الأزمه الاقتصادیه من خلال قصه قارون

0

بینما کنت أتابع الیوم تداعیات الأزمه الاقتصادیه العالمیه التی تعصف بالعالم، والتی انقسم المحللین حیالها إلى صفین، الأول رأى فیها مؤامره اقتصادیه کبرى تحاک ضد الدول النامیه على غرار المؤامره السیاسیه (۱۱ سبتمبر) فیما رأى الفریق الآخر، أنها أزمه الرأسمالیه الکبرى التی سوف تعصف بهذه الأیدلوجیه، إیذانا بظهور أیدلوجیه جدیده بسبب الأزمات الاجتماعیه الخطیره التی خلقتها الرأسمالیه المغامره والمتعدیه على الشعوب والأمم.
تذکرت قصه قارون التی ذکرها القرآن، وغصت فی عمق ذاکرتی أرسم آیاتها على تجربتی البسیطه فی سوق الأسهم (سوق الهوامیر)، فکم کنت أتمنى أن یکون حظی وحصتی من الاکتتاب فی بعض الشرکات مثل الذین فازوا بأعلى الأرباح، بینما کنت أحمد الله على أنی لست ممن یملکون قلیلا أو کثیر فی سوق الأسهم خصوصا وهی تکتسی بثیابها الحمراء الناریه، ولعل فی اختیار هذا اللون حکمه فی إشعال القلوب وملئها بالهم والحزن..
ولنا فی قصه قارون عبره من خلال الارتباط بالله عز وجل لکونه الأمان النفسی فی تقلبات الزمان، فهی التی رسمت لنا صورتین متغایرتین لفریقین رأى احدهما أن قارون ذو حظ عظیم ﴿یَا لَیْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِیَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِیمٍ﴾[۱] ، غیر أن الفریق الآخر رأى فی أموال قارون بلاء یجب أن یحذر من زینته وفتنته. فما کان جواب قارون؟ ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا یُحِبُّ الْفَرِحِینَ (۷۶) وَابْتَغِ فِیمَا آتَاکَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَهَ وَلا تَنسَ نَصِیبَکَ مِنَ الدُّنْیَا وَأَحْسِن کَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَیْکَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِی الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا یُحِبُّ الْمُفْسِدِینَ (۷۷) قَالَ إِنَّمَا أُوتِیتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِی أَوَلَمْ یَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَکَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّهً وَأَکْثَرُ جَمْعًا وَلا یُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾[۲]  ﴿وَقَالَ الَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَیْلَکُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَیْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا یُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ﴾[۳] 
یقول العلامه الطبطبائی فی هذا الصدد "لا شک أن قوله «إنما أوتیته على علم عندی» جواب عن جمیع ما قاله المؤمنون من قومه ونصحوه به وکان کلامهم مبنیا على أن ما له من الثروه إنما آتاه الله إحسانا إلیه وفضلا منه من غیر استیجاب واستحقاق فیجب علیه أن یبتغی فیه الدار الآخره ویحسن به إلى الناس ولا یفسد فی الأرض بالاستعلاء والاستکبار والبطر.
فأجاب بنفی کونه إنما أوتیه إحسانا من غیر استحقاق ودعوى أنه إنما أوتیه على استحقاق بما عنده من العلم بطرق اقتناء المال وتدبیره ولیس عند غیره ذلک، وإذا کان ذلک باستحقاق فقد استقل بملکه وله أن یفعل فیما اقتناه من المال بما شاء ویستدره فی أنواع التنعم وبسط السلطه والعلو والبلوغ إلى الآمال والأمانی.
و هذه المزعمه التی ابتلی بها قارون فأهلکته – أعنی زعمه أن الذی حصل له الکنوز وساق إلیه القوه والجمع هو نبوغه العلمی فی اکتساب العزه وقدرته النفسانیه لا غیر – مزعمه عامه بین أبناء الدنیا لا یرى الواحد منهم فیما ساقه إلیه التقدیر ووافقته الأسباب الظاهره من عزه عاجله وقوه مستعاره إلا أن نفسه هی الفاعله له وعلمه هو السائق له إلیه وخبرته هی الماسکه له لأجله"[4] .
لقد تجلى الله وقدرته وعظمته بعد أن خسف الله بقارون وأمواله وظهرت الحقیقه فی خشوع النادمین، والتائقین لرحمه الله یقول تعالى ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِینَ تَمَنَّوْا مَکَانَهُ بِالأَمْسِ یَقُولُونَ وَیْکَأَنَّ اللَّهَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن یَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَیَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَیْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَیْکَأَنَّهُ لا یُفْلِحُ الْکَافِرُونَ﴾[۵] ، فهذه الآیه ترسم صوره الحجاب الذی رسمه التعلق بالدنیا على قلوب الفریق الأول، لتتجلی لهم حقیقه السلطان الإلهی ومظاهر قدرته وسلطانه على الکون بعد تمزیق سطوه المال والجبروت (الخسف) التی مثلها قارون. فهل تتجلى لنا قدره الله وملکه وتدبیره لهذا الکون بعد سقوط المارد الاقتصادی واضطرابه؟

ــــــــــ
[۱] القصص ۷۹
[۲] القصص ۷۷،۸۸
[۳] القصص ۸۰
[۴] تفسیر المیزان
[۵] القصص ۸۲

Leave A Reply

Your email address will not be published.