مهزلهُ الخروج على الأئمّه
وقد أعادت ملحمه کربلاء إلى الأذهان ما أفتى به الفقهاء الموظّفون : من أنّه لا یجوز الخروج على الأئمّه ، وقتالهم حرام بإجماع المسلمین وإن کانوا فسقه ظالمین .
ففتحت هذه الأذهان على عملیّات التمویه الرسمیّه التی موّلها حکّام بنی اُمیّه لوأدّ کلّ مطالب عادله ، والوقوف أمام کلّ تحریف للسنّه ، والسکوت عن مخارف الجَور والانتهاکات .
وفی مقابل تفتّح الأذهان على أضالیل فرقه المرجئه ومؤسّسیها الاُمویّین تفتّحت هذه الأذهان على مبدأ الإمام الشهید (علیه السّلام) الذی قاله مخاطباً الولید بن عتبه بن أبی سفیان : (( أیّها الأمیر ، إنّا أهل بیت النبوّه ، ومعدن الرساله ، ومختلف الملائکه ، بنا فتح الله وبنا یختم . ویزید رجل فاسق ، شارب الخمر ، وقاتل النفس المحرّمه ، معلن بالفسق ، ومثلی لا یُبایع مثله ))(۱) .
ــــــــــــ
(۱) مثیر الأحزان ـ لابن نما الحلّی .
فهذه الکلمات على بساطتها تدلّ دلاله واضحه على جواز نقد الخلیفه والثوره على أحکامه والخروج علیه ، وتبیّن فی الوقت ذاته أسالیب المراوغه والتحریف التی رفعها الاُمویّون فوق الرؤوس لإیهام الناس وإخافتهم .
وکان لا بدّ للفرد المسلم من المقارنه بین هذا المبدأ الحسینی وذلک المبدأ الاٍُموی ، وما کان من نتیجتهما ؛ کی یخلص إلى نتیجه واحده لا مزاحم لها فی النهایه ألا وهی : أنّ الحُکم الاُموی حُکم مارق کافر یلعب بالسُنَن ، ویسرق الخلافه ، ویغتصب البیعه اغتصاباً . فکیف إذا کان على رأس هذا الحُکم خلیفه مثل یزید یجاهر بفسقه ، ویتحدّى الله ورسوله ، ویزاحم آل بیته على حقّ الخلافه ، فذلک معناه موافقه ضمنیّه على فسقه ، ومساعده غیر مباشره على تحدّیه الله .
وعندما یعلن إمامٌ کالحسین (علیه السّلام) منحدر من معدن النبوّه أنّ (( یزید رجل فاسق ، شارب الخمر ، وقاتل النفس المحرّمه(۱) ، معلن بالفسق … )) . فمعنى ذلک أنّه إفتاء للاُمّه الإسلامیّه بجواز إسقاط هذا الخلیفه المزیّف والثوره علیه ؛ لأنّ معنى المبایعه هو بیع النفس للخلیفه الذی یرمز إلى الشریعه وجوهر الدین ، وحامی القرآن الکریم ، وولی عهد الرسول المصطفى (صلّى الله علیه وآله) على المسلمین ، وفی مبایعته إقرار ضمنی بالاستماته فی سبیله عملاً بقوله تعالى : ( أَطِیعُوا اللهَ وَأَطِیعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِی الأَمْرِ مِنْکُمْ ) ، فألزم على المسلم طاعه الخلیفه ؛ لأنّها تدخل فی طاعته عزّ وجلّ .
ـــــــــــــ
(۱) ( ولا تقتلوا النفس التی حرّم الله إلاّ بالحقّ ) ، راجع النصّ الکامل للآیه ۳۳ من سوره الإسراء .
وعندما یکتشف الإنسان المسلم أنّ بیعه نفسه لخلیفه فاحش قد کلّفه التفریط بعقیدته ، وبیع نفسه للظلم والفحش الذی یمثّله هذا الخلیفه ، وبالتالی کسب غضبه الله جرّاء عصیانه ، فإنّه یحتقر نفسه ، ویزدری قلّه تعقّله حینما بایع خلیفهً مزیّفاً ، فیتحرّک ضمیره ویتفاعل إحساسه بازدراء نفسه ولومها مع مخافه الله وعدله ، فیثور ویحطّم أصنامه ویموت دون مبدئه راضیاً مؤمناً .
وبدءاً من فرضیّه الندم ثمّ مراجعه النفس والوقوف على حقیقتها وحقیقه الاُمور ، والظروف التی دوّمتها فی دوّامتها ، وتبیان الحقیقه الساطعه ، مروراً بفتره المراجعه وکمون الأفکار والانفعالات ، ونجاحها فی تحویل صاحبها من إنسان خامل بلا عقیده إلى إنسان دینامیکی معبّأ بالمبادئ ، فضلاً عن تحرّک الظروف خارج نفس الإنسان وتفاعلها فی نواحٍ اُخرى بما یدعم مبدأه الجدید وعقیدته المستیقظه ، ممّا یزید من تصمیمه على استمرار الاستسلام لهتافه الداخلی الذی یقوده إلى دروب لم یکن یحلم بالمسیر بها ، ویفتح أمام بصیرته مغالیق کانت کالسدّ فی وجهه ، فیندفع بإیحاء من فقدان ثقته بما کان ، وانسجاماً مع هتافه الداخلی ، ورغبهً منه فی تغییر الأوضاع إلى الثوره والتحطیم واقتلاع کلّ زیفٍ من جذوره .
وشهاده الحسین (علیه السّلام) فی کربلاء وما تلاها من حوادث السبی نجحت فی إیصال الإنسان المسلم إلى بدء رحله الألف میل نحو تحرّره وتمکین جذور عقیدته فی نفسه بخطوه واحده ، إذ ما کاد رکب السبی یدیر ظهره إلى دمشق عائداً إلى الأرض التی تضمّ الجسوم الطاهره حتّى بدأ الندم یستشری فی ضمیر اُمّه الإسلام ، وبدأت معه عملیّه مراجعه النفس التی ستشکّل محور ما سیأتی بعدها من تغیّرات وانتفاضات تعمّ هذه الاُمّه التی ابتلاها الله بالضعف من بعد قوّه ، فیتنادى للتغییر والثوره أقصاها وأدناها(۱) .
ــــــــــــــــــ
(۱) شهاده الحسین (علیه السّلام) فی کربلاء بحاجه إلى دراسه علمیّه ونفسیّه وروحیّه وزمنیّه وافیه على أعلى المستویات . إنّ فی طوایا هذه الملحمه تکمن اُسس أخلاقیّه لو اُظهرت للبشریّه بشکل علمی مدروس لتغیّرت نظریّات کثیره ، ولأُعطیت أجوبه شافیه للعدید من المسائل الروحیّه والزمنیّه ، وکیفیّه الربط بینهما .
إنّ نهضه الحسین (علیه السّلام) على الرغم ممّا قدّمته حتّى زمننا هذا لم تزل تطوی فی جوهرها کنوزاً من الکیفیّات والدساتیر والأسالیب والنتائج ذات الصله الماسّه بمختلف الأصعده الإنسانیّه بشکل عام ، وبالعدید من قضایا الإنسان المعاصر بشکل خاص . فهل تلقى دعوتنا لهذه الدراسه تقبّلاً واقتناعاً ؟