الحوار الإسلامی- الإسلامی .. نظره نحو المستقبل

0

لعل من المناسب أن نقول أن الحوار الإسلامی – الإسلامی ، یستهدف بالدرجه الأولى بناء وتنمیه الأنساق المشترکه ، التی تجمع بین مجموع القوى والتعبیرات الاجتماعیه والسیاسیه والثقافیه ، لکی تمارس هذه المشترکات دورها فی بناء الواقع وصیاغه المستقبل .

بالحوار یکون الإسلام قاعده للفکر والحیاه ، ویتسرب إلى دخائل النفس الإنسانیه ، بحیث تبقى قیمه الحوار هی القیمه السائده والحاکمه من مجموع القیم التی یحتضنها الإنسان وتؤثر فی سلوکه العام .. لذلک فإن عظمه أی فکر هی فی انفتاحه وقدرته على تأصیل مفهوم الحوار والنقد فی مسیرته . 

الحوار یعیدنا جمیعا إلى اکتشاف ذواتنا ، ویقوی خیارات التواصل والتعارف ، ویدفعنا جمیعا إلى التخلی عن تلک الخیارات العنفیه التی تمارس النبذ والإقصاء والتهمیش . 

نعتقد أن اللحظه التاریخیه التی نعیشها ، تقتضی منا جمیعا الإسراع فی بلوره خیار الحوار والتواصل مع الآخرین . حتى نتمکن جمیعا من زیاده وتائر التضامن والتعاون ، وإزاله کل عوامل الفرقه وسوء الظن المتوفره بشکل أو بآخر فی الوسط الاجتماعی . لذلک فإننا نرى أن الظرف جد مناسب ولا یحتاج إلا إلى إراده صلبه لترجمه هذه التطلعات والآمال ، والانطلاق فی بناء حقائق الحوار والتواصل فی المجتمع والأمه .
ولکی تتضح صوره الواقع الذی نراه أنه مؤاتی لعملیه الحوار نؤکد على العناصر التالیه :
١- حضور التحدیات الجسام التی تواجهنا جمیعا ، وتتطلب منا رؤیه مشترکه ، وإراده واحده صوب الاستجابه النوعیه لهذه التحدیات .
٢- فشل خیارات الإقصاء والنبذ والمفاصله الشعوریه مع الآخرین . فکل الأحداث والتطورات الراهنه تدفعنا إلى الاعتقاد الجازم ، بأنه لا مستقبل لأی ثقافه تقصی الآخر وتمنعه من التعبیر عن رأیه ، وإنما المستقبل هو لتلک الثقافه التی تتسع إلى آراء الآخرین ، وتستوعب تعبیراتهم المختلفه ، وتسعى نحو بناء الحقائق المشترکه . 

لذلک فإن الحوار الإسلامی – الإسلامی هو بوابه القطیعه الفعلیه مع کل نزعات الإقصاء والنبذ وممارسه القهر التی قد تنطلق من رؤیه ثقافیه أو من منهج أیدلوجی .
وعلیه فإن الإسراع فی بناء حقائق الحوار الإسلامی – الإسلامی هو الاستجابه النوعیه لتحدیات الراهن ، والانخراط الفعلی فی صیاغه ثقافه جدیده قوامها الحوار والتواصل واحترام حقوق الآخر وجودا ورأیا وفکرا..

لا شک أن للواقع الذی یعیشه الإنسان تأثیر وضغط على أولیاته ومتطلباته. وحینما نطالب بتعمیق قیمه الحوار فی فضائنا الاجتماعی والثقافی . لا یعنی بأیه حال من الأحوال نکران ضغوطات الواقع أو بعدنا عن متطلباته ، وإنما المهم هو کیف نتعامل مع الواقع وضغوطاته . کما أننا ینبغی أن لا نتعاطى مع مفهوم الحوار کجهد تکتیکی مرحلی ، وإنما کقیمه أساسیه من قیمنا وجزء أصیل من منظومتنا الفکریه والمفاهیمیه . وعلیه فإن الحوار لا ینفی ضغوطات الواقع ، وإنما یتعامل معها وفق رؤیه مغایره للسائد . 

ولا ریب أن تحقیق مفهوم الحوار فی الواقع الاجتماعی کله ، بحاجه إلى بدایه وإلى خطوه أولى ننطلق منها . وفی تقدیری أن الخطوه الأولى التی ننطلق منها هو الحوار بین النخب ، لا لکی نغمض أعیننا عن المواقع الاجتماعیه الأخرى ، وإنما لکی نؤسس لحاله من التعارف المتبادل بین هذه النخب ، ومن ثم تنطلق هذه النخب فی مشروع ممارسه دورها على الصعید الاجتماعی العام .
فالنزعات الطائفیه الإقصائیه ، لا یمکن مواجهتها إلا ببناء القوه الحضاریه القائمه على تحشید کل الطاقات والامکانات لإزاله کل موجبات التطرف والعنف . والتعصب الأعمى للأفکار لیس هو الوسیله الإسلامیه والحضاریه للدفاع عنها وحمایتها ، وذلک لأن هذا التعصب ینطوی على مخاطر وتهدیدات تناقض فی کثیر من الأحیان جوهر الأفکار التی تعصبت من أجل الدفاع عنها . والاعتراف المذهبی المتبادل کهدف نبیل ومشروع ینبغی أن یدفعنا إلى المزید من التواصل والحوار مع الآخرین لخلق الوقائع والحقائق التی تثبت جدارتنا وأهلیتنا لکی نکون مع الآخرین على قدم المساواه .
فالتواصل الإنسانی بکل مستویاته قیمه حضاریه ثمینه ورساله حوار وتعارف وأرضیه تسامح وتعایش بین الثقافات والأفکار المختلفه . ویخطئ من یتصور أن التواصل والحوار یعنی التنازل عن العقیده أو القناعات الذاتیه ، وإنما هو الوسیله الحضاریه لتنظیم الاختلافات وضبطها ولیس نافذه للتنازل أو المیوعه القیمیه .
 
وحده الحوار المستدیم والمفتوح على کل القضایا والأمور ، هو الذی یفکک الأفخاخ الداخلیه ویعطل دورها السلبی والخطیر . وذلک لأن فی الحوار السلیم الاعتبار دائما إلى الحجه والمنطق والرأی الموضوعی المتجرد ..

وخلاصه القول : أن الحوار لا ینهی الاختلافات المذهبیه والفکریه والسیاسیه ، وإنما ینظمها ویضبطها بعیدا عن خیارات الإلغاء والعنف .
ووجود مشکله طائفیه مقیته فی واقعنا ومجتمعنا ، ینبغی أن تواجه من خلال الوسیلتین التالیتین :
الأولى : بناء القوه الذاتیه الشامله والتی تستهدف تحقیق التفوق النوعی . قال تعالى ﴿ إن یکن منکم عشرون صابرون یغلبوا مئتین وإن یکن منکم مئه یغلبوا ألفا من الذین کفروا بأنهم قوم لا یفقهون ﴾ سوره الأنفال ، الآیه ۶۵ . وفی آیه أخرى : ﴿ کم من فئه قلیله غلبت فئه کثیره بإذن الله والله مع الصابرین ﴾ سوره البقره ، الآیه ٢۴٩ .
الثانیه : ضروره الحوار والتواصل وتوسیع المساحات المشترکه مع الآخرین . 

ولعل القواسم المشترکه فی الدائره الإسلامیه هی التی توفر المناخ النفسی والعملی لتنمیه هذه الجوامع المشترکه .
لذلک نجد القرآن الحکیم یؤکد على ضروره دعوه الآخرین إلى المشترکات . إذ یقول تبارک وتعالى : ﴿ قل تعالوا إلى کلمه سواء ﴾ فبدایه الحوار المستدیم هو تحدید الأرض المشترکه التی یقف علیها الجمیع ، ولکی تستمر عملیه الحوار نحن بحاجه إلى تنمیه دائمه لکل المشترکات التی تجمعنا مع الآخر الإسلامی . 

هناک مراکز وشرائح تحدد أولویات الحوار والأرضیات المشترکه هی:
أولا : ضروره الفهم قبل التفاهم حیث أن المطلوب أن یتواصل کل طرف مع الآخر من خلال أمهات کتبه المعتبره ، ویحاول أن یفهم الآخر عقیده وفلسفه وفکرا وتاریخا ، حتى حینما تأتی فرصه التفاهم تکون قاعده الفهم العمیق المتبادل هی القاعده التی تنجح مشروع اللقاء المباشر .
ثانیا : ضروره العمل على تطویر العلاقه العلمیه بین المؤسسات والمعاهد والحوزات التابعه لمختلف المذاهب الإسلامیه .
ومن الأهمیه فی هذا الإطار أن ندعو إلى تأسیس الفقه المقارن بین المذاهب الإسلامیه کماده رئیسیه فی کل المعاهد والمؤسسات العلمیه الإسلامیه .
ثالثا : الفقهاء والعلماء هم الفئه الأکثر جداره فی تحدید المشترکات ، والعمل على صیاغه الجوامع المشترکه بین مختلف المذاهب الإسلامیه . لذلک من المهم أن یتم حوار مستدیم ولقاء متواصل بین علماء الأمه وفقهائها . وقد تکون البدایه الفعلیه لذلک هو التقاء العلماء مع بعضهم البعض فی کل منطقه إسلامیه . 
فلو التقى علماء الإسلام من مختلف المذاهب الإسلامیه فی لبنان مثلا ، فإن تطور عملهم المشترک سینعکس إیجابا على مختلف البلدان الأخرى . وعلیه فإن العلماء من مختلف المذاهب مطالبون فی کل بلد من الحوار واللقاء والتواصل مع بعضهم البعض للمعرفه المتبادله ولإزاله أسباب الجفاء والتباعد ولخلق مستوى من الانسجام النفسی والاجتماعی .
أعتقد أن من خلال هذه العناصر الثلاثه تتضح مسؤولیه من یحدد الأرض المشترکه .

لا شک أنه من الضروری دراسه التاریخ واکتشاف العبر والدروس منه ، وتحدید الرؤیه و الموقف من أحداثه ورجاله , کما أنه لا یمکننا بأیه حال من الأحوال أن نمارس القطیعه التامه مع التاریخ . لأنه ببساطه حاضر فینا ، وعلى المستوى الحضاری لم یصل مجتمع من المجتمعات إلى ذروته الحضاریه أو قمته المدنیه ، إلا بعد أن أحسن علاقته بتاریخه . ودائما کان حسن العلاقه مع التاریخ المجید والمضیء ، هو الشرط الضروری للانطلاقه الحضاریه .
فالتاریخ بالنسبه لنا هو أحد أدوات التقویم والتفضیل ، لهذا فإننا بحاجه دائمه إلى إزاله عناصر التخلف فی نظرتنا إلى تاریخنا .
لذلک فإن المطلوب هو الحوار حول الماضی ، ولکن بأدوات معرفیه وشروط نفسیه تتجه صوب بناء المستقبل على قاعده الاستفاده القصوى من دروس وعبر التاریخ . فلا إشکال بمناقشه کل قضایا التاریخ ، ولکن ینبغی أن یتم النقاش والحوار بعقلیه منفتحه ، تتجه إلى تنمیه الجوامع المشترکه ، وتوسیع مساحات اللقاء والوفاق فیه .
وهذا لا یتم إلا ببلوره منهجیه واضحه لدى کل الفرقاء فی دراسه التاریخ وقراءه أحداثه. فالمطلوب دائما بلوره المنهجیه القادره على وصل حاضرنا بتاریخنا ، بما یوفر لنا الإمکانیه الذاتیه والموضوعیه لصناعه مستقبلنا .

لا ریب أن الاختلاف لیس مطلبا بحد ذاته , ولکنه من لوازم الوجود الإنسانی . بمعنى أنه ولاعتبارات ذاتیه وموضوعیه , لا یخلو مجتمع من حاله الاختلاف . لذلک فإن التعامل مع هذه الظاهره , ینبغی أن یتم على قاعده أنها ملازمه للوجود الإنسانی .
والترکیز على الایجابیات هو من أجل إرساء تقالید سلیمه للتعامل مع هذه الظاهره .
وهناک خیارات عدیده للتعامل مع ظاهره الاختلاف . وفی تقدیرنا أن الخیار الذی یجنب الجمیع المتوالیات السلبیه للاختلاف هو الحوار ..
ولهذا الاعتبار فإن الحوار فریضه اجتماعیه – ثقافیه – إنسانیه , تجنب الجمیع حاله الاحتقان التی تقود إلى صراعات مفتوحه وعبثیه فی بعض الأحیان ..

ولا أعتقد هناک اختلافا حول جوهر الدین ، وإنما الاختلاف المتوفر وفی الکثیر من صوره , یعود إلى الاختلاف حول الفهم البشری للدین کقیم أو کممارسه تاریخیه أو راهنه .
وعلى کل حال فإن الاختلافات العقدیه تقتضی فی تقدیرنا الآتی :
أ – الصلابه (ولیس التشدد) فی الجوهر والمرونه فی المظهر , وذلک عبر تحدید الثوابت وبیان المتغیرات .
ب – الحکمه فی التعامل مع المختلفین على المستویین الفکری والسیاسی . فالاختلاف لا یساوی بالضروره القطیعه ، وإنما قد یقتضی التواصل الإنسانی والفکری , وبالتالی فإن مدنیه الاختلاف کمقوله تعنی التعامل مع الاختلافات الفکریه والاجتماعیه والسیاسیه وفق المنهج الفقهی الذی یستند على ثنائیه ( الخطأ والصواب ) .

والتعایش لا یعنی بأیه حال من الأحوال ، أن تتنازل عن ثوابتک ومقدساتک ، وإنما وببساطه شدیده التعایش یعنی :
أن نحترم بعضنا البعض على قاعده العداله والمساواه . فاختلافاتنا العقدیه والفکریه مع الآخرین ، ینبغی أن لا تدفعنا إلى ظلمهم ، کما أن اختلاف الآخرین معنا على ذات الصعد ، ینبغی أن لا یدفعهم إلى ظلمنا . فالمطلوب أن نمارس العداله مع المختلفین معنا . فالعداله هی الرکن الأساس لمفهوم التعایش , فکل طرف یلتزم بثوابته ومقدساته ، دون الإساءه إلى الآخرین . 

لا شک أن المنطقه مقبله على تحولات وتغیرات کثیره على المستویات السیاسیه والثقافیه والاجتماعیه والاقتصادیه ، وبإمکاننا أن نحدد تجاه هذه التحولات کمجتمع إذا تطور أداؤنا وفعلنا النوعی .
ولا ریب أن من أهم مؤشرات هذا التغییر توسیع رقعه المشارکه الشعبیه فی الشأن العام . وهذا الملمح بحاجه إلى إراده مجتمعیه مستدیمه تؤکد على هذا الخیار ، وتوفر کل الأسباب المفضیه إلى توسیع رقعه المشارکه السیاسیه ، والخروج من نفق الأشکال الشمولیه فی ممارسه وإداره الشأن العام .
ونحن الذین نستطیع أن نحدد هل نحن خارجون أم داخلون فی هذا المشهد . فالتحولات السیاسیه مهما کان شکلها أو مستواها ، فهی بحاجه إلى یقظه تامه وحضور مستدیم ومشارکه فی صیاغه اتجاهاتها ومآلاتها النهائیه . 

وأعتقد أن عامل التحولات السیاسیه ، لیس خاضعا لقانون التفاؤل أو التشاؤم الشخصی . وإنما هو خاضع لطبیعه القوى المحرکه له .
فإذا أردنا أن یکون نصیبنا حقیقیا من هذه التحولات ، فینبغی أن ننخرط بشکل نوعی فی هذه التحولات ، حتى نضمن حصولنا على مکاسبنا السیاسیه والاجتماعیه والثقافیه . فإراده المجتمع وکفاح النخبه هما اللذان یحددان مستوى استفاده مجتمعنا من تحولات اللحظه التاریخیه ومتغیراتها المتلاحقه..

Leave A Reply

Your email address will not be published.