الإمامه حفظ الدین
للمتکلمین کلام کثیر بشأن کون الإمام حافظا للدین. وغالبا ما عبروا عن هذه المهمه بمثال فحواه: لو افترضنا أن هناک بنایه قد شیدت فإن الواجب یقضی بالحفاظ علیها من عادیات الزمان کأضرار الریاح والأمطار وسائر الأشیاء الأخرى.
وقد قالوا فی نقضه: إن بناء یشیده بناه عظام لا نظیر لهم، لا یحتاج إلى حفظهٍ بمستواهم.على سبیل المثال: إن أبنیه من طراز مسجد شیخ لطف الله، ومسجد شاه، وعالی قابو، وزخارف مسجد جوهر شاد، والخطوط التی تزین المصاحف المخطوطه، وبقیه الروائع لا تحتاج إلى حفَظه بمستوى مبدعیها.
ولکن الحقیقه أن وقوع الخلل فی الدین لا یتم بمثل هذه الصوره البسیطه، وإنما له مسار آخر، فبمقتضى أصل نفسی واجتماعی، یلاحظ أن النهضه والثوره -أی نهضه وثوره کانت – ما تلبث أن توقف تقدمها صوب جبهه العدو فی اللحظه التی تحقق فیها التوفیق (النصر والاستقرار) وتطمئن إلى أن العدو یئس من النیل منها.
ثم یبدأ العدو بالالتحاق بالنهضه والانخراط فی صفوفها، من دون أن یکون ذلک بباعث من وقوعه فعلا تحت تأثیرها الواقعی أو إیمانه بروحها ومعناها وهدفها، بل هو یندرج تحت إطارها بدافع الفائده ولما انتهى إلیه تشخیصه من أن مصالحه تتحقق من خلال هذا الانتماء.
هذا الذی نتحدث عنه یعبر بدقه عما حصل لمعارضی الحرکه الدستوریه فی إیران، إذ الملاحظ أن أعداء الحرکه التحقوا بها، وتظاهروا بتبنیها بقوه، حتى آل الأمر إلى أن یکون أمثال عین الدوله وصدر الأشراف، رئیسا وزراء للحرکه.
والذی فعله هؤلاء المناهضون للحرکه الدستوریه بعد الإنتماء إلى صفوفها، أنهم حافظوا على شکل النهضه وظاهرها، بل منحوها أُبهه شکلیه أکبر. بیدَ أنهم سلبوها روحها وجوهرها، وأفرغوها من محتواها وحقیقتها، بحیث أضحت وجودا شکلیا فارغا لا لبّ فیه، وبتعبیر الإمام أمیر المؤمنین فی توصیف هذه الحال: "یکفأ فیه الإسلام کما یکفأ الإناء".
بهذا الأسلوب یصار إلى حرف النهضه عن مسارها، وقلب ماهیتها مع الإبقاء على الصوره. والناس – لکون أکثریتها الغالبه تقنع بالظاهر وترضى بالشکل – فی رضى وسرور، بل فی شکر ودعاء، لأن الشعارات محفوظه فی أعلى مستوى، وإن کانت الأصول قد اندثرت وزالت!
والشیء الضروری فی مثل هذه الحالات هو النضج، والبصیره التی تنفذ إلى العمق. وفی هذا السیاق یمکن أن یکون الخبر:"وإن لنا فی کل خَلفَ عدولاً ینفون عنّا تحریف الغالین وانتحال المبطلین" ناظرا إلى الأئمه الأطهار أنفسهم، أو إلى العلماء العدول الذین ینهضون بدور النظاره على عقائد الناس بعد الأئمه.
إن مناهضه البدعه لا تقتصر على المعنى المألوف المتحقق فی إدخال ما لیس من الدین فی الدین، إذ یقوم أحدهم مثلا بابتداع سنّه وقانون ونسبتهما علنا إلى الدین، حتى تبلغ الحال أن یستنکر المجتمعُ الفکرَ الدینی الأصیل.
ما نرید تأکیده، أننا یجب ألا نخشى على الإسلام مما یأتی إلیه من خارج العالم الإسلامی، بل مما یحیط به من الداخل، وذلک تماما کما صرح القرآن فی قوله تعالى (الیوم یئس الذین کفروا من دینکم فلا تخشوهم واخشون ) والخطر الذی یتهدد الإسلام من الداخل، لا یقتصر على مفاسد المجتمع وفجوره التی یندفع إلیها بباعث الشهوه وغیرها، بل یمتد لیشمل حرکه النفاق الداخلی، والقوى التی تهاب مواجهه الإسلام علنا، فتلبس قناع الإسلام نفسه، وتحقق أهدافها المشبوهه، وتمارس مسخ الإسلام وتفریع محتواه من الداخل عبر سیاسه الترکیز الشدید على الشعارات الإسلامیه، فتقضی على المضمون وتُبقی القشور، فیتحقق لها تغییر المسار والهدف بممارسه نوع من التحریف المعنوی.
التحریف المعنوی هو التصرف فی تفسیر المقصود من اللفظ وتوجیهه مع الحفاظ على اللفظ. نظیر التفسیر الذی ساقه معاویه فی النص المعروف:"تقتلک الفئه الباغیه" الوارد بشأن عمار بن یاسر. فهذا تحریف معنوی. وکذا یضم إلیه قول الخوارج: "إن الحکم إلا لله" ورفعهم شعار:"لا حکم إلا لله" حیث رد علیهم الإمام علیّ علیه السلام بقوله:"کلمه حق یراد بها الباطل" فهذا أیضا مثال لتحریف الآیه وتفسیرها على نحوٍ خاطئ، تم بدافع العمد أو الجهل، وساق للعالم الإسلامی جمیع تلک المصائب. کما یلحق مثالا بالتحریف المعنوی قصه الحدیث:"إذا عرفت فاعمل ما شئت" ینبغی الخوف من هؤلاء، ومن انخداع المسلمین البسطاء من هذه الجماعه المنافقه التی تتمترس بالإسلام زوراً.