الربیع العربی والشیعه العرب
التنوع والتعدد فی الآراء والقناعات والمیولات، ظاهره أصیله وراسخه فی حیاه الإنسان الفرد والجماعه، ولا یمکن أن نتصور حیاه إنسانیه بدون هذه الحقیقه.. فإذا تشابه واتحد الناس فی اللون، فهم مختلفون ومتنوعون فی القناعات الدینیه والثقافیه.. وإذا تشابه الناس فی القناعات الدینیه والثقافیه، فهم متعددون فی القومیات والأثنیات..
وهکذا تصبح حاله التعدد والتنوع، حاله طبیعیه فی الوجود الإنسانی.. ولکن هذه الحاله الطبیعیه، قد تتحول إلى عبء على استقرار الناس وأمنهم..
حینما لا یتم التعامل مع هذه الحاله الطبیعیه بعقلیه استیعابیه، تبحث عن سبل لإداره هذه الحاله، دون توسل أسالیب عنفیه وقسریه لاستئصالها..
فالتعامل الإنسانی الخاطئ مع هذه الحقیقه الإنسانیه، هو الذی یحولها، من مصدر جمال وحیویه للوجود الإنسانی، إلى فضاء للتناحر والتقاتل.. ومن منبع للخیر المعرفی والاجتماعی، إلى مبرر للنبذ والاستئصال وتغییب المختلف..
وبفعل هذه الممارسه الخاطئه والقاتله فی آن، تجاه هذه الحقیقه الملازمه للوجود الإنسانی، تنشأ ظاهره تصنیف البشر وتوزیعهم ضمن دوائر انتماءهم التقلیدیه.. وبفعل هذا التصنیف الاجتماعی، تبرز الفروقات والتمایزات الحاده بین أبناء المجتمع الواحد، وتزداد الحواجز النفسیه بینهم، وتتغذى الإحن والأحقاد..
فیصبح لدینا وتحت سماء الوطن الواحد والمجتمع الواحد، مجموعه من المجتمعات، لکل مجتمع عالمه الخاص ورموزه الخاصه وهمومه واهتمامه الخاص، مع انعزال وقطیعه تامه مع المجتمع الخاص الآخر..
وهکذا تتحول التعددیه الدینیه والمذهبیه والقومیه، من حاله طبیعیه فی الوجود الإنسانی، إلى مصدر للشقاء والتباغض والإحن المفتوحه على کل احتمالات الخصومه والنزاع..
لهذا فإننا نفرق بین ظاهره التنوع والتعدد فی الوجود الإنسانی، التی نعتبرها ظاهره صحیه وحیویه وذات آفاق ثریه على أکثر من صعید.. وبین خلق الحواجز بین الناس وتصنیفهم التصنیفات الحاده على أساس انتماءاتهم التاریخیه والتقلیدیه، والتی نعتبرها ظاهره مرضیه، ومؤشر على فشلنا فی إداره تنوعنا بطریقه سلمیه وحضاریه..
فنحن مع احترام کل أشکال التنوع فی الوجود الإنسانی، والذی نعتبره جزء من الناموس الربانی، ولکننا فی ذات الوقت لا نرى أن ظاهره تصنیف الأفراد اجتماعیا بفعل انتماءاتهم التاریخیه ظاهره صحیه، بل نعتبرها من الظواهر التی تساهم فی تمزیق مجتمعاتنا وخلق الإحن والبغضاء بین أطرافه وأطیافه.. ولن نتمکن من إنجاز هذه المعادله التی تحترم التنوع الإنسانی ومقتضیاته، دون أن نسمح أن تبرز ظاهره التصنیف الاجتماعی، التی توزع الناس وتفصل بینهم شعوریا واجتماعیا، على أساس انتماءات لا کسب حقیقی للناس فیها..
وعلى المستوى المعرفی، من الطبیعی أن یلتزم الإنسان الفرد والجماعه إلى منظومه عقدیه وفکریه واجتماعیه، لأن الإنسان بطبعه یبحث عن من یشترک معه ویتشابه معه فی فکره أو انتماء أو أی دائره اجتماعیه أو معرفیه، لکی یلتقی معه، ویحول الاشتراک فی الدوائر المعرفیه والاجتماعیه إلى شبکه مصالح تدیم العلاقه وتطورها أفقیا وعمودیا..
لهذا فإننا ننظر من هذه الزاویه المعرفیه إلى حقیقه الانتماء الفکری والاجتماعی نظره طبیعیه وصحیه.. ولکن هذه الظاهره الصحیه والطبیعیه، قد تتحول إلى ظاهره سلبیه ومرضیه.. حینما یتحول الانتماء إلى مبرر للاعتداء على حقوق الآخرین المادیه أو المعنویه، تتحول هذه الظاهره إلى ظاهره سلبیه.. حینما أمارس التعصب بکل صنوفه، بحیث أرى شرار قومی أفضل من خیار قوم آخرین، یتحول الانتماء إلى ظاهره مرضیه..
لهذا فإننا نعتقد أن التصنیف العقدی أو الفکری أو الاجتماعی فی حدوده الطبیعیه ظاهره صحیه، ومستساغه معرفیا واجتماعیا.. ولکن هذه الظاهره تتحول إلى ظاهره سلبیه حین یتصف أهل هذا الانتماء بالصفات والممارسات التالیه:
۱ – الانغلاق والانکفاء والدیماغوجیه فی النظر إلى الأمور والقضایا، بحیث لا یتسع عقل الإنسان إلا لمحیطه الخاص، ویمارس نرجسیته المرضیه تجاه قناعات وانتماءات الذات..
۲ – التعصب الأعمى للانتماء الخاص ونبذ کل المساحات المشترکه التی تجمعه مع أبناء المجتمع والوطن.
۳ – ممارسه الاعتداء على الحقوق المادیه أو المعنویه على الآخرین بدعوى خروجهم عن الانتماء الصحیح أو ما أشبه ذلک.
حین تتوفر هذه القیم والممارسات «الانغلاق المرضی – التعصب الأعمى – الاعتداء على الحقوق» تتحول هذه الظاهره الإنسانیه الطبیعیه إلى ظاهره سلبیه ومرضیه..
وفق هذه الرؤیه المعیاریه، نتعامل مع ظاهره التصنیفات فی المجتمعات العربیه.
وهی ظاهره تتوالد باستمرار، بحیث ینتقل التصنیف من العنوان الکبیر إلى العنوان الصغیر ویستمر فی سیاق دوائر صغیره عدیده، بحیث یهدد هذا التصنیف المرضی نسیج المجتمع والوطن..
ولا خیار أمامنا للعوده بهذه الانتماءات إلى حالتها المعرفیه والطبیعیه والمقبوله اجتماعیا، إلا ببناء وعی اجتماعی وطنی جدید، لا یحارب الانتماءات التقلیدیه للإنسان وإنما یشبعها لدى کل إنسان دون أن ینحبس فیها، یحترم خصوصیاته دون أن یتحول هذا الاحترام إلى مبرر لبناء کانتونات اجتماعیه مغلقه..
والطریق إلى ذلک هو بناء حقائق المواطنه المتساویه فی الحقوق والواجبات..
بحیث یتحول هذا العنوان بحمولته الدستوریه والقانونیه والحقوقیه إلى مرجعیه علیا لکل مواطن..
ومن منطلق رفضنا للفتن الطائفیه، والتصنیفات الاجتماعیه التی یترتب علیها المنع من بعض الحقوق أو المنح للحقوق بدون کسب حقیقی یقوم به، وکل أشکال التحریض المذهبی نحاول أن نقترب معرفیا وسیاسیا من مسأله أساسیه مطروحه فی دوائر الفکر والسیاسه وهی طبیعه رؤیه وموقف الشیعه العرب من تطورات الربیع العربی. ونحاول أن نوضح هذه الرؤیه والموقف من خلال النقاط المحوریه التالیه:
الربیع العربی.. ولعبه المصالح:
أولا: أعتقد إن ما جرى من تحولات سریعه فی العدید من الدول العربیه، هی تحولات نابعه من الإراده الداخلیه وبفعل هیمنه الأنظمه الشمولیه على کل المقدرات والإمکانات، مما فجر الأوضاع باتجاه الانعتاق والتحرر من کل القیود..
ولکن ولاعتبارات عدیده ذاتیه وموضوعیه، دخل على خط هذه التحولات القوى الدولیه وبالذات الغربیه وبعض القوى الإقلیمیه لتوجیه هذه التحولات والسیطره على حرکتها.. وثمه مؤشرات عدیده على أن بعض القوى الدولیه والإقلیمیه تمکنت من الوصول إلى هدفها والتحکم فی مسیره ومصائر هذه التحولات والتطورات الدراماتیکیه..
لهذا فإن هذه التحولات هی ثورات لم تکتمل.. ویبدو أن الإراده الغربیه وبالخصوص الأمریکیه، اتجهت صوب التفاهم مع القوى الإسلامیه المعتدله والقبول بها کنخبه سیاسیه جدیده تحکم فی دول الربیع العربی.. ضمن قناعه إستراتیجیه أمریکیه مفادها: إننا لا یمکن أن نواجه الشیعیه السیاسیه واستمرار النفوذ والتمدد الإیرانی بدون خلق وبعث السنیه السیاسیه من جدید.. لهذا فإن الربیع العربی، یشکل لحظه الانبعاث الجدید للحرکیه الإسلامیه – السنیه، وإن هذه الجماعات تعیش فی هذه الحقبه أزهى عصورها، إذ تمکنت شعوبها من إسقاط رموز بعض الأنظمه السیاسیه العربیه التی مارست کل أنواع الظلم والحیف بحق الحرکه الإسلامیه..
وإزاء هذا المتغیر الاستراتیجی نحن بحاجه إلى التأکید على العناصر التالیه:
العنصر الأول: صیاغه رؤیه فکریه واستراتیجیه وخطاب سیاسی یواکب هذه المتغیرات ویساهم فی تبرید التوترات ذات الطابع المذهبی من جراء التباین فی القناعات والمواقف تجاه بعض تطورات وتحولات المنطقه..
العنصر الثانی: القیام بمبادرات وخطوات عملیه مدروسه، تستهدف نسج علاقات إیجابیه وحیویه مع القوى الصاعده والجدیده فی مناطق التحول والمجتمعات التی شهدت الربیع العربی..
العنصر الثالث: تشجیع الوجودات الشیعیه فی تونس ومصر وبقیه دول الربیع العربی، على الانفتاح على الساحه العامه وعدم الانغلاق، والانخراط فی مشروعات سیاسیه وطنیه وعدم التفکیر فی بناء أحزاب سیاسیه شیعیه فی هذه المناطق.. فنحن نرى أن المصلحه تقتضی أن تعمل الوجودات الشیعیه على ضوء هذه المتغیرات على محورین أساسیین وهما:
۱ – بناء الجمعیات والهیئات والمؤسسات الثقافیه والاجتماعیه، التی تمارس النشاط الثقافی والاجتماعی على قاعده المشترک الإسلامی والوطنی، وتخفف من الأنشطه ذات الطابع المذهبی.. فهذه الوجودات على هذا الصعید، من الضروری أن تقدم نفسها بوصفها جماعات ثقافیه وفکریه، تحمل مشروعا ثقافیا لوطنها ومجتمعها..
۲ – المساهمه مع بقیه القوى الوطنیه فی بناء أحزاب وتکتلات سیاسیه وطنیه بعیدا عن النزعات الفئویه والحزبیه.. فلا مصلحه فی تقدیرنا للوجودات الشیعیه فی هذه الدول فی بناء مشروعها السیاسی على قاعده مذهبیه.. فنحن نرى أن المصلحه تقتضی أن تنشط هذه الوجودات على المستویات الثقافیه والفکریه والإعلامیه ضمن مؤسسات وأطر رسمیه، وعلى المستوى السیاسی الانخراط فی مشروعات سیاسیه تلتقی معها فی الرؤیه وطبیعه الخطاب والأولویات السیاسیه والوطنیه..
۳ – لقد أبانت تحولات الربیع العربی عن مستوى من التضامن والتعاون والاستفاده من الإمکانات على نحو متبادل بین الجماعات الإسلامیه – السنیه، مما شکل کتله عربیه وإسلامیه کبیره تدافع عن مصالحها وأولویاتها وأهدافها..
وأعتقد أن النخب الإسلامیه – الشیعیه، معنیه فی ظل هذه الظروف الحساسه إلى تطویر نظام العلاقه والتعاون بین مختلف أطرافها ومکوناتها..
فهناک العدید من المجالات والمشروعات، التی تتطلب التضامن والتعاون لإنجازها بشروط مهنیه متقدمه، حتى تترک بصماتها الإیجابیه على مسیره مجتمعاتنا.. فالربیع العربی بکل تحولاته وتطوراته، بمقدار ما أعطانا فرصا سیاسیه وإستراتیجیه جدیده، بذات القدر، فإنه خلق لنا تحدیات جدیده على أکثر من صعید.. وهذه التحدیات تتطلب مضاعفه الجهود من أجل النجاح فی مواجهه هذه التحدیات المعقده والمرکبه فی آن.. فالذی یقرأ التقریر الصادر عن معهد بروکنز التابع للمحافظین الجدد المعنون بـ «ما هی الطرق إلى بلاد فارس» سیدرک حجم التحدیات التی تواجه المنطقه على أکثر من مستوى وصعید. ولعل الملفت للنظر والذی یتطلب المزید من التمعن والتأمل هو طبیعه التحالف التی بدأت تبرز بعض معالمه بین المحافظین الجدد الأمریکیین والبریطانیین مع بعض الإسلامیین والذین رأینا بعض ثماره فی الحکومات الجدیده التی تشکلت فی بعض دول الربیع العربی وطبیعه مواقفها الجدیده من بعض قضایا الأمه والمنطقه..
وإن اللحظه التی نعیشها بکل زخمها وعقدها، تتطلب منا قراءه دقیقه وعمیقه لها، وذلک حتى نقف فی الجانب الصحیح من حرکه التاریخ، وحتى نحافظ على کل مکاسبنا النوعیه. ولا خیار أمامنا إلا القبض على مصیرنا، وذلک لأنه «لم تعد هناک إلا وسیله واحده للتنبؤ بالمستقبل، هی أن نبتکره» على حد تعبیر ستیف جوبز..
تیارات وأطیاف متعدده:
ثانیا: من الضروری فی هذا السیاق، بیان حقیقه اجتماعیه – ثقافیه – سیاسیه، وهی أن الشیعه فی کل مناطقهم ودولهم، لیسوا حزبا واحدا أو رأیا واحدا.. وإنما هم کبقیه المجتمعات الإنسانیه فی أوساطهم تیارات فکریه وسیاسیه عدیده.. ولذلک لا یصح التعامل معهم، بوصفهم کتله بشریه واحده ومتجانسه فی کل شیء..
کما أن غیرهم من المجتمعات، ینبغی أن لا یتم التعامل معهم بوصفهم کتله واحده، متجانسه.. فمجتمعاتنا جمیعا بصرف النظر عن دینها أو مذهبها أو قومیتها، وسواء کانت تشکل أکثریه فی مجتمعها أو أقلیه، لا فرق.. هی مجتمعات متعدده ومتنوعه فکریا وسیاسیا وثقافیا، وتحتضن توجهات وأطیاف وتیارات عدیده، سواء کانت دینیه أو فکریه أو سیاسیه..
وعلى ضوء هذه الحقیقه، ینبغی أن نتعامل مع کل الملفات والقضایا الشیعیه.
الانقسام الطائفی.. البحرین وسوریا نموذجا:
ثالثا: یبدو من الکثیر من الشواهد والمعطیات، أن الانقسام الطائفی والمذهبی فی الأمه، انقسام حقیقی، وموجود فی کل المجتمعات بمستویات متفاوته.. فکل المجتمعات وبسبب عوامل موضوعیه وذاتیه عدیده، تعیش مرحله انبثاق هویاتها الفرعیه، وهی هویات متصارعه، وتستدعی باستمرار أحن التاریخ وذکریات الحروب والانفصال بینها..
وأعتقد أن التشظی المذهبی الذی تشهده أمتنا فی هذه اللحظه الحساسه من تاریخنا الجماعی والمشترک، انعکس بطریقه أو أخرى على حدثین أساسیین فی المنطقه وهما:
۱ – الحدث البحرینی وما رافقه من تطورات سیاسیه واجتماعیه، تطالب بالحریه والانصاف وانجاز تحولا دیمقراطیا حقیقیا فی المشهد السیاسی..
وأعتقد أن الکثیر من الأطرافnالإسلامیه «السنیه»، تعاطت مع هذا الحدث، الذی هو فی دوافعه وشعاراته وأهدافه، جزء أصیل من حرکه الربیع العربی، بخلفیه التوتر الطائفی الموجوده فی کل الساحه الإسلامیه.. لذلک اعتبرت ما یجری فی البحرین حرکه خارجیه فی دوافعها وأهدافها وتعاملت بإهمال حقیقی ومؤسف مع تطورات الأحداث فی البحرین. وعلى افتراض صحه التحلیل السائد فی الإعلام العربی، وهو أن ما یجری فی البحرین هو تدخلات إیرانیه – صفویه – مذهبیه، لذلک وقفت غالبیه الجماعات الإسلامیه «السنیه» موقف المتفرج أو المؤید للسلطه ومنطقها وخطابها حول ما یجری فی البحرین.. وتغافلت عن حقیقه المطالب المحقه التی یطالب بها شعب البحرین، وهی مطالب فی شعاراتها الجوهریه وأهدافها السیاسیه بعیده کل البعد عن النزعات الطائفیه والمذهبیه..
۲ – الحدث الآخر هو الحدث السوری، والذی اندفعت فیه غالبیه القوى الإسلامیه «السنیه» فی تأیید الثوره، وساهمت بطریقه أو بأخرى فی الحشد الطائفی والمذهبی، وتغافلت عن کل السیاقات الإقلیمیه والدولیه والتی وقفت وتدخلت بأشکال عدیده فی الواقع السوری..
وفی المقابل وقفت غالبیه القوى الشیعیه موقف التأیید للنظام السیاسی فی سوریا، لأسباب متعلقه بطبیعه موقف النظام من المشروع الصهیونی والصراع العربی – الصهیونی. وحین التأمل فی موقف غالبیه القوى الشیعیه من الحدث السوری، فإننا نجده یحتوی على مکونین أساسیین:
المکون الأول: القبول التام بمنطق ضروره الاصلاح السیاسی والدستوری والاقتصادی والدیمقراطی فی الواقع السوری، وإن النظام السیاسی یمتلک القابلیه للقبول بکل مقتضیات وآلیات الإصلاح السیاسی والدستوری فی سوریا..
المکون الثانی: رفض السیاقات والتدخلات الإقلیمیه والدولیه، والتی دخلت على خط مطالب الشعب السوری المحقه فی الإصلاح والدیمقراطیه..
وأعتقد أن غالبیه القوى الشیعیه على هذا الصعید، لم تتمکن لاعتبارات عدیده من تظهیر موقفها الاستراتیجی والسیاسی ببعدیه من الأحداث فی سوریا..
فهی مع الإصلاح والتحول الدیمقراطی، وفی ذات الوقت ضد المخططات الإقلیمیه والدولیه، التی اغتنمت فرصه الأحداث فی سوریا، ودخلت على خط هذه الأحداث الأهداف لیست بالضروره هی أهداف الثوار فی سوریا..
وعلى کل حال ما أود أن أقوله فی هذا السیاق، هو أن غالبیه القوى والجماعات الإسلامیه السنیه والشیعیه وقعت من جراء أحداث البحرین وأحداث سوریا فی مأزق أخلاقی وفی بعض جوانبه مبدئی..
لهذا فإننا نعتقد أن الأجنده المذهبیه أو واقع الانقسام الطائفی الموجود فی الأمه، ساهم بطریقه أو بأخرى فی المأزق الأخلاقی والوقوف مع طرف ضد آخر.. مما أفضى إلى المزید من التوتر والتخندق الطائفی فی الأمه. وأبانت تطورات الربیع العربی، وطبیعه الانقسام الطائفی والمذهبی الذی برز فی الساحه وتفاقم من جراء الموقف من الأحداث فی البحرین وسوریا، عن حاجه الساحه الإسلامیه إلى تطویر العلاقات والتواصل والتفاهم بین القوى الإسلامیه السنیه والشیعیه. وإن الاکتفاء بالخطابات العمومیه والمواعظ الأخلاقیه، لم یعد مجدیا، ولم تتمکن على المستوى الواقعی هذه الخطابات العامه، من صیاغه رؤیه مشترکه للطرفین.. واعتقد أن جمیع القوى بمستوى من المستویات، خضعت للعصب المذهبی والقاعده الاجتماعیه الخاصه، وصاغت بعض مواقفها على ضوء شبکه المصالح الخاصه.. فبدل أن تکون هذه القوى طاقه توحیدیه وجامعه فی الأمه، تحولت لأسباب ذاتیه وموضوعیه إلى جزء من حاله الانقسام المذهبی فی الساحه الإسلامیه. وأعتقد أن الخروج من حاله الانقسام، تقتضی العمل على بناء حاله جدیده من التفاهم والتلاقی على قاعده تشبیک المصالح والاستقلال فی القرار السیاسی بعیدا عن عملیات الاستقطاب العملی أو الدولی.. وأعتقد أن الحل الأمثل وفق المعطیات القائمه وحقائق الأرض، هو العمل على بناء تسویه سیاسیه بین المعارضه والنظام فی سوریا.. وبدون هذه التسویه، سیستمر الدم السوری بالنزف، لأن هناک توازن دولی وإقلیمی، یحول دون التدخل العسکری الخارجی، کما أنه على الصعید الداخلی، یبدو أن قدره کل طرف على کسر الآخر وإنهاء وجوده محدوده..
وهذا یعنی استمرار القتال والتدمیر، وهذا بطبیعه الحال یکلف سوریا کلها الشیء الکثیر. فمن موقع حرصنا على الشعب السوری، نرى أن الحل المناسب، هو التسویه السیاسیه التی تضمن تحقیق الإصلاحات السیاسیه، وتقف عملیات القتل والمواجهات المسلحه.. والوطنیه وهذا الکلام موجه للنظام والمعارضه بکل أطیافها معا، لا تساوی أن تدمر وطنک وتقتل شرکاءک فی الوطن والمصیر..
فالوطنیه السوریه الیوم تقتضی من جمیع القوى والأطراف، وقف عملیات القتل والتدمیر والجلوس معا على طاوله واحده، لتدارس أمر الوطن والخروج بتسویات مشترکه تنقذ الجمیع من أتون التدمیر المتبادل..
ومن المؤکد أن الانکشاف الأمنی والسیاسی لسوریا أمام التدخلات الإقلیمیه والدولیه، یفضی إلى تعقد الأزمه، لأن لهذه التدخلات أجنده، لیست بالضروره منسجمه ومصالح الشعب السوری..
ویبدو أن الرهان على الأجنبی على إحداث التحول الدیمقراطی فی سوریا، سیفجر المنطقه سیاسیا وأمنیا وعسکریا فی ظل اجتماع جمیع الخیوط والمصالح الإقلیمیه والدولیه فی الواقع السوری.. فهذه المصالح متناقضه والإرادات متباینه، والطرف الأول الذی سیدفع ثمن هذا التناقض والتباین هو الشعب السوری..
لهذا کله فإننا نعتقد أن المصلحه الوطنیه العلیا لسوریا، تقتضی انجاز مصالحه وطنیه حقیقیه، تفضی إلى تحولات سیاسیه ودیمقراطیه حقیقیه فی المشهد السوری..
الشیعه.. جزء أصیل من المنظومه العربیه:
رابعا: یبدو أن بعض الأطراف فی الساحه العربیه والإسلامیه، تتعامل مع النظام العربی الرسمی القائم على إقصاء الشیعه وعدم إشراکهم الحقیقی فی الحیاه السیاسیه لأوطانهم، بوصفها ثابته من الثوابت التی ینبغی أن لا یمسها أحد.. فالشیعه هم طیبون ومندمجون فی أوطانهم، ما داموا بلا نخبه سیاسیه ودینیه تطالب بإنصافهم وإعطاءهم حقوقهم الدینیه والمدنیه..
أما إذا عمل الشیعه على تنظیم أحوالهم، وصیاغه خطاب سیاسی لشؤونهم، وعملوا على معالجه حالات التمییز الطائفی الذی یتعرضون إلیه فی أکثر مناطق وبلدان تواجدهم، فإنهم بقدره قادر، یتحولون إلى طابور خامس، ویتحرکون وفق أجنده خارجیه وخاضعون للنفوذ الإیرانی..
وأنا هنا لا أرید أن أبرء الواقع الشیعی من بعض العیوب سواء فی خیاراته الثقافیه أو السیاسیه.. ولکننی أعتقد أن الإشکالیه الحقیقیه تتجسد فی إصرار بعض الأطراف على إدامه المعادله القائمه التی صاغها وکرسها أساطین النظام العربی الرسمی، والذی فی أحد جوانبه یعنی بقاء الشیعه فی أوطانهم بعیدا عن المشارکه السیاسیه والمدنیه وعدم نیلهم حقوقهم کبقیه المواطنین..
وفی سیاق دهاء النظام العربی الرسمی وبالذات بعد انتصار الثوره الإسلامیه فی إیران، فإن النظام الرسمی عمل بطریقه أو بأخرى على التعامل مع الملفات الشیعیه فی کل المنطقه العربیه عبر البوابه الإیرانیه.. فحینما یتحرکون ویطالبون بحقوقهم المشروعه، فإن إیران هی التی تحرکهم.. فالشیعه فی المنطقه العربیه لیسوا إیرانیین، ویعتزون بأوطانهم، ویعملون بکل إمکاناتهم لرفعه أوطانهم.. ولن تتجلى هذه الحقیقه بشکل ناصع لا لبس فیه إلا مع تغییر المعادله الطائفیه التی أرسى دعائمها ومبرراتها النظام العربی الرسمی منذ زمن بعید..
فالشیعه فی کل أوطانهم العربیه حقیقه اجتماعیه وثقافیه، ولا یصح تجاهلهم أو نکران حقوقهم العامه، أو التعامل معهم بوصفهم طارئین على الحیاه والواقع العربی..
مسؤولیه الأکثریه:
خامسا: إن المسئول الأول عن دمج الأقلیات فی أوطانها ومجتمعاتها، هی الأکثریه.. فإذا تعاملت هذه الأکثریه بکل أطیافها وتیاراتها، بانفتاح ومرونه مع الأقلیات وحقوقها وهمومها، فإن هذا التفاعل الإیجابی، سیفضی إلى المزید من دمج الأقلیات فی محیطها الاجتماعی والوطنی..
أما إذا تعاملت الأکثریات بعصبیه مذهبیه وبانغلاق طائفی وببث لثقافه المفاصله والکراهیه لاعتبارات عقدیه وأیدلوجیه تجاه الأقلیات، فإن النتیجه هی المزید من تشبث الأقلیات بهویتها وخصوصیتها کخط دفاع أخیر عن الذات..
من الضروری أن تنفتح الأقلیات على محیطها، وتتفاعل على نحو إیجابی مع فضائها الوطنی.. ولکن فعالیه هذا الانفتاح، مرهون على قدره الأکثریات على تجاوز عصبیاتها، والتعامل مع الأقلیات على قاعده المواطنه المتساویه فی الحقوق والواجبات.. فالتمییز الطائفی الذی یتعرض إلیه الشیعه العرب فی أغلب مناطق وجودهم، هو یحمل الواعین والمخلصین من أبناء الأکثریه، مسؤولیه العمل والنضال من أجل إنهاء کل أشکال التمییز الذی یتعرض إلیه شرکاءهم فی الوطن لاعتبارات مذهبیه..
ومن الضروری فی هذا السیاق القول: أن المشکله الطائفیه، لیست مشکله خاصه بالأطراف التی تتعرض للتهمیش والتمییز، وإنما هی مشکله وطنیه، ومن الضروری والواجب الأخلاقی والوطنی، أن یتحمل الجمیع مسؤولیه العمل لتفکیک کل الحوامل التی تغذی نزعات التمییز والتهمیش فی کل المناطق والبلدان..
حمایه الأقلیات:
سادسا: معالجه مشکلات أهل السنه فی البلدان والمناطق ذات الأکثریه الشیعیه..
لا ریب أن أحد روافد التوترات الطائفیه والمذهبیه فی المنطقه، یعود إلى واقع الأقلیات سواء کانت سنیه أم شیعیه فی مناطقها.. لهذا فإننا نعتقد أن معالجه مشکلات أهل السنه فی البلدان والمناطق ذات الأکثریه الشیعیه، یساهم فی إزاله الکثیر من عناصر الالتباس والتوتر، کما أنه ینسجم ومطالباتنا بالإنصاف والعداله.. فالمجتمع الذی یطالب بالعداله، ویناضل ضد التمییز والتهمیش، ینبغی أن لا یقبل أی شکل من أشکال الظلم والتمییز یقع على أی إنسان بصرف النظر عن دینه أو مذهبه..
ونحن نعتقد أن لکل بلد خصوصیته وظروفه، ولکن نجاح أیه دوله فی إداره أقلیاتها على نحو صحیح وإیجابی، یساهم فی تعمیم النموذج الصالح، وإزاله بعض عناصر الالتباس والتوتر..
ومن هذا المنطلق نحن نرفض أی شکل من أشکال التمییز یقع على أهل السنه وبالذات فی المناطق الذین یشکلون هم فیها أقلیه.. فنحن مع إنصاف الجمیع، ونیلهم لکل حقوقهم، والتعامل معهم بوصفهم مواطنین کاملی المواطنه فی الحقوق والواجبات..
ولا ریب أن سعی الحکومات والدول التی تحکم من قبل أکثریه شیعیه، إلى تحقیق العداله والإنصاف مع الأقلیه السنیه، سیساهم فی تطویر العلاقات السنیه – الشیعیه على مختلف الصعد والمستویات..
رهاب الطائفیه:
سابعا: لأسباب سیاسیه وطائفیه ومجتمعیه عدیده، انتشرت فی المنطقه العربیه ما یمکن تسمیته «شیعه فوبیا»، بحیث ازدادت عملیات التحریض التی یصل بعضها إلى حد التحقیر لکل ما یمت بالشیعه من تاریخ وشخصیات وعقائد، وبرزت على السطح مقولات تبث الکراهیه المذهبیه، وتدعو إلى الاستئصال والمفاصله الشعوریه والعملیه والاجتماعیه..
فتحول الشیعه من جراء ذلک إلى عدو یجب محاربته، أو ما یشبه العدو، أو العدو المحتمل إذا استمر بعض أطرافه فی خیاراتهم السیاسیه والثقافیه والوطنیه.. ونحن إذ نسجل هذه الظاهره الخطیره التی بدأت بالبروز فی المنطقه العربیه، نود أن نؤکد على مسألتین أساسیتین وهما:
۱ – لا سبیل أمام المسلمین من سنه وشیعه، إلا التعایش والقبول بمقتضیات الاحترام المتبادل.. وإن نزعات التحریض والتحقیر وصناعه العداوه الدائمه، تضر بالجمیع، وتدخل المنطقه بأسرها فی أجواء ومناخات کارثیه على الجمیع..
۲ – ضروره أن یسعى أهل الاعتدال والتعایش من مختلف المواقع المذهبیه والاجتماعیه إلى الانفتاح والتواصل وعدم الخضوع لمقتضیات الاصطفافات الطائفیه المقیته..
وسنعمل فی السطور القادمه، على توضیح تفصیلی لهاتین المسألتین:
۱ – الطریق إلى التعایش..
۲ – التواصل الوطنی..
الطریق إلى التعایش:
حین الحدیث عن التعایش بین مکونات وتعبیرات المجتمع والوطن الواحد، فإننا حقیقه نتحدث عن قیمتین أساسیتین وهما قیمه الاختلاف وقیمه المساواه..
فینبغی أن نعترف بحقنا جمیعا بالاختلاف، وهذا الاعتراف ینبغی أن لا یقود إلى التحاجز وبناء الکانتونات الاجتماعیه المنعزله عن بعضها، کما أنه ینبغی أن لاnیقود إلى التعدی على الحقوق..
فالتعایش هو حصیله بناء علاقه إیجابیه بین حق الاختلاف وضروره المساواه.. وأی خلل فی هذه المعادله، یضر بحقیقه التعایش فی أی مجتمع ووطن..
ومفهوم التعایش بطبیعته ومضمونه، لا یلغی التنافس أو الخلافات بین المکونات والتعبیرات والأطیاف، وإنما یحدد وسائلها، ویضبط متوالیاتها.. فالتعایش لا یساوی السکون والرتابه، وإنما یثبت الوسائل الإیجابیه والسلمیه لعملیه التنافس والاختلاف، ویرفض الوسائل العنفیه بکل مستویاتها لفض النزاعات أو إداره الاختلافات والتباینات..
کما أن مفهوم التعایش، لا یرذل الاختلافات والتباینات بکل مستویاتها، وإنما یعتبرها حاله طبیعیه وجزء أساسی من الوجود الإنسانی، ولکنه یرفض أن تتحول عناوین الاختلاف والتباین، لوسیله لامتهان کرامه المختلف أو التعدی على حقوقه الخاصه والعامه. فالتعایش کمفهوم وممارسه، لا یشرع بأی نحو من الأنحاء، لأی طرف مهما کان الاختلاف والتباین، إلى التعدی على الحقوق أو تجاوز الأصول والثوابت فی التعامل مع المختلف وفق ضوابط العداله والمناقبیه الأخلاقیه.. لذلک یقول تبارک وتعالى فی محکم کتابه [ولا یجر منکم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى]..
لذلک فإن خلق معادله متوازنه وحیویه بین مفهومی الاختلاف والمساواه، هو جذر التعایش وجوهره النوعی.. فالاختلاف لا یقود إلى الظلم والافتئات، بل یؤکد قیم العداله والمساواه.
إذا تحققت هذه المعادله، تحقق مفهوم التعایش فی الفضاء الاجتماعی والوطنی.. وبدون هذه القیم والحقائق لا ینجز مفهوم التعایش فی أی مجتمع وفضاء إنسانی..
ووفق هذه الرؤیه فإن التعایش، لا یساوی أن یتنازل أحد عن ثوابته ومقدساته، وإنما یساوی الالتزام بکل مقتضیات الاحترام والعداله لقناعات الطرف الآخر، بصرف النظر عن موقفک الحقیقی أو العقدی منها..
وهذه لیست حفله تکاذب أو نفاق، کما یحلو للبعض أن یطلق علیها، بل هی جهد إنسانی متواصل لتدویر الزوایا ومنع تأثیر العوامل السلبیه، التی توتر العلاقات بین المختلفین أو تعیدها إلى المربع الأول..
فالتعایش لا یقتضی الانشقاق أو التفلت من الثوابت أو الأصول لدى الأطراف، وإنما یقتضی الإصرار على خیار التفاهم وتوسیع المشترک وإداره نقاط التباین وموضوعات الاختلاف بعقلیه حضاریه، توفر للجمیع حق التعبیر عن قناعاتها ووجهه نظرها، بعیدا عن الإساءه إلى الطرف أو الأطراف الأخرى..
وعلیه فإننا نعتقد وبعمق أن خیار التعایش بین مختلف الأطیاف والمکونات، التی یتشکل منها المجتمع والوطن الواحد، هو من الضرورات الدینیه والأخلاقیه والوطنیه، لأنه السبیل لضمان حقوق الجمیع بدون تعدٍ وافتئات، کما أنه الإمکانیه الوحیده وفق کل الظروف والمعطیات لصیانه الأمن الاجتماعی والاستقرار السیاسی والوطنی.. ومن یبحث عن الحقائق الأخیره بعیدا عن مفهوم التعایش ومقتضیاته، فإنه یساهم فی تأسیس بذور الکثیر من الأزمات والکوارث الاجتماعیه والسیاسیه.. فالمجتمعات المتعدده والتی تحتضن تنوعات عمودیه وأفقیه إذا صح التعبیر، بحاجه إلى جهد لإداره هذه التنوعات بعیدا عن إحن الماضی أو هواجس الخصوم..
فالاستقرار العمیق فی کل الأوطان والمجتمعات، هو ولید شرعی لحقائق التعایش ومتطلباته حینما تسود المجتمع بکل فئاته وشرائحه وأطیافه..
وعلیه فإن صناع الوعی والمعرفه والکلمه فی مجتمعنا، یتحملون مسئولیه عظیمه فی هذا الصدد.. فهم معنیون راهنا ومستقبلا، بصناعه المعرفه التی تؤکد خیار التعایش، وتعمق أواصر التفاهم بین مختلف الأطیاف.. وهذا لا یتأتى إلا باشتراکهم الفعال فی محاربه کل الأفکار التی تزرع الشقاق والأحقاد بین أبناء المجتمع والوطن الواحد..
لهذا فإن خطابات التحریض والتشدد والغلو ضد المختلف فی الدائره الوطنیه والاجتماعیه، لا تبنی تعایشا ولا تحافظ على الاستقرار السیاسی والاجتماعی، لأنها وببساطه شدیده، تؤدی إلى خلق الحواجز النفسیه والاجتماعیه ضد المختلف، کما تساهم فی إذکاء أوار التوتر والصدام.. لهذا فإن الحدیث عن التعایش، أو بالأحرى تبنی هذا المفهوم وهذه المقوله، یقتضی الوقوف بحزم ضد کل مقولات التعصب والغلو والتشدد ضد المختلف. لأن الآثار الخاصه والعامه المترتبه على نزعه التعصب والغلو، کلها آثار مناقضه ومهدده إلى أسس وحقائق التعایش فی الفضاء الاجتماعی..
لهذا فإن الصمت إزاء نهج التعصب والمقولات التحریضیه، یعد مساهمه مباشره وغیر مباشره فی إفشال نهج التعایش فی المجتمع والوطن..
وعلیه فإننا نعتقد وبعمق أن التعایش هو ولید منظومه مفاهیمیه واجتماعیه وثقافیه متکامله. وإن من یتبنى نهج التعایش علیه أن یصیغ منظومه فکریه واجتماعیه متکامله، حتى یکون سلوکه وکل مواقفه منسجمه ومقتضیات التعایش، وحتى یتمکن من موقع الأنموذج والقدوه للتبشیر بهذا الخیار، ودعوه أبناء المجتمع إلى تبنی هذا النهج کنهج یحفظ حقوق الجمیع، ویصون استقرارهم، ویحافظ على مکتسباتهم.. ومن الضروری أن ندرک جمیعا أن نقص أو ضمور حقائق التعایش فی أی مجتمع وتجربه وطنیه، یساهم فی تقویض مشروعات التنمیه البشریه، ویزید من الفجوات العمودیه والأفقیه بین مختلف التکوینات الاجتماعیه مما یجعل الأرضیه الوطنیه مهیئه للکثیر من الانقسامات والتشظیات.
وبمقدار ما نتمسک بقیمه المواطنه کوعاء حاضن لنا جمیعا، بذات القدر نعید صیاغه علاقتنا بانتماءاتنا الخاصه.. فالمواطنه بکل حمولتها القانونیه والحقوقیه، هی القادره على استیعاب کل التنوعات والتعددیات.. وهی التی تحول دون انحباس أحد فی انتمائه الخاص. وهذا یتطلب منا جمیعا مواطنین ومؤسسات رسمیه وأهلیه، العمل على صیاغه مشروع وطنی یستهدف تعزیز قیمه المواطنه.. وإن تعزیز هذه القیمه فی فضائنا الاجتماعی والوطنی، یقتضی العمل على تفکیک کل الحوامل والحواضن الثقافیه لظواهر التعصب والغلو والتشدد بکل مستویاتها.. لهذا فإننا مع کل مبادره، تعزز قیمه التفاهم بین الأشخاص والأطیاف، ومع کل خطوه تساهم فی تدویر الزوایا الحاده بین مختلف الفرقاء..
التواصل الوطنی وقضایا المستقبل:
ثمه معطیات عدیده، تدفعنا إلى القول أن التواصل الإنسانی بکل صوره ومستویاته، من الضرورات القصوى فی حیاه الإنسان الفرد والجماعه، وهو مساحه حریه وتفاعل متبادل، ورساله حوار وتعارف وأرضیه تسامح وتعایش بین الثقافات والأفکار المختلفه..
لذلک فإن تطلعنا جمیعا، ینبغی أن یتجه إلى ضروره إرساء قواعد وأطر للتواصل المستمر بین مختلف التعبیرات والثقافات، واستکمال الشروط الضروریه لإطلاق فعل تواصلی شامل..
وفی منظورنا وتقدیرنا، أن فعل التواصل المستدیم، هو الذی یحرر الوعی الوطنی والثقافی من کل التشوهات والأوهام التی تغذی حالات القطیعه والإقصاء..
ولا تواصل فعال ودینامی، بدون تسوید قیم الحریه والنقد والتسامح.. ففی کنف الحریه وثقافه الحوار والتسامح، تذوب الفروقات والاختلافات، وتتبلور وظیفتها الحضاریه فی إثراء المعرفه والواقع، وإنضاج خیارات عدیده للرقی والانطلاق..
وفی رحاب النقد البناء تنمو المعرفه، وتزدهر مواطن الإبداع، وتثرى مصادر التجدید والتطویر فی الأمه والوطن.. من هنا فإن الإنصات الواعی والعمیق لکل الآراء والأفکار والإبداعات، یجعل وعی الاختلاف وعیا جمالیا کتنوع أغصان الشجره..
ومهمه المنابر الإعلامیه فی هذا الصدد، احتضان الجهد الإبداعی والنقدی، وتعمیق آفاقه ومتطلباته فی المحیط الاجتماعی.. کما أن الوظیفه الجوهریه للقارئ والنخبه، هی أن تفتح عقولها وتوفر الاستعداد النفسی اللازم، للقبول بخطاب النقد والإبداع..
وهذا القبول لا یعنی بأی حال من الأحوال، أن ننخرط فی المضاربات الأیدلوجیه والفکریه، بل یعنی توفیر الظروف الذاتیه والموضوعیه لترجمه المفردات الجدیده إلى حقائق شاخصه ووقائع راسخه..
ولا نعدو الصواب حین القول: أن هذه العملیه بحاجه إلى تکریس قیم الحریه والعداله فی الفضاء الاجتماعی.. وذلک لأنه إذا توفرت الحریات العامه، توفر المناخ الملائم لتعبئه طاقات المجتمع، وبلوره کفاءات نخبته، وازدادت إبداعاته ومبادراته، وکل هذه الأمور من القضایا الحیویه لصناعه القوه فی الوطن..
ویخطئ من یتصور أن الإقصاء والنفی والنبذ، هی القادره على خلق المواطنه الصالحه وحاله الولاء إلى الوطن..
إننا نرى ومن خلال التجارب التاریخیه العدیده، أن الحریه والشفافیه وسیاده القانون والمؤسسات الدستوریه، هی الکفیله بتعمیق حس المواطنه الصالحه.. فشعب الولایات المتحده الأمریکیه، أتى من بیئات جغرافیه متعدده، وأطر عقدیه ومرجعیات فکریه وفلسفیه متنوعه، ولکن الحریه بکل آلیاتها ومجالاتها ومؤسساتها، وسیاده القانون والمؤسسات الدستوریه، هی التی صهرت کل هذه التنوعات فی إطار أمه جدیده وشعب متمیز..
وحدها الحریه التی تعید الاعتبار إلى الذات والوطن، وتعید صیاغه العلاقه بینهما، فتنتج وعیا وطنیا صادقا، یحفز هذا الوعی على الدفاع عن عزه الوطن وکرامه المواطنین.. فالاستقرار السیاسی والمجتمعی یتطلب باستمرار تطویر نظام الشراکه والحریه على مختلف الصعد والمستویات، حتى یتسنى للجمیع کل من موقعه خدمه وطنه وعزته..
وأن القواسم المشترکه المجرده بوحدها لا تصنع وحده، وإنما هی بحاجه دائما إلى تنمیه وحقائق وحدویه ومصالح متداخله، حتى تمارس هذه القواسم المشترکه دورها ووظیفتها فی إرساء دعائم الوحده وتوطید أرکان التوافق..
لذلک فإن المطلوب، أن ننفتح على مساحات التنوع ونتواصل مع المختلفین من أجل استنبات مفاهیم وقیم جدیده، تزید من فرص تقدمنا، وتحررنا من شبکه العجز والاستکانه، وتجعلنا نقتحم آفاقا جدیده، تحملنا على نسج علاقه جدیده مع مفاهیم الحریه والنقد والتواصل والوطن..
وعلى هدى هذه العلاقه الجدیده، وذات المضامین الحضاریه والإنسانیه، نخلق فضائنا النقدی، ونمارس تنوعنا وتعددیتنا، ونجسد حضورنا وشهودنا..
والنقد لا یعنی بأی حال من الأحوال التفلت من القیم ومحاسن العادات والأعراف، وإنما یعنی استخدام إرادتنا والتعامل مع راهننا بتحولاته وتطوراته بما ینسجم والمثل العلیا والضمیر والوجدان..
فالنقد المنضبط بضوابط الحکمه والمصلحه العلیا، من وسائل التطور والتقدم.. لذلک ینبغی أن لا نخاف من النقد أو نرذله، وإنما من الضروری التعامل الفعال والإیجابی مع عملیات النقد عن طریق الآتی:
ثقافه جدیده:
۱ – من المؤکد أن تثمیر النقد فی عملیات التقدم الاجتماعی، بحاجه إلى ثقافه جدیده تدخل فی النسیج الاجتماعی، قوامها قیم التسامح والحریه وحقوق الإنسان وحریه الرأی والتعبیر.. فالنقد یتطور ویؤتی ثماره الإیجابیه، حینما تسود ثقافه تسمح للجمیع بممارسه حقائقهم وقناعاتهم، وتعطیهم حق التعبیر عن آرائهم وأفکارهم.. فلا فعالیه للنقد، بدون ثقافه تعتنی بعملیه الحوار وتنبذ کل خیارات الإقصاء والنبذ والعنف.. فبمقدار تواصلنا المعرفی وحوارنا الثقافی مع الآخرین، تتجلى فعالیه النقد فی الفضاء الاجتماعی..
حیویه اجتماعیه:
۲ – لا یتطور النقد، ولا یعطی ثماره الإیجابیه، إلا فی فضاء اجتماعی یستوعب ضرورات النقد، ویوفر متطلبات استیعابه..
فالحیویه الاجتماعیه، ووجود أطر ومؤسسات وقنوات لتداول الرأی وممارسه النقد والمراجعه والتقویم، کلها عوامل تساهم فی توظیف عملیه النقد والمراجعه فی تقدم المجتمع ورقیه الحضاری..
لذلک فإن المطلوب من جمیع الشرائح والتعبیرات الاجتماعیه، أن تتحلى بسعه الصدر وحسن الظن والحکمه من أجل تثمیر عملیه النقد فی البناء والعمران..
حوار النخب:
۳ – من البدیهی القول: أن المشاکل فی حد ذاتها لا تنشأ من وجود الاختلاف، ولا من وجود أنظمه للمصالح مختلفه، بل تنشأ من العجز عن إقامه نظام مشترک أو من تخریب هذا النظام من بعد إیجاده..
وحوار النخب ینطلق من الاعتراف بالآخر کما هو، شریکا مختلفا مع احترام هذا الاختلاف وفهم أسبابه واعتباره حافزا على التکامل لا داعیا إلى الافتراق، وقدره نفسیه وعملیه تتطلب رؤیه الذات من موقع الآخر، وقدره على فهم الآخر بلحاظ اعتباراته ومعاییره الخاصه..
فحوار النخب من الأطر الهامه، لاستیعاب عملیه النقد والمراجعه، والانطلاق نحو تصحیح الأوضاع وتقویمnالاعوجاج.. کما أن هذا الحوار من الخطوات الجوهریه التی تساهم فی تأسیس نظام مشترک وصیغه فعاله وعملیه للتنسیق والتعاون..
وجماع القول: إننا لا یمکن أن نمنع النقد والتفکیر الحر، وأن أی جهد یبذل فی سبیل منعهما، یدخل الجمیع فی متاهات ودهالیز، لا تفضی إلا إلى المزید من التدهور والدخول فی معارک هامشیه، تشتت الطاقات، وتبعثر الجهود، وتکثف من حالات التردد وجلد الذات..
بینما المطلوب هو الإنصات الواعی لعملیه النقد والتفکیر الحر، واستیعاب القضایا الرئیسیه المطروحه والمتداوله، وذلک لإحداث نقله نوعیه فی مسیره مجتمعنا ووطنا باتجاه أکثر حیویه وفعالیه نحو التطلعات والطموحات المشروعه..
وفی الختام إن التمادی فی تسعیر الفتن الطائفیه والمذهبیه، سیدمر الأمن القومی للمنطقه، وسیدخلها فی أتون الحروب الداخلیه، التی لن تبقی وتذر. لهذا فإنه من أجل الأمن والاستقرار والحفاظ على الجغرافیا السیاسیه للمنطقه تعالوا جمیعا نقف ضد الفتن الطائفیه، ونحمی تنوعنا المذهبی بالقانون والمواطنه المتساویه فی الحقوق والواجبات.