خُلق التعاون
القرآن الکریم توجد فیه آیات محکمات، أی "قواعد کلیه"، وآیات مفصلات، أی "قواعد جزئیه تفصیلیه". استمع معی لهذه الآیه الکریمه: (الر کِتَابٌ أُحْکِمَتْ آیَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَکِیمٍ خَبِیرٍ) (هود/ ۱)، الکلیات مثل قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّکَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِیَّاهُ وَبِالْوَالِدَیْنِ إِحْسَانًا) (الإسراء/ ۲۳). والجزئیات مثل قوله تعالى: (یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِذَا تَدَایَنْتُمْ بِدَیْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاکْتُبُوهُ) (البقره/ ۲۸۲). وهنا یأتی السؤال: هل الأخلاق من الکلیات أم من الجزئیات؟ بمعنى: هل هی من کلیات الدین أم جزئیاته؟
الأخلاق من القواعد الکلیه للشریعه الإسلامیه، بل کل الأدیان السماویه کانت الأخلاق من کلیاتها. لذلک، یقول النبی (ص): "إنّما بُعثْتُ لأُتمّم مکارِم الأخلاق"، ما یدل على أنها فی کل الشرائع السابقه.
لابدّ أن تفهم الدین هکذا وتشعر بقیمه الأخلاق وأهمیتها على هذا النحو، وتکون أحرص على الحفاظ على الکلیات. إیاک من أن تضیع الکلیات وتصغرها، وتکبر الجزئیات، فتحدث فوضى فی حیاتک وفی دینک. لذلک، کان أبوبکر الصدّیق یقول: "إنّ الله لا یَقْبَل نافله حتى تؤدّى فریضه". والنبی (ص) لمّا سُئل عن المرأه التی تقوم اللیل ولکنها تُؤذی جیرانها قال: "هی فی النار" لماذا؟ لأنّها لم تهتم بالکلیات.
خُلق هذا الموضوع من هذه القواعد الکلیه، ومهم جدّاً، هو خلق التعاون. التعاون لفظه قرآنیه وقاعده کلیه قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِیدُ الْعِقَابِ) (المائده/ ۲). ثمّ ختم الله الآیه بأمره سبحانه وتعالى بالتقوى والتحذیر من شده العقاب، فقال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِیدُ الْعِقَابِ). والمعنى: احذروا مَغَبّه التعاون على الإثم والعدوان وتَرْک التعاون على البر والتقوى، ومن العاقبه فی ذلک شده العقاب لمَن خالف أمره وارتکب نَهْیه وتعدّى حدوده.
وقد اشتملت هذه الآیه على جمیع مصالح العباد فی معاشهم فی ما بینهم بعضهم بعضاً، وفی ما بینهم وبین ربهم، فإن کل عبد لا یَنْفَک عن هاتین الحالتین وهذین الواجبین: واجب بینه وبین الله، وواجب بینه وبین الخلق. فأمّا ما بینه وبین الخلق من المعاشره والمعاونه والصحبه، فالواجب علیه فیها أن یکون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاوناً على مرضاه الله وطاعته، التی هی غایه سعاده العبد وفلاحه، ولا سعاده له إلا بهما وهما البر والتقوى، اللذان هما جماع الدین کله.
والمقصود من اجتماع الناس وتَعاشرهم هو التعاون على البر والتقوى، فیعین کل واحد صاحبه على ذلک علماً وعملاً. فإنّ العبد وحده لا یستقلُّ بعلم ذلک ولا بالقدره علیه، فاقتضت حکمه الرب سبحانه أن جعل النوع الإنسانی قائماً بعضه ببعضه مُعیناً بعضه لبعضه.
فالإنسان ضعیف بوصفه فرداً، قوی باجتماعه مع الآخرین. وشعور الإنسان بهذا الضعف یدفعه حتماً إلى التعاون مع غیره فی أی مجال، فأمر الله العباد أن یجعلوا تعاونهم البر والتقوى.
ومن العجیب، أنّ هذه الآیه جاءت وسط آیات تتکلم عن صراع مع الآخر (وَلا یَجْرِمَنَّکُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائده/ ۸). وعلى الرغم من العداء جاء الأمر قویاً (وَتَعاوَنُوا)، وطبّقها النبی (ص) عندما قال: "لو دَعَتْنی قُریش إلى حلف الفضول لأجَبْت".
هذا التعاون، أمرٌ من القواعد الکلیه للشریعه، التی تُطبّق على الأفراد والجماعات والدول والمنظمات فی جمیع المجالات، التی فیها بِرّ من مبادرات: بحث علمی، مُذاکره، مشروع خیری، إصدار قانون، داخل الأسره، کلما تشجیع للآخرین.. کل هذا من التعاون.
وقد جاءت کقاعده کلیه لم تخصص دیناً أو عرقاً أو جنساً لهذا التعاون، بل تخاطب الإنسان کله فی کل العالم.
وأحد أهم الأسباب فی غیاب المسلمین عن الوضع العالمی، هو غیاب روح التعاون بینهم، وغیاب ثقافه العمل کفریق. نحنُ ناجحون نابغون کأفراد، ولکن فی العمل الجماعی غیر ناجحین کمؤسسات.
یمکننا حصر الکثیر من النوابع على المستوى الفردی، ولکن: هل نستطیع أن نُعدّد کم مؤسسه ناجحه فی العالم العربی؟
التدریب على التعاون یبدأ من داخل الأسره، ویُولّد حُبّاً ورحمه، ویحمی الأبناء من الانحراف. استمع معی لهذه النماذج التی تؤکد لک هذا المعنى.
سیّدنا إبراهیم وسیدنا إسماعیل (ع) کانا فی بناء الکعبه قمّه التعاون بین الأب والابن، وتربیه للابن على هذا الخلق العظیم خلق التعاون: (وَإِذْ یَرْفَعُ إِبْرَاهِیمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَیْتِ وَإِسْمَاعِیلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّکَ أَنْتَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَیْنِ لَکَ وَمِنْ ذُرِّیَّتِنَا أُمَّهً مُسْلِمَهً لَکَ وَأَرِنَا مَنَاسِکَنَا وَتُبْ عَلَیْنَا إِنَّکَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِیمُ) (البقره/ ۱۲۷-۱۲۸).
بعدما جاء الأمر الإلهی لسیدنا إبراهیم ببناء البیت، سار إبراهیم (ع) إلى مکه المکرمه، فلمّا وصل إلى مکه وجَد إسماعیل یُصلح نبلاً له وراء زمزم، فقال له: یا إسماعیل إنّ الله قد أمَرَنی أن أبنی بیتاً. قال له إسماعیل: فأطِع ربک. فقال له إبراهیم: قد أمرک أن تُعیننی على بنائه. قال: إذن أفعل. فقط إبراهیم إلى مکان البیت، فجعل یَبْنی وإسماعیل یُناوله الحجاره، وکلما أنْهَیَا بناء صف منها، ارتفعمقام إبراهیم به حتى یَبنی الذی فوقه، وهکذا حتى تمّت عمارتها.
وکذلک تم تطبیق هذا الخلق أیضاً بین النبی (ص)، وسیدنا علی بن أبی طالب (رض)، فی بدایه الدعوه. بل قد حدث هذا التعاون بین النبی (ص) وأبی طالب نفسه، عندما تعاون معه فی تربیه سیدنا علی، لمّا زادت علیه النفقه. إنها عائله متعاونه.
ولقد ضرب النبی (ص) وصحابته الکرام أروع الأمثله الواقعیه وأجلّها فی روح التعاون والتکافل، کما ربّاهم الله تعالى على ذلک، لتنبعث فیهم عزائم التعاون الأخوی على مکارم البذل والإیثار والتضحیه والفداء.
مثال ذلک أیام حَفْر الخندق لمواجهه حصار الأحزاب. وقد بلغ من تلاحم الصحابه وصبرهم وتضحیاتهم مبلغاً عظیماً وعجیباً من التعاون، فی کل شیء من أحوالهم، على الرغم من الظرف العصیب، وما کان یکلفهم من الفزع والمشقه والکرب العظیم، الذی لیس له من توصیف مُبین إلا قول الله تعالى: (إِذْ جَاءُوکُمْ مِنْ فَوْقِکُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْکُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِکَ ابْتُلِیَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِیدًا) (الأحزاب/ ۱۰-۱۱). وقد کافأهم الله تعالى جزاء تعاونهم وصبرهم، فکفاهم القتال وردّ أعداءهم على أعقابهم مغتاظین خائبین: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِینَ کَفَرُوا بِغَیْظِهِمْ لَمْ یَنَالُوا خَیْرًا وَکَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِینَ الْقِتَالَ وَکَانَ اللَّهُ قَوِیًّا عَزِیزًا) (الأحزاب/ ۲۵).
ویُربّی الإسلام المؤمن على هذا الخلق العظیم والعمل بمقتضاه، کما یُبیّن القرآن الکریم والسنّه النبویه. فلقد قصَّ القرآن علینا أمثله حیّه فی ذلک للعبره والاقتداء، کما فی حال موسى (ع) یسأل ربه أن یعینه ویشد أزره بأخیه هارون: (وَاجْعَلْ لِی وَزِیرًا مِنْ أَهْلِی * هَارُونَ أَخِی * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِی * وَأَشْرِکْهُ فِی أَمْرِی) (طه/ ۲۹-۳۲)، فاستجاب الله دعوته: (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَکَ بِأَخِیکَ وَنَجْعَلُ لَکُمَا سُلْطَانًا فَلا یَصِلُونَ إِلَیْکُمَا) (القصص/ ۳۵).
وفی مثال ذی القرنین الذی آتاه الله تعالى واسع السلطان وفتح البلدان، ومع ذلک یستعین بمن استنجدوا به على ظلز یأجوج ومأجوج وإفسادهم: (قَالَ مَا مَکَّنِّی فِیهِ رَبِّی خَیْرٌ فَأَعِینُونِی بِقُوَّهٍ أَجْعَلْ بَیْنَکُمْ وَبَیْنَهُمْ رَدْمًا) (الکهف/ ۹۵).
ولأن تطبیق هذا الخلق یجلب السعاده للفرد والمجموع فقد أمر به النبی (ص) فی کل الأوقات، بل وشبّه مَن یتحلّى بکامل الإیمان، یقول علیه الصلاه والسلام: "لا یُؤمِن أحَدَکُم حتى یُحبّ لأخیه ما یحب لنفسه" (متفق علیه).
ویقول علیه الصلاه والسلام: "المؤمن للمؤمن کالبنیان یشد بعضه بعضاً وشبک بین أصابعه" (متفق علیه).
ویقول النبی (ص) أیضاً: "مثل المؤمنین فی تَوادّهم وتراحمهم وتعاطفهم کمثل الجسد إذا اشتکى منه عضو تَداعَى له سائر الجسد بالسهر والحمّى" (متفق علیه).
مَن منّا یحقق هذا المقصد الکلی من مقاصد الشریعه فی بیته، مع أبیه وأمه، مع صدیقه، مع کل الناس؟
هیّا، قُم وابحَث عمّن یحتاج، وتعاون مع کل مَن حولک فی العمل التطوعی، وفی الجمعیات التنمویّه والخیریه، ولا تضیع هذا الخلق العظیم من حیاتک.
وأخیراً، أکثِر من دُعاء النبی (ص): "واهدنی لأحسن الأخلاق، لا یهدی لأحسنها إلا أنت، واصرف عنی سیئها، لا یصرف عنی سیئها إلا أنت".