معجزات الشهاده الزمنیه

0

 

هکذا کان یقول لسان حال مسلم ما بعد الثوره ، فهو بعد خذلانه لبطل الطفّ صار یحسّ نقیصه تفری ضعفه الباطنی ، جعلته یتفرّس طویلاً فی خیالات اُولئک الأشاوس الذین قضوا فوق ثرى کربلاء دون الحقّ الذی رفع رایته أسد الحقّ وسار بها إلى حیث المصارع والحمام وهو عالِم بما ستؤول إلیه حرکته .

 
ــــــــــــ
(۱) أبیات قالها عبید الله بن الحر الجعفی ندماً على قعوده عن نصره الحسین (علیه السّلام) .
وحرکه الحسین (علیه السّلام) کان لها هدفان لا ثالث لهما :
الأول : إحداث رجّه عنیفه فی کیان الاُمّه الإسلامیّه ، وهذا هدف مبدئی ولیس مرحلی أو نهائی .
الثانی : وضع الاُسس النهائیّه والمبادئ الضروریّه لحفظ کیان العقیده إلى الأبد ، محاذراً بها أن تزل أو تضعف أو تضمحل على ید أفراد أو سلاطین ، وهذا هو هدفها الجوهری والرئیس والأساسی .
ولیس فی سدى الحرکه أو لحمتها ما ینبئ عن هدفٍ ثالث ، وکلّ الذین وضعوا لهذه الحرکه هدفاً ثالثاً إنّما کانوا یرتدّون بها من حیث لا یدرون ، ویقصدون إلى مسار آنی مرحلی لا یملک من مبرّرات وجوده إلاّ الوقت الزائل بزوال أسبابه .
فما ذهب إلیه إذاً مؤرّخو الحرکه من إسناد هدف إسقاط عرش یزید أو حکم بنی اُمیّه لثوره الحسین کهدف بحدّ ذاته قامت الثوره لأجله ، کان فی معظمه إسناد لا یتکّئ على الحقیقه الجوهریّه للثوره .
فسقوط عرش یزید کان واحده من معجزات الثوره الزمنیّه أی تلک المتعلّقه بأشکال الحکم القائمه ، أو بالأفراد الذین یسوسون الاُمّه فی تلک المرحله ، وإذا کان لهذه المعجزه من سبب وهدف فلیس إلاّ لأنّها متمّمه للمعجزتین ( الروحیّه والاجتماعیّه ) اللتَین کانتا الهدف الأسمى لثوره الشهید .
وبتحدید أدقّ کانت المعجزه على مستوى ضمیر اُمّه الإسلام هی الهدف الأوحد لثوره الحسین الذی به قوّمت الاُمّه وعقیدتها ، والتی شکّلت أساس کلّ المعجزات الاُخرى التی لا بدّ وأن تتحقّق من أجل استکمال صوره المعجزه الروحیّه بتمامها ، فتصبح لها سنداً وعضداً وعاملاً مکمّلاً .
فإذا نظرنا إلى ما ذهب إلیه البعض فی إسناد هدف إسقاط عرش یزید بالذات إلى حرکه الحسین ، وإذا قمنا بدراسه متعمّقه لأفکار ومبادئ ومواقف هذه الثوره منذ انبعاثها شراره صغیره حتّى اکتمالها حریقاً هائلاً یأکل هیکل الاُمّه الإسلامیّه المنخور لیشیّد على أنقاضه هیکلاً سلیماً ، لَما وجدنا أیّه إشاره لکون الحرکه تضع مشکله إسقاط عرش یزید کهدف ، سواء کمرحلی أو مبدئی أو نهائی ضمن أهدافها .
فالثوره لم تکن ثوره لفردیّه مجتمع أو لشریعه حکم ، بل کانت ثوره الإنسان وشرائع الفطره الدینیّه السلیمه ، ما دام الإنسان هو المستفید منها ، فلا یحید عن سنّته مهما تبدّلت وتنوّعت شرائع الحکم والمجتمعات ، وله فی هذا الناموس مرشداً : ( فَأَقِمْ وَجْهَکَ لِلدِّینِ حَنِیفاً فِطْرَهَ اللهِ الَّتِی فَطَرَ النَّاسَ عَلَیْهَا لاَ تَبْدِیلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِکَ الدِّینُ الْقَیِّمُ وَلَکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لاَ یَعْلَمُونَ )(۱) .
إنّ الرمز العمیق فی ثوره الحسین لآیه تنحت فی الفطره الإلهیّه الأزلیّه التی لا زمان ومکان وأحکام تقیّدها ، فإذا کانت ثمّه من تبدّل أو إکمال لهذا الرمز فی بعض مواقع وظروف ، فلیس معنى ذلک صیرورته رمزاً ظرفیّاً أو زمنیّاً صرفاً ، بل إنّ الظرفیّه والزمنیّه تنجرفان أمامه أو تلتصقان به بحکم مروره فیهما أو فوقهما .
وعندما جاءت هذه الثوره لم تطلب من الإنسان أن یأخذ بجزئیّاتها وتفاصیلها ، بل دعته للنظر إلیها بمنظور شمولی ، وأن یقف بعیداً عنها مسافه کافیه لیتبیّنها جیّداً ، فهی شکّلت الإطار والصوره معاً ، ومن الإغماط لها کثوره قدسیّه أن ننظر إلیها کصوره فحسب أو کإطار وحده .
ــــــــــــــ
(۱) سوره الروم / ۳۰ .
فلو نظرنا إلیها بهذه السطحیّه لکنّا کمَن یخضب الفطره الإلهیّه بالصنعه البشریّه ، ولوجب علینا أن ننظر على مقیاسها إلى موقعه کربلاء ، نظره مادّیه صرفه تقودنا إلى اعتبارها موقعه عسکریّه لیست إلاّ .
فهی فی شکلها المادّی الصرف موقعه عسکریّه صرفه ، هزمت فیها الکثرهُ القلّه ، وفی مضمونها لا تحتوی على أدنى شَبه بالمعارک العسکریّه .
وکرمز روحی ، وکعبره زمنیّه موحى بها من السرّ الإلهیّ کانت معرکه کربلاء من جانب الحسین رمزاً لوقفه الحقّ على ضعف وسائله لا لحمته ، ومن جانب یزید کانت رمزاً لجَوله الباطل الذی یفوز بوسائله على بطلانها .
فمن هذه النقطه بالذات یتاح لنا النظر إلى إکمال المعجزه الروحیّه الأساسیّه للثوره بمعجزه زمنیّه ، تتجلّى فی سقوط عرش یزید بواسطه ذلک الحقّ ضعیف الوسائل، ذاته الذی کانت له الغلبه علیه فی کربلاء بأنّها عکس لدوره الحقّ والباطل ، وتبیان للقوّه الحقیقیّه لکلّ منهما . وفی هذا سرّ فوق بشری تقدّمه العنایه الإلهیّه لمَن شکّکت نفوسهم ، وتهاوت عزائمهم أمام نجاح جوله الباطل ، کما حدث للضحّاک بن عبد الله المشرقی الذی لازَمَ الحسین منذ بدء ثورته ، ولمّا لَم یبقَ فوق أرض المعرکه إلاّ اثنان کان هو ثالثهما . استأذن الحسین بالذهاب تارکاً إیّاه أمام قوّه الباطل ، نافذاً بجلده مستشعراً ضعف وسائل الحقّ التی یحارب بها .
وفی موقف الضحّاک عکس لموقف الحرّ بن یزید الریاحی ، الذی انضمّ إلى الحسین عن وعیٍ تامّ بغلبه الباطل على الحقّ ، فترک صفّ الباطل المنتصر ، وانضمّ إلى صفّ الحقّ المتهیّئ للهزیمه .
وفی مقوله الرسول الأعظم : (( أنا وأهل بیتی شجره فی الجنّه وأغصانها فی الدنیا ، فمَن تمسّک بنا اتّخذ إلى ربّه سبیلاً )) ، دلاله کافیه على حتمیّه التمسّک بالشریعه التی هی سبیل إلى الربّ ، لا لغایه زمنیّه اُخرى .
إلاّ أنّ معجزه الشهاده الزمنیّه فرضتها حتمیّه الشهاده بذاتها ، فالحسین عندما ثار لم یقل : إنّی خرجت لإسقاط یزید أو دکّ عروش بنی اُمیّه ، بل قال : (( وإنّی لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح فی اُمّه جدّی )) .
خرج لطلب الإصلاح فی اُمّه محمّد ، ولإحقاق الحقّ فی المجتمع الإسلامی(۱) ، ولرفع الظلم والضنک عن کاهل الفرد المسلم ، ولإحلال مناقبیّه أخلاقیّه جدیده تحلّ محلّ تلک المناقبیّه المدجّنه التی ربضت فی النفوس ، ولذبّ أذى المنتهکین عن العقیده الولیده ، کان هذا هدفه ، وکان ضمیر الاُمّه مرمى کرته .
لم یکن عرش یزید إذاً کهدف بحدّ ذاته سعى الحسین بثورته إلیه ، بل کان هدفاً مکمّلاً لهدفٍ أسمى لا دخل له بالعروش الزمنیّه بقدر ما کان دخله بأنماط الحُکم فی کلّ زمان ومکان ، وبأنماط الشخصیّه الإسلامیّه ، وبأسالیب أخذها للسنّه والعمل بها ، کما لم تکن موقعه کربلاء معرکه عسکریّه انتهت فی العاشر من محرّم بانتصار وانکسار ، بل کانت رمزاً لموقف أسمى لا دخل له بالصراع بین القوّه والضعف ، بین العضلات والرماح ، بقدر ما کان ذا صله بالصراع الحقیقی بین قوّه وضعف النفوس ، بین الشکّ والإیمان ، بین المسلم وعوامل إبعاده عن عقیدته .
وهو رمز یصلح لکلّ موطن وجِدَ فیه حاکم ظالم ، ولکلّ زمن اهتزّت فیه العقیده ، ولعلّ أفضل ما یصوّر کون هذا الرمز ناموساً لکلّ العصور والأکوان هذا البیت من الشعر :
کأنّ کلَّ مکانٍ کربلاء لدى        عینی وکلَّ زمانٍ یومُ عاشورا
ـــــــــــــــ
(۱) راجع نصوص الآیات الکریمه التالیه : سوره الأعراف / ۱۸۱ ، سوره آل عمران / ۱۱۰ ، سوره الأعراف / ۱۵۶ ـ ۱۵۷ .
ولکن القوّه لا تعمل إلاّ فی حدود القوّه ، ولا تجد فرصتها إلاّ فی مسالکها ، أمّا الشعور فبمکمن لا یتصّل به طغیان طاغیه ، ولا تحامل باطل ، وفی هذا المکمن زرعت بذره ثوره الحسین ، وامتدّت فروعها فصارت فیئاً یستظلّه المضطهدون والمظلومون ، فیجدون فی فیئه الراحه والسکینه .
والثوره قدّمت طوق النجاه للمسلم الذی یرید الفوز بمرضاه الله ، فصار واحداً من اُولئک الذین عناهم الرسول الأعظم بقوله : (( مَثَل أهل بیتی کسفینه نوح ؛ مَن رکبها نجا ، ومَن تخلّف عنها غرق )) .
ولیس المقصود فی هذا القول الکریم ( مَن رکبها ) رکوباً مادّیاً فی حینها ، أو ( تخلّف عنها ) تخلّفاً مادّیاً فی ساعتها ، بل یشمل هذا المغزى کلّ الأجیال التی تُولد مؤمنه تستلهم سیره أهل البیت وتسیر على هَدیها ؛ فتکون کمَن ترکب سفینتها لتنجو فی أیّ وقت صحّت عزیمتها .
وثوره الحسین (علیه السّلام) هی السفینه التی مخرت عباب الباطل ، ولم تزل فی الیمّ حتّى الآن فی رحله بدأت أزلیّه وتنتهی سرمدیّه بانتهاء الدهور . وعجباً أن تکون هذه السفینه فی العباب کلّ هذه القرون ، لم تزدها حمولتها التی تثقل یوماً بعد آخر وسنه بعد اُخرى إلاّ خفّه ومضاء .
وفی رغبه الإنسان ـ أیّ إنسان کان ـ أن یرکب هذه السفینه ، معناه حمل لرایه الکفاح التی رفعها الحسین ، وهی رایه للمسلم کما لغیره . فالرسول الأعظم (صلّى الله علیه وآله) لم یحدّد هویّه مَن یرکب السفینه بالمسلم فحسب , بل بـ (( مَن رکبها نجا , ومَن تخلف عنها غرق )) . وفی هذا التعمیم شمولیّه لبنی الإنسان عامّه .
والمعنى المجازی فی قوله الرسول (صلّى الله علیه وآله) ینفی الحرفیّه الکیفیّه عن القوله ، فرکوب سفینه آل البیت یتجلّى فی رغبه العمل بمبادئ ثوره الحسین ، والغرق بعیداً عن السفینه معناه السکوت عن الظلم وتحریف العقیده والعمل بروح بعیده عن روح ثوره الشهید ، أمّا السفینه فهی المبادئ ذاتها التی نادى بها الحسین ، فکان لها وَقْعَاً صارخاً فی الضمائر جعلها تهبّ دفعه واحده من سباتها العمیق .
وعلى الرغم من تقادم العهد منذ قیام الثوره فإنّ الإنسان یسترجعها حارّه أمامه إذا ما نزعت نفسه إلى أخلاقیّاتها ، متى دعته الحاجه وحلّت به المصائب وأناخت على خلقه مظالم حکّامه ، فتعود إلیه کما لو کانت متفجّره لتوّها ، فیشارک فیها مکافحاً بصبره على بلائه ، ووقوفه فی وجه الظالمین ، وبرفضه لمنطق الهدم ، فیکون بمقیاس المعنى النبوی المقصود مشارکاً ثائراً کالقاسم وأخیه ، والعباس وإخوته ، وآل عقیل وعابس ، والحَجّاج والسوید ، وبریر والحرّ ، وکلّ الذین جاهدوا جهاداً مادّیاً إلى جانب الحسین وسقوا غرسه الشهاده فی صحراء کربلاء بدمائهم الزکیّه .
وقد أخرج ابن ماجه وأبو یعلى عن الحسین (علیه السّلام) قال : (( سمعت رسول الله (صلّى الله علیه وآله) یقول : ما من مسلم تصیبه مصیبه وإن قدم عهدها , فیحدث لها استرجاعاً إلاّ أعطاه الله ثواب ذلک )) .
وفی عصر الضنک والظلم والتحریف هذا الذی نعیشه ما أحرانا لأن نتشرّف بالأخذ بالمبادئ الحسینیّه ، ونجعلها لنا قانوناً حیاتیّاً وأخلاقیّاً ؛ فکم من یزید الآن فوق سطح هذه الکره الأرضیّه ؟ وما أدرانا أن یکن أحدنا ابن زیاد ، أو ابن سعد ، أو الشمر من حیث لا یدری إذا کان فی ممارساته العصریّه ما یقرّبه من بعید أو قریب لهؤلاء الشیاطین المرده(۱) ، فیکون کابن زیاد عصره بعزوفه عن مبادئ
ـــــــــــــــ
(۱) فی کثیر من الأحیان نواجه نوعیّات شیطانیّه متلبّسه هیئات بشریّه . نتأکّد معها بأن یزید وشمر وابن زیاد وغیرهم یتکرّرون مجدّداً فی کلّ عصر وزمن ، ینتهکون الحقّ ویحلّون الحرام ویحرّمون الحلال . بینما لیس ثمّه حسین واحد فلنتأمّل فی هذا .
الحسین ، وکابن سعد زمانه بتهاونه مع الظالمین ، وکشمر مکانه فی عمله ضدّ مبادئ الحقّ والعدل ، فیقتل الحسین من جدید فی کلّ مرّه یقف فیها مع الباطل والزائف ؟
فمبادئ الثوره الحسینیّه لیست شکلاً للحفظ فقط ، تأخذ شاکلتها کأنّها مذهب صوفی أو تعلیم نظری ، بل هی شیء کالاستحواذ تتمدّد فی القلب وتختلط فی الفکر ، فیغدو صاحبها قلباً وفکراً ؛ لذا فإنّ أوّل ما مسّت هذه المبادئ من نفس الإنسان مسّت شعوره الإنسانی وقلبه وفکره ، فأیقظت هذه المکامن ، فأحسّ بشعوره بالندم . وبقلبه بالتوبه وبفکره بضروره التغییر .
وإذا کنت قد أسهبت فی هذه المقدّمه قبل الخوض فی معنى معجزات الثورات الزمنیّه التی اجترحتها شهاده الحسین ؛ فذلک لاُبیّن مدى ما تفعله طفره الإیمان الصادق فی قراره النفس البشریه ، ولأوضّح على أنّ من معجزات الشهاده الاُخرى أنّها لا تقنع من أمرها بما حقّقته على مستوى ضمیر الاُمّه وروحیّتها ومجتمعها ، بل هی تکمل ذلک کلّه بتغییر الإطار الذی غیّرت فی داخله هذه الصور الثلاث ، ووجهتها الکمال تبغی من ورائه رفع الحقیقه بکامل جوانبها أمام الأعین ، فلا تترک مجالاً لمشکّک ولا فرصه لمتخرّص .
وفی کمال الشهاده لحظه جلوه العقول والأنفس والضمائر آخر مرحله من مراحل معجزاتها ، حینما ترفع آخر غلاله شفافه فتبدو الحقائق أشدّ وضوحاً ، فتنیل القائمین على أخذها شعوراً بالرضى عن ذواتهم .
ونِعْمَ الرضى إذا کان فیه ما یستوجب الشهاده مجدداً ، فمعجزه الشهاده قد تتطلّب شهاده اُخرى ، أو شهادات متواتره تفعل فعل النار فوق الحدید لا تنفکّ تتأجّج حتّى یحمى الحدید ویصیر قابلاً للمعالجه .
وکما بدأت الاستجابات الفوریّه لثوره الحسین على مستوى الشعور بالهزّه المبدئی ، ثمّ تلتها مرحله التبصّر فی النفس والظروف والدوّامات ، إلى أن وصلت إلى فتره الانفجار بعد أن مرّت بمرحله کمون نفسی وضمیری ، فإنّ شکل الاستجابات للتغییر الزمنی اتّخذ نفس مسار أصداء الثوره الاُولى .
وهکذا خفّ المتنادون من کلّ مکان وفی أحداقهم بقایا الکابوس الذی رانَ ثمّ عَبَر ، وتوافدوا إلى مصدر النداء یذوبون فی مجهوله دون معرفتهم بکُنهه إلى حیث یعالجون فیه داء ضمائرهم فی انتفاضه تعید لها العافیه ، وإلى حیث یجدّدون ثوابهم مع الله على نُصره حُسینه فی مبادئه ، بعد أن خذلوه فی خروجه المادّی للثوره .
وکان أوّل الملبّین لنداء المجهول جماعه أطلقت على نفسها ( حرکه التوّابین ) حیث تلاقت وتشاورت وخرجت بنتیجه : أنّها قد أخطأت بترک الحسین دون نصره ، ورأى أنصار هذه الحرکه أنّه لا مندوحه لهم من التکفیر عن مقتل سبط النبی وذلک لا یحقّقه إلاّ قتل قتلته ، وفزعوا لهذه الغایه إلى خمسه من وجهاء الشیعه بالکوفه وهم : سلیمان بن صرد الخزاعی ، والمسیب بن نجبه الغزاری ، وعبد الله بن سعد بن نفیل الأزدی ، وعبد الله بن وال التمیمی ، ورفاعه بن شداد البجلی .
وقد تداول الفزعون والمفزوع لهم بأمر ما کان من غرامهم بتزکیه أنفسهم حتّى بَلا الله خیارهم ، فوجدوا أنفسهم کاذبین فی موطنین من مَواطن ابن بنت نبیّهم (صلّى الله علیه وآله) بعد أن بلغتهم کتبه ، وقَدِمت علیهم رسله ، وأعذر إلیهم یسألهم نصرته عوداً وبدءاً ، وعلانیه وسرّاً ، وما کان من موقفهم حیث بخلوا عنه بأنفسهم حتّى قُتل إلى جانبهم ، فلا هم نصروه بأیدیهم ، ولا جادلوا عنه بألسنتهم ، ولا قوّوه بأموالهم .
وفی جلسه المقارعه هذه مع الضمائر ، صاح فی الجمع سلیمان بن صرد الخزاعی الذی تولّى منصب الزعامه ، قائلاً : ألا انهضوا ، فقد سخط ربّکم ، ولا ترجعوا إلى الحلائل والأبناء حتّى یرضى الله ، وما أظنّه راضیاً حتّى تناجزوا مَن قتله أو تبیروا ، ألا لا تهابوا الموت فوالله ما هابه امرؤ إلاّ ذل ، کونوا کالأُوَل من بنی إسرائیل إذ قال لهم نبیّهم : إنّکم ظلمتم أنفسکم باتخاذکم العجل ، فتوبوا إلى بارئکم ، فاقتلوا أنفسکم ذلک خیر لکم عند بارئکم .
وکانت صیحه سلیمان بن صرد بمثابه إشاره البدء لانتفاضات لم تکن لتهدأ أو تخمد بالقوّه حتّى تتأجّج فی مکان آخر .
وکانت ( ثوره التوّابین ) أوّل ردّه فعل لاستیقاظ الضمائر فی اُمّه الإسلام ، تَنادى لها شیعه المدائن والبصره ، وجمعت أنصاراً لها نفراً بعد آخر ، ولم تکد تمضی باستدعائها فتره وجیزه حتّى مات یزید ، فاتّخذت الدعوه شکل الجهر بعد أن کانت سرّیه .
حتّى إذا ما انقضت أربع سنین على تنادی التوابین للثوره , وخمس على استشهاد الحسین (علیه السّلام) ، حتّى هبّوا هبّه ضمیر واحد ورجل واحد یتناوحون ویبکون ندماً فی لیله جمعه على قبر الحسین (علیه السّلام) ، لیندفعوا بعدها نحو الشام حیث أعملوا التقتیل فی جیوش الاُمویّین حتى أُبیدوا عن آخرهم(۱) .
والتهبت نار الثورات بعد حرکه التوّابین التی اعتبرت حرکه فجّرها الشعور بالتقصیر والندم والرغبه الصادقه فی التکفیر ، فلم تکن لتهدف وهی بهذا المنطلق إلاّ للانتقام ، وقد شارکهم نفر من غیر الشیعه آملین فی تغییر الحکم الاُموی البغیض .
ــــــــــــ
(۱) تاریخ الطبری ۴ / ۴۲۶ ـ ۴۳۶ .
وإذا کان لهذه الانتفاضه من تأثیر فإنّها أفلحت فی شحن جماهیر الکوفه وإیغار الصدور ضدّ الحکم الاُموی ، وهذا ما ترجم بعد تفشّی خبر موت یزید إلى ثوره على العامل الاُموی فی الکوفه عمرو بن حریث وإخراجه من قصر الإماره ، وتنصیب عامر بن مسعود الذی بایع لابن الزبیر ، وفی تنصیبه انحسر سلطان الاُمویین لفتره من الزمن عن أرض العراق .
وبانحسار ثوره التوّابین بدا أنّ جرائر یوم عاشوراء بدأت فی تصفیه حساباتها والأخذ بحقّها وثاراتها .

Leave A Reply

Your email address will not be published.