الإنتظار والصِّراع بین المستضعفین والمستکبرین

0

وبعد أن سقط الاتحاد السوفیتی تعطّل هذا العامل بحکم حتمیّات التاریخ، لم یعد ممکناً أن یطول بقاء الحضاره الغربیه، نحن مع هذا الفهم ومع هذا التصوّر ولکن بغیر هذا التحلیل وإنّما بتحلیل آخر، غیر ما یذکره هذا الکاتب، نحن نفهم أنّ الحضاره الغربیه فقدت مقوّمات بقائها، ولم یعد بإمکانها مواصله الشوط بعد أن فقدت الایمان بالله والتوحید، فالتوحید من مقوّمات حیاه الانسان على وجه الأرض والمعادله الالهیّه التی یقوِّم بها الله تعالى حیاه الانسان تعرّضت لهزّه عمیقه فانشطرت البشریه الى شـطرین، المستکبرین والمستضعفین فی الأرض، واسـتخدم المسـتکبرون فی الأرض کل الوسائل لإذلال وترکیع المستضعفین فی الأرض، وانتزعوا من ید الناس، من ید الصالحین القوّه والامکانات. یقول سبحانه وتعالى: (ونرید أن نمنّ على الّذین استضعفوا فی الأرض ونجعلهم أئمّه ونجعلهم الوارثین ونمکِّن لهم فی الأرض).

هذه الآیه الکریمه تبیِّن تلک الحقیقه، فالمعادله تختلّ ولکنّ الله تعالى یعید کل شیء إلى نصابه، فهذه مشیئه الله، وهی فوق کلّ مشیئه وإرادته فوق کل إراده، فإراده الله قاهره، لا توازیه حتمیّه من حتمیّات التاریخ، فالله عزّ وجلّ یرید أن یعید القوّه والإمامه والمواریث إلى أیدی الصالحین من عباده الذین استضعفهم الفاسدون من الناس، هذه مسیره منحرفه، والله عزّ وجلّ خلق القوّه العسکریه والمال والإعلام، هذه العناصر الثلاثه للسلطه حتّى تکون بید الصالحین، إن کانت القوّه بید الصالحین فهذه القوّه تبنی وتُعمِّر وتُصلح وتُثمر، وإن تحوّلت هذه القوّ إلى ید الفاسدین فأ نّها تتحوّل من عنصر بناء إلى عنصر تخریب وتتحوّل من عامل اصلاح إلى عامل إفساد، والله عزّ وجلّ لا یمکن أن یترک مسیره التاریخ وعجلته بید الفاسدین من الناس، فلو لاحظنا النقاط الثلاث التی تبیِّنها الآیه الکریمه، فالاُولى قیاده البشریه وهی الإمامه، والثانیه هی القوّه، والثالثه هی الوراثه. الله عزّ وجلّ یقول انّ هذه النقاط الثلاث: القیاده والإمامه، والوراثه، والقوّه، یجب أن نحوّلها من ید المستکبرین إلى المستضعفین، من الفاسدین إلى الصالحین. فننزع القیاده والإمامه من الظالمین والفاسدین، ونعطیها للصالحین، فالقیاده للصالحین. والأمر الثانی هو الوراثه، فهذه الإمکانات الهائله والضخمه التی بأیدی الفاسدین من الناس ینقلها الله عزّ وجلّ إلى الصالحین من الناس، یقول تعالى: (ونجعلهم أئمّه ونجعلهم الوارثین).

الصالحون من عباد الله لدیهم میراثین، میراث یرثوه من الأسلاف الصالحین، ومیراث آخر یرثوه من الطّغاه والجبابره. أمّا میراثنا من الأنبیاء والصدِّیقین من نوح وإبراهیم وموسى وعیسى ورسول الله محمّد (ص)، فهو التقوى والتوحید والتضحیه والقِیَم والعَطاء والفداء والانسانیه، هذا هو میراثنا من الصالحین، أمّا میراثنا الآخر من الجبابره والطّغاه فهو القوّه والمال والإعلام، أی السلطه، هذا هو میراثنا من أیدی الجبابره، فالله عزّ وجلّ ینقل لنا هذا المیراث بشطرین، یقول تعالى: (ونمکِّن لهم فی الأرض) یعطینا القوّه والسلطان فی وجه الأرض، هذه هی مشیئه الله تعالى وإرادته، ولکن اراده الله فی حیاه الانسان قانون لیس عفواً، یقول تعالى: (إنّ الله لا یغیِّر ما بقوم حتّى یغیِّروا ما بأنفسهم)، صحیح لا شیء یفوق إراده الله تعالى، وصحیح انّ عجله التاریخ لا تتحرّک من دون إراده الله، ولکن أیضاً صحیح أنّ إراده الله قانون ونظام فی حیاه الانسان.

نحن فی عصر الانتظار، الانتظار فی القیم الانسانیه قیمه کبیره، فقد ورد فی الأحادیث: «المتنظِر لأمرنا کالمتشحِّط بدمه فی سبیل الله».

وللانتظار معنیین، المعنى السلبیّ للانتظار والمعنى الإیجابیّ للانتظار، وانّ معنى من معانی الانتظار الترقّب. فأنا أنتظر کسوف الشمس وخسوف القمر، وهی أشیاء خارجه عن إرادتی، هذا الانتظار نسمِّیه الترقّب، وهذا الانتظار لا یغیِّر ولا یبدِّل الواقع ولا یحوِّل الواقع، ویبقى عامل الانتظار بمعزل عن الحدث الذی یتوقّعه الانسان تماماً. أرید أو لا أرید، أنتظر أو لا أنتظر، هذا الأمر لا یقدِّم ولا یؤخِّر لحظه واحده، فی کسوف الشمس لا یقرِّبه أو یبعده، ولکن لدینا نوعاً آخر من الانتظار الایجابیّ، الانتظار الّذی یتعلّق بالدور وفی صناعه الحدث. فالقائد الذی ینتظر النصر هو الذی یصنع النصر إذا کان یخطِّط ویعمل ویعبِّأ ویحشِّد الامکانات، إذا کان یوجِّه قدراته وقوّاته یستطیع أن یقرِّب النصر، وعندما لا یتحرّک یستطیع أن یبعد النصر، وعندما لا یتحرّک أکثر یمکن أن یتحوّل من النصر إلى الهزیمه، هذا نوع من الانتظار، الانتظار الذی نعیشه هو الانتظار الثانی، فالتاجر الذی ینتظر الرِّبح لو یجلس فی بیته لا یتحرّک، لا یذهب إلى السوق، لا یسوِّق بضاعته، ولا یطّلع على الأسعار، مثل هذا التاجر یجب أن لا ینتظر الرِّبح، إنّما یصحّ أن نقول انّه ینتظر الرِّبح إذا کان یتحرّک وینزل إلى السوق ویسوِّق البضاعه ویعرف الأسواق العالمیّه ویکون على صله مباشره، یحرِّک بضاعته ویحرِّک رأسماله، مثل هذا التاجر ینتظر ویتوقّع الرِّبح.

إنّ انتظارنا للامام المهدی (عج)، والّذی هو قیمه من القیم بالمعنى الثانی، المعنى الأوّل ننتظر الامام (عج) عندما یظهر الامام، هذا الانتظار عند الصیحه مثلاً، هذا الانتظار هو انتظار سلبیّ لا یشکِّل قیمه کالتی یقول عنها الإمام «المنتظِر لأمرنا کالمتشحِّط بدمه فی سبیل الله»، هذا الانتظار لیس بقیمه ولا یشکِّل حرکه أو تغییر فی واقعنا، ویعبِّر عن المعنى الصحیح، یجب أن یکون انتظاراً یساهم فی صناعه الحدث.

فظهور الامام (عج) شیء مرتبط بحرکتنا، ومن الخطأ أن نتصوّر أنّ ظهور الامام (عج) منفصل عن حرکتنا ووعینا وحیاتنا السیاسیه والأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، منفصل عن جهدنا وجهادنا وتحرّکنا، هذا الفهم السلبیّ للانتظار فهم خاطئ وغیر ایجابیّ، والانتظار لا یشکِّل بذلک المعنى الذی ذکرته.

انّ الامام (عج) ینتظر حرکتنا ولسنا نحن الذین ننتظر ظهور الامام، نستطیع أن نقلب المعادله، نقول الحقیقه أنّ الامام ینتظر حرکه هذه الاُمّه ووعیها.

فالانتظار یعنی التحدِّی، فالإنسان الذی تلتهمه أمواج البحر وهو یرى أنّ قارب النجاه یقترب إلیه بالتدریج، هذا یختلف عن الانسان الذی تبتلعه أمواج البحر عندما ینظر یمیناً فلا یرى أملاً ینظر شمالاً فلا یرى أملاً، ینظر أمامه وخلفه لا یرى شیئاً، حینذاک یستسلم لأمواج البحر، أمّا الانسان الذی یرى أنّ قوارب النجاه تسعى إلیه من الساحل، هذا الانسان یقاوم أمواج البحر.

فالانتظار إعداد، فکلّما أعددنا أنفسنا، أعددنا القوّه،أعددنا لأنفسنا وعیاً،ووطّنّا أنفسنا لظهور الإمام(عج)کلّما اتّحدنا کثر، نقرِّب ظهور الامام إذا تآلفنا، إن وضعنا أیدینا بید بعض، وجعلنا قلوبنا مع بعض، إن وحّدنا کلمتنا نقرِّب ظهور الامام، وإن اختلفنا وتشتّتنا، وإن انتزعنا أیدینا من بعض نبعد ظهور الامام (عج)، فظهور الامام شیء من واقعنا السیاسی وواقعنا الحرکی والاجتماعی.

Leave A Reply

Your email address will not be published.