخلاص الأحکام الکلّیه التی تمکنّ من التنبّؤ بما سیحدث فی المستقبل ( انظر فی فلسفه التاریخ ، محمود صبحی : ۳۶ ) .
الثانی : موقف یُنْکِر الحتمیّه التاریخیّه ویرفضها ، مدّعیاً عدم إمکانیه استخلاص قوانین کلّیه للتاریخ ، ومِن ثَمّ التنبّؤ بالحوادث التاریخیّه أو الاتّجاه التاریخی على أساسها ( المادّیّه التاریخیّه ) .
(۲) إنّ انتماء مارکس إلى الیهودیّه قبل إلحاده یفرض علینا أنْ نفسّر إدراکه لحتمیّه بلوغ المجتمع البشری مرحله تصفّى فیها کلّ التناقضات الاجتماعیه ، ویسود فیها الوئام والسلام ، وکان بتأثیر التراث الدینی الذی دان به لفتره غیر قلیله من حیاته .
(۳) فی إنجیل یوحنّا ۱۴ : ۶ فلمّا رأى الناس الآیه التی أتى بها یسوع ، قالوا : حقّاً هذا هو النبی الآتی إلى العالم . وبهامش طبعه دار المشرق یعلّق المحقّق على هذا النص قائلاً : کان انتظار نبی للأزمنه الأخیره منتشراً فی بیئات مختلفه .
(۴) الأنبیاء : الآیه : ۱۰۵ ـ ۱۰۶ .
(۵)The stone edtion , The chumash , by R . Nosson scherman, R . meir ziotowitz , Third edtion first impression 1994 . p . 76 : ( حنان ایل ) ( Chananel ) صاحب النص الآنف الذِکْر هو رأس علماء الیهود فی القیروان تـ (۱۰۵۵م) (۴۴۷ﻫ) مؤلّف أشهر تفسیر للتلمود وتفسیر للأسفار الخمسه الأولى من التوراه ، وقد استشهد بآرائه المفسّرون من بعده ، منهم المفسّر ( بکیا ) ( Bachya ) ( 1263-1340م ) (۶۶۲ ـ ۷۴۱م) ، وقد احتوى تفسیره على أربعه مناهج من التفسیر ، وهی : المنهج الظاهری ، والمنهج المدراشی ، والمنهج الفلسفی ، والمنهج الصوفی ، واحتوى تفسیره على آراء کنعان ایل .
(۶) قال ابن تیمیه (۶۶۱ ـ ۷۲۹ﻫ) فی قوله : ( وغلط کثیر ممّن تشرّف بالإسلام من الیهود ، فظنّوا أنّهم ( أی الاثنی عشر رئیساً ) الذین تدعوا إلیهم فرقهُ الرافضه فاتبعوهم ) . البدایه والنهایه : لابن کثیر : ط۱ ، ج۶ ، ۲۵۰ .
(۷) الکافی : ج ۱ ، ص ۲۷۷ ، الروایات ۱ ـ ۴ . وأیضاً بصائر الدرجات : للصفّار : ص۴۷۰ ، الروایات ۱ ـ ۱۰ ، ۱۲ .
(۸) انظر : شبهات وردود : للمؤلّف : الطبعه الثالثه ، ص ۲۳ ـ ۲۴ ) .