المعجزهُ الروحیّه
وعلى صوت الحقّ الذی رفعته السبایا ، تصحو العیون والقلوب والأسماع،فترى ما عمیت عنه ، وما تغافلته زمناً ، وما امتنعت عن سماعه ردحاً .
وهذه المعجزه وما تلاها ، بدأت بخطبه زینب الاُولى فی الکوفه ، وکهربتها للجموع التی أطلقت لعبرها العنان ، وقد بانت عظمه هذه المعجزه التی حملتها وستکمل حملها الکلمات القدسیّه المحاجّه التی اختصّ الله بها أهل بیت النبوّه ، والتی بدأت فی المیدان وعلى لسان الشهید نفسه حینما دوى صرخته التی استمرّت حتّى وقتنا هذا تتردّد فی الضمائر : ( أما من مغیثٍ یغیثنا ؟ أما من ناصرٍ یعیننا ؟ ) .
وقد لبّى استجابه الصرخه الحسینیّه الحرّ بن یزید الریاحی الذی توجّه نحو الشهید رافعاً صوته نادماً على خروجه لقتاله : أللّهم إلیک اُنیب فتُب علیَّ ، فقد أرعبتُ قلوب أولیائک وأولاد نبیّک ، یا أبا عبد الله إنّی تائب ، فهل لی من توبه ؟(۱) .
فهذه اللحظات التی تمثّل رجعات الضمیر من جبّ مآثمه ، کان الحسین (علیه السّلام) یعوّل علیها کثیراً فی إیصال مبادئ ثورته ، وقد حملت زینب (علیها السّلام) عبء مهمه إیقاظ الضمائر تأهّباً لرجعتها ، ساعدها فی ذلک مشهد السبی المحزن الذی کان یفتّت أشدّ القلوب صلابه .
استجاباتٌ فوریّه
فعن کتاب ( المنتخب ) : أنّ عبد الله بن زیاد دعا شمر بن ذی الجوشن ، وشبث بن ربعی ، وعمرو بن الحجاج ، وضمّ إلیهم ألف فارس وأمرهم بإیصال السبایا والرؤوس إلى الشام .
وقال أبو مخنف : مرّ هؤلاء فی طریقهم بمدینه ( تکریت ) وکان فیها عدد من النصارى ، فلمّا حاولوا أن یدخلوها اجتمع القسّیسون والرّهبان فی الکنائس وضربوا النواقیس حزناً على الحسین ، وقالوا : إنّا نبرأ من قوم قتلوا ابن بنت
ــــــــــــ
(۱) اللهوف / ۵۸ ، أمالی الصدوق / ۹۷ ، روضه الواعظین / ۱۵۹ .
نبیّهم ، فلم یجرؤوا على دخول المدینه ، وباتوا لیلتهم فی البریّه ، وکانوا یقابلون بالإعراض والکراهیه کلّما مرّوا بدیر من الأدیره أو بلد من بلدان النصارى .
ولمّا وصل الرکب إلى ( لینا ) وکانت مدینه کبیره تظاهر أهلها رجالاً ونساءً وشیباً وشبّاناً وهتفوا بالصلاه على الحسین وجدّه وأبیه ، ولعنوا الاُمویّین وأشیاعهم وأتباهم ، وصرخوا فی وجوه قوّاد الرکب : یا قتله أولاد الأنبیاء ، اُخرجوا من مدینتنا .
ولمّا حاذوا ( جهینه ) بلغهم أنّ أهلها تجمّعوا وتحالفوا على قتالهم إذا وطؤوا أرض بلدهم ، فتراجعوا عن دخولها . وأتوا حصن ( کفر طاب ) فأغلق أهلها الأبواب فی وجوههم ، فطلبوا منهم ماء ، فردّ علیهم أهل الحصن : والله لا نسقیکم قطره ، وأنتم منعتم الحسین وأصحابه من الماء .
ولمّا دخلوا حمص کانت واقعه کبرى إذ تظاهر أهلها وصاروا یردّدون : أکفراً بعد إیمان ، وضلالاً بعد هدى ؟! وهجموا علیهم فقتلوا ۳۶ فارساً رشقاً بالحجاره .
وکأنّ عقیله بنی هاشم تستقرئ المستقبل وهی واثقه من ارتداد الضمائر ، إذ قالت وهی مسبیّه : المستقبل لذکرنا ، والعظمه لرجالنا والحیاه لآثارنا والعلوّ لأعتابنا والولاء لنا وحدنا . فسبحان المنطق القادر على إیصال الوحی إلى عقول ما جال بها إلاّ الحق ، ومسیّره على ألسنهٍ ما نطقت إلاّ بالفصاحه القرآنیّه ، إذ بلغ الأمر بیقظه الضمائر بعد انتهاء المذبحه بالمقتل وعوده السبی والدفن أن صارت حممها تتأجّج وتعلو لتنیر کلّ ما حولها ، وإذا بالولاء لأهل البیت سنّه سنّها الناس لأنفسهم ، والتبرّک بعتباتهم العالیه صار فرضاً على کلّ مؤمن ، وذِکرهم یحیا سنهً بعد أخرى وجیلاً بعد جیل ، ومناقبهم تعلن من فوق المنابر ، ومزاراتهم وقبورهم وکلّ مکان وطؤوه صارت محجّات للملایین من اُمّه الإسلام تحجّ إلیها ضارعه مستغفره ، قارعه الصدور ندماً ، ذائبه على آل البیت حبّاً من کلّ فجٍّ عمیق .
وهذه إحدى معجزات الشهاده وما تلاها من خوارق أنزلها الله تعالى فی الضمائر ، فکیف استمرّت نیران هذه الشراره التی قدحها سیّد الشهداء فوق أرض خلاء لا یراه فیها أحد ، کیف استمرّت وتأجّجت وفردت سناها فوق رؤوس الخلائق فی وقت انطفأت فیه نیران متأجّجه کثیره ؟
ألیست معجزه الخالق التی خطّطت لهذه الثوره بهذه الکیفیه ، وما قول اُولئک الذین ما زالوا بعد کلّ هذا الفیض من الانتصارات الذی أحرزته ثوره فرخ النبی ، یتصدّون لها بمقاییس تقلیدیّه تبعد بها أمیالاً عن حقیقه جوهرها ؟
إلاّ أنّ هذه الثوره رغم ما تعرّضت له على مرّ السنین من مغالطات وتشویه وتحریف ما ازدادت إلاّ سطوعاً وعلوّاً . وهذا ما تنبّأت به زینب (علیها السّلام) فیما قالته لابن أخیها الإمام السجّاد قبل أن یترک الرکب أرض کربلاء فی الحادی عشر من محرم : ما لی أراک تجود بنفسک یا بقیّه جدّی وأبی وإخوتی ؟ فوالله إنّ هذا لعهد من الله إلى جدّک وأبیک ، إنّ قبر أبیک سیکون علماً لا یُدرَس أثره ، ولا یُمحى رسمُه على کرور اللیالی والأیّام ، ولیجتهد أئمّه الکفر وأشیاع الضلال فی محوه وتطمیسه، فلا یزداد أثره إلاّ علوّاً(۱) .
ــــــــــــــ
(۱) کامل الزیارات / ۲۶۱ باب فضل کربلاء وزیاره الحسین .
وهکذا شاءت العنایه الإلهیّه أن تکون السیّده الحوراء شاهده على المجزره التی لم یکن فیها خصمان ، بقدر ما کان فیها قاتل ومقتول ، وجزّار وضحیّه ، وأن تکون مواقفها وکلماتها بعد المجزره مواقف وکلمات المُعایِنَه ، المُعانِیَه بکلّ أعصابها وإحساسها النسوی الاُمومی ، ولم یکن کزینب أهلٌ لهذه المهمّه الصعبه تناط بها ، وهی التی شاهدت وفاه جدّها الرسول (صلّى الله علیه وآله) ، وعاشت محنه اُمّها الزهراء وندبها لأبیها فی بیت الأحزان وانتهاک حرمتها ومنع إرثها وکسر جنبها وإسقاط جنینها وتلطیخ سمعتها وهی تنادی فلا تُجاب .
وهی التی شاهدت قتل أبیها أمیر المؤمنین (علیه السّلام) ، ورأت مکان الضربه فی رأسه ، وعاینت مظاهر سریان الدم فی جسده ، واحترقت بدموعه الطاهره تفیض من عینَیه ، وهو یقلّب طرفه فیها وبأخویها الحسن والحسین (علیهما السّلام) . وهی التی شاهدت أخاها الحسن وهو یجود بنفسه مصفرّ اللون ، یلفظ کبده قطعاً قطعاً من تأثیر السمّ ، ورأت عائشه تمنع من دفنه مع جدّه وترکب بغله وتصیح : والله لا یُدفن الحسن هنا أبداً .
أمّا مصیبه المصائب وخاتمه الأرزاء التی عاشتها ورأتها فکانت فیما عاشته إلى جانب أخیها الشهید فی کربلاء ، وفیما عانته خلال مسار سبیها برفقه العلیل والنساء والأطفال ، کانت مصائب یعجز عن وصفها لسان ، وأرزاء لا یحتملها بشر ، فاقت فی قوّتها وتأثیرها کلّ ما مرّ بها من محن وآلام فی تتالی أیّامها المتخمه بالأحزان والمصائب . فکیف عاشت العقیله هذه التجارب ؟ وکیف تحمّلت کلّ هذه الآلام ؟ وکیف صبرت على کلّ هذا القدر من البلاء الذی حلّ بها ؟
المألوف هنا فی مثل هذه المواقف أن تُتعتَع أشدّ العقول رزانه ، وتعمى أشدّ البصائر رویَّه ، فتتخبّط خبطاً عشواء تدلّ على اختلال الأعصاب التی لا تبقی على أی أثر للتعقّل أو الاتّزان .
فهل فَقَدت زینب (علیها السّلام) رباطه جأشها ؟ هل ارتجّت أعصابها فاختلّ توازنها ؟ هل تزعزعت ثقتها بنفسها وبإیمانها وبحکم ربّها ؟ هل جدّفت أو رفعت رأسها إلى السماء تتساءل لِمَ هی دون غیرها یجب أن تتحمّل کلّ هذا ؟ هل فَقَدت حسّ الاُمومه وإحساس القدسیّه والقدره على التصرّف قولاً وفعلاً ؟
أبداً ، فإنّ شیئاً من ذلک لم یحدث ، فابنه علی وفاطمه لم تتزعزع ، حفیده النبی (صلّى الله علیه وآله) لم تفقد إیمانها ، اُخت الحسنَین لم تکفر بحکمه الله ، بل ما زادتها المحن والآلام إلاّ ثبات جنان ورجاحه عقل واعتصاماً بحکمه الخالق وإذعاناً لمشیئته .