طرق الوصول إلى مقام القرب الإلهی
إنّ من أراد أن یرتقی فی درجات القرب من الله تعالى وأن یزکّی نفسه وینال المقامات العالیه یمکن له أن یستفید من العوامل التالیه:
۱- التفکّر والبرهان: إنّ التفکّر فی البراهین التی أقیمت على وجود الله تعالى یمکن أن تکون عاملاً مساعداً للقرب من الله تعالى، فإنّ البراهین التی حفلت بها کتب الحکمه والعرفان والکلام تثبت أن کل ظواهر الکون ممکنه وفقیره فی وجودها لواجب الوجود الذی هو منتهى الکمال والغنی بالذات.
۲- التفکّر فی الآیات الإلهیه: یرى القرآن الکریم أن کل ظاهره من ظواهر الکون تنطوی على آیات تدلّ على الله تعالى وتعرّفنا به، ولذلک دعانا القرآن الکریم للتفکّر فی الآیات الکونیه من باب أنّ التفکّر فیها یساعدنا على الإندفاع والسیر فی طریق التکامل.
۳- العباده والعمل الصالح: إنّ العباده توأم الإیمان والمعرفه، والعباده والأعمال الصالحه تجعل الإیمان أکثر کمالاً وکلما أصبح أکثر کمالاً کلما دنا من مقام القرب أکثر، فالعمل الصالح یرتقی بالإیمان عالیاً حتى ینال مقام القرب الإلهی.
یقول تعالى: (إِلَیْهِ یَصْعَدُ الْکَلِمُ الطَّیِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ یَرْفَعُهُ) (فاطر/ ۱۰).
۴- الأذکار والأدعیه: إنّ الذکر والأدعیه من العباده وقد ورد التأکید علیها کثیراً فی الآیات والروایات، فعن رسول الله (ص): "لمّا أُسری بی إلى السماء دخلت الجنه فرأیت ملائکه یبنون لبنه من ذهب ولبنه من فضه وربما أمسکوا، فقلت لهم: ما لکم ربّما بنیتم وربما أمسکتم؟
فقالوا: متى تجیئنا النفقه؟ فقلت لهم: وما نفقتکم؟
فقالوا: قول المؤمن فی الدنیا: سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله والله أکبر، فإذا قال بنینا وإذا أمسک أمسکنا".
وعنه (ص) انّه قال: "من قال سبحان الله غرس الله بها شجره فی الجنه. فقال رجل من قریش: یا رسول الله، إن شجرنا فی الجنه لکثیر، قال: نعم، ولکن إیاکم أن ترسلوا علیها نیراناً فتحرقوها، وذلک انّ الله عزّ وجلّ یقول: (یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَطِیعُوا اللَّهَ وَأَطِیعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَکُمْ) (محمد/ ۳۳).
إنّ کل کلام یکون مفهومه تمجیداً وتحمیداً وتسبیحاً لله تعالى یکون ذکراً، وإن کانت الأحادیث قد صرّحت بأذکار خاصه، کما أنّه یوجد تأکید على أذکار بعینها، فعن رسول الله (ص): "سید القول لا إله إلا الله، لکن القول بما أنّ الهدف من الذکر توجه الإنسان نحو الله تعالى، فإن کل ذکر یوصل إلى الهدف أکثر یکون أفضل بالنسبه لذاکره.
– أمور المساعده على الوصول:
ویوصی بعض أهل المعرفه بأمور تساعد أیضاً على اجتیاز هذا الطریق وهی:
أوّلاً: أن یغتسل بقصد التوبه.
ثانیاً: أن یسعى لیرى نفسه فی محضر الله تعالى وأن یذکر الله فی کل حال فلا یغفل عنه أبداً.
ثالثاً: أن یبقى دائم الوضوء ویصلی صلاه اللیل، ویکرر ذکر: "یا حی یا قیوم یا من لا إله إلا أنت".
رابعاً: أن یقرأ یومیاً مقدار من القرآن مع حضور القلب ویتفکر وبتدبر فی معانی الآیات.
خامساً: أن یسجد کل یوم سجده طویله یکرر فیها: "لا إله إلا أنت سبحانک إنی کنت من الظالمین". ویمکنه أن یکرر هذه الأمور لمده أربعین یوماً، لعلّه یفتح به باب الغیب فیها.
– لا طریق للخوف فی ساحه ولی الله:
لا یوجد مقام أعظم من مقام "عبدالله" بالنسبه للإنسان الکامل، حیث یرتقی الإنسان إلى أن یصل إلى حضور الله. وهذا أعلى مراتب السیر التکاملی للإنسان وهو مفتوح للجمیع أیضاً. فما هو الطریق الذی یوصله إلى المقام العظیم؟ وماذا نفعل لکی ننال هذا المقام؟
أهم مراحل هذا الطریق، هو أن نرى الله حاضراً فی جمیع شؤون حیاتنا، حتى نتمکن بهذا الشهود من السفر إلیه فلا یصل العبد إلى حضور المولى إلا عندما یرى مولاه حاضراً وناظراً فی جمیع الأحوال إلى أعماله. فإذا حصل له ذلک فإنّه لن یهم بأی عمل إلا وفق إرادته، وهذا ما یوصله إلیه. لهذا إذا أراد الإنسان أن یحصل على مقعد عند الله، ینبغی فی البدایه أن یرى الله حاضراً ونظاراً فی جمیع شؤونه ثمّ بعد ذلک یؤدی على أساس هذا الشهود جمیع الأعمال خالصه لوجه الله. فإذا قام بذلک فإنّه یصل إلى حضور الله.
إحدى الآیات التی یعد الالتفات إلیها مؤثراً فی طی هذا الطریق، الآیه المبارکه من سوره لحشر والتی أشرنا إلیها سابقاً (یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ) (الحشر/ ۱۸).
فهذه الآیه تدعونا إلى أصلین أخلاقیین، الأوّل: المراقبه، والثانی: المحاسبه. فکل إنسان مکلّف بمراقبه نفسه ومحاسبتها، فیراقبها فی أفعالها وتصرفاتها وأقوالها ویحاسبها، فإذا عمل خیراً شکر الله وإذا عمل سوءاً استغفر الله وتاب إلیه.
الآیه الأخرى التی تعمل عملاً مؤثراً فی طی هذا الطریق أیضاً، الآیه الکریمه: (وَمَا تَکُونُ فِی شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا کُنَّا عَلَیْکُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِیضُونَ فِیهِ) (یونس/ ۶۱)، فهی تخاطب خاتم الأنبیاء (ص)، ثمّ تنتقل إلى خطاب الناس مؤکده على حضور الله وشهوده لکل أفعال البشر.
فلیس الله شاهداً على أعمال النبی (ص) وتبلیغه فحسب، ولیس الله شاهداً على أفعال المؤمنین فی الدنیا فحسب، بل إنّه شاهد على کل إنسان صالح أو غیر صالح، فعل حقاً أم باطلاص، فی أی زمان أو مکان، فی الشرق أو الغرب، فی الأرض أو السماء.
فإذا أدرک الإنسان أنّه فی حضور الله تقدّست ذاته، یسعى لأن یجعل کل أعماله موافقه لإراده الله وخالصه لوجهه سبحانه.. فالله یقول: (وَمَا تَکُونُ فِی شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا کُنَّا عَلَیْکُمْ شُهُودًا)، فلیس الله هو الشاهد وحده، وإنما ملائکته وأولیاءه أیضاً.