الأخلاقُ معدن الثورات

0

وعلى رأسهم الحر الریاحی ، وقد جاؤوا لمناجزته وإقصائه إلى المدینه أو للقدوم به إلى الکوفه ؛ کی یأمر أصحابه باسقاء أعدائه وترشیف خیلهم , عبّتین أو ثلاثاً أو أکثر(۳) .
هی أخلاق الثوّار التی لا یسمو فوقها أخلاق ، والتی دفعت بالشهید العظیم لأن
ـــــــــــــــ
(۱) تاریخ الطبری ۶ / ۲۳۸ ، والکامل ۴ / ۲۴ ، والإرشاد للمفید ، وإعلام الورى / ۱۴۱ ، وسِیَر أعلام النبلاء للذهبی / ۲۰۲ .
(۲) ریاض المصائب / ۳۱۳ .
(۳) تاریخ الطبری ۶ / ۲۲۶ .
یحنی السّقاء بیده لیروی علی بن الطعان ویسقی فرسه ، وهو المحارب الذی جاء مع الحر لمقاتلته .
وإذا کان للأخلاق مجاذب مغناطیسیّه قویّه فإنّها تبلغ لدى الثوّار الذین یبارکونها بالدم مجاذب أقوى لا یقدر مطلق إنسان على الوقوف حیال قوّه جذبها ، وهذا ما دفع بالحرّ الریاحی لأن یترک قیاده الألف فارس وینضمّ إلى جیش الحسین قلیل العدد وهو یعلن توبته له ، ویطالب بالشهاده دفاعاً عنه وعن مبادئه .
وجذب الأخلاق ما استطاع جون مولى أبی ذرّ الغفاری مقاومته ، فتقدّم مستأذناً الحسین للقتال ، وهو المولى الأسود الذی ما تبعهم إلاّ طلباً للعافیه بینهم ، ولمّا رفض الحسین وقع العبد الأسود على قدَمَیه یقبّلهما ویقول : أنا فی الرخاء ألحس قصاعکم ، وفی الشدّه أخذلکم ! إنّ ریحی لنتن وحسبی للئیم ، ولونی لأسود ، فتنفّس علیّ بالجنّه ؛ لیطیب ریحی ، ویشرف حسبی ، ویبیضّ لونی . لا والله لا اُفارقکم حتّى یختلط هذا الدم الأسود مع دمائکم .
فأذن له الحسین (علیه السّلام) ، فتقدّم وقاتل ، فقتل خمسه وعشرین قبل أن یُقتل(۱)
ــــــــــــــ
(۱) مثیر الأحزان ـ لابن نما / ۳۳ ، وتاریخ الطبری / ۲۳۹ .
بین مبادئ وأخلاق
فمسلم ما بعد ثوره الحسین (علیه السّلام) غدا صفحه بیضاء مفتوحه تنتظر مَن یخطّ علیها سطراً جدیداً ، وفی بحثه عن النموذج الأخلاقی لم یکن أمامه مناص من المقارنه بین خُلقَی الحسین ویزید ، وبین تلک المبادئ التی لقّنها أبو کلّ منهما لابنه . وفی مرحله تفهّم الحقیقه التی دوّمته فی دوّامتها ، صار یسأل ویسمع ویتحدّث ویتذکّر ، تذکّر مبادئ الطرفَین من المتقاتلین ، وعاود تذکّر مبادئ جیل الآباء الذی سبقهم ، وفی غمره التذکّر وعوده الوعی ، تذکّر وصیّه علی (علیه السّلام) لابنه الحسین (علیه السّلام) ، فی التقوى والأخلاق ومخافه الله والناس فیه ، حیث قال له : (( یا بُنَی ، اُوصیک بتقوى الله (عزّ وجلّ) فی الغیب والشهاده ، وکلمه الحقّ فی الرضى والغضب ، والقصد فی الغنى والفقر ، والعدل فی الصدیق والعدوّ ، والعمل فی النشاط والکسل ، والرضى عن الله تعالى فی الشدّه والرخاء .
یا بُنی ، ما شرٌّ بعده الجنّه بِشَرٍّ ، ولا خیرٌ بعده النار بخیر . وکلّ نعیم دون الجنّه محقور ، وکلّ بلاء دون النار عافیه .
اعلم یا بنی ، أنّ مَن أبصر عیب نفسه شغل عن غیره ، ومَن رضی بقسم الله تعالى لم یحزن على ما فاته ، ومَن سلّ سیف البغی قُتل به ، ومَن حفر حفره لأخیه وقع فیها ، ومَن هتک حجاب غیره انکشفت عورات بیته ، ومَن نسی خطیئته استعظم خطیئه غیره ، ومَن کابد الاُمور عطب ، ومَن اقتحم البحر غرق ، ومَن أعجب برأیه خلّ ، ومَن استغنى بعقله زلّ ، ومَن تکبّر على الناس ذلّ ، ومَن سفه علیهم شُتم ، ومَن دخل مداخل السوء اتّهم ، ومَن خالط الأنذال حُقّر ، ومَن جالس العلماء وُقّر ، ومَن مزح استُخفّ به ، ومَن اعتزل سَلِم ، ومَن ترک الشهوات کان حرّاً ، ومَن ترک الحسد کان له المحبّه من الناس .
یا بُنی ، عزّ المؤمن غناه عن الناس ، والقناعه مال لا ینفد ، ومَن أکثر ذکر الموت رضی من الدنیا بالیسیر ، ومَن علِم أنّ کلامه من عمله قلّ کلامه .
یا بُنی ، الطمأنینه قبل الخبره ضدّ الحزم إعجاب المرء بنفسه ، وهو دلیل على ضعف عقله . یا بُنی ، کم من نظره جلبت حسره ، وکم من کلمه جلبت نقمه .
لا شرف أعلى من الإسلام ، ولا کرم أعلى من التقوى ، ولا معقل أحرز من الورع ، ولا شفیع أنجع من التوبه ، ولا مال أذهب للفاقه من الرضى بالقوت . ومَن اقتصر على بلغه الکفاف تعجّل الراحه وتبوّأ حفظ الدعه .
الحرص مفتاح التعب ، ومطیّه النَّصَب ، وداع إلى التقحّم فی الذنوب . والشرّ جامع لمساوئ العیوب . وکفى أدباً لنفسک ما کرهته من غیرک ، ومَن تورّط فی الاُمور من غیر نظر فی الصواب فقد تعرّض لمفاجأه النوائب . التدبیر قبل العمل یؤمنک الندم . مَن استقبل وجوه العمل والآراء عرف مواقع الخطأ . الصبر جُنّه من الفاقه . فی خلاف النفس رشدها .
یا بُنی ، ربّک للباغین من أحکم الحاکمین ، وعالم بضمیر المضمرین . بئس الزاد للمعاد العدوان على العباد ! فی کلّ جرعه شرق ، وفی کلّ کلمه غصص . لا تنال نعمه إلاّ بفراق اُخرى . ما أقرب الراحه من التعب ، والبؤس من النعیم ، والموت من الحیاه ؛ فطوبى لمَن أخلص لله تعالى علمه وعمله وحبّه وبغضه . الویل الویل لمَن بلی بحرمان وخذلان وعصیان ! لا تتمّ مروءه الرجل حتّى لا یبالی أیّ ثوبَیه لبس ، ولا أیّ طعامیه أکل ))(۱) .
ــــــــــــــ
(۱) راجع کتاب الإعجاز والإیجاز ـ لأبی منصور الثعالبی / ۳۳ ، وکتاب ینابیع المودّه / ۵۱۹ .
هذه الوصیّه التی تضمّنت کل هذه المبادئ الحیاتیّه ، من خلقیه واجتماعیّه ودینیّه ، کانت بمثابه الهَدی الذی قاد خطوات الحسین فیما بعد على طرق الحقّ والخیر ونصره المظلوم . وإذا تذکّرها مسلم وطافت فوق مکنونات سویدائه فبماذا ستذکّره ؟ وإذا ذکّرته کیف ستکون مقارنته بینها وبین وصیّه معاویه لابنه یزید حینما حضرته الهلکه فدعاه لیقول له : یا بُنی ، إنّی کفیتک الرحله والترحال ، ووطّأت لک الأشیاء ، وذلّلت لک الأعداء ، وأخضعت لک أعناق العرب ، وجمعت لک من جمع واحد ، وإنّی لا أتخوّف أن ینازعک هذا الأمر الذی استتبّ لک إلاّ أربعه نفر من قریش : الحسین بن علی ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبیر ، وعبد الرحمن بن أبی بکر ؛ فأمّا عبد الله بن عمر فرجل قد وقذته العباده ، وإذا لم یبقَ أحد غیره بایعک .
وأمّا الحسین بن علی فإنّ أهل العراق لن یدعوه حتّى یخرجوه ، فإن خرج علیک فظفرت به فاصفح عنه فإنّ له رحماً ماسّه وحقّاً عظیماً ؛ وأمّا ابن أبی بکر فرجل إن رأى أصحابه صنعوا شیئاً صنع مثلهم ، لیس له همّه إلاّ فی النساء واللهو ؛ وأمّا الذی یجثم لک جثوم الأسد ، ویراوغک مراوغه الثعلب فإذا أمکنته فرصه وثب ، فذاک ابن الزبیر ، فإن هو فعلها بک فقدرت علیه فقطّعه إرباً إرباً .
وصیّتان الفرق بینهما شاسع کالفرق بین الظلمه والضیاء ، فرجل یوصی ابنه بالقناعه وذکر الله ، وآخر یوصیه بالطمع والتکالب على الدنیا . ورجل یوصی ابنه باستقبال وجوه العمل والآراء تفادیاً للوقوع فی الخطأ ، وآخر یبلغه بالاسترخاء بعد أن کفاه الرحله والترحال .
وصیّه رحومه عطوفه أخلاقیه تدعو إلى خشیه الله تقبّلها شاب من أبیه فغدت له نبراساً ینیر طریقه فمشى على هدیها حتّى غالبته الحتوف وضیّقت علیه النوازل . ووصیّه مغروره متراخیه تقطر لؤماً ولا أخلاقیّه قدّمها طاغیه مریض لابنٍ فاسق ینبئه فیها بصفاقه ما بعدها صفاقه ، بأنّه ذلّل له الأعداء ، وأخضع له أعناق العرب .
فشتّان بین وصیتَین ، إحداهما تنطق بالرحمه ، والاُخرى بالظلم ، وشتّان بین کلمه علی (علیه السّلام) : (( ربّک للباغین من أحکم الحاکمین )) . وبین کلمه معاویه : وذلّلت لک الأعداء ، وأخضعت لک أعناق العرب .
شتّان بین مقوله رجل لابنه : (( ومَن سلّ سیف البغی قُتل به )) . وبین قوله آخر لابنه : إن هو فعلها بک فقدرت علیه فقطّعه إرباً إرباً .
هذان الشّتان هما الفارق الذی عناه علی (علیه السّلام) لابنه الحسین حینما ردّد على مسمعه : (( ما أقرب الراحه من التعب ، والبؤس من النعیم(۱) ، والموت من الحیاه )) . فالراحه قریبه من التعب ، ولکنّهما على طرفَی نقیض . والبؤس قریب من النعیم ، ولکن أین هما من بعضهما . والموت قریب من الحیاه ، ولکنّ الموت هو النقیض الصارخ للحیاه .
إنّها حِکَم إعجازیّه قیلت فی کلمات إیجازیّه مکثّفه ، وهی لا تخرج على ما أثبته علم النفس من أنّ کلّ أمر قریب من نقیضه لا یفصله عنه إلاّ شعره ، هذه الشعره هی موقف الشخص من الأمرین الّلذین یوجّهانه ، تماماً کموقف شخصَین عرضت أمامهما کأس مملوءه لنصفها ماء ، فیرى أحدهما أنّها فارغه حتّى النصف ، بینما یراها الآخر ملآنه حتّى النصف . وقد أکّدت نظریّات الفلسفه أنّ العقل البشری یتشرّب المبادئ فی فتره الطفوله ، ثمّ خلال فتره الکمون التی تعقب فتره الطفوله ، ثمّ فی فتره الشباب المبکّر .
ـــــــــــــــ
(۱) فی کتابه ( العالم کإراده وتصوّر ) یکشف الفیلسوف ( أرثر شبنهاور ) عن هذا التقارب النفسی والحسّی بین الراحه والتعب ، والبؤس والنعیم . فی عرضه لعلم الأخلاق القائم على الإنسانیّه الرؤوفه الشفوقه .
فالطفوله أشبه بالإسفنجه الماصّه التی تخزن کلّ تجارب ومبادئ الإنسان فی عقله الباطن ، وتأتی فتره الکمون وهی الفتره التی یعرّفها علم النفس بفتره تناسی کلّ المخزونات فی العقل الباطن ، فلا تلبث هذه المخزونات أن تعلن عن نفسها بلا حسّ إرادی من صاحبها ، وتکوّن مجمل أفکار ومبادئ وتصرّفات الشخص فی فتره شبابه وما یلیها حیث توضع هذه الأفکار والمبادئ موضع التنفیذ من وحی عقله الباطن ، أی من منطقه الغریزه التی لا سلطه للإنسان علیها ، والتی لا یمکن له من تفهّم دوافعها وبواعثها ، فیتصرّف بإیحاء منها ، وکثیراً ما یقف لیسأل نفسه بعدها : لِمَ فعلت هذا وذاک من الاُمور ؟(۱)
والحسین (علیه السّلام) لا یختلف عن غیره فی مروره خلال أدوار هذه المرحله وکذلک یزید ، وقد تشرّبا کلاهما أفکار ومبادئ والدیهما واتخذاهما قدوه فی مقبل الأیّام ، کذلک کان للبیئه أثرها فی تکوین نفسیّتیهما ، فمضى الحسین (علیه السّلام) فی کلّ مراحل حیاته یعمل بوحی من بیئته الأدبیّه الإسلامیّه التی رضع أخلاقیّاتها مع حلیب طفولته ، فلم یسمع أیّ إنسان عن الحسین طیله حیاته کلمه ، أو یعاین له موقفاً یدلّ على عکس السمّو والنبل والأخلاق والحرص على الدِّین .
وفی المقابل لم یسمع أیّ إنسان عن یزید طیله حیاته کلمه ، أو یعاین له موقفاً یدلّ على عکس الخسّه والعبث والظّلم والحرص على الدنیا .
وفی میزان المقارنه الذی نصبه الإنسان المسلم بعد ثوره الحسین (علیه السّلام) وضع فی کفّتَیه کلّ ما یتّصل بشخصی الحسین ویزید ، ثمّ ابتعد قلیلاً وألقى نظره فاحصه مقارنه حیادیّه تبغی الحقّ الذی أخذ یلحّ فی ضمیره .
رأى فی کفّه الحسین شمائل النبوّه ومواقف الرجال الأفذاذ ، وسمع من جانبها مبادئ الحقّ والعدل ، ورأى فی کفته (علیه السّلام) میراثاً فکریّاً محمّدیاً ، لا قبلیّاً ولا إقلیمیّاً ، خال من التعصّب إلاّ فیما یتعلّق منه فی مسائل العقیده ، ورأى فی کفّته سرّ النبوّه ، سرّ الجدّ والسّبط فی آنٍ معاً ، وتخیّل الرسول یقبّل سبطه فی شفتَیه ویردّد : (( حسین منّی وأنا من حسین )) .
ـــــــــــــــــ
(۱) وهذا ما یسمّى فی علم النفس بـ( الأفعال اللاإرادیّه ) .
ثمّ رأى هذا الطفل رجلاً یرفع رایه الإسلام فوق رأسه ، وتخیّله یعلن بملء فیه : (( مَن قَبِلنی بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ )) .
ورآه متخیّلاً یبتعد عن مجلس أبیه علی (علیه السّلام) ونفسه مترعه بقوله أبیه التی کان یسرّها فی أذنه کوصیّه : (( مَن تکبّر على الناس ذلّ )) . ثمّ رآه فی مکان آخر یقول لبعض الناس : (( أنا الحسین بن علی ، وابن فاطمه بنت رسول الله ، نفسی مع أنفسکم ، وأهلی مع أهلیکم ، فلکم فیّ أسوه )) . رآه فی مواقع العمل فی المبدأ ، فأعجب کیف عمل به بهذه الأمانه ، ووضع نفسه اُسوه مع غیره . رآه کأسد جائع إلى إحقاق الحقّ ، وقد قرّر الزحف باُسرته الصغیره ، قلیله العدد والعدّه فی وجه کثره العدو ، وخذلان الناصر ، وسمعه یردّد :
فـإنْ نُـهزَم فهزّامون iiقدماً       وإنْ نُـغلَب فـغیرُ iiمغلّبینا
ومـا إن طـبّنا جبنٌ iiولکنْ         مـنایانا ودولـه iiآخـرینا
إذا ما الموتُ رُفّع عن اُناسٍ      کـلاکـلَهُ أنـاخ iiبـآخرینا
فـأفنى ذلکمْ سرواتِ iiقومی      کـما أفنى القرونَ iiالغابرینا
فـلو خَلُدَ الملوکُ إذاً iiخلدنا      ولـو بقی الکرامُ إذاً iiبقینا
فقُل للشامتینَ بنا أفیقوا        سیلقى الشامتونَ کما لقینا(۱)
ورأى فی کفّه الشهید کیف تحرّک فی وجه معاویه حینما کان یعدّ ابنه للخلافه ، وتخیّله جالساً فوق الرمال جلسه متواضعه زاهده وهو یخطّ رساله لمعاویه یطالبه فیها بأخذ یزید فیما أخذ فیه من استقرائه الکلاب المهارشه عند التهارش ، والحمام السبق لأترابهن ، والقیان ذوات المعازف ، وضرب الملاهی وترک ما یحاول من إیهام الناس فیه ، کمَن یقدح باطلاً فی جَور وحنقاً فی ظلم .
رآه یرفض البیعه لیزید بکلمته الشهیره : (( ومثلی لا یبایع مثله )) . ورآه یتمرّد على طاعه إمام مزیّف . رآه وهو یخرج من المدینه إلى الکوفه ، ورأى مواقفه الشجاعه فی مواقع الخطر ، وسمع أقواله وکلماته الأخیره أمام أشداق الموت ، فلم یجد فیها أدنى اختلاف عن تلک التی عرفها منه وهو آمن مطمئن فی المدینه بعیداً عن منازل حتفه .
ثمّ رآه فوق ثرى الطفِّ رابط الجأش قویّاً ، یشعّ وجهه بنور سماوی بینما یتساقط حوله خلّص صحبه وأهل بیته ، وتنتهک حرمه على مرأى منه .
رآه یقف کالأسد الهصور وحیداً یصیح فی وجه أعداء الدِّین یدعوهم للبراز وهو یردّد :
ــــــــــــــ
(۱) اختلفت المصادر فی نسبه هذه الأبیات ، فنسبها ابن هشام فی السیره لغروه بن مسیک المرادی ، ونسبها الفرزدق إلى خاله العلاء بن قرظه . أمّا المرتضى فی الأمالی فقد نسبها إلى ذی الإصبع العدوانی ، وفی عیون الأخبار لابن قتیبه ، وفی شرح الحماسه للتبریزی أنّها للفرزدق .
أنـا الحسینُ بنُ iiعلی      آلـیتُ ألاّ iiأنـثنی
أحـمی عـیالاتِ أبی      أمضی على دینِ النبی(۱)
ورآه وهو یقبّل ولده الرضیع ویودّعه قبل أن یلقى حمامه ، ثمّ وهو یرفعه فوق یدیه على مرأى من وحوش بشریّه تحجّرت قلوبها ، ورأى حرمله بن کاهل الأسدی یرمی الرضیع بسهم فیذبحه وهو بین یدی أبیه .
رآه ، ورآه ، ورآه ، فی کلّ موقف وفی کلّ میدان ، رآه کما یرى الإنسان البرق فلا یلحقه ببصره ، رآه فی المیدان ممدّداً وشمر بن ذی الجوشن الکلب الأبقع ینیخ على صدره ویقبض على شیبته المقدّسه ویضربه بالسیف اثنتَی عشره ضربه ، ثمّ یحتزّ رأسه الشریف .
وتتوالى المشاهد بعد ذلک أمام ناظری المسلم ، منبعثه من کفّه الحسین (علیه السّلام) ، فیرى رأسه فوق رمح ، ویرى موکب السبی الذی یفتّت القلوب ، ویعبر فی مجاز خیاله منظر الرأس الشریف فی طبق عند أقدام طاغیه ، وقضیب ینکت شفتَیه . ومع ما کان یراه ، کان یسمع صوت العقیله زینب یذکّره ببیعه نفسه لشیطان أطماعه الدنیویّه لیشتری بثمنها مکاناً مقیماً فی الجحیم .
وحینما یصل هذا المسلم إلى هذا الحدّ من الرؤى المنبعثه من کفّه الشهید (علیه السّلام) ، ینفطر قلبه توجّعاً وتدمع عیناه ندماً ، فیقرع صدره ویضرب خدّیه ، وما یلبث أن یلتفت نحو الکفّه الثانیه ، فماذا یرى ؟
ــــــــــــــ
(۱) مناقب ابن شهر آشوب ۲ / ۲۲۳ .
 

Leave A Reply

Your email address will not be published.