وجه الانتفاع بالإمام المهدی (ع) فی غیبته
وبالتوفیق بین ضروره بقاء المعصوم الماسک لأطراف عالم الممکنات والشاهد على الإنسان فی حرکته وبین استحاله البقاء ظاهراً کان لا بد من أن یغیب الإمام عن الأنظار لکن مع بقائه فی هذه الدنیا، أی أن الإمام لم یمت ولم یرفع إلى السماء وهو ما زال حیاً یعیش بیننا، یتفقد أمورنا ویرعى أحوالنا ویسدد خطانا ویحتضن مسیرتنا ویصوب المسار، وهو موجود بکل ما للکلمه من معنى، إمامٌ عابدٌ یقوم بالتکالیف الفردیه الملزم بها، ویحضّر للتکلیف الإلهی البشری الاجتماعی السیاسی النهضوی التغییری على مستوى رعایه وتسدید وتوجیه المحبین والموالین باتجاه امتلاک المواصفات التی تخولهم مؤازرته والمشارکه فی نهضته العالمیه.
المحافظه على الوجود
وأما وجه الانتفاع بالإمام فی غیبته فقد حدّدها الأئمه علیهم السلام فی الروایات التی وردت عنهم بأنه کوجه الانتفاع بالشمس عندما تحجبها الغیوم أو الغمام، أو عندما یختفی قرصها خلف السحاب، فغیاب القرص عن الأعین والأنظار لا یعنی غیاب الحراره وانعدام وصول الأشعه إلى الأرض وإلا لکان احتجاب الشمس خلف الغیوم یؤدی إلى کارثه حقیقیه بفعل انعدام الحیاه على الکره الأرضیه مع تضاؤل معتدٍ به فی حراره الشمس فکیف بغیابها التام، وکذلک الإمام المهدی (ع) فهو غائب خلف غیوم الظلم والاضطهاد والفجور والرذیله والمساوىء البشریه وتراکم الآفات والشهوات والمعاصی والآثام، وغیابه بفعل هذه الغیوم لا یعنی انعدام تأثیراته وفاعلیته والتی على رأسها أنه الحافظ لوجود الممکنات بفعل وجوده، والله سبحانه أخذ على نفسه أن یمسک بالأرض من وسطها ومحورها على ید حجته على العباد وعلى الکائنات، وعندما قال سبحانه بأنه یأتی الأرض ینقصها من أطرافها، وفُسِّر ذلک بأن نقصان عمر الأرض یکون بموت العلماء الربانیین الذین یؤثرون فی ثلم الإسلام وبالتالی ما یمثله هذا الإسلام من حفظٍ للوجود الممکن.
والله سبحانه لم »یقل« أنه یأتی الأرض ینقصها من وسطها، لأن فی هذا الوسط یوجد الإمام المعصوم الذی لا یمکن أن یغیب لحظه عین واحده عن الأرض لأنها تسیخ بمن علیها. فإذن الفائده الأولى أو وجه الانتفاع الأول من الإمام رغم احتجابه وغیابه هو المحافظه على الحیاه وعلى الناس وعلى الکائنات تماماً کما تحافظ أشعه الشمس التی تخترق الغمام لتصل إلى الأرض على الحیاه.
الرعایه والتسدید
أما وجه الانتفاع لخصوص المؤمنین وحرکتهم، فإن الإمام بوجوده المقدس یرعى ویسدد ویبارک ویرشد وخصوصاً المقام المعظم المتمثل بولایه الأمر لأن هذا المقام إلهی لا یبلغه إلا الصالحون، ولا یمکن أن یطاله الظالمون لأنه عهدٌ من عهود الله. (ولا ینال عهدی الظالمین)، وهذا التسدید هو الذی یساعد فی تطور حرکه الإیمان والمؤمنین وفی تصاعدها بالرغم من غیاب الحجه من جهه وبالرغم من تراکم الفساد وانتشاره فی البر والبحر، حیث لا یمکن أن یحصل التطور والتصاعد فی عدید المؤمنین وفی حالتهم وفی مسیرتهم لولا عین الإمام ورعایته الدائمه وتفقده للأوضاع ومتابعته للأمور ومواکبته للأحداث وإلهامه للقاده وتسدیده للمسؤولین ورعایته للظروف الخاصه ومساعدته على علاج المعضلات وتدخله فی الأوضاع الصعبه وفی المحن وعند المخاطر والمنزلقات وعند التحدیات حیث فی الرخاء والشده ید الإمام وعینه موجودتان، لکن عدم إلتفاتنا إلیهما لا یعنی غیابهما، فعندما تحتجب الشمس وراء الغیوم یقول الناس ذهبت الشمس، لکنهم لا یحسون بوجودها من خلال حرارتها التی تبعث الحیاه واستمراریتها، ونحن قد لا نشعر بتدخل الإمام وبرعایته الخاصه لکن ذلک لیس إلا من جهه قصر النظر والغشاوه المانعه من الوصول إلى حقانیه الحق الذی یجسده الإمام والذی لا یغیب عن العالم حتى لو کنا لا نراه، لأنه لو کان هناک إمکانیه لذلک، لکان من الأفضل والأیسر أن یرفع الله إلیه ولیه الأعظم کما رفع إلیه نبیه عیسى بن مریم (ع)، وإن الأحداث التی حصلت فی النصف الثانی من هذا القرن هی خیر شاهد لیس فقط على وجود الإمام بل على تدخله المباشر فی الأحداث، خصوصاً الثوره الإسلامیه المبارکه فی إیران التی جاءت مخالفهً للسیاق الطبیعی الذی تسیر علیه البشریه فهی بحصولها أشارت إلى یدٍ غیبیه ساهمت فی الحصول مما یجعل الموالین والمحبین یتلفتون یمیناً وشمالاً لکی یروا وجه صاحب الزمان أرواحنا فداه فی کلِّ أبعاد هذه الثوره منذ انطلاقتها إلى ثباتها إلى مواجهتها للاعتداء إلى استمرارها. وأیضاً المقاومه الإسلامیه فی لبنان، التی قامت فی بلدٍ غیر مهیأ من ناحیه الظروف والمعطیات السیاسیه والاجتماعیه وغیرها، فالمقاومه فی لبنان قامت ونهضت واستمرت وتصاعدت وتجاوزت التحدیات واجتازت العوائق حتى وصلت إلى الانتصار وکل ذلک کان بفعل عوامل غیبیهٍ کانت ظاهرهً فی المحطات وخصوصاً فی الشدائد، والعوامل هذه تومىء إلى صاحب الزمان (ع) ممثّل الغیب فی ساحه الشهاده.
متابعه الأنصار
وأیضاً هناک وجه انتفاعٍ من الإمام رغم غیابه عن الأبصار المغطاه بغشاوه الآثام یرتبط بخصوص الأنصار کأفراد، حیث یتابع الإمام (ع) أوضاعهم وأحوالهم وشؤونهم وتصرفاتهم ویقوِّم مسارهم ویزکی أعمالهم ویضاعف من آثار أعمالهم ویبارک خطواتهم ویقیل عثراتهم کل ذلک بحسب استعدادات کلٍّ منهم وتوجهاته نحو الحق واقباله علیه ومستوى الحرکه والفاعلیه والحضور فی المجالین الفردی والاجتماعی، مما یؤثر فی النتیجه وبحسب مفهوم ما نطقت به الروایات فی تهیئه لیس فقط الأرضیه الصالحه لخروج الإمام المهدی (ع) وإنما أیضاً فی تهیئه العدد اللازم والضروری من القاده والأنصار الذین سیتولون مهمه المشارکه مع الإمام المهدی (ع) وإلى جانبه فی إقامه دوله العدل الإلهی على هذا العالم.
التشرف بالرؤیه
ویبقى أن أشیر إلى نکته هامه، صحیح أن الإمام المهدی (ع) غائب عن الأنظار إلا أن ذلک لا یعنی انتفاء الحقیقه التالیه:
إن الله عزّ وجلّ أبقى الإمام على الأرض ولم یرفعه إلى السماء وبحسب المنطق الإلهی فإن کل ما هو موجود على الأرض قابل للرؤیه وهو یرى، أی أنّ الإمام (ع) وهو موجود بین الناس فإنه یراهم. وکونه موجوداً بینهم الأصل أنهم یستطیعون رؤیته، کما أن الشمس عندما تکون مخفیه القرص، فلأنها موجوده فرؤیتها ممکنه ولو بوساطه آلهٍ أو وسیله، کذلک رؤیه الإمام (ع) فإنها ممکنه وإن احتاجت إلى عینٍ قادرهٍ على اختراق الحجب المانعه من هذه الرؤیه، أی إلى عین قلبٍ لم تنکسه الذنوب ولم تغطه العیوب ولم یُحَط بآثار المعاصی وسوداویه الآثام، من هنا کانت القصص الکثیره التی نُقلت عن ربانیین من أهل الحق الذین تشرفوا برؤیه الإمام (ع) ومن هنا أیضاً وردت الروایات التی تقول أن الإمام عند خروجه یقول أکثر الناس بأنهم قد شاهدوا وجهه من ذی قبل، فإما ذلک لأن وجهه هو وجه فطرتهم الذی یعرفونه لأنه جزءٌ منهم، وإما لأنهم فعلاً قد شاهدوه فی بعض محطات حیاتهم من دون أن یعلموا حینها بأنه الإمام المهدی صاحب الزمان أرواحنا له الفداء. فلنسأل الله سبحانه تعالى أن یعیننا على تجاوز حجب الذنوب من أجل أن نتشرف بالطلعه البهیه والغره الحمیده لعین الکائنات وروح الکون ومالک الزمان وسلطان العصر الذی تنجلی برؤیته کل الهموم والغموم.