إعمار البقیع ومرکز الحوار
وقد ناقشنا فی الأعوام الماضیه مقوله هؤلاء القوم بکل موضوعیه؛ وقلنا إن المذاهب الإسلامیه وسیره المتشرعه لم تمانع فقهیاً ولا عملیاً من تشیید الأبنیه والقباب على قبور الأنبیاء والأولیاء، وندعو الیوم مره أخرى کما مئات الملایین من المسلمین الذین تخفق قلوبهم بمحبه النبی وأهل بیته (علیهم السلام) ونطالب المسؤولین بإعاده إعمار البقیع مهوى الأفئده، وإشاعه أجواء الأخوه والوئام والتسامح الدینی.
إن سیاسه التفرد والإقصاء واحتکار الفتوى والرؤیه الدینیه تضر ببلادنا، ومن صالح بلادنا مهبط الوحی أن تبادر إلى الانفتاح على الآراء والمدارس الإسلامیه، إثراء للفکر وتقویه للنسیج الإسلامی والوطنی.
ونثمن مبادره إنشاء مرکز للحوار وتقریب المذاهب التی أعلنت فی مؤتمر التضامن الإسلامی، شریطه أن تکون جاده وأن تمس أسباب وعوامل الاختلاف والتفرق.
مرکز الحوار:
وأذکِّر هنا بما طرحته سابقاً حول بعض ملامح المنهج النبوی فی الدعوه والحوار:
۱/ اعتماد حسن الظن بالمسلمین فی موضوع التوحید والمعتقدات الدینیه، وعدم المسارعه إلى تکفیر المسلمین أو تشریکهم أو تبدیعهم، وهذا منهج نستقیه من الآیات القرآنیه والنصوص النبویه وأقوال العلماء:
ـ قال الله تعالى: ﴿ یا أیها الذین آمنوا إذا ضربتم فی سبیل الله فتبینوا ولا تقولوا لمن ألقى إلیکم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحیاه الدنیا ﴾ نلاحظ هنا أن التحیه الإسلامیه تکفی علامه على الإسلام ویحفظ بها الدم والمال.
ـ وفی البخاری ومسلم أن النبی (صلى الله وعلیه وآله) قال: «أمرت أن أقاتل الناس، حتى یشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ویقیموا الصلاه، ویؤتوا الزکاه، فإذا فعلوا ذلک عصموا منی دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله».
وفی الحدیث دلاله صریحه على الاکتفاء بظاهر الإسلام، وترتب الأحکام بمقتضاه، وأما الدخائل والنوایا فالحساب فیها على الله تعالى.
ـ قال ابن حجر فی فتح الباری: «ویؤخذ منه – أی من هذا الحدیث المتقدم ـ ترک تکفیر أهل البدع المقرین بالتوحید الملتزمین للشرائع، وقبول توبه الکافر من کفره بدون تفصیل بین کفر ظاهر أو باطن».
ـ وأیضاً بناء على قاعده أن لازم القول لیس بالضروره قولاً، بمعنى أن من قال قولاً أو رأى رأیاً یلزم منه الکفر، لا یکفر إذا کان غیر ملتفت إلى لازم قوله، مثال ذلک: من قال إن لله یداً أو رجلاً فإن هذا تجسیم ویعود معناه إلى أن الله مخلوق نعوذ بالله، ولکن هذا القائل إذا کان غیر ملتفت إلى ما یلزم من قوله مع فظاعته، فانه لا یتحمل مسؤولیته لأنه لا یتبناه ولم یقل به، وبالتالی لا یکفر.
۲/ انطباق عنوان المسلم على فئه من الناس – بمجرده – یستدعی لهم حقوقاً عامه، هی عباره عن وثیقه عریضه واسعه من الحقوق لا یجوز نقضها مادام العنوان باقیاً؛ فیلزم مراعاه کافه حقوق الأخوه الإسلامیه المفترضه على المسلم تجاه أخیه المسلم، ولا تبرر الاختلافات المذهبیه الخروج من عهدتها.
۳/ تشجیع الحوار الدینی البناء والهادف والارتکاز على المشترکات وتوسیع دائرتها، وتضییق دائره الخلافیات ومحاوله التفاهم بشأنها وتلمس المعذرات فیها.
۴/ وهو أمر هام ـ عدم تحویل الفروع الفقهیه إلى أصول، لأن ما یترتب على الخلاف فی الأصول غیر ما یترتب على الاختلاف فی الفروع الفقهیه، ومن الفروع زیاره القبور والبناء علیها، وأمثال ذلک، فهذه کلها مسائل فرعیه یقع الخلاف حولها بین الفقهاء، وأین أصل التوحید والإسلام والکفر من هذه المسائل!
۵/ إفساح المجال أمام أتباع المذاهب الإسلامیه تطبیق التمذهب بمذاهبهم، والأخذ بمقتضاها، وعدم الزجر عن ذلک بحجه الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، باعتبار أن الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر مشروط بالاتفاق أولاً على ماهیه المنکر والمعروف عند الطرف القابل.
آمل رفع الجفاء الواقع بحق النبی (صلى الله وعلیه وآله) وآله الأطهار (علیهم السلام)، وأن یعاد بناء تلک القبب الطاهره لترتفع شامخه إلى جانب القبه النبویه الخضراء.