التجلیات الحسینیه فی الثوره الإسلامیه
لم تشهد الأمه الإسلامیه ـ بعد ثوره کربلاء ـ ثورهً إسلامیه ناجحه کتلک التی حدثت فی إیران، ولم یکن لثوره أن تستلهم موقفها ورؤیتها من کربلاء کما استلهمته الثوره الإسلامیه الإیرانیه، التی فاخرت وافتخرت بانتمائها الأصیل إلى مدرسه الحسین (ع)، واستفادت من المخزون الفکری والثوری للنهج الکربلائی، فکان شعارها الأول والأخیر: (إن کل ما عندنا من عاشوراء).
من هنا لا یعود من المبالغه إن قلنا: إن انتصار الثوره الإیرانیه، وقدرتها على إحیاء النفوس المیته من الجسد الإسلامی ،وإعاده الاعتبار لقیم الجهاد والشهاده والانتصار فی مواجهه المشاریع الاستکباریه.. کل ذلک إنما یدل على حضور النهج الحسینی واختزانه فی روح الثوره الإیرانیه، ذلک النهج الذی من شأنه أن یصلح الأمه، کل الأمه، وهذه أبرز التجلیات الحسینیه التی انعکست فی الثوره الإیرانیه:
أولاً: انتصار الدم على السیف:
إن الذی یقف على الواقع السیاسی والأمنی لنظام الشاه المقبور، والأهمیه الاستثنائیه التی أولاها الاستکبار العالمی لهذا النظام البائد، والدعم الکبیر الذی قدمه له عسکریاً وسیاسیاً وإعلامیاً، حیث ضاقت السجون بالعلماء والثوار والمجاهدین، مع ما رافق ذلک من استهداف مرکَّز لهویه الشعب الإیرانی الدینیه والثقافیه والوطنیه.. من یقف على کل هذه الأمور، لا جرم یهتدی إلى حقیقه ثابته وقطعیه وهی أن مواجهه هذه النظام ودحره لا تکون إلاّ بالتضحیه والصبر على البلاء، وتقدیم قوافل الشهداء فی حرکه دائمه ومستمره لا تعرف التعب أو الیأس، وأن مقارعه هذا الاستکبار بالحوار والکلمه الحسنى لیست وتقدیم قوافل الشهداء فی حرکه دائمه ومستمره لا تعرف التعب أو الیأس إلا تضییعاً للوقت واستنزافاً للجهود المبذوله.
ولهذا کان من الطبیعی أن تتسم الثوره الإیرانیه عند البعض بالعنف والدمویه، وتضج بالمواجهات والمظاهرات والسجن والنفی والحملات الدعائیه الکاذبه، ولکن الشعب لم یستلسم أمام کل تلک الضغوطات، بل على العکس وقف خلف قیادته الشجاعه بقوه وثبات، وتحمل عبء هذه المواجهه بکل اقتدار، ولم یعتنِ بحجم ومستوى التضحیات، مستلهماً الموقف من مثله الأعلى وقدوته الخالده فی کربلاء، ومعتقداً دون أدنى تردد أن النصر سیکون حلیفه فی نهایه الأمر، وأن اشتداد المواجهه یخبئ خلفه الفرج الکبیر والنصر الأکید، (وإن تنصروا الله ینصرکم ویثبت أقدامکم).
إن هذه القناعه وهذا الثبات لا یمکن لها أن تتولد إلاّ عن ثقافه أصیله وعمیقه، وهی ثقافه کربلاء التی جسّدت بحق دروساً وعبر، وخطّت أروع معانی الذوبان والتسلیم للوعد الإلهی، انطلاقاً من أن التغییر لا یتحقق دون روحیه العطاء والبذل، قال تعالى: ومن الناس من یشری نفسه ابتغاء مرضاه الله).
ثانیاً: الشهاده:
لطالما حظی الجهاد والشهاده فی الثقافه الدینیه، حتى عدها الإسلام فرعاً من فروعه، لکنها حظیت فی حرکه الإمام الخمینی باهتمام بالغ وخاص، تبعاً لمتطلبات المرحله وظروفها، ذلک أن الجهاد والشهاده فی ذاک الوقت کانا هما الطریق الوحید لإعاده القوه والفخر إلى عامه الأمه.
ومن الواضح أن الطاقه والتعبئه الروحیه التی یختزنها العاشق لکربلاء والحسین لا یمکن أن تقاس بأیه طاقه أخرى، هذه الطاقه التی لا تشحن النفوس وتعبئها فحسب، بل تؤججها وتدفعها إلى البذل والصبر والتحمل لتحقیق المراد وهو لقاء المحبوب والمعشوق. ولذا، لا یجوز أن یستهین أحد أو أن یخفف من أهمیه العشق للحسین فی صیاغه شخصیه قادره على تغییر الواقع السیئ، مهما اشتد عوده وقویت شوکته.
إن قدره قیادیی الثوره الإیرانیه على تفجیر طاقه العشق الحسینی فی موقف جهادی یتنافس فیه المحبون للحسین، هی من الممیزات الهائله التی سخرتها هذه القیاده فی خدمه الحق والأمه. لقد أحدثت الثوره الإیرانیه تغییراً جوهریاً فی المفاهیم، فحولت مفهوم الحب من مجرد البکاء واللطم وذکر المصاب إلى مشروع استنهاض للأمه یحفو إلیه المجاهدون على أمل الشهاده ولقاء الحسین بن علی(ع).
نعم، تغذّت الثوره الإیرانیه من رحیق هذه المفاهیم التی تبدأ بالحب فالعشق ثم الذوبان لتنتهی المهمه بالشهاده ولقاء المحبوب. ولقد أصبحت هذه المصطلحات عرفاً محبباً لدى المجتمع الإیرانی مترجمه بشعارات تعکس الذوبان بالحسین من قبیل (قوافل السائرین إلى کربلاء، وقوافل العشق الحسینی).
ثالثاً: الوفاء للقائد:
لم یکن الأذى الذی تعرّض إلیه الإمام الخمینی (قده) ـ قائد الثوره وملهمها ـ أمراً عادیاً، بل طال مختلف جوانب حیاته من سجن ونفی وتغریب وقتل أولاده، هذا کله مع الإغماض عن حملات الکذب والافتراءات التی طالت شخصیته الدینیه والإنسانیه سواء من قبل الاستکبار نفسه أو من قبل عملائه فی المنطقه.
ولیس من المبالغه إن قلنا: إن حملات التضلیل التی تعرضت لها حرکه الإمام الخمینی (قده) من قبل الأعداء والعملاء وبعض الجهله والمغفلین هی الأبشع والأشرس على الإطلاق، حیث توزعت فی قسم منها على النیل من شخصیته (قده)، وفی قسم آخر على التشکیک فی أهدافه تاره، وخلفیاته أخرى، وتحمیله مسؤولیه دماء الشهداء تاره ثالثه.
ولکن رغم کل ذلک یقف الشعب الإیرانی لیقول کلمه حق: نحن لسنا أهل الکوفه لنترک الحسین وحیداً، مستلهماً هذا الشعار من مدرسه کربلاء.
لقد کان هذا الشعار الذی رفعه الشعب الإیرانی فی حد ذاته انتصاراً على کل حملات الدعایه والتشکیک والتضلیل التی تلقى بوجه الشعوب التواقه إلى الحریه، فی الوقت الذی لا یمکن لأحد أن ینکر الألم والوجع والغصه والحسره التی ألّمت بالإسلام ونتیجه تخلی المسلمین وتخلفهم عن اللحاق بالرکب الحسینی، فکادت الهویه الإسلامیه تضیع فی لحظه لولا أن الحسین (ع) قد أحیاها بدمه وأهله وأصحابه.
إن مفهوم الوفاء والالتزام بتوجهات القائد، هو من القیم العظیمه التی تعبر عن مستوى عال من الإیمان والصدق عند الشعب الإیرانی، وعن درجه عالیه من الوعی والاستفاده من التاریخ لصنع مستقبل عزیز. کما أن الاستخلاص الواعی والصادق من ثوره الإمام الحسین(ع) قد شکل المعبر للوعی وللتطبیق معاً.
وأخیراً، إن فی کربلاء من غنى وأصاله وشمول ما یکفی لإحیاء البشریه وإنقاذها من الضلاله، ووضعها على طریق الهدایه والإیمان والعدل، ولیس شططاً القول: إن الثقافه العاشورائیه هی مصدر الإلهام ومبعث القوه والاستقامه فی الثوره الإسلامیه فی إیران، بل فی کل حرکات المستضعفین.