عاشوراء لیست مناسبه شیعیّه ویزید لیس سنّیّاً
یحاول کثیرون الیوم کلّ جهدهم من أجل إشعال نیران الفتن المذهبیّه والطائفیّه.
هم فی هذا السبیل لا یترکون خطوهً إلّا ویقومون بها، ولا مناسبهً إلّا ویقومون باستغلالها، بل حتى إن لم یجدوا حادثهً یستغلّونهم تراهم ینبشون التاریخ أو الجغرافیا زاویهً زاویه بحثاً عمّا یضعونه فوق الجراح بعد نکئها، وفوق الفتیل حتى یشتعل، وفوق النیران حتى یزداد أوارها، وفوق الاختلافات حتى تتعمّق وتتّسع هوّتها، وفوق الأحقاد حتى ینفجر برکانها…
هم ـ بکلّ بساطه ـ السعاه إلى نشر ثقافه الحقد والکره والکراهیه والشرذمه والتشتّت والتمزّق والفرقه والتباعد بدلاً من التحابّ والتآخی والتقارب والتوادّ والتراحم والاتّحاد والانسجام و..
هم یسعون إلى تعمیق الشرخ وتوسعه الفروقات، بدلاً من العمل على تقلیصها وتذویبها، أو على الأقلّ: حصرها فی بیئهٍ تعدّدیّهٍ سلیمه معافاه.. هم هواه الاصطیاد فی المیاه العکره..
هم ـ بکلّ بساطهٍ أیضاً ـ العاملون لأجل مصالح الکیان الصهیونیّ الغاصب، والإداره الأمریکیّه الحاضنه له، وإن أصرّوا على تکذیب ذلک!!
ومن هذه المناسبات التی یحاولون الیوم استغلالها فی مشروعهم الفتنویّ الصهیونیّ الأسود: مناسبه عاشوراء الإمام الحسین بن علیّ بن أبی طالب، سبط رسول الله (ص)، وریحانته، وابن بنته، وسیّد شباب أهل الجنّه، کما فی الحدیث النبویّ المتواتر، والذی روته المدارس الإسلامیّه کافّهً..
هذه الشخصیّه الإسلامیّه الجامعه، التی یتباهى بعظمتها ومناقبیّتها وفضلها وجهادها وشهادتها المسلمون، کلّ المسلمین، على اختلاف أطیافهم ومذاهبهم وتوجّهاتهم وانتماءاتهم ومدارسهم.. یحاول هؤلاء المتعصّبون المغرضون الیوم أن یحدّوا من أنوارها المشعّه فی کلّ الآفاق والأرجاء، وأن یحصروها فی نطاقٍ طائفیٍّ أو مذهبیّ ضیّق، لا یتجاوز فرقهً معیّنهً من فرق المسلمین.. کما یحاولون أن یحوّلوا ذکرى مناسبه شهادته المبارکه (العاشر من محرّم عام ۶۰ للهجره) مناسبهً خاصّهً بهذه الفرقه من فرق المسلمین أو بتلک، ولیست مناسبهً عامّهً… والغرض ـ بطبیعه الحال ـ شیء واحد، وهو حرمان أوسع شریحهٍ من المسلمین من الاستفاده من أهداف ثوره الحسین، ومفرداتها، وأدبیّاتها، وشعاراتها، وصورها المضیئه والمشرقه.
علماً أنّ شیئاً ممّا جرى من أحداثٍ فی تلک الثوره الدامیه، على أرض کربلاء، لم یکن خاصّاً بأحدٍ من المسلمین، بل لم یکن خاصّاً بالمسلمین أصلاً… فلقد قامت تلک الثوره على مبدأ رفض الظلم، وهو مبدأ إنسانیّ عامّ، وعلى مبدأ نصره المظلوم، وهو مبدأ إنسانیّ عامّ، وعلى مبدأ نصره الحقّ، وهو أیضاً مبدأ إنسانیّ عامّ، وعلى مبادئ التضحیه والشجاعه والعزّه وإباء الضیم ورفض الذلّه، وهی کلّها مبادئ إنسانیّه عامّه، لا تختصّ بجماعهٍ دون جماعه، ولا بأتباع دینٍ دون آخر، ولا مذهب دون آخر، ولا طائفهٍ دون أُخرى.
وفی الردّ على هؤلاء، نقول لکلّ مسلم، بل لکلّ إنسانٍ حرٍّ وشریف: فقط تخیّل أنّ عائلتک تعرّضت لاعتداء من قبل مجموعهٍ کبیره من الأجانب، فقتلت الرجال کلّها، وذبحت الرضّع، وقطّعت الجثث، وأوطأوها حوافر الخیول، ومثّلت بالأجساد، واستلبت ما کان علیها من ثیاب، ثمّ حزّت الرؤوس، ورفعتها على رؤوس الأسنّه والرماح، ثمّ تجوّلت بها من مدینهٍ إلى مدینه، معرّضهً إیّاها للإهانه والإساءه، وسبت وأسرها معها النساء والأطفال على ظهور النیاق الضالعه، وبطریقهٍ مهینهٍ جدّاً، وجرت بهنّ وراء الرؤوس، فماتت بعض البنات فی الطریق، وسُلبت منهنّ أساورهنّ وأقراطهنّ وحلیّهنّ، وشرّدوا فی کلّ مکان، وواجهوا أقبح أشکال الإهانه والشماته.. فقط لو تخیّل کلّ واحد منّا ذلک یجری على نفس، وهو القلیل القلیل ممّا جرى فی کربلاء، فکیف ستکون انطباعاته ومشاعره؟!
والآن، تخیّلوا فقط أنّ هذه الأمور کلّها جرت على أهل بیت النبیّ محمّد (ص) وقرابته وأهل القربى منه؟! الذین وردت آیات القرآن الکریم بلزوم حبّهم ومودّتهم، قال تعالى: [قل لا أسألکم علیه أجراً إلّا المودّه فی القربى].
وعلى المقلب الآخر نقول: إنّ أکبر إهانه وإساءه للإسلام، للسنّه والشیعه على حدٍّ سواء، أن یتوهّم أحدنا أن یزید بن معاویه قاتل الحسین (ع) کان سنّیّاً، کلّا.. بل هو کافر بکلّ المقاییس.. یزید الذی تمثّل بعد جنایه عاشوراء بقول ابن الزبعرى:
لعبت هاشم بالملک فلا خبر جاء ولا وحی نزل
لیت أشیاخی ببدرٍ شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
وهی عبارات تدلّ على الکفر الصریح.
وفی الختام، أعتقد أنّ التقارب حول قضیّه عاشوراء یمکن له أن یتحقّق بین المسلمین، سنّهً وشیعه، لو علم الشیعه أنّ یزیداً لا یمثّل أهل السنّه، وعلم السنّه أنّ البراءه ممّن قتل الحسین أمر شرعیّ وأخلاقیّ وإنسانیّ، وهو یستهدف البراءه من الکفر، لا البراءه من المذهب الآخر، السنّیّ، أو غیره.
إن إحیاء ذکرى عاشوراء لا یُعتبر تحدّیاً ولا استفزازاً لأحد، لا من السنّه ولا من أیّ طائفه أو مذهب آخر.. کما أنّ السنّه، کالشیعه، لا علاقه لهم بیزید بن معاویه، لا من قریب ولا من بعید.. وعلماؤهم یجهرون ویصرّحون بذلک فی أکثر من مناسبه.