إشکالیه العلاقه بین المثقف والسیاسی
تفترض الثقافهُ لغهً أنّ الثقفَ هو الحاذق الفهم الفطن , الثابت المعرفه بما یحتاج إلیه . لکنّ هذه الصفات فی الواقع نسبیه , وهذا ما یجعلنا نمیّز بین ثقافه عامه وثقافه خاصه أو متخصصه , أو بین ثقافه عالیه وأخرى محدوده .
والأهم أن تعریف الثقافه لغویاً لا یفترض وفره المعلومات عند المثقف قدر ما یفترض معرفه احتیاجات المجتمع وحسن التصرف فی تأمینها أو بتعبیر آخر ضبط السلوک الاجتماعی وفق المعاییر الأخلاقیه المتعارف علیها , بل إن هذا التعریف لا یفترض مجرد الإلمام بمعرفه القراءه والکتابه . ففی المجتمع البدوی والریفی تتوفر بشکل عام ثقافه التعامل مع المتطلبات الاجتماعیه والإنتاجیه وفق تقالید وأعراف وقوانین وأسالیب راسخه . ولکن فی المجتمع الکلی الأکثر تعقیداً یصبح التعامل مع مستلزماته مسأله أکثر تعقیداً , مما یتطلب ثقافه متخصصه فی مختلف المجالات .
أما السیاسه لغهً فهی من السوْس بمعنى الریاسه . وساس الأمر سیاسهً : قامَ به . وسوّسهُ القومُ : جعلوه یسوسهم . والسیاسه : القیامُ على الشیء بما یصلحه . والسیاسهُ : فعل السائس . یقالُ : هو یسوسُ الدواب إذا قام علیها وراضها . والوالی یسوس رعیته . وهنا نفهم أن السیاسه هی حسنُ الإداره , سواءٌ على مستوى عال أو فی المستویات الأدنى . وکلما کان المجتمع أکثر تعقیداً , وکانت المشکلات التی یواجهها أکبر , کانت سیاسته أصعب .
من الطبیعی فی هذه الحاله أن نفترضَ فیمن یسوس الآخرین , فی أیّ مجال من المجالات , وعلى أیّ مستوى من المستویات , أن یکون مثقفاً , أی حذقاً فطناً ثابتَ المعرفه بما یحتاج إلیه لتکون سیاسته صائبه .
لکنّ طبیعه الأمور تقول بأنّ هناک مثقفاً یسوس , أی یکون على مستوى صنع القرار , وهناک مثقف أیضاً یُساس , أی أن مهمته تنفیذ القرار , وهناک أشخاص قد لا یتمتعون بالثقافه ولکنهم یسهمون فی تنفیذ القرار أیضاً وبشکل أمین , وإن کنّا نفترض بأن لدى کل إنسان قسط من الثقافه قلیل أو کثیر , بل لعله من المستحیل أن یکون هناک إنسان صاحب قوى عقلیه کامله ولا یکون له من الثقافه نصیب . ونحن هنا نتکلم عن القرار بمعناه الواسع , أی ذلک القرار الذی یتناول کل شؤون الناس السیاسیه والاقتصادیه والاجتماعیه والعسکریه .. إلخ . على أن النقطه الأهم فی هذا السیاق هی أن من یسوس الناس , ومن ینفذ السیاسات , یحتاجان إلى نوع من المعرفه العلمیه أو الإحصائیه المتخصصه التی تکفل سواءً حسن السیاسه أو حسن تنفیذ السیاسات . وهنا بالضبط یبرز الدور المطلوب من المثقف على قاعده المعرفه العلمیه . فهذه المعرفه العلمیه یفترض أنها هی بالضبط محور الثقافه التی یفترض أن یعتنی بها المثقفون .
على خلفیّه هذا الفهم , نستطیع أن ندلف إلى إشکالیه المثقف والسیاسه .
إذا نظرنا إلى السیاسه على أنها صنع السُوّاس أو الساسه – ویفترض أصلاً أن یکونوا مثقفین أی متخصصین – على مختلف المستویات , فإنّ مهام المثقف یمکن أن تتحدّد ضمن الأطر التالیه :
۱ – صنع القرار إذا کان فی موضع صنع القرار .
۲ – المساهمه فی صنع القرار , إذا کان فی موضع استشاری , أو فی إطار تنظیمی معنیّ بصنع القرار , أو إذا کان قادراً على المساهمه فی صنعه من خلال الإعلام أو مراکز البحث العلمی المتخصصه .
۳ – المساهمه فی نقد القرار على قاعدتی النقد والنقد الذاتی , إذا کانت هناک الأطر الملائمه التی تسمح بممارسه هذا النقد , وإذا کانت هناک النوایا المتوفره للاستفاده من هذا النقد فی تقویم التجربه بما یسهم فی تعدیل السیاسات , أو إذا کان هناک المناخ الملائم للحوار المفتوح بین السلطه والمعارضه أو بتعبیر أدق بین الحاکم والمحکوم إذ أن الاختلاف فی الرأی لا یعنی المعارضه بالضروره , فمثل هذا الاختلاف یمکن أن یبرز على أی مستوى من مستویات الإداره . وهذا یعنی المساهمه فی تصحیح المسار کلما برزت الحاجه إلى مثل هذا التصحیح .
هنا سیطرح السؤال المنطقی حول الأدوات والوسائل التی یجب أن تتوفر للمثقف من أجل الإسهام فی رسم وتنفیذ السیاسات . هذه الأدوات والوسائل تتمثل أو یجب أن تتمثل عملیاً فی :
۱ – الأحزاب السیاسیه التی تسهم فی رسم السیاسات أو انتقادها حسب کل حاله .
۲ – المنظمات الشعبیه والمهنیه التی تدافع عن مصالح منتسبیها وتعبّر عنهم .
۳ – المنابر الإعلامیه والثقافیه المتعدده التی تتولى طرح ومناقشه السیاسات , وتسهم فی جعل الرأی العام یشارک فی إبداء الرأی على أوسع نطاق ممکن .
۴ – مراکز البحث العلمی والجامعات التی تعکف على الدراسات المعمقه المتخصصه فتسهم فی ترشید السیاسات .
۵ – الأطر الدستوریه التشریعیه والقضائیه والتنفیذیه التی یتم من خلالها صنع القرارات بشکل دیموقراطی ومسؤول .
إلى هذا الحدّ تبدو إشکالیه العلاقه بین المثقف والسیاسه قابله للتأطیر ضمن أسس منطقیه إذا ما جرى اعتمادها وطبقت بالفعل اختفت الإشکالیه وتحقق نوع من الانسجام بین فعالیتی المثقف والسیاسی . لکن الأمور لا تسیر دائماً بالضروره على هذا النسق . فالتجربه التی یعیشها القطر العربی السوری الآن , بل وفی معظم – إن لم نقل کل – الأقطار العربیه , تقول لنا بأن هناک استهدافاً للمثقف تحت غطاء استهداف السیاسی , بمعنى أن المثقف والسیاسی باتا معاً مستهدفین لصالح قوى ظلامیه من شأنها أن تسلم البلاد ومن فیها لهیمنه القوى الامبریالیه الاستکباریه الأجنبیه المعادیه أو لصالح الصهاینه . وهنا تبرز إشکالیه المثقف والسیاسه على أنها لیست إشکالیه العلاقه بین الطرفین بل إشکالیه استهداف الطرفین معاً , وکیف یقوم الطرفان معاً بمواجهه هذا الاستهداف .
کیف وجدت هذه الإشکالیه ؟ وما هی أبعادها الحقیقیه ؟
للإجابه على هذا السؤال لا بدّ لنا من وقفه سریعه عند المسائل التی تعالجها العلوم السلوکیه الأمریکیه , والتی هی المدرسه الأمریکیه فی العلوم السیاسیه .
هناک مسألتان أساسیتان تعالجهما هذه العلوم بالدراسه العلمیه التفصیلیه , وتدخلان فی إطار هذا البحث :
المسأله الأولى : هی " الطابع القومی " للأمه أو لشعب الدوله المستهدفه . والطابع القومی هنا یختلف عن مدلول الدوله القومیه أو الأمه التی تمثلها قومیه معینه , کما درجنا على توصیفها من خلال الأبحاث التی تتناول الفکره القومیه .
والمسأله الثانیه : هی الاتجاهات السائده فی المجتمع المستهدف والمداخل الممکنه للتأثیر على السلوک وصنع " الظاهره الجماهیریه " لتکون أساساً لإثاره ما نعرفها فی بلادنا باسم " الفتنه " .
ویقصد بالطابع القومی , تلک السمات أو الصفات التی ترتبط بالفرد کنتیجه انتمائه لمجتمع أو مظهر من مظاهر انتمائه العضوی لذلک المجتمع . وبهذا المعنى یصیر الطابع القومی امتداداً لمفهوم الشخصیه ولکن على المستوى الاجتماعی . والمهم فی هذا السیاق هی الخصائص السلوکیه للمجتمع , مثل الشجاعه أو الجبن , الصراحه والوضوح فی التعامل أو الالتواء والغموض , تحریم العلاقات الجنسیه أو إباحتها , الکرم أو البخل إلى غیر ذلک من الأنماط السلوکیه الغالبه على المجتمع موضع البحث .
إن دراسه " الطابع القومی " تتکامل مع دراسه " الاتجاه " , والاتجاه حاله باطنه سابقه على الحرکه . وفحواها أن کل حقیقه بشریه , فرداً أو جماعه , تسیطر علیها غریزه الدفاع عن البقاء والتعبیر عن قواها الذاتیه . هذه الخلفیه العامه من اللاشعور تعبّر عن نفسها
بدرجه أو بأخرى فی حاجات نفسیه واضحه ومحدده تمتاز بالتصاعد والتبعیه . فهناک الغرائز الثلاث المعروفه : الجوع والعطش والجنس , ثم إلى جانب ذلک سلسله من المبررات الاجتماعیه تتدرج ابتداء من الحاجه إلى الشعور بالأمان وتنتهی بالرغبه فی تحقیق الذات الفردیه . وجمیع هذه المبررات تظل صامته حتى یقدّر لها أن تصطدم بالمنبّه , وهو واقعه أو حدث – قد یکون مفتعلاً – یعقبه نوع من الاضطراب على شکل سلوک انفعالی قولی أو عملی . وهذه هی " الظاهره الجماهیریه " أو بالدلاله العربیه المعروفه " الفتنه " . وتقوم فکره الظاهره الجماهیریه على خلفیه أن الجماعه البشریه , کالفرد , تصیبها من آن لآخر حالات من التمزق العنیف , فإذا بها تنتقل إلى حاله الهیاج والتوتر الذی یرتبط به ویصاحبه الکثیر من أعمال العنف کالتخریب والضرب والاعتداء الجسدی الذی قد یبلغ حدّ القتل .
وإن السلوک العنیف المواکب للظاهره الجماهیریه , والذی قد یصل إلى حد الجریمه , یبرز فی صوره استثنائیه , بل وفی کثیر من الأحیان لاشعوریه حتى أن الفرد عندما تهدأ حاله التحزّب ویعود إلى وعیه یتساءل عن أسباب إتیانه لتلک التصرفات . وهو سلوک مؤقت کما یشتعل بسرعه ینتهی وینطفىء بسرعه لتعود الجماعه إلى حاله الاسترخاء الطبیعی , وإن کان الضخ المتتابع للمنبهات یمکن أن یجعل هذه الظاهره تتکرر فی أوقات متقاربه , أو تتحول إلى أنماط سلوکیه أخرى مبنیّه علیها فی الأصل . وهو – أی السلوک الجماهیری – یرتبط بظواهر معینه ومحدده کالقیاده والخوف أو الذعر والإشاعه : جمیعها ظواهر جماعیه تصیر ذات مذاق خاص وأبعاد مختلفه فی حالات التوتر الجماهیری .
ولکن من الضروری ملاحظه أن هناک فوارق بین " الظاهره الجماهیریه " التی تنشأ وتنتهی تلقائیاً فی مجتمع ما کما هو الحال فی المجتمع الأمیرکی وخاصه فی العلاقه بین السود والبیض , وبین الظاهره نفسها حین یسبقها تجییش إعلامی وغیره , ویواکبها استعمال وسائل متعمده ترمی إلى زیاده اشتعالها , کما تستمر عقابیلها بعد انطفائها على شکل سلوکیات تضع المجتمع فی حاله اضطراب . فالاستنتاجات العلمیه حول الظاهره الجماهیریه کما کانت فی بدایه سبعینیات القرن الماضی باتت موضع مراجعه فی ضوء التطورات الهائله التی طرأت على أجهزه الاتصال وبث الصور والأصوات من خلال الهواتف النقاله , أو من خلال الإنترنت , والدور الواسع الذی تلعبه الفضائیات المجنده لغرض التحریض والتجییش الإعلامی , التی تمارس التزویر والتلفیق أکثر بکثیر مما تعکس الحقائق . فوجود هذه الأدوات المکثفه جعل اصطناع " الظاهره الجماهیریه " أمراً ممکناً , ولم تعد تلک الظاهره التی تتشکل على نحو تلقائی بسبب منبّه یدفع الناس إلیها یظهر بالصدفه . فقد اتضح من خطاب للرئیس الأمیرکی باراک أوباما یوم ۱۹ أیار ۲۰۱۱ أمام موظفی وکاله التنمیه الدولیه , وهو جهاز استخباراتی تابع للمخابرات المرکزیه الأمریکیه , ویعمل من خلال وزاره الخارجیه الأمریکیه , أن موظفی هذا الجهاز الذین أطلق علیهم أوباما لقب " شجعان الحریه " هم المسؤولون عن العبث الأمریکی بأحداث ما أسمی بالربیع العربی .
إن تحدید المنبّه أو المنبّهات القادره على التأثیر یرتبط بدراسه الطابع القومی مثلما یرتبط بدراسه الترکیب الاجتماعی وطبیعه المشکلات التی یعانی منها المجتمع . وتستغل الظاهره الجماهیریه على هذا النحو لتکون مقدمه لسلسله من أنماط السلوک العدوانی المنبثقه عنها , وذلک من خلال تجنید العناصر التی یمکن إخضاعها لتأثیر اللاعب الذی یدیر العملیه من وراء سواتر مرئیه أو غیر مرئیه .
هنا تتجلى فی الواقع لعبه السیاسه التی تمثل فی حدّ ذاتها حرباً لها طابعها الشمولی . فأین یقف المثقفون من هذه اللعبه ؟
إذا استثنینا ذلک العدد القلیل , بل النادر , من المثقفین المرتبطین باللعبه بشکل مکشوف کما تبینها التجربه فی سوریه , فإن أدوات اللعبه فی الواقع هی من الشرائح الاجتماعیه التی لا یتوفر لها أدنى حد من الثقافه . بل إن هذه الأدوات تتمثل فی أصحاب السوابق الجرمیه ولصوص ومهرّبین أو ذوی مستوى منخفض بل منعدم من الثقافه . ولا غرابه إزاء هذا الوضع أن تکون المدرسه وتلامیذها من الأطفال هدفاً للترهیب بقصد شل العملیه التعلیمیه , أو أن یصیر العلماء والخبراء والأساتذه وکبار الضباط هدفاً للاغتیالات , وکأن الحرب التی تشنّ هی حرب الجهل ضدّ العلم , أو حرب العدو الخارجی تنفذها أدوات محلیه .
والواقع أننا حین نتعمق فی البحث عن دواء الفتنه , أو السلاح الأهم اللازم لمواجهه الفتنه , فإننا نکتشف أن اللغــه العربیه تلخص الجواب فی کلمه واحده هی " الفطنه " . وعندئذ , علینا أن نتذکر ما بدأنا به البحث من تعریف الثقف لغه على أنه الفطن . وفی هذه الحاله سیتوفر لدینا رائز أو معیار ذی أهمیه خاصه فی تمییز المثقف الحقیقی من غیر المثقف , وهذا الرائز هو القدره على کشف التضلیل الإعلامی وشتى أشکال المنبهات التی یعتمدها مثیرو الفتن والتصدّی لها . فبقدر ما یکون الإنسان فطناً حاذقاً , أی مثقفاً , بقدر ما تقل إمکانیه خداعه والتأثیر علیه , والعکس هو الصحیح . وحین نطبق هذا المعیار عملیاً , سنکتشف أن هناک الکثیر من الأشخاص الذین یحسبون فی نطاق المثقفین ولکنهم أظهروا ضعفاً کبیراً فی الفطنه أمام التضلیل الإعلامی , فوقعوا فی أحابیل التضلیل .
وإن المسأله التی لا بدّ وأن تثیر الاهتمام بشأن الساحه السوریه التی استهدفت بالفتنه , هی أن المخابرات الأمریکیه وکل الدوائر المرتبطه بها فشلت فی أن تجعل من مواقع التواصل الاجتماعی على الإنترنت وسیله للتحریض والإثاره مثلما فعلت فی أقطار أخرى . وربما عاد هذا الفشل إلى اختلاف الظروف والدوافع بحیث تصدّى الشباب السوریون بشکل عام لمحاولات تحریضهم , بل وشنّوا هجمات مضاده متواصله ضد الجهات المعادیه . وهذا ما یکشف عن مستوى عال من الفطنه ومن ثم عن مستوى عال من الثقافه لدى هؤلاء الشباب .
هنا قد یثار السؤال التالی : إذا کان الأمریکیون یضعون خططهم للعبث ببلادنا على أساس دراسه الطابع القومی عندنا , فهل من سبیل لتفادی هذا الخطر ؟ . وهل الطابع القومی هو من المسائل التی یمکن التأثیر علیها وتخفیض سلبیاتها أم لا ؟ . وما هو الدور الذی یمکن للمثقف أن یلعبه فی هذا المجال ؟ .
لو أن أستاذنا عالم السیاسه العربی د . حامد ربیع کان على قید الحیاه ووجدنا نطرح هذا السؤال لذکرنا بما کتبه فی عام ۱۹۷۲ فی کتابه " مقدّمه فی العلوم السلوکیه " حین ذکرنا بالمسالک التی اتبعتها الحرکه الصهیونی فی الکیان الصهیونی المصطنع للتأثیر على طابع الیهود الذی اکتسبوه من مجتمع الغیتو حیث لیست أرذل صفات الیهودی هی الجبن والمادیه والانطواء والإباحیه , فجرى تعزیز خصائص سلوکیه مختلفه , وفی بعض الأحیان متباینه بل ومتناقضه مع النموذج التقلیدی المعروف والذی ما زال یعبّر عن نفسه فی مجتمعات الغیتو التقلیدیه . وقد تساءل الدکتور ربیع آنذاک : ألا یستطیع المجتمع العربی بدوره أن یلجأ انطلاقاً من هذه المفاهیم ومستغلاً نفس الدلاله فی الخبره إلى إعاده تشکیل الطابع القومی بما یعبّر عن خصائص العصر ومقتضیات التطور ؟
وقد أجاب على هذا السؤال آنذاک قائلاً : سؤال قد یبدو أقرب إلى الخیال ولکن أکثر من عالم واحد أثاره وأجاب علیه بما یشعر بأنه أحد المسالک التی یجب أن نتوقعها فی الأعوام القادمه . وللأسف , یبدو الآن , وبعد مرور هذا الزمن الطویل أن الأمریکیین والصهاینه رکزوا جهودهم فی دراسه الطابع القومی العربی , واستفادوا من تجاربهم العلمیه , بینما لم یعتن مثقفونا بدراسه هذه المسأله لا فی مضمونها الفعلی الواقعی ولا فی متطلبات التأثیر على السلبیات التی یمکن استغلالها من قبل القوى المعادیه . ولکن , هل تقف المشکله حصراً عند هذا الحدّ ؟!
إذا افترضنا – ولا نستطیع عملیاً إلا أن نفترض – أن الأمریکیین أجروا دراسات علمیه معمّقه حول الطابع القومی العربی بشکل عام , أو حول ترکیب المجتمعات العربیه وما فیها من مکونات , وما تتواجد فیها من اتجاهات , فمن هم الذین قاموا بمثل هذه الدراسات ؟ . لا بدّ وأن یکون هؤلاء من المثقفین . ولکن هل هم مثقفونا العرب أم مثقفون أمریکیون ؟ . سؤال نبقیه معلقاً لأننا لا نملک فی الواقع دراسه إحصائیه عن عدد الأبحاث التی تناولت الطابع القومی العربی والاتجاهات السائده فی المجتمعات العربیه وهویه المثقفین الذین قاموا بإجراء هذه الأبحاث , وحقیقه الجامعات أو مراکز الأبحاث التی استثمرت جهودهم فی هذا المیدان . والأهم – وهذا مما یعکس أیضاً إشکالیه المثقف والسیاسه – أن الباحثین الذین استثمروا فی هذا المجال لم یتصوّروا قط أن أبحاثهم یمکن أن تستثمر لتکون قواعد معلومات تدار على أساسها حرب فعلیه . والاستثناء الوحید هنا یتمثل بمساهمات بعض المثقفین العرب فی أبحاث لها طابعها الإحصائی تمت من خلال ما تسمّى بمؤسسات المجتمع المدنی أو من خلال التواصل مع الجامعات الغربیه . ومجرّد اهتمام تلک الجهات الأوروبیه والأمریکیه بتمویل تلک الأبحاث هو المؤشر الوحید على أن تلک الأبحاث لها غایات أبعد بکثیر مما یبدو للوهله الأولى عند مطالعه مضامینها .
فکل بحث یتناول مسأله جزئیه من تلک الأبحاث هو بمثابه لبنه فی صرح من المعلومات التی جرى استثمارها فی وضع خطط ما تبدو حرباً بکل المقاییس . وهنا تتبدّى بشکل واضح إشکالیه العلاقه بین الثقافه والسیاسه , فالمثقف العربی الذی جرى استغلاله فی هذا السیاق لم یمتلک أصلاً التصوّر المسبق عن أبعاد هذا الاستغلال , کما أنه لا یمتلک التصور المسبق عن کیفیه مجابهته , مع العلم بأنه هو من یفترض فیه أن یساعد السیاسی فی إداره الصراع , طالما أن الصراع قائم على خلفیه معاییر ثقافیه ومعرفیه ونفسیه وإعلامیه فی الأساس أکثر مما هو قائم على المجابهه المسلحه .
الطریف فی هذه الإشکالیه أن ما نعتقد أنها خبره علمیه أمریکیه فی العلوم السلوکیه وراء تطبیقات الفتن التی تجری إثارتها من قبل الأمریکیین , لم تکن غائبه فی الماضی عن وعی الناس فی بلادنا . فحین نعود إلى دلالات المصدر " فتن " فی اللغه العربیه نجد أن هذه الدلالات تغطی کل العناوین الفرعیه للدراسات المتعلقه بالعلوم السلوکیه الأمریکیه , بل وتتجاوز تلک العناوین . وأما دواء الفتنه عند العرب فإنه یتمثل – کما أسلفنا – بکلمه واحده هی " الفطنه " . وبالتالی , فإن المثقف من زاویه کونه فطناً یفترض أن یکون جاهزاً بشکل طبیعی للتصدّی للفتن , فإذا لم یمتلک المثقف مثل هذه الفطنه فإنه سیکون مشکوکاً فی ثقافته أصلاً , لأن القصور فی الفطنه یعکس قصوراً فی القدرات العقلیه على فهم الأمور فهماً حاذقاً .
یزودنا الفکر العربی الإسلامی منذ أمد بعید بفهم أکثر عمقاً للسلوک السیاسی والاتجاهات السیاسیه . فهذا أبو نصر الفارابی { المتوفی سنه ۳۳۹ هـ } فی رساله له بعنوان " أصول وقوانین سیاسیه یعمُّ نفعها جمیع من استعملها " , یمیز بین ثلاث طبقات من الناس , هم الأرفعون والأکفاء والأوضعون . وإذا اعتبرنا أن الأرفعین هنا هم الساسه , والأکفاء هم المثقفون بالمعنى الواسع الذی یشمل الأمیین ذوی الفطنه , والأوضعین تلک الطبقه التی لا تمتلک الفهم ولا حسن السلوک , بدا واضحاً أنه یقدم لنا تصنیفاً للمجتمع یمکن من خلاله أن نفسر الدور الذی أسنده المتآمرون على سوریه للطبقه الثالثه باعتبارها الأداه الأساسیه التی یمکن تجنید بعض أفرادها لممارسه العنف المسلح .
ثم إن الفارابی یقول بأن لکل شخص من أشخـــاص الناس قوتان : إحداهما ناطقه { أو عاقله } والأخرى بهیمیه . ولکل واحده منها إراده واختیار , وهو کالواقف فیما بینهما , ولکل واحده منهما نزاع غالب . فنزاع القوه البهیمیه نحو مصادفه اللذات العاجله الشهوانیه , مثل أنواع الغذاء , وأنواع الاستفراغات { بما فیها اللذه الجنسیه } وأنواع الاستراحات . وبالمقابل , فإن نزاع القوه النطقیه نحو الأمور المحموده العواقب , مثل أنواع العلوم , وأنواع الأفعال التی تجدی العواقب المحموده . فأول ما ینشأ الإنسان فی حیّز البهائم إلى أن یتولد فیه العقل أولاً فأولاً , وتقوى فیه القوه الناطقه , فالقوه البهیمیه إذن أغلب علیه . وکل ما کان أقوى وأغلب فالحاجه إلى إخماده وتوهینه وأخذ الأهبه والاستعداد له أشد وألزم . فواجب على کل من یروم نیل الفضائل أن لا یتغافل عن تیقیظ نفسه فی کل وقت وتحریضها على ما هو أصلح له , وأن لا یهملها ساعه , فإنه متى ما أهملها , وهی حیّه , والحی متحرّک , لا بدّ أن تتحرّک نحو الطرف الآخر الذی هو البهیمیّ . وإذا تحرّکت نحوه , تشبّث ببعض منه , حتى إذا أراد ردّها عمّا تحرّکت إلیه لحقه من النصب أضعاف ما کان یلحقه لو لم یهملها , ویعطل وقته الذی کان ینبغی أن یحصل فیه فضیله , لاشتغاله بالاحتیال لردّها عمّا تحرّکت نحوه , وفاتته تلک الفضیله .
لو أن الفارابی عاش فی زماننا , ورأى ما تبذله المخابرات المرکزیه الأمریکیه من أجل استماله النزعات البهیمیه بین الناس بالمال , وتسعیر تلک النزعات باستخدام المخدرات وخاصه حبوب الکبتاغون , وتحریضها من خلال فضائیات الفتن وتحت تأثیر المخدرات على ارتکاب جرائم القتل والسرقه والکذب والتخریب وانتهاک الأعراض , لکان بالتأکید قد أعطى لهذه الظاهره القدر الکبیر من اهتمامه . فمسأله العلاقه الجدلیه بین القوتین العاقله والبهیمیه فی نفس الإنسان لم تعد مسأله تتعلق بعلم النفس الفردی وإنما باتت أعقد من ذلک بکثیر بعد زج مختلف المؤثرات الخارجیه الهادفه إلى تغلیب القوه البهیمیه على القوه العاقله .
یهمنا ممّا ذکره الفارابی أن اتجاه الإنسان نحو تنمیه العلوم – أی الثقافه – یجعله أمیل بشکل طبیعی إلى القوه الناطقه أو العاقله , بحیث یمکن تصنیف المثقفین بشکل عام ضمن أصحاب القوه الناطقه بحکم غلبه العقل علیهم , بینما یصنف أصحاب النزعه البهیمیه بین الجهله . والجهل هنا یجب أن یفهم بالمعنى الأخلاقی أی الجهاله ولا یرتبط بالضروره بمسأله التعلیم أو عدمه . إن الرکن الأهم فی تغلب القوه الناطقه أو العاقله – کما یعلمنا الفارابی – أن أصحابها أخذوا بأول القوانین فی اتجاهها والمتمثل بالإیمان بوحدانیه الله عز وجل , وما یترتب على هذا الإیمان من نتائج على صعید السلوک الأخلاقی , لعل أبرزها تلک الحکمه القدیمه القائله " رأس الحکمه مخافه الله " , فمن یخاف الله حقاً لا یمکن أن ینحرف لینفذ تلک الجرائم البهیمیه التی تحضه علیها المخابرات المرکزیه الأمریکیه عبر عملائها , ولا یمکن لمغریاتها أن تقوده إلى مثل هذا المطب . وهذا المنحى فی التفکیر یدلنا على مداخل البحث الذی یفترض أن ینجزه المثقفون أو أن یتناوله النتاج الأدبی , والذی یسهم فی تحصین المجتمع بمواجهه التآمر الخارجی الذی یستهدفه من خلال استغلال الثغرات التی یمکن أن ینفذ الأعداء من خلالها .