الصحوه الإسلامیّه أنصفت المرأه أم ظلمتها؟
وقد جاءت الحرکه الإسلامیه بأفکار جدیده وأدوار جدیده، ومن هذه الرؤى والأدوار ما تعلق بالمرأه المسلمه. وأجود ما تبنته الحرکه الإسلامیه فی هذا القبیل هی کتابات منظری هذه الحرکه عن تحریر المرأه بالإسلام فی مقابل مفهوم التحرر العلمانی الذی طالما نادى بتحریر المرأه من الإسلام.
وقد جاء حجاب المرأه کالطوفان الهادر فی کل أرجاء العالمین العربی والإسلامی لیعلن بوضوح أننا نعیش فعلاً عصر الحرکه الإسلامیه.
وقد شارکت المرأه داخل الحرکه الإسلامیه فی الانتخابات التی خاضتها فصائل کثیره لهذه الحرکه فی العدید من البلاد العربیه، کما شارکت فی المظاهرات المطالبه بالإصلاح والدیموقراطیه ورفض العدوان الخارجی على الأمه.
ومن الأدوار الأساسیه التی لعبتها المرأه فی الحرکه الإسلامیه دورها فی المجال الخیری التطوعی، سواء من خلال المساجد أو من خلال الجمعیات الخاصه أو حتى العمل الفردی بدون الانخراط فی الجمعیات.
کما لا یمکن إنکار الجهود التعلیمیه والتثقیفیه التی تتم فی المساجد على ید النساء لبنات جنسهن؛ حیث تعقد الندوات والدورات التعلیمیه وحلقات حفظ القرآن وتعلیم التجوید .. الخ
وهکذا فإن الحرکه الإسلامیه، بالقیاس لحال الواقع، هی حاله متطوره ومتقدمه، لما تحمله من مشروع فی الإصلاح وتغییر هذا الواقع، وبهذه القاعده فإن الحرکه الإسلامیه کأطروحه فی التغییر تمثل عامل إنهاض للمرأه فی واقعنا العربی الإسلامی.
أی أن الحرکه الإسلامیه ساهمت، ولو بنسبه ضئیله فی النهوض بالمرأه؛ إذ أولتها الاهتمام، وإن لم یکن بمستوى الطموح.
ولکن على الرغم من هذا النجاح المحدود، إلا أن جمله ما تحقق للمرأه على ید الحرکه الإسلامیه، إنما هو قلیل ونادر، ولا یُقارن بالمنتظر من هذه الحرکه، التی هی طلیعه لمجتمعها، وکنا نأمل وننتظر منها الکثیر الذی لم یتحقق.
ومن السهل جداً أن نرصد ضعف برامج تأهیل المرأه، وتنمیه مواهبها، وتفعیل طاقاتها، داخل الحرکه الإسلامیه، بالإضافه لنقص فی الحوافز ومحدودیه فی الطموح. وکان یجب على قاده العمل الإسلامی الانتباه إلى ذلک، والعنایه ببرامج تأهیل المرأه ودمجها وتفعیل دورها داخل الحرکه أولاً، ثم داخل المجتمع ثانیاً. ولکن یبدو أن هؤلاء القاده استسلموا للظروف والأعراف التی تفرضها المجتمعات، ولم یحاولوا تطویرها أو التغلب علیها.
وهناک أیضاً ضعف عام للمشاریع النسائیه الاجتماعیه والثقافیه والتربویه، إما لعدم قدره المرأه الاعتماد على ذاتها، أو لضعف الحاله التعاونیه بین النساء، أو لنقص فی الدعم المادی والمالی لهذه المشاریع، أو لضعف القدرات القیادیه والإداریه أو لأسباب أخرى.
وکان یجب على الحرکه الإسلامیه الاهتمام بذلک والتفکیر فی مشاریع تستوعب الکفاءات النسائیه، وتوفر لهن أجواء العمل والإبداع، واکتساب المهارات القیادیه.
إن العمل الإسلامی النسوی إنما ینجح ویثبت وجوده فی الساحه یوم یفرز زعامات نسائیه إسلامیه، فی میادین الدعوه والفکر، والعلم، والأدب، والتربیه.
وسبب عدم وجود أعداد کافیه من النساء المؤهلات، هو أنه یُحال بین النساء، وبین اکتسابهن لبعض المهارات اللازمه للعمل السیاسی. فلو أعطینا النساء بعض التشجیع، وأفسحنا أمامهن بعض المنافذ ـ کما هو الأمر بالنسبه للرجال ـ عندها سیتخرج نسوه ذوات أهلیه.
لیس من الصواب أن نقول إن الحرکات الإسلامیه لم تنصف المرأه؛ لأن کل هذه الحرکات على اختلاف ألوانها تنطلق من منطلق إسلامی، والإسلام أنصف المرأه، ولکن نستطیع أن نقول: إن الحرکات الإسلامیه نجحت نجاحاً محدوداً فی الأخذ بید المرأه، وهذا یبدو جلیاً فی العوده إلى الحشمه والالتزام بسمات الزی الإسلامی، ولکننا نرى أن المرأه مغیبه تماماً عن الدور الفعال داخل الحرکات الإسلامیه.
إن المتابع لأدبیات الحرکه الإسلامیه یلمح أن ثمه تحولاً فی الخطاب الإسلامی فی العقد الأخیر؛ إذ یذهب هذا التحوّل إلى أن مشکله المرأه ومسؤولیاتها الدینیه، وحقوقها فیما یتعلق بالتعلیم والعمل والمشارکه فی الحیاه العامه، أصبحت مواضیع تطرح داخل الصف الإسلامی، فی العشر سنوات الأخیره، على مستوى مختلف عن المستوى الذی عالجه به العلماء والمفکرون الإسلامیون فی أثناء الرد على المتغربین، وما کان یُثار من شبهه على الإسلام حول التعدد والحجاب وحقوق النساء.
الفکر الإسلامی المعاصر أخذ ینتقل فی تناوله لموضوع المرأه من الرد على الشبهه التی ألقاها الغرب والعلمانیون العرب على موقف الإسلام من الموضوع إلى محاوله بلوره صیغه ترتکز إلى الأصول الإسلامیه، وتجیب، أو تتجاوب مع حاجات الأمه الإسلامیه فی هذا العصر. وهذا ما جعل الفکر الإسلامی یعالج هذا الموضع الهام والأساسی والحساس على جبهتین: جبهه الصراع مع التحدیات الآتیه من الخارج، وجبهه الصراع فیما یثیره من خلافیه فی الداخل الإسلامی نفسه.
الفکر الإسلامی المعاصر أخذ ینتقل فی معالجه مشکلاته من زاویه النظریه إلى زاویه التطبیق. وهذا الانتقال یقرّب الفکر الإسلامی معرفیاً ومنهجیاً إلى الواقعیه فی مقابل المثالیه، وإلى التبیین مقابل الإجمال، والى التدرّج مقابل التعجیل.
والصحوه الإسلامیه الناهضه فی الأمه تثیر ریاح التغییر والإصلاح والتجدید فی أحوال وأوضاع المجتمعات العربیه والإسلامیه، خصوصاً تلک التی کان یلفها الرکود والجمود، ومنها قضیه المرأه.