فداء الحسین (علیه السّلام) فی الفکر المسیحیّ
وتطبیق أخلاقیّاتها على ممارسات ومواقف أی فرد إنسانی ضمن إطار عقیدته وإزاء ممارسات ومواقف حکّامه ومحکومیه ؟ وبمعنى أدق هل نرضى بحصر استشهاد الحسین (علیه السّلام) بأرض کربلاء إذا ما رغبنا بوضعها فی مکانها حیث جرت أحداثها وکذلک نخصّ بها اُمّه الإسلام على اعتبار أنّها قامت من أجل حمایه عقیده الإسلام ، ونتحدّث عنها فی صیغه الماضی فی الفتره الزمنیّه التی تفجّرت بها ؟
تلک التساؤلات تستلزم تحدید ماهیّه ثوره الحسین (علیه السّلام) ، هل هی ثوره أرض ؟
أم هی انتفاضه على الحکم ؟ أم حرکه تقویمیّه دینیّه ؟ أم خطأ فی الحرکه والتوقیت ؟ أم قضیّه خذلان بعد وثوق ؟
فلو نظرنا إلى الملحمه على أنّها ثوره تمّت فوق أرض معیّنه هی أرض کربلاء ، لجاءنا جواب: على أنّ أیّه بقعه فوق الکره الأرضیّه من الممکن أن تکون کربلاء ثانیه ما دامت واقعه بین مکانین ، أحدهما یرتع به الباطل ، والآخر ینطلق منه الحق .
وإذا اعتبرت انتفاضه على الحکم ، لجاءنا جواب: بأنّها لا تزال مستمرّه حتّى وقتنا هذا فی أیّ بلاد فسد بها الحکم .
أمّا القول : بأنّها حرکه تقویمیّه دینیّه ، فإنّها تکون حرکه حارّه لم تبرد إلى عصرنا هذا ، طالما استغلّ الدین لتحقیق أغراض بعیده عن جوهره .
وأمام الرأی القائل بأنّها خطأ فی الحرکه والتوقیت ، فإنّ هذا الخطأ یحمل فی ثنایاه الصواب أکثر ممّا یحمل الصواب من صوابیه . أمّا کونها قضیّه خذلان بعد وثوق ، فإنّها وإن تک کذلک ، فإنّها کانت لحکمه ربّانیه من الکفر إثاره التساؤل حولها .
إذاً فإنّ الثوره بماهیّتها هذه ذات استمراریّه خالده ، فکلّ مکان یقف علیه ثائر هنا وهناک هو کربلاء ، وکلّ طعنه سیف فی عاشوراء هی طعنه لمفاسد الحکم فی أیّ وقت ، وکلّ نقطه دم أریقت فداءً للحق استمرّت تعلن فداءها فی رغبه الإنسان العامره فی الاستشهاد فی سبیل مبادئه .
هی ثوره بدأت ساخنه واستمرّت محافظه على سخونتها طالما ثمّه ظلم فوق هذا الکوکب ، ولطالما ثمّه فساد فی الحکم ، ولطالما ثمّه عبث فی العقائد . وهی ثوره لن تبرد أبداً ، بل هی فی غلیان دائب سیّما فی هذا العصر ، عصر الضنک والظلم والاضطهاد والترویع لشعوب کثیره . حیث انتهکت الحریات ، وبان جلیّاً العبث فی العقائد والأدیان ، بل واستغلال هذه الأدیان فی تثبیت المفاسد والانتهاکات البشریّه .
فالحسین (علیه السّلام) ثار من أجل الحقّ ، والحق لکلّ الشعوب .
والحسین (علیه السّلام) ثار من أجل مرضاه الله ، وما دام الله خالق الجمیع ، فکذلک ثوره الحسین لا تختصّ بأحدٍ معیّن ، بل هی لکلّ خلق الله .
وفی قوله النبی الکریم : (( إنّ لقتل الحسین حراره فی قلوب المؤمنین لا تبرد أبداً )) . دلاله على شمولیّه ثوره الحسین (علیه السّلام) ، فمقوله رسول الله (صلّى الله علیه وآله) لم تقتصر على ( المسلمین ) ، وإلاّ للفظها لسانه الکریم بهذا المعنى … لکنه (صلّى الله علیه وآله) شمل کلّ المؤمنین قاطبهً تحت أیه عقیده انضووا ، وفوق أیه بقعه فوق الأرض وجِدوا ، وخصّهم بنصیب من هذه الحراره السّنیه التی لا تبرد فی قلوبهم لقتل الحسین .
المظلومون والمضطهدون والمقهورون والمروّعون من کلّ المذاهب والبقاع یتّجهون فی کلّ رغباتهم إلى جوهر ثوره الحسین (علیه السّلام) ، ففی اتجاههم الفطری ورود إلى منبع الکرامه والإنصاف والعدل والأمان .
وما دامت قد تحدّدت ماهیّه ثوره الحسین (علیه السّلام) بهذه الأطر ، أفلا یجدر اعتبار الحسین شهیداً للإسلام والمسیحیّه والیهودیّه ولکلّ الأدیان والعقائد الإنسانیّه الاُخرى ؟
فإذا کان من البدیهی الإجابه بـ( نعم ) فما هی إذاً رؤیه الفکر المسیحی المتفرّع من شجره الفکر الإنسانی لملحمه استشهاد وفداء الحسین (علیه السّلام) , هذا الفکر الذی یرى فی رکنی الاستشهاد والفداء الأعمده التی تقوم علیها معتقداته المؤطّره بشمولیه إنسانیّه ؟
فعیسى بن مریم (علیه السّلام) ما جاء إلى الناس إلاّ فادیاً ومستشهداً من أجل بشاره الحقّ(۱) . وثمّه تقارب کبیر بین حرکتی الفداء والاستشهاد الّلتین أقدم علیهما عیسى والحسین (علیهما السّلام) ، مع الإقرار بالفوارق البیّنه فی أسبابهما وکیفیّتهما ، لا فی جوهرهما وأهدافهما .
فأوجه الشبه بین عیسى والحسین (علیهما السّلام) تتجلّى فی مولدهما وسیره حیاتهما ، فقیل : لَم یولد مولود لستّه أشهر وعاش إلاّ الحسین وعیسى بن مریم .
واعتلّت فاطمه (علیها السّلام) لمّا ولدت الحسین (علیه السّلام) وجفّ لبنها ، فطلب رسول الله مرضعه فلم یجد ، فکان یأتیه فیلقمه إبهامه فیمصّه ، ویجعل الله فی إبهام رسوله غذاء الطفل الولید ، ففعل ذلک أربعین یوماً بلیالیها ، فأنبت الله سبحانه وتعالى لحمه من لحم رسول الله(۲) ، وهذا ما یفسّر قول الرسول الکریم : (( حسین منّی وأنا من حسین )) . وهکذا کان الحسین الرضیع غذیّ النبوّه ، وعیسى مولود النفحه السماویّه بمریم (علیها السّلام) ، غذیّ القوّه الإلهیّه .
قسیس مسیحی قال : لو کان الحسین لنا لرفعنا له فی کلّ بلد بیرقاً ، ولنصبنا له فی کلّ قریه منبراً ، ولدعونا الناس إلى المسیحیّه باسم الحسین .
ـــــــــــــــ
(۱) یوحنا ۱۴ / ۶ .
(۲) أبو الشهداء ـ العقّاد / ۵۴ .
مثل هذا الکلام لا یصدر على عواهنه ، بل یقصد به أنّ الفداء والاستشهاد اللذَین یشکّلان رکن الدین المسیحی الأساسی قد جسّدهما الحسین (علیه السّلام) خیر تجسید فی استشهاده ، هذا الاستشهاد الذی لا یقدم علیه إلاّ المبشّرون بالأدیان السماویّه ، أو المتصدّون لانحرافها ، وکان الحسین (علیه السّلام) واحداً منهم .
ولنعد إلى نقاط التشابه والاختلاف بین الشهیدَین العظیمَین للإسلام والمسیحیّه ، فنجد أنّهما ـ حتّى فی اختلافهما فی بعض نقاط ـ ثمّه تشابه غیر مباشر یقرّبهما من بعضهما ، فعیسى (علیه السّلام) اُوتی قدره مخاطبه الناس وهو فی المهد صبیّا ، والحسین (علیه السّلام) اُوتی ملکه الخطابه من طلاقه لسان ، وحسن بیان ، وغنّه صوت ، ورشاقه إیماء .
وعیسى اضطهد واُهین وضفر جبینه بالشوک ، وحوکم وقُتل ، وطُعن وبصق علیه ، وجرّد من ثیابه . والحسین شرّد وحوصر ، واُعطش واُهین ، وقُتل وسبیت عیاله ، وجرّد من ثیابه وسلبت حلله .
عیسى (علیه السّلام) قال : (( روح الربّ نازل علیَّ ؛ لأنّه مسحنی وأرسلنی لاُبشّر الفقراء ، واُبلّغ المأسورین إطلاق سبیلهم ، واُفرّج عن المظلومین ، وأعلن سنّه مرضیّه لدى الربّ ))(۱) . والحسین (علیه السّلام) قال :
ـــــــــــــ
(۱) لوقا ۴ / ۱۸ ـ ۱۹ و أشعیا ۶۱ / ۱ ـ ۲ و متّی ۳ / ۱۶ .
(( وإنّی لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح فی اُمّه جدّی ، اُرید أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنکر ، وأسیر بسیره جدّی وأبی علی أبی طالب )) .
عیسى قال لتلامیذه : (( فإذا اضطهدونی یضطهدونکم أیضاً ، سینزلون بکم ذلک کلّه من أجل اسمی ، لو لم آتِ واُکلّمهم لما کتبت علیهم خطیئه ))(۱) . والحسین قال لصحبه قبل بدء المعرکه عشیّه التاسع من محرّم : (( إنّی لا أعلم أصحاباً أولى ولا خیراً من أصحابی ، ولا أهل بیت أبرّ وأوصل من أهل بیتی ، فجزاکم الله عنّی جمیعاً . ألا وإنّی أظنّ یومنا من هؤلاء غداً ، وإنّی قد رأیت لکم فانطلقوا جمیعاً فی حلّ لیس علیکم منّی ذمام ، وهذا اللیل قد غشیکم فاتخذوه جملاً ، ولیأخذ کلّ رجل منکم بید رجل من أهل بیتی ، فجزاکم الله جمیعاً خیراً ، وتفرّقوا فی سوادکم ومدائنکم ؛ فإنّ القوم إنّما یطلبونی ، ولو أصابونی لذهلوا عن طلب غیری ))(۲) .
عیسى (علیه السّلام) أنکره أقرب تلامذته ( بطرس ) ، والحسین (علیه السّلام) خذله أنصاره الذین استدعوه من المدینه .
ـــــــــــــــ
(۱) یوحنا ۱۵ / ۲۱ ـ ۲۲ .
(۲) الطبری ۶ / ۲۳۸ ـ ۲۳۹ ، والکامل لابن الأثیر ۴ / ۳۴ .
عیسى اقتُسمت ثیابه بعد موته إلى أربعه أنصباء لکلّ جندی نصیب ، وأخذوا القمیص أیضاً وکان غیر مخیط منسوجاً کلّه من أعلاه إلى أسفله ، فقال بعضهم لبعض : لا ینبغی أن نشقّه ، بل نقترع علیه فنرى لمَن یکون(۱) . والحسین لحقته هذه الإهانه وهو صریع متضرّج بدمائه فی فلاه کربلاء ، فسلبه قاتلوه ، ولم یوفّروا حتّى تکّه سرواله ، وامتدّت لها ید أحدهم بلا أدنى استعظام أو تأثّم(۲) .
ابن مریم مات عطشان ، ففی لحظات نزاعه الأخیر هتف : ( أنا عطشان )(۳) فلم یؤتَ له بماء ، بل کان هناک إناء ملیء خلاًّ ، فوضعوا اسفنجه مبتلّه بالخلّ على قضیب من الزّوفی وأدنوها من فیه فلمّا ذاق الخلّ لفظ روحه . وابن فاطمه وهو مجندل مطعون فی ترقوته ونحره وجنبه وحلقه ورأسه وجبهته وقفاه والدم ینبع ویخضّب جسده الطاهر ویلوّن شیبته المقدّسه ، وکان فی نزاعه الأخیر حینما استقى ماء فأبوا أن یسقوه ، وقال له رجل : لا تذوق الماء حتى ترد الحامیه فتشرب من حمیمها (۴) .
والأنبیاء والشهداء والمصطفون یدرکون أنّ وجودهم المادّی زائل ، لکن حججهم ونفثات ضمائرهم هی التی ستبقى لتسری فی النفوس مسرى النار فی الهشیم ، ولیتردّد صداها فی المهج ، فلا یهدأ لها صدى إلاّ لیرجع من مکان
ــــــــــــــــ
(۱) یوحنا ۱۹ / ۲۴ .
(۲) راجع اللهوف / ۷۳ ، ومقتل الخوارزمی ۲ / ۳۸ ، وکامل ابن الأثیر ۴ / ۳۲ ، ومناقب ابن شهر آشوب ۲ / ۲۲۴ ، ومقتل الخوارزمی ۲ / ۱۰۲ .
(۳) یوحنا ۱۹ / ۲۹ ـ ۳۰ .
(۴) ابن نما / ۳۹ .
آخر ، وهکذا فبینما یحیط جند یزید بالحسین (علیه السّلام) إذ به یعتلی راحلته ویخاطبهم : (( أیّها الناس ، انسبونی مَن أنا ، ثمّ ارجعوا إلى أنفسکم وعاتبوها وانظروا : هل یحلّ لکم قتلی وانتهاک حرمتی ؟ ألست ابن بنت نبیّکم ، وابن وصیّه ، وابن عمّه ، وأوّل المؤمنین بالله ، والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربه ؟ أو لیس حمزه سیّد الشهداء عمّ أبی ؟ أو لیس جعفر الطیّار عمّی ؟ أو لم یبلغکم قول رسول الله لی ولأخی : هذان سیّدا شباب أهل الجنه ؟ )) .
فقال الشمر : هو یعبد الله على حرف إن کان یدری ما یقول . ثمّ قال الحسین (علیه السّلام) : (( فإن کنتم فی شکّ من هذا القول ، أفتشکّون أنّی ابن بنت نبیّکم ؟ فوالله ما بین المشرق والمغرب ابن بنت نبیّ غیری فیکم ولا فی غیرکم . ویحکم ! أتطلبونی بقتیل منکم قتلته أو مالٍ لکم استهلکته أو بقصاص جراحه ؟ ))(۱) . فأخذوا لا یکلّمونه ، وأصمّوا آذانهم عن سماع حدیثه ، فقد تفاعل الحقد فی عروقهم فأعماهم عن صوت الحقّ الذی ینطق به لسان سیّد الشهداء .
فسبحان الذی رسم لشهدائه وأبراره مثل هذه المواقف ! الشهید والنبی والمصلح یقفون أمام الفاسدین یستعطفون قلوباً تحجّرت وأبت إلاّ أن تقف إزاءهم بنفوس ملؤها الشرّ والحقد ، وهذا ما فعله أعداء الحسین (علیه السّلام) الذین التفّوا حوله هازئین مستعدّین للانقضاض علیه بعد وقت قصیر باسم دین جدّه المصطفى ، فکان حالهم کحال مَن یحارب البیاض باسم السّوسن ، وکحال مَن عنتهم تلک الآیه الکریمه التی جرت على لسان المسیح : (( سماعاً تسمعون ولا
ـــــــــــــ
(۱) رواه ابن نما فی مثیر الأحزان / ۲۶ ، وجاء فی تاریخ الطبری ۶ / ۲۴۳ .
تفهمون ، ونظراً تنظرون ولا تبصرون . فإنّ قلب هذا الشعب قد غلظ ، لقد ثقّلوا آذانهم ، وأغمضوا عیونهم لکی لا یبصروا بعیونهم ، ولا یسمعوا بآذانهم ، ولا یفهموا بقلوبهم ))(۱) .
وکما سیّد الشهداء کذلک عیسى رسول السّلام والمحبّه وقف فی مثل وقفته بین الیهود الذین جاؤوا لاعتقاله ، فقال مخاطباً الأحبار وقاده الحرس والشیوخ : (( أعلى لصٍّ خرجتم تحملون السیوف والعصی ؟ کنت کلّ یوم بینکم فی الهیکل فلم تبسطوا أیدیکم إلیَّ ، ولکن تلک ساعتکم ، وهذا سلطان الظلام ))(۲) .
وقال أیضاً : (( ألم یعطکم موسى الشریعه وما من أحد منکم یعمل بأحکام الشریعه ؟ لماذا تریدون قتلی ؟ ))(۳) . فأجابه الجمع کما أجاب الشمر الحسین : بک مس من الشیطان)(۴) . قال عیسى : (( لماذا لا تفهمون أقوالی ؛ لأنّکم لا تطیقون الاستماع إلى کلامی . إنّکم أولاد أبیکم إبلیس , لم یثبت على الحقّ ؛ لأنّه لیس فیه شیء من الحقّ ؛ لأنّه کذّاب وأبو الکذّاب . أمّا أنا فلا تصدّقونی ؛ لأنّنی أقول الحقّ ، أنا أعلم أنّکم ذرّیّه إبراهیم ، ولکنکم تریدون قتلی ))(۵) .
صیحتان متشابهتان أطلقهما وسط غلاظ القلوب ، رسول المحبّه ، وسیّد الشهداء (علیه السّلام) ،
ـــــــــــــــ
(۱) متّی ۱۳ / ۱۵ ، رسل ۲۸ / ۲۶ .
(۲) لوقا ۲۲ / ۵۲ ـ ۵۳ ـ ۵۴ .
(۳) یوحنا ۷ / ۱۹ .
(۴) راجع الفقره ۲۰ من إنجیل یوحنا ۷ ، یجیب المسیح : ( ما عملت إلاّ عملاً واحداً فتعجّبتم کلکم ) .
(۵) یوحنا ۸ / ۴۳ ـ ۴۴ ـ ۴۶ .
وأمام الموت المحیق بهما ، إنّها ضریبه الحق قبل أن تُؤدّى .
کان بإمکان الشهیدَین تجنّب هذا الموقف وهذا الکلام ، لکنّهما أدّیا واجب الکلمه الحقّه قبل أن یؤدّیا واجب الشهاده ، بثّا فی الضمائر بذره الخیر تعمل بها وتتفاعل لتنشر عبقها فی الهواء ، فتعمّ الجمیع وتفیء بظلّ حقّها على القلوب ، وتکون الجرثومه التی تقتل ما فسد من أخلاق ونفوس والتریاق المحیی للصدور المسمّمه ، والمهج المشرفه على الاختناق بضلالها .
وحکمه الله تنفح الرؤى فی رؤوس الأخیار البرره ، فتجری على ألسنتهم کلاماً یحمل معنى النبوءه ، ففی موقع الخطر وفوق أرض النهایه حیث تُتعتع أشدّ العقول رباطه ، وتتزعزع أقوى القلوب جأشاً ، تظلّ قلوب الشهداء حیّه ، وعقولهم صافیه منیره .
ففی حومه الخطر خاطب الحسین (علیه السّلام) قاتلیه بما سیحلّ بهم وما أثبتته الأیّام بالصدق ، وصوّر لأعینهم وبصائرهم أی منقلبٍ سینقلبون إذا ما أقدموا على قتله ؛ وذلک کی یکون فی کلامه عظهٌ وإنذارٌ قبل الوقوع فی الخطأ ، علّهم یرعوون ویتوبون إلى ربّهم وضمائرهم . ولکن هیهات للضمائر التی نامت ، وللنفوس التی هرمت أن تعی عظه مقدّسه حیّه ، فلو وعت لقدّمت المُثل الحیّه على مفاسد الأخلاق وموت الضمائر ، ولارعوت بما قاله سبط النبی (علیه السّلام) : (( أما والله لا تلبثون بعدها إلاّ کریثما یرکب الفرس ، حتّى تدور بکم دور الرحى ، وتقلق بکم قلق المحور ، عهدٌ عهده إلیَّ أبی عن جدّی رسول الله . فاجمعوا أمرکم وشرکاءکم ، ثمّ لا یکن أمرکم علیکم غمّه ، ثمّ اقضوا إلیَّ ولا تنظرون إنّی توکّلت على الله ربّی وربّکم ما من دابّه إلاّ هو آخذ بناصیتها إنّ ربّی على صراط مستقیم ))(۱) . ثمّ رفع یدَیه نحو السماء وقال : (( اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء ، وابعث علیهم سنین کسنیّ یوسف ، وسلّط علیهم غلام ثقیف یسقیهم کأساً مصبّره ؛ فإنّهم کذّبونا وخذلونا وأنت ربّنا علیک توکّلنا وإلیک المصیر . والله لا یدع أحداً منهم إلاّ انتقم لی منه قتله بقتله ، وضربه بضربه ، وإنّه لینتصر لی ولأهل بیتی وأشیاعی ))(۲) .
ویقابل هذا القول ذلک الذی جرى قبل قرون على لسان شهید المسیحیّه حینما حکم علیه علماء الشریعه الیهودیّه بالموت ، إذ قال مخاطباً إیّاهم : (( الویل لکم أنتم یا علماء الشریعه ! تُحمّلون الناس أحمالاً باهظه وأنتم لا تمسّون هذه الأحمال بإحدى أصابعکم ! الویل لکم ! تبنون قبور الأنبیاء وآباؤکم هم الذین قتلوهم ! فأنتم الشهود ، وأنتم على أعمال آبائکم توافقون ، هم قتلوهم وأنتم تبنون ؛ ولذلک قالت حکمه الله : أرسل إلیهم الأنبیاء والرسل وسیقتلون منهم ویضطهدون حتّى یطلب من هذا الجیل دم جمیع الأنبیاء الذی سفک منذ إنشاء العالم ، من دم هابیل إلى دم زکریّا الذی قتل بین المذبح والهیکل ))(۳) .
فإیراد مثل هذا التشابه فی الأقوال والمواقف والمصیر بین الشهیدَین عیسى والحسین (علیه السّلام) من شأنه إبراز نواحی عنصر الشهاده بینهما رغم أنّهما جاءا فی عصرین مختلفَین ، وأدّیا رسالتَین مختلفتَین فی الشکل ، متجانستَین فی المرمى .
فعیسى بن مریم (علیه السّلام) جاء إلى الیهود یحمل رساله جدیده یبشّر بها هی اتمام
ــــــــــــــ
(۱) تاریخ ابن عساکر ۴ / ۳۳۴ ، ومقتل الحسین (علیه السّلام) للخوارزمی ۲ / ۷ ، واللهوف / ۵۴ .
(۲) اللهوف / ۵۶ طبعه صیدا ، ومقتل الحسین (علیه السّلام) للخوارزمی ۲ / ۷ ، ومقتل العوالم / ۸۴ .
(۳) لوقا ۱۱ / ۴۶ ـ ۵۱ .
لرساله العهد القدیم التی حرّفها الیهود ووضعوا لها شریعه أسمَوها شریعه الآباء ، فاضطهدوه واتّهموه بما لا یتّهم به نبی . ثمّ قدّموه للموت ، فتقدّم إلیه کهدف أنفذ لأجله ، وقد فدى نفسه وحدها لتظلّ رمزاً للمسیحیین من بعده تذکّرهم بمعنى افتداء نفس قرباناً للعقیده ، فیحسّون بضعفهم إذا ما ضعفت عقیدتهم ، وتکون مناسبه الفصح مناسبه للحزن والذکرى ، وإعاده التبصّر ، وتقویم الضعف فی النفوس ، والانحراف فی أخذ العقیده .
وبمقیاس الجود بالنفس الواحده مقابل سلامه العقیده أو بعثها من البدء ، فإنّ الأنبیاء موسى وعیسى ومحمّد (علیهم السّلام) والشهداء زکریّا ویحیى وعلی والحسن والحسین والعبّاس وغیرهم .. أدّوا رسالتهم الکامله بما یرضی الله سبحانه تعالى کما رسمها لهم ، وکانت أنفسهم الطاهره هی القربان الذی قدّموه على مذبح الشهاده .
فإذا کانت الأدیان السماویّه تنزل ویفدى لها بنفس رسولها ، وتنشر فیفدى لها بنفس ناشرها ، وتحمى فیفدى لها بنفس حامیها ، فبأی وصف أو مقیاس یمکن لنا ولأجیال المؤمنین من بعدنا أن نقیس ثوره الحسین (علیه السّلام) التی قدّم فیها عتره آل البیت وصحبه الأخیار ، وکان ثمن دفاعه عن انحراف العقیده ثلاثاً وسبعین نفساً طاهره هی اُسره النبی الذی أنزلت الرساله به ، والتی حارب أعداء الرساله سبطه باسم رسالته .. سبطه الذی قال عنه (صلّى الله علیه وآله) : (( حسین منّی وأنا من حسین ))(۱) ؟ هل یمکن قیاسها بمقیاس ما قدّمت ، أم بمقیاس ما زالت تقدّمه ؟
ـــــــــــــــــ
(۱) تعبیر رواه من الإمامیّه ابن قولویه فی کامل الزیارات / ۵۳ ، ومن أهل السّنه الترمذی فی جامعه فی مناقب الحسین ، والحاکم فی المستدرک ۳ / ۱۷۷ ، وابن عساکر فی تهذیب تاریخ دمشق ۴ / ۳۱۴ ، وابن حجر فی مجمع الزوائد ۹ / ۱۸۱ ، والهیتمی فی الصواعق المحرقه / ۱۱۵ حدیث ۲۳ ، والبخاری فی الأدب المفرد ، والمتقی الهندی فی کنز العمال ۷ / ۱۰۷ ، والصفوری فی نزهه المجالس / ۴۷۸ ، وأمالی السیّد المرتضى ۱ / ۱۵۷ المجلس الخامس عشر ( نقلاً عن المقرم ) .
إذا قسناها بالمقیاسین ـ ولا مندوحه لنا إلاّ بهما ـ فنجد أنّ ثوره ریحانه النّبی هی أعظم الثورات قاطبه ، وشهادته متممّه لکلّ الشهادات التی سبقتها ، إذ إنّ هذه الثوره قَبِلت قرباناً لها الشیخ والمرأه والطفل والرضیع . وکانوا کلّهم فی میدان واحد مشاهدی مجزره ومتحمّلی نتائجها . فهی ثوره جعلت من مشعل أوارها وارث آدم صفوه الله ، ووارث نوح نبی الله ، ووارث إبراهیم خلیل الله ، ووارث عیسى روح الله ، ووارث محمّد حبیب الله .
واستشهاد الحسین بهذا الشکل الدراماتیکی المؤلم رفعه مرتبه فوق الشهداء فصار سیّدهم ومعلّمهم ، سیّما إذا نظرنا إلى الوسائل والکیفیّه التی تمّت بها شهادته مختتماً بها ثورته المنتصره رغم خذلانها .
ففی الهدف ثبت أنّ ثوره الإمام کانت دفاعاً عن کلّ الرسالات السماویّه التی سبقتها ما دام هدف الرسالات تقدیم المثال الحی على خلودها بالاستشهاد المعمَّد بالدم ، و هو (علیه السّلام) تمّم بها ما بدأه جمیع الأنبیاء الذین ذاقوا الاستشهاد حرقاً وقتلاً وذبحاً وصلباً .
وفی الکیفیّه والوسیله نرى أن لیس ثمّه ثوره تشبه ثوره الحسین بکیفیّتها ووسائلها ، فقد کان سبط النبی (علیه السّلام) مصلحاً کبیراً انبثق من جموع الاُمّه ، وله صفه بشریّه واحده لا صفه رسولیّه کما للرسل ، فکان علیه أن یسلک فی کفاحه مسلک البشر المعذّبین والمحاصرین ، ویلجأ إلى الوسائل البشریّه المحدوده فی صراعه المستمیت ضدّ حاکم غاشم وسلطه فاسده منکّله تبغی الانحراف بالعقیده تحت لوائها .
وکانت المهمّه الملقاه على عاتق سیّد الشهداء غایه فی الصعوبه ؛ فقد کان الإسلام ولیداً لمّا یزل یحبو ، وقد اجتاز فتره مولده وفتوحاته الاُولى ، واسترخت الاُمّه الإسلامیّه بعدها ، ودبّ الخلاف فی أوساطها ، وصارت الأطماع الدنیویّه هی المحکّ لنفسیّه المسلم آنذاک ، بعد أن نجحت سیاسه الاُمویّین فی تدجین الاُمّه وترکیعها ، وإقامه خلافه کسرویّه مدعومه بارستقراطیّه وثنیّه محرّفه ناصبت القائمین على الإسلام العداء ، التی نجح الرسول (صلّى الله علیه وآله) فی القضاء علیها فی حیاته ؛ لأنّها انضوت تحت لواء الإسلام واعتنقت العقیده سعیاً وراء مصالحها الشخصیّه ، وما کان أکثرها .
من هنا کانت صعوبه المهمّه التی أخذها الحسین على عاتقه ، وهی النهوض باُمّه الإسلام من خدرها وإعادتها إلى الصراط المستقیم الذی بشّر به جدّه الکریم ، صعوبه لا یحسّها إلاّ مَن کان فی وضع مثل وضع الحسین یعتمد على مناصرین تفتّتوا بدداً ، کما لو أنّهم لم یکونوا ، وکأنّهم لم یرسلوا کتبهم فی طلبه من المدینه لیقودهم فی حرکته ، فی مقابل حکم طاغ له من عدده وعدّته الشیء الکثیر ، مدعوماً بقوى غاشمه ، بینما لا تلفت مفاسده انتباه قوى استطاع شراء سکوتها بالمال ، بینما البقیّه التی کانت تحسّ الظلم والضنک آثرت السکوت والخنوع ؛ إمّا حفاظاً على مکاسب رخیصه ، أو خوفاً من بطش اُمیّه .
وإذا حاولنا النظر مجدّداً إلى حراجه موقف الحسین فی إعلانه عدم البیعه لیزید وخروجه إلى الکوفه ـ مع علمه بإمکانیّه خذلانه ـ لتبیّن لنا بوضوح اُسلوب الحرکه عند الحسین (علیه السّلام) ، فهو لا یقف لیزن الأمر بمیزان القدره والاقتدار استناداً إلى الإمکانات التی بین یدَیه ، وعلى ضوء ما لدى یزید . کان المبدأ یعتمل فی صدره یلحّ علیه بهواتف مجهوله لأن یتقدّم ویجابه دونما خوف من مآلٍ أو نتیجه ، فالإقدام والتصدّی لقوى الظلم هما الثمره التی ستکبر وتکبر إلى أن یحین موعد قطافها .
وإذا کان الأنبیاء والرسل قد خصّهم تعالى بقوى وخوارق علویّه أکبر من قدره البشر فإنّ الحسین (علیه السّلام) حتّى لحظه استشهاده کانت وسائله بشریّه صرفه لا تزید ولا تنقص ، عدا جوهر المبدأ فوق البشری الذی خطّط له حرکته .
ولقد أیّد الله تعالى کلّ نبی بمعجزه ممّا هو منتشر فی عصره . ففی زمن موسى (علیه السّلام) کان السحر منتشراً کلّ الانتشار ، فأیّد الله نبیّه موسى بمعجزه من نفس الشیء المنتشر ، فألقى عصاه فإذا هی حیّه تسعى .
وفی زمن عیسى (علیه السّلام) کان الطبّ منتشراً انتشاراً هائلاً ، فأیّد الله رسوله عیسى بمعجزه من نفس الشیء المنتشر آنذاک ، فأعطاه معجزات إحیاء المیّت وإبراء الأکمه والأبرص وطرد الأرواح الشریره ، وهذا إعجاز لم یتوصّل إلیه الطبّ فی ذلک الوقت ولا فی الوقت الحاضر .
وفی زمن محمّد (صلّى الله علیه وآله) کانت الفصاحه والبلاغه هما المرجع الأوّل ، وکلّ إنسان یُقدَّر على قَدر فصاحته وبلاغته ، فکانت تنظّم القصائد وتعلّق المعلّقات فی الکعبه ، وتقام الأسواق للمباریات فی إلقاء القصائد ، فأیّد الله نبیّه محمّداً بلاغه .
وإذا کان حال الأنبیاء الذین أیّدهم الله بمعجزات فوق إعجاز البشر قد آلت إلى الاضطهاد والقتل رغم معجزاتهم ، فما هو حال الشهید الحسین الذی لم یؤتَ إعجاز الأنبیاء بل کان علیه أن یجاهد کالبشر ؟
ولیس معنى هذا أنّ الشهید العظیم لم یکن لدَیه إلاّ الضعف البشری فحسب ، بل کانت فی صدره جوهره الشهاده ، وکانت له قماشه الشهید حتّى قبل أن یولد ، إذ کان معدّاً لهذه الشهاده وهذا السمو ، لکن بوسائل بشریّه ؛ کی تتمّ شهادته وتکون لکلّ البشر الذین یقنعون بضعفهم البشری عن القیام بالجهاد ، فتکون ثوره سیّد الشهداء هی المثل الحی على إمکانیّه تحویل البشر إلى شبیهی الرسل ، بعد أن یحوّلهم المبدأ القوی والعقیده الثابته الکامنه فی صدورهم إلى ثائرین ، یبحثون عن الموت لیلجوا فی غمراته غیر هیّابین ، مبتغین مرضاه الله .
دافعت ثوره الحسین عن السّنه المحمّدیّه بقوّه الحجّه ، وقوّه الحقّ وبلاغته ، ولم تنتصر بقوّه العضلات والأبدان ؛ إذ کانت ثوره موجّهه إلى العقول والضمائر والأنفس التی تقدّر للحقّ قدره ، وتکره ما للباطل من مساوئ ، لقد قال الحسین (علیه السّلام) : (( أیّها الناس ، إنّ رسول الله قال : مَن رأى سلطاناً جائراً ؛ مستحلاًّ لحرم الله ، ناکثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنّه رسول الله ، یعمل فی عباد الله بالإثم والعدوان فلم یغیّر علیه بفعلٍ ولا قول ، کان حقّاً على الله أن یدخله مدخله ))(۱) .
وقال فی خطاب آخر : (( ألا ترون إلى الحقّ لا یُعمل به ، وإلى الباطل لا یُتناهى عنه ؟! لیرغب المؤمن فی لقاء الله محقّاً ، فإنّی لا أرى الموت إلاّ سعاده ، والحیاه مع الظالمین إلاّ برما ))(۲) .
مثل هذا القول لا یصدر إلاّ عن إنسان معدّ للشهاده ، ینطق لسانه بما یستقرّ فی وحیه من إیحاءات علویّه ، إنسان هو بضعه من الرسول الکریم وریحانته ، ونفحه من نفحات إلهامه . فعندما ولدت فاطمه حسیناً أخذه النبیّ بین یدَیه وأذّن فی اُذنه کما یؤذّن للصلاه ، وأفرغ فی سریرته الطفولیّه بعضاً من استشرافات النبوّه الهادیه للبشر(۳) .
ــــــــــــــ
(۱) تاریخ الطبری ۶ / ۲۲۹ ، وکامل ابن الأثیر ۴ / ۲۱ .
(۲) اللهوف ، والطبری الجزء السادس ، والعقد الفرید ۲ / ۳۱۲ ، وابن عساکر ۴ / ۳۳۳ .
(۳) أخرج أبو داود والترمذی فی ( السنن ) عن أبی رافع مولى النبی (صلّى الله علیه وآله) قال : رأیت النبی أذّن الحسین حین ولدته فاطمه کما یؤذّن للصلاه . وذکر ابن الصّبان فی إسعاف الراغبین : أنّه حنّکه بریقه وأذّن ، ودعا له وسمّاه حسیناً یوم السابع ، وعقّ عنه . وذکر المفید فی الإرشاد أنّ النبی عقّ عنه کبشاً .
إذاً کان الحسین (علیه السّلام) هو رجل المرحله الثانیه للإسلام بعد المرحله الاُولى التی بدأها جدّه الرسول ، وکانت مهمّته کبیره تتصّدى لإعاده مسیره العقیده إلى الصراط المستقیم ، ولِمَ لا ؟! ألیس (علیه السّلام) هو خامس أهل البیت الذین صرّح القرآن الکریم بطهارتهم ؟ ومَن کان أجدر منه لأن یکون رجل ( الاستمراریّه ) وإعاده التقویم للإسلام الذی قیل فیه: بدؤه محمّدی وبقاؤه حسینی ؟
ورجل نذر حیاته للشهاده ، وتقدّم بقوّه نحو افتداء عقیدته مضحّیاً بنفسه وأهله ، وشهید أعطى معنىً کاملاً وتفسیراً واضحاً لمعانی تضحیه الأنبیاء والرسل بدینامیکیّه ثورته وزخمها ، وسیّد للشهداء أتمّ الشهادات العظیمه لکلّ الأدیان ، وناقض لکلّ نوامیس الظلم والتحریف ، ومعط ما لله لله ، وما لیزید لیزید ، تماماً کما أعطى قبله رسول المحبّه وشهید المسیحیّه ( ما لقیصر لقیصر ، وما لله لله ) .
مثل هذا الشهید الذی یذکّر کلّ مسیحی برسوله ، ومثل هذا المعلّم للثوره من أجل الحقّ لخلیق بأن یحلّ محلّه فی ضمیر الإنسان المسیحی ، والجدیر بالمسیحیین اعتباره شهیداً یخصّهم کما یخصّ المسلمین . وکما یجب أن یخصّ غیرهم من أتباع کلّ الدیانات ، فشهادته کانت أقرب الشهادات إلى روح وجوهر العقیده المسیحیّه ، وثورته ـ بمضامینها ومرامیها ـ کانت أقرب الثورات التصاقاً بما جاء المسیح (علیه السّلام) لأجله نبیّاً ومبشّراً للمظلومین . فکان فی شهادته من أجل الحق شهیداً فی المسیحیّه التی تعصّبت للحقّ القراح دون أیّ تعصّب لقومیّه أو قبلیّه أو عنصریّه .
فجدیر بقدسیّه رساله الحسین (علیه السّلام) أن یقدّمها العالم الإسلامی کأنصع ما فی تاریخ الإسلام إلى العالم المسیحی ، وکأعظم شهاده لأعظم شهید فی سبیل القِیَم الإنسانیّه الصافیه ، الخالیه من أی غرض أو إقلیمیّه ضیّقه ، وکأبرز شاهد على صدق رساله محمّد (صلّى الله علیه وآله) ، وکلّ رسالات الأنبیاء التی سبقتها .
ولیس أدلّ على ما لسحر شهاده الحسین (علیه السّلام) من قوّه جذب للشعور الإنسانی من حادثه رسول قیصر إلى یزید حینما أخذ هذا ینکت ثغر الحسین الطاهر بالقضیب على مرأىً منه ، فما کان منه إلاّ أن قال له ـ مستعظماً فعلته ـ : إنّ عندنا فی بعض الجزائر حافر حمار عیسى ، ونحن نحجّ إلیه فی کلّ عام من الأقطار ، ونهدی إلیه النذور ونعظّمه کما تعظّمون کتبکم ، فأشهد أنّکم على باطل(۱) .
فأغضب یزید هذا القول وأمر بقتله ، فقام إلى الرأس الطاهر وقبّله وتشهّد الشهادتین ، وعند قتله سمع أهل المجلس من الرأس الشریف صوتاً عالیاً فصیحاً یردّد : (( لا حول ولا قوّه إلاّ بالله ))(۲) .
وحادثه اُخرى دفعت براهب مسیحی لأن یبذل دراهم مقابل تقبیل رأس الشهید ، وکان ذلک عند نصب الرأس على رمح إلى جنب صومعته ، وفی أثناء اللیل سمع الراهب تسبیحاً وتهلیلاً ، ورأى نوراً ساطعاً من الرأس المطهّر وسمع قائلاً یقول : السّلام علیک یا أبا عبد الله . فتعجّب حیث لم یعرف الحال ! وعند الصباح استخبر القوم فقالوا له : إنّه رأس الحسین بن علی بن أبی طالب واُمّه فاطمه بنت النبی محمّد (صلّى الله علیه وآله) ، فقال لهم : تبّاً لکم أیّتها الجماعه ، صدقت الأخبار فی قولها : إذا قُتل تمطر السماء دماً .
وأراد منهم أن یقبّل الرأس ، فلم یجیبوه إلاّ بعد أن دفع إلیهم دراهم ، ولمّا ارتحلوا عن المکان نظروا إلى الدراهم وإذا مکتوب علیها : ( وَسَیَعْلَمُ الَّذِینَ ظَلَمُوا أَیَّ مُنقَلَبٍ یَنقَلِبُونَ )(۳) .
ــــــــــــــــ
(۱) الصواعق المحرقه / ۱۱۹ .
(۲) مقتل العوالم / ۱۵۱ ، ومثیر الأحزان لابن نما ، وفی مقتل الخوارزمی ۲ / ۷۲ ذکر محاوره رسول قیصر وغفل عن ذکر کلام الرأس الشریف .
(۳) تذکره الخواص / ۱۵۰ .
فبداهه القول إنّ أیّ فکر إنسانی یطّلع على السیره العطره لسیّد الشهداء لا بدّ وأن تتحرّک فی وجدانه نوازع الحبّ لهذا الشهید المثالی ، کما تحرّکت شبیهه هذه النوازع فی قلبَی کلّ من رسول قیصر والراهب . ففی أعماق کلّ إنسان لواقط خفیّه تلتقط أدنى إشارات العظمه والقداسه خفوتاً ، فکیف بأقواها تلک المتعلّقه بشخص سیّد الشهداء ، والمنبعثه رغم السنین والقرون من کلّ کلمه فی سفر حیاته وکفاحه ومقتله ، والتی تستهوی أشدّ القلوب ظلامه للتفاعل معها ، وتوقظ أشدّ الضمائر مواتاً لاستلهامها والسیر على هدی أنوارها السنیّه ؟