ثوره الإمام الحسین (علیه السلام) لمَن
والتی لولاها لکان الإسلام مذهباً باهتاً یرکن فی ظاهر الرؤوس ، لا عقیدهً راسخه فی أعماق الصدور ، وإیماناً یترع فی وجدان کلّ مُسلم . لقد کانت هزّه وأیّه هزّه . زلزلت أرکان الاُمّه من أقصاها إلى أدناها ، ففتحت العیون ، وأیقظت الضمائر على ما لسطوه الإفک والشرّ من اقتدار ، وما للظلم من تلامیذ على استعداد لزرعه فی تلافیف الضمائر ؛ لیغتالوا تحت سترٍ مزیّفه قِیَم الدِّین ، وینتهکوا حقوق أهله ، ویخمدوا ومضات سحره الهیولیّه .
کانت ثوره بمعناها اللفظی ، ولم تکن کذلک بمبناها القیاسی ؛ إذ کانت أکبر من أن تستوعب فی معنى لفظی ذی أبعاد محدوده ، وأعظم من أن تقاس بمقیاس بشری .
کانت ثوره رَقَت درجات فوق مستوى الملحمه ، کما عهدنا الملاحم التی یجاد بها بالأنفس . فأیّه ملحمه هی استمدّت وقود أحداثها من عتره النّبی وآل بیته الأخیار (علیهم السّلام) ؟ وأیّه انتفاضه رمت إلى حفظ کیان اُمّه محمّد وصون عقیده المسلم ، وحمایه السنّه المقدّسه ، وذبّ أذى المنتهکین عنها ؟
فإذا نظرنا إلیها بمنظار الملاحم ، لم یفتنا ما فیها من کبر فوقها . فالملاحم والثورات التی غیّرت مجرى التاریخ والاُمم ، تقاس عادهً بمدى إیجابیّه وعظم أهدافها ، وإمکانیّه تسامیها إلى مستوى العقیده أو المبدأ لمجموع فئه ما أو فئات ؛ وعلى هذا المقیاس تکون ثوره الحسین (علیه السّلام) الاُولى والرائده والوحیده فی تاریخ الإنسانیّه مذ وجدت وحتّى تنقضی الدهور ؛ إذ هی خالده خلود الإنسان الذی قامت من أجله .
( اُولى ) ؛ لأنّها فی إطارها الدینی هی أوّل ثوره سجّلت فی تاریخ الإسلام ، وفی تاریخ الأدیان السماویّه الاُخرى ، على مستوى المبادئ والقِیَم العقائدیّه .
( ورائده ) ؛ لأنّها مهّدت لروح ثوریّه ، وثوره روحیّه انطوت علیها صدور المسلمین تذکّرهم فی نومهم وقعودهم بمعنى الکرامه ، وبمعنى أن ینتصب المؤمن کالطود الصلب فی وجه موقظی الفتنه باسم الدین ، ورافعی مدامیک الشرک والعبث فی صرح العقیده . فکانت دعوه جاهره لنقض هذه المدامیک ، وهدم دعائم الضلال والوقوف أمام أهداف الذین حادوا عن صراط الشریعه ، ولعبوا بنوامیس وشرائع الدِّین ، وقامروا بکیان الدیانه الولیده ، تمهیداً لوأدها قبل أن تحبو .
( ووحیده ) ؛ لأنّها استحوذت على ضمائر المسلمین فیما خلّفته من آثار عقائدیّه ضخمه . فما کان قائماً من ممارسات لدى القائمین على الإسلام والحاکمین باسمه ، کان بحاجه إلى هزّه انتحاریّه فاجعه لها وَقْع الصاعقه آنذاک ، ومسرى الحبّ فی الضمائر بعد أجیال وحقب تالیه . ( وخالده ) ؛ لأنّها إنسانیّه أوّلاً وآخراً انبثقت عن الإنسان وعادت إلیه مجلّله بالغار ، وملطّخه بالدم الزکی ، ومطهّره بزوف الشهاده المُثلى ، فظلّت فی خاطر المسلم رمزاً للکرامه الدینیّه ، شاهد من خلالها صفحه جدیده من مسیره عقیدته ، صفحه بیضاء عاریه من أشکال العبودیّه والرّق والزّیف ، مسطّره بأحرف مضیئه تهدی وجدانه إلى السبل القویمه التی یتوجّب علیه السیر فی مسالکها ؛ لیبلغ نقطه الأمان الجدیره به کإنسان .
إذاً هی خالده ؛ لأنّها أخلاقیّه ، سنّت دستور أخلاق جدید أضاء للاُمّه الإسلامیّه درب نضالها على مختلف الأصعده ، وعلّمها کیف یکون الجود بالنفس فی زمان ومکان الخطر المحیق رخیصاً ، وکیف یکون الموت سعاده والحیاه مع الظالمین بَرَما ، والموت فی عزّ خیر من حیاه فی ذُلّ .
تلک کانت مبادئ معلّم الثوره الحسین (علیه السّلام) فی ثورته التی فجّرها للإنسان أیّاً کان على وجه هذا الکون ، وسجّلها لِتُقال ویُعمل بها فی أیّ مکان وزمان برزت فیهما الجاهلیّه من الأنفس ، واندثرت النزعه السامیه التی بشّر بها الأنبیاء والمصلحون ، والتی ما أنزلت فی النفوس إلاّ لتحقیق العدل بین الجمیع ، ونشر الرحمه والحقّ فیما بینها .
فإذا ما نظرنا إلى هذه الثوره بمنظور اجتماعی ونفسانی بحت لوجدنا أنّ ما أسفرت عنه من أخلاقیّات اجتماعیّه لأکثر من أن تحدّ ؛ فقد أفلحت النظم التی طوّق بها الاُمویّون مفاسد حکمهم فی أن تقف حائلاً بین المسلم والثوره على هذه النظم والأسالیب . ویوماً بعد یوم انغرست مبادئ التدجین البشری فی النفوس ، واستوطنت الحنایا مسلّمات الخنوع والرضا بالمغانم الدنیویّه الزائله ، فنامت ضمائر المسلمین نومه أهل الکهف ، واسترخت الهمم الثوریّه التی کانت رمزاً للمسلم فی منطلق بعث دیانته ، حتّى تحوّل هذا الاسترخاء إلى آفه اجتماعیّه ونفسیّه وغدت تهدّد روح العقیده .
کانت هذه الآفه تدغدغ من داخل الصدور ، وتوسوس ناصحه بالمحافظه على الذوات ، والحفاظ على المکاسب المادّیه ، والمنازل الاجتماعیّه ، وتحول دون النضال ، فلا یندفع إلیه المسلم بحُمیا نکرانه لذاته ، واستهانته بمکاسبه الزائفه ومنزلته الاجتماعیّه إلى إزاله وضع شاذ اُجبر على السیر فی رکابه دون أن یدری إلى أیّ منزلق یقوده .
من هذه النقطه التی وصل إلیها الإسلام کعقیده ، والمسلم کإنسان انطبعت فی سویدائه مبادئها ، وجد الحسین (علیه السّلام) بأنّه لا مندوحه من إحداث هزّه توقظ النائمین فی أوهامهم ، السادرین فی ضلالهم ، وتقدیم بدیل حقّ لِمَا کان یسود الاُمّه من مبادئ استسلامیّه . ولمّا تفجّرت هذه الثوره واشتعل أوارها ، هتفت للمسلم : قم ، لا ترضَ ، لا تستسلم ، لا توافق على تدجین عقیدتک ، لا تبع نفسک التی عمرت بالإیمان لشیطان المطامع ، ناضل ولا ترضَ بحیاه بلهنیه وترف مع الظالمین وهادمی الذوات .
وتردّدت أصداء هذه الصیحات فی أودیه النفوس التی سکنت إلى الهدم یعمل فی داخلها ، فهبّت بعد إخلاد دام ربع قرن منذ مقتل أمیر المؤمنین (علیه السّلام) وتولّی الأمویین مقالید الاُمّه ، حیث غدا الاضطهاد والظلم وسرقه أموال الاُمّه بدیهیّاتٍ مسلّماً بها . هبّت کبرکان عاصف محموم ، فاقتلعت هذا الرّکام من البدیهیّات المتمثّل بالخنوع والزلفى والانهیار البطیء .
والخطأ الفادح الذی یتصوّره اُولئک المتسائلون ردّاً على أسئلتهم . ماذا کان من الممکن أن یغدو الحال لو لم یقم الحسین (علیه السّلام) بثورته ؟ وما مصیر اُمّه الإسلام إذا ما قدّر للاُمویّین دوام العبث باسم الخلافه ؟ یکمن فی تصوّرهم الآنی لِما کان سیحدث . فقد تصوّر البعض بأن یستمر الحکم الاُموی فی سیاسته لإغراق جموع الاُمّه فی ماعون الشهوات الذی نَصَبوه لها ، فتنحلّ هذه الاُمّه ، ویجد الفاتحون فرصه لاکتساح البلاد دون مقاومه ، فیتشرّد المسلمون بدداً فی الأرض .
إنّ مثل هذا التصورّ برأیی یسیء إلى مفهوم ثوره الحسین (علیه السّلام) ؛ لأنّه تصوّر قاصر ینتهی إلى مفهوم سیّئ مادّی بحت ذی أبعاد زمانیّه ومکانیّه محدّده .
( زمانیّه ) تنتهی باکتساح دوله الاُمویّین و ( مکانیّه ) فی قیام دوله غریبه قد تجافی روح الإسلام فی بقعه من أرض الشام ، أمّا التصوّر فیما ستؤول إلیه العقیده ، وما سیکون علیه مصیر الاُمّه الدِّینی . فذلک لم یحظَ بأقلّ تصوّر لدى أغلبیّه مَن أرّخوا للثوره أو کتبوا لها .
فالثوره عندما قامت استمدّت عزمها من روحیّه الشریعه ، وکانت تهدف إلى إعاده بثّ هذه الروحیّه فی نفس کلّ مسلم ، ولو کان التصوّر یقف عند حدود إزاله دوله الأمویین لَما عنى الحسین (علیه السّلام) نفسه بهذه الثوره ، لکنّه (علیه السّلام) کان عارفاً بأنّه خاسر معرکه لیکسب الإسلام الحرب . الحرب على الظلم عامّه ، والانتصار على مسبّبات ضعف العقیده ، وأکبر دلیل على ذلک أنّه کان بإمکانه (علیه السّلام) أن یلجأ إلى نفس الأسالیب التی لجأ إلیها خصمه یزید ، فیشتری الأنصار ویبذل المال لشراء الضمائر .
وکان (علیه السّلام) قادر على فعل ذلک ، إلاّ أنّه لم یرضَ بهذا الاُسلوب الوقتی . وهذا ما أعلنه فی خطابه للذین بایعوه ؛ کی تظلّ ثورته صافیه ، لا یتّهم بأنّه استأجر لها أنصاراً ولأفکاره مؤیّدین ، إضافه لکونه (علیه السّلام) کان عارفاً بأنّ ثورته فی حساب الخساره والربح ، لا بدّ خاسره ، لکنّه کان یستقرئ المستقبل لربح أعظم یتعلّق بدوام صفاء العقیده ، وإلاّ لکان بإمکانه الاعتصام فی شعاب الحجاز وقیاده ثورته من رکن قصی آمن ، موفّراً نفسه وأنفس أهل بیته وخلّص أصحابه ، ولکن کلّ ذلک لم یکن کافیاً لإقناعه (علیه السّلام) .
ونقول إقناعه ونحن على فَهْمٍ تامّ بأنّ عدم قناعته کانت تستند إلى وحی إلهی ؛ لإتمام المسیره التی لا بدّ منها لخیر الاُمّه .
وبالمقابل کان ثمّه إجماع ممَّن حوله یستدعی البقاء حیث کان ویدعو إلى عدم الخروج من مکّه ، والاستعاضه عن الجهاد ببذل النفس بقیاده الثوره من بعید . فکان أمام الحسین (علیه السّلام) أکثر من بدیل للموت ، وأکثر من اقتراح للسلامه ، وکان (علیه السّلام) عالماً بکلّ هذه البدائل والطرق الموصله إلیها وإلى نقیضاتها ، إلاّ أنّ الحکمه الإلهیّه التی کانت تخطّط لثورته أکبر من فهم البشر وأعظم تَجلَّه من أن تدخل فی نطاق بصیرتهم ، لذا فقد سارت ثوره الحسین (علیه السّلام) کما اُوحی له بها ، ونجحت ذلک النجاح القیاسی الهائل ، والذی لم تکن لتبلغه لو سارت على نهج تقلیدی على هَدی ما قدّم من اقتراحات وبدائل .
وذات الوحی الإلهی الذی حدّد مسار وتوقیت ثوره الحسین (علیه السّلام) أزال الغشاوه عن العیون وبدّد الأوهام التی رانت على العقول والضمائر والتی ظنّت ساعه قیام الثوره بأنّها کانت لمناوئه حکم الاُمویین ، وبأنّها ستنطفئ بانطفاء جذوتها وتخمد بانخماد شراراتها المشتعله . فعرفت هذه العقول وقنعت هذه البصائر بأنّ ثوره الحسین (علیه السّلام) کانت یقیناً ربض فی أعماق الصدور ، ووحیاً استلهمه کلّ مظلوم على مرّ الأجیال والقرون وعلى اختلاف البشر ونحلهم ومللهم ، وإنّها کانت نبراساً یضیء للناس ، وحراره تستعر فی قلوب المؤمنین .
ألم یقل رسول الله (صلّى الله علیه وآله) : (( إنّ لقتل الحسین حراره فی قلوب المؤمنین لا تبرد أبداً )) ؟! أمَا خطر لاُولئک الذین شرحوا ثوره الحسین (علیه السّلام) بأنّها حرکه رجل ضدّ رجل بعد اختلاف على الحکم والمبادئ ، کی یستلهموا کلمات صلوات الله علیه ویستنبطوا معانیها الجلیله الخالده ؟ أمَا خطر لهم أن یتساءلوا : ولِمَ یظل لقتل الحسین تلک الحراره التی لا تبرد أبداً فی قلوب المؤمنین ما دامت حرکه زمنیّه مؤقّته لا انتفاضه روحیّه عقائدیّه ، جعلت القیم الدینیّه والشریعه محل اهتمامها ، والإنسانیّه محور وسائلها والحقّ مطلبها ؟
واُولئک الذین نظروا إلى حرکه الحسین بکثیر من قصر النظر ، وأیضاً الذین أرّخوا لها وکتبوا عنها ، ألم یلفت نظرهم أنّ هذه الثوره لا یجوز أخذها بمأخذ الثورات التقلیدیّه ؟ کی یعلموا أنّها کانت صراعاً بین خُلقین ومبدأین ، وجوله من جولات الصراع بین الخیر والشر ، بین أنبل ما فی الإنسان وأوضع ما یمکن أن تنحدر إلیه النفس البشریّه من مساوئ ؟
ألم یعوا کیف تحوّلت هذه الملحمه العظیمه بتقادم العهد علیها إلى مسیره ؟ وکیف صارت الشهاده التی أقدم علیها الحسین (علیه السّلام) وآل بیته وصحبه الأطهار ، إلى رمز للحق والعدل ؟ وکیف صار الذبیح بأرض کربلاء ، مناره لا تنطفئ لکلّ متطلّع باحث عن الکرامه التی خصّ بها سبحانه وتعالى خلقه بقوله : ( وَلَقَدْ کَرَّمْنَا بَنِی آدَمَ ) ؟
والسیره العطره لحیاه سیّد شباب أهل الجنّه ، واستشهاده الذی لم یسجّل التاریخ شبیهاً له کانا عنواناً صریحاً لقیمه الثبات على المبدأ ، وعظمه المثالیه فی أخذ العقیده وتمثّلها ، فغدا حبّه کثائر واجباً علینا کبشر ، وحبّه کشهید جزءاً من نفثات ضمائرنا ، فقد کان (علیه السّلام) شمعه الإسلام أضاءت ممثّله ضمیر الأدیان إلى أبد الدهور ، وکان درعاً حمى العقیده من أذى منتهکیها ، وذبّ عنها خطر الاضمحلال ، وکان انطفاؤه فوق أرض کربلاء مرحله اُولى لاشتعالٍ أبدی، کمثل التوهّج من الانطفاء، والحیاه فی موت .
فلو کان فرخ النبی (علیه السّلام) ضنیناً بمبدأ ، ولو لم تکن له عقلیّه متصوّره موحى لها لَما استطاع أن یفلت من ربقه الأطماع التی کانت بمثابه دین ثانٍ فی ذلک العهد , ولَما کان ارتفع بنُبلٍ قلّ نظیره فوق الدوّامه التی دوّمت الجمیع ، اُولئک المتزلّفین ، یزید على خطى مَن سبقهم فی تزلّف والده معاویه .
کان (علیه السّلام) لو شاء لأصبح ـ بانحناءه رأس بسیطه ـ أمیراً مطلقاً على ولایه ما ، أو یقنع بزعامه شیعه أبیه (علیه السّلام) ، بینما تنتهک حرمات الدِّین على ید أمیر مؤمنین مزیّف .
لکنّه لم یؤثر السلامه ، ولم یرنُ إلى تطلّعات أرضیّه ، فقد کان هدفه أعظم ، ورسالته أعمق غوراً وأبعد فهماً لعقلیّه الإنسان آنذاک .
کان یرید أن یقول : ما دامت السنّه قد نزلت ، وما دام الإسلام ولیداً یحبو ، فما على المسلم إلاّ أن یکون حفیظ سنّته ، وراعی عقیدته ، لا من أجله فحسب ، بل من أجل کلّ مَن سیولد فی الأحقاب التالیه على هذه السنّه .
فجاءت صیحته نبراساً لبنی الإنسان فی کلّ عصر ومصر ، وتحت أیّه عقیده انضوى ، إذ إنّ أهداف الأدیان هی المحبّه والتمسّک بالفضائل ، لتنظیم علاقه الفرد بربّه أوّلاً ، وبأخیه ثانیاً .
فلعمری أیّه ثوره تقوم على الحق القراح الخالی من أغراض الهوى ، ولا تجد لها سبیلاً إلى المهج والحنایا ! ألم تکن دعوه الحسین (علیه السّلام) دعوه للتفریق بین الحقّ والباطل ؟ أمَا قیل اعجاباً بهذه الثوره : إنّ الإسلام بدؤه محمّدی وبقاؤه حسینی ؟
ولنطرح جانباً آراء اُولئک الذین رأوا فی حرکه الحسین (علیه السّلام) حرکه عاطفیّه بحته ، ألقى فیها الشهید المقدّس بنفسه وآل بیته وصحبه الأطهار فی معرکه کانت معروفه النتائج سلفاً ، والتی تمثّلت بوقوف ثلاثه وسبعین مقاتلاً فی مواجهه خمسین ألف مقاتل .. فتلک الآراء إنّما تمثّل الجانب الفکری ناقص النضج ، والذی وضع حرکه الحسین (علیه السّلام) فی إطار الثوره للثوره ولا شیء عداها . ولم ینظر إلیها ما هی وکما هدفت إلیه کمنعطف خطیر لمسیره العقیده الإسلامیّه ، والتی لولاها لَما کان وجد المؤرّخون شیئاً یتحدّثون به عن الإسلام .
ولعلّ خیر مَن وصف هذه الثوره کان ماربین الألمانی فی کتابه ( السیاسه الإسلامیّه ) إذ قال : إنّ حرکه الحسین فی خروجه على یزید إنّما کانت عزمه قلب کبیر عزّ علیه الإذعان وعزّ علیه النصر العاجل ، فخرج بأهله وذویه ذلک الخروج الذی یبلغ به النصر الآجل بعد موته ، ویحیی به قضیّهً مخذولهً لیس لها بغیر ذلک حیاه(۱) .
من هذا الفهم یتّضح أنّ قضیّه السنّه الإسلامیّه کانت قضیّه مخذوله عندما قام الحسین (علیه السّلام) بثورته ، وما کان له محیص من السیر بها بالشکل الذی بدت به ، غیر ضانٍّ بنفسه وبأنفس أهل بیته وصحبه الأطهار ؛ لعلمه الأکید بأنّ ثورته وإن کانت ضعیفه بترکیبتها المادیّه ، إلاّ أنّ لها صلابه الصّخر والمبدأ بترکیبتها الروحیّه والرمزیّه ، وأنّه بالِغ بها النصر والاستمرار للعقیده ، ما لم یکن لیبلغه بإیثار السلامه من مذبحه کربلاء .
والحسین (علیه السّلام) عندما ثار لم یثَر لأجل نوال کرسی الحکم إذ لم تکن منطلقاته من قاعده فردیّه أو زمنیّه ، بل کانت أهدافها تتعدّاه إلى الأعقاب والأجیال القادمه ، التی ستعرف کیف کان شکل الفداء دفاعاً عن عقیده سُلِّمت لها متلألئه . إنّها عقیده الشهداء البرره التی لا تنخدع بسراب المطامع الدنیویّه ، ولا ترضى بمبدأ المساومه فی میدان العقیده .
ورفض الخداع والمساومه مقرون دوماً بالاستعداد لبذل الحیاه وإطفاء شعله النفس إذا کان فی إطفائها ما ینیر شمعه تهدی السائرین على طریق الحقّ والعدل .
ــــــــــــــ
(۱) السیاسه الإسلامیّه ـ ماربین / ۲۱۳ .
وهذا المبدأ المنبثق عن هکذا عقیده من الصعب إدراک معانیه فی أوانه ، سیّما إذا کانت الموازین آنذاک هی الموازین التی نَصّبها حکّام ظالمون لاُمّه تدجّنت روحها ، وذبلت عقیدتها ، فما عادت تفرّق بین الخطأ والصواب .
وعلى هذا المقیاس الذی لا یرفعه إلاّ الصّفوه المختاره من الصالحین أصاب الحسین (علیه السّلام) بثورته فی المدى البعید ، وأخفق فی المدى القریب ، طلب إحقاق الحقّ فی وقته ، فلم یصل إلیه ، لکن اُمّه الإسلام أدرکته بمماته ، ولم یقف الأمر عندها على مستوى إدراکه فحسب ، بل صار جزءاً من وجدانها العقائدی ، وضمیراً یستصرخها ویستحثّها فی کلّ مواقف الضعف ، وحیال مختلف أشکال التدجین والظلم والانحراف عن السّنه .