الإیمان المستنیر ..الأساس الحقیقی للإسلام

0

– تَفکُّر واقتناع:

الإیمان المستنیر هو الأساس الحقیقی للإسلام الحق، فالإنسان الذی أسلَم مُحاکاهً لآبائه، أو اعتنق الإسلام إجابهً لدعوه مَن یدعوه عن رغبه فی أمر من الأمور أو رَهبَهً، ولم یُسلم عن إیمان وعقیده، لیس کمَن یؤمن بعد بحث وتأمّل وتفکیر عمیق فی الکون وخالقه، وسنن الله تعالى فیه، فهذا هو المؤمن حقاً.

لهذا فإنّ الإسلام یدعو إلى إیمان الفکر المستنیر، وهو إیمان الباحث المفکر المتأمّل المتدبّر فی آیات الله تعالى فی الکون، حتى یصل إلى معرفه الخالق جَلّت قدرته، ویشعُر بعظمه البارئ جَلّ وعَلا، ولیکون إیمان الإنسان ناتجاً عن تفکر واقتناع، فهذا هو الإیمان فی الإسلام، الإیمان الذی یصل إلیه المسلم بعد تفکیر وتأمل واقتناع تام، یشعر معه بقوه خالقه وعظمه مَولاهُ جَلّ شأنه.
 – الاستعانه بالله:

قال الله تعالى: (.. الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَرَضِیتُ لَکُمُ الإسْلامَ دِینًا) (المائده/ ۳). فالإسلام هو دین الکمال، وهو دین الفطره السلیمه ودین العقل والمنطق الذی یقبله الفکر السلیم، ولا یحتاج إلى شیء سوى من یفهمه ویُدرکه بعقله وبصیرته. قال الله تعالى: (وَقَالُوا لَوْ کُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا کُنَّا فِی أَصْحَابِ السَّعِیرِ) (الملک/ ۱۰). وقال عزّ مَن قائل: (وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَیْهِ آیَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآیَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِیرٌ مُبِینٌ * أَوَلَمْ یَکْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَیْکَ الْکِتَابَ یُتْلَى عَلَیْهِمْ إِنَّ فِی ذَلِکَ لَرَحْمَهً وَذِکْرَى لِقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ) (العنکبوت/ ۵۰-۵۱). فالقرآن الکریم هو المعجزه الخالده التی أنزلها الله سبحانه وتعالى على سیدّنا محمد (ص) لیقوم بتعلیم البشریه وتوجیهها إلى الإیمان بالله تعالى، وتوحیده وعبادته.

ومع ما أُوتی من عقل مُفکّر وعقیده راسخه، یجب أن یلتمس المعونه من الخالق جَلّ شأنه. ونحنُ نجد فی القرآن الکریم آیات کثیره، تدعو بَنی الإنسان إلى التفکّر فی آیات السماوات والأرض، والتدبّر فی خلق الشمس والقمر وتَعاقُب اللیل والنهار، وغیرها من آیات الله تعالى فی خلقه، حتى یَهدیهم هذا التفکیر إلى وجود الخالق جَلّ وعَلا، وقدرته وعظمته، وذلک من خلال دلالات واضحه على وحدانیّه القادر الحکیم، لقوم یفهمون هذه الدلالات ویُدرکونها، قال تعالى: (إِنَّ فِی خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّیْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْکِ الَّتِی تَجْرِی فِی الْبَحْرِ بِمَا یَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْیَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِیهَا مِنْ کُلِّ دَابَّهٍ وَتَصْرِیفِ الرِّیَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَیْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآیَاتٍ لِقَوْمٍ یَعْقِلُونَ) (البقره/ ۱۶۴).

إنّ القرآن الکریم عامر بالآیات التی تدلُّ على عظمه خالق هذا الکون. فإذا فکّر الإنسان فی نفسه وفی الکون من حوله، استطاع أن یُدرک بعقله العَظمه الإلهیّه والقدره الربّانیه. قال تعالى: (فَلْیَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ) (الطارق/ ۵). وقال عزّ وجلّ: (وَفِی أَنْفُسِکُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذاریات/ ۲۱). وقال تعالى: (وَمِنْ آیَاتِهِ أَنْ خَلَقَکُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ آیَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَکُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْکُنُوا إِلَیْهَا وَجَعَلَ بَیْنَکُمْ مَوَدَّهً وَرَحْمَهً إِنَّ فِی ذَلِکَ لآیَاتٍ لِقَوْمٍ یَتَفَکَّرُونَ * وَمِنْ آیَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِکُمْ وَأَلْوَانِکُمْ إِنَّ فِی ذَلِکَ لآیَاتٍ لِلْعَالِمِینَ) (الروم/ ۲۰-۲۲). والمعنى، أنّ فی تلک الآیات لمن یُفکر بعقله ویُدرک ببصیرته، مُعجزات واضحه وعلامات جلیّه تدل على قدره الله تعالى، ورُبوبیّته فی خلق السماوات والأرض وما فیهما ومَن فیهما.

فصاحب العقل المُدرِک عندما یُفکّر وَیتدبّر فی الکون من حوله، یجده مُنظَّماً تنظیماً دقیقاً مُحکماً، یدل على عظمه قدره الخالق وکمال علمه، وعندها یؤمن الإنسان بأنّ الکون قد خلقه الله تعالى الحکیم القدیر، العظیم العلیم الذی نظّمَهُ أحسن تنظیم وقدّرَهُ أحسن تقدیر.
– أثر الإیمان فی القول والعمل:

سُئل رسول الله (ص)، عن الإیمان فقال: "الإیمان أن تُؤمن بالله والیوم الآخر والملائکه والکتاب والنَّبیین، وتؤمن بالموت وبالحیاه بعد الموت، وتؤمن بالجنه والنار والحساب والمیزان وتؤمن بالقدر کله خیره وشرّه". ومتى استَقَرَّ الإیمان فی قلب الإنسان، فإنّه لا یلبَث أن یَظهر جلیّاً على قوله وعمله وسائر عباداته وسلوکیاته. وقد وصف الله تعالى المؤمنین إیماناً کاملاً فی قوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِینَ هُمْ فِی صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِینَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِینَ هُمْ لِلزَّکَاهِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِینَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَکَتْ أَیْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَیْرُ مَلُومِینَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِکَ فَأُولَئِکَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِینَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِینَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ یُحَافِظُونَ) (الأعلى/ ۱-۹). وتُوضّح الآیات الکریمه، أنّ الإیمان یتطلّب أن تکون العباده خالصه لوجه الله تعالى، فیُصلّی المؤمن لیُناجی الله عزّ وجلّ ویبتهل إلیه، ویتصدّق على الفقراء والمحتاجین إرضاءً لمولاه عزّ وجلّ، ویصوم رمضان ابتغاء مَرضاته. وکذلک شأن المؤمن مع کل العبادات، فهو إنما یقوم بها بإخلاص ویؤدّیها عن عقیده راسخه وإیمان مستنیر، مُتقرّباً بها إلى ربّه عزّ وجلّ مُلتمِساً قبولها والإثابه عنها من الله تعالى.

Leave A Reply

Your email address will not be published.