الصراط
الصراط فی اللغه: هو الطریق،وقد استعمل فی الذکر الحکیم فی نفس هذا المعنى، قال تعالى: ( …وَاللّهُ یَهْدی مَنْ یَشاءُ إِلى صِراط مُسْتَقیم ) .( [۱])
ومن هنا أُطلق الصراط على الطریق الذی ینتهی إلى الجحیم حیث قال سبحانه: ( احْشُرُوا الَّذِینَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما کانُوا یَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللّه فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحیمِ ) .( [۲])
وقال الراغب: الصراط الطریق المستسهل.( [۳]) وقد أُخذ فی التعریف قید السهوله، وبالطبع هذا یکشف انّ طریق الجنه والجحیم سهل.
أمّا سهوله طریق الجنه فهی مرهونه بطبیعه الأعمال الصالحه والأفعال الحسنه والملکات الصالحه، والعمل بالأحکام والقوانین الإلهیه التی یتحلّى بها الإنسان المؤمن والتی تنسجم مع الفطره وطبیعه الإنسان وطبیعته الملکوتیه.
وأمّا سهوله طریق الجحیم فهی رهن الاستجابه للمیول والغرائز الحیوانیه.
وعلى کلّ حال قد یطلق الصراط ویراد به الجسر الذی یربط بین ضفتی النهر.
الصراط معبر عام
إنّ الإمعان فی آیات الذکر الحکیم والروایات الشریفه یکشف وبوضوح أنّ الصراط معبر عام لابدّ لجمیع الخلائق اجتیازه والمرور علیه، بلا فرق بین المتقین والمؤمنین أو الفجّار والکافرین، وبالرغم من أنّ الآیات لم تصرّح بذلک إلاّ أنّ المفسّرین حملوا الآیه التالیه على هذا الموضوع، وهی قوله تعالى:
( وَإِنْ مِنْکُمْ إِلاّ وارِدُها کانَ عَلى رَبِّکَ حَتْماً مَقْضیّاً * ثُمَّ نُنَجّی الَّذینَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظّالِمینَ فِیها جِثِیّاً ) .( [۴])
ولقد ذکر المفسّرون لتفسیر الضمیر فی قوله: ( واردها ) احتمالین:
الاحتمال الأوّل: انّ المراد منه هو الجحیم، ویکون الورود بمعنى الإشراف والاقتراب، فإنّه قد یطلق فی لغه العرب وغیرها من اللغات الورود على الإشراف والاقتراب، کما یقال لمن یقترب من مدخل المدینه ویشرف علیها أنّه قد ورد المدینه.
وقد استدلّ أصحاب هذا الرأی بما ورد فی قصه النبی موسى(علیه السلام) حیث قال سبحانه:
( وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْیَنَ… ) .( [۵]) ومن الواضح أنّ موسى(علیه السلام) لم یطأ ماء مدین بقدمیه وإنّما اقترب منه وأشرف علیه، لأنّ الماء فی أعماق البئر بشهاده أنّه سبحانه یقول بعد ذلک:
( …وَجَدَ عَلَیْهِ أُمَّهً مِنَ النّاسِ یَسْقُونَ… ) .
ومن الواضح أنّ الرعاه والمرأتین ـ ابنتا شعیب ـ قد أشرفوا على الماء واقتربوا منه ولم یدخلوا إلى البئر أو المشرعه.
وعلى هذا الأساس یکون مفاد الآیه: ( وَإِنْ مِنْکُمْ إِلاّ وارِدُها… ) أنّ أصحاب الجنه وأصحاب النار یشرفون جمیعاً على النار ویقتربون منها، ثمّ ینجی اللّه المؤمنین ویساقون إلى الجنه ویلقى أصحاب النار فی الجحیم، ومن هنا یکون استعمال جمله ( ثُمَّ نُنَجِّی الَّذِینَ اتَّقَوا ) فی حقّ المتقین استعمالاً مناسباً جداً لخطوره الموقف.
الاحتمال الثانی: انّ المراد من (الورود) هو الدخول، فیکون معنى الآیه أنّ جمیع أهل المحشر ـ حتّى أصحاب الجنه ـ یدخلون النار، ثمّ یترک فیها الظالمون والکافرون، وینجی اللّه سبحانه المؤمنین والمتّقین، ومن دون أن یصیبهم أیّ أذى، وذلک بأمر من اللّه سبحانه الذی خاطب النار وقال لها: ( کُونِی بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهیم ) .( [۶])
ولقد استدلّ أصحاب هذا الرأی على رأیهم بطائفه من الآیات والتی منها:
ألف: ما ورد فی خصوص فرعون وکیف أنّه یقود قومه والفراعنه إلى النار حیث قال سبحانه:
( یَقْدُمُ قَوْمَهُ… فَاورَدَهُمُ النّارَ… ) .( [۷]) ب: ما ورد حول الآلهه المزیّفه للمشرکین حیث قال سبحانه:
( إِنَّکُمْ وَما تََعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ * لَوْ کانَ هؤُلاءِآلِهَهً ما وَرَدُوها وَکُلٌّ فِیها خالِدُونَ ) .( [۸])
ولیس من السهل القضاء بین النظریتین، لأنّ المعنى أو الاحتمال الأوّل «الإشراف» و «القرب» على خلاف ظاهر الآیه، وإذا ما ورد فی قصتی موسى ویوسف(علیهما السلام) ، فلوجود القرینه الخاصه. وذلک لأنّ الآیه فی قصه موسى(علیه السلام) تقول:
( وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْیَنَ وَجَدَ عَلَیْهِ أُمَّهً مِنَ النّاسِ یَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَیْنِ تَذُودانِ قالَ مَا خَطْبُکُما قَالَتا لا نَسْقِی حَتّى یُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونَا شَیْخٌ کَبِیر ) .( [۹])
وهذه قرینه واضحه على أنّه(علیه السلام) أشرف على ماء مدین ـ أی بئرها ـ لا الدخول فی البئر، ولکن مع ذلک یمکن الاستفاده انّ الآیه السابقه تفید الإشراف والقرب من جهنم، وذلک لأنّ نجاه المتّقین کما تنسجم مع معنى الدخول کذلک تنسجم مع القول بالإشراف على جهنم.
ثمّ إنّ بعض المفسّرین ذهبوا إلى الاحتمال الثانی (الورود بمعنى الدخول) وفی نفس الوقت قالوا: إنّ دخول جهنم خاص بغیر المتقین.
ویرد على هذا الرأی أنّه لا ینسجم مع قوله تعالى: ( ثُمَّ نُنَجِّی الَّذینَ اتَّقَوا ) ، لأنّ نجاه المتّقین تحکی عن دخولهم فیها، وإذا کان الورود بمعنى الدخول، فهذا یعنی أنّ الجمیع یدخلون جهنم ولا وجه لاختصاصه بغیر المتّقین والمؤمنین.
وعلى کلّ حال فقد ذهب بعض المفسّرین إلى أنّ الآیه ناظره إلى صراط وطریق لابد للجمیع من المرور علیه وعبوره، وهذه الآیه هی الآیه الوحیده التی وردت فی هذا المجال فی القرآن الکریم. وأمّا الروایات فکثیره، وقد فصّلت القول فی هذا البحث، ونحن نحاول أن نسلّط الضوء على بعض تلک الروایات وبصوره مختصره.
الصراط فی الروایات
۱٫ روى علی بن إبراهیم، عن الإمام الباقر(علیه السلام) فی تفسیر قوله سبحانه:
( وَجیءَ یَومَئِذ بِجَهَنَّمَ یَوْمَئِذ یَتَذَکَّرُ الإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّکْرى ) .( [۱۰])
قال: «سئل عن ذلک رسول اللّه(صلى الله علیه وآله وسلم) فقال: أخبرنی الروح الأمین انّ اللّه لا إله غیره إذا برز الخلائق وجمع الأوّلین و الآخرین أتى بجهنم تقاد بألف زمام، یقودها مائه ألف ملک من الغلاظ الشداد لها هدّه وغضب وزفیر وشهیق ـ إلى أن قال: ـ ثمّ یوضع علیها الصراط أدق من الشعره وأحدّ من السیف».( [11])
۲٫ روى المفضّل بن عمر، قال: سألت أبا عبد اللّه(علیه السلام) عن الصراط، قال:«هو الطریق إلى معرفه اللّه عزّ وجلّ، وهما صراطان: صراط فی الدنیا وصراط فی الآخره; فأمّا الصراط الذی فی الدنیا فهو الإمام المفروض الطاعه، من عرفه فی الدنیا واقتدى بهداه، مرّ على الصراط الذی هو جسر جهنم فی الآخره; ومن لم یعرفه فی الدنیا زلّت قدمه عن الصراط فی الآخره، فتردّى فی نار جهنم».( [12]) ویستفاد من هاتین الروایتین انّ الصراط جسر ممدود على جهنم، وقد وصف فی الحدیث الأوّل بأنّه أحد من السیف وأدق من الشعره.
قال الشیخ المفید: الصراط فی اللغه هو الطریق، فلذلک سمّی الدین صراطاً، لأنّه طریق إلى الصواب، وبه یسمّى الولاء لأمیر المؤمنین والأئمّه (علیهم السلام) من ذریته صراطاً.
ومن معناه قال أمیر المؤمنین(علیه السلام) :«أنا صراط اللّه المستقیم، وعروته الوثقى التی لا انفصام لها». یعنی أنّ معرفته والتمسّک به طریق إلى اللّه سبحانه.
وقد جاء الخبر بأنّ الطریق یوم القیامه إلى الجنه کالجسر یمرُّ به الناس، وهو الصراط الذی یقف عن یمینه رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) وعن شماله أمیر المؤمنین(علیه السلام) ویأتیهما النداء من قبل اللّه تعالى: ( أَلْقِیا فِی جَهَنَّمَ کُلّ کَفّار عَنید )( [۱۳]) .( [۱۴])
وقال التفتازانی: الصراط جسر ممدود على متن جهنم یرده الأوّلون والآخرون، أدق من الشعره وأحدّ من السیف على ما ورد فی الحدیث الصحیح، ویشبه أن یکون المرور علیه هو المراد بورود کلّ أحد النار على ما قال تعالى:
( وَإِنْ مِنْکُمْ إِلاّ وارِدُها… )( [۱۵]) .( [۱۶])
هذه طائفه من الروایات وکلمات العلماء الوارده حول الصراط.
وخلاصه القول: إنّ الصراط عباره عن الطریق الممدود على متن الجحیم یجتازه المؤمنون والمشرکون على حدّ سواء، غیر أنّ الفئه الأُولى تجتازه بإذنه سبحانه والفئه الثانیه تسقط فی هاویه جهنم. ومع أنّ هذا هو الظاهر المتبادر، إلاّ أنّ ثمّه احتمالاً آخر وهو: أنّ الصراط کنایه عن الطریق الذی یختاره کلّ من المؤمن والکافر فی هذه الدنیا، فالطریق الذی اختاره المؤمن یوصله إلى الجنه، والطریق الذی اختاره الکافر ینتهی به إلى نار جهنم.
والمعنى الأوّل هو الأوفق بالظواهر، ولکن المعنى الثانی أیضاً محتمل ویؤیّد الاحتمال الثانی ما روی عن علی(علیه السلام) أنّه قال:
«أَلا وَإِنَّ الْخَطایا خَیْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَیْها أَهْلُها وَخُلِعَتْ لُجُمها فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ فِی النّارِ أَلا وَإِنَّ التَّقْوى مَطایا ذُلُلٌ حُمِلَ عَلَیْها أَهْلُها وَأُعْطُوا أَزِمَّتَها فَأَورَدَتْهُمُالْجَنَّهَ».( [17])
وهذا التعبیر من الإمام یؤید الاحتمال الثانی، وهو أنّ الطریق الذی یسلکه کلّ من المؤمن والفاجر هو صراطهما فی النشأه الأُخرى، فیوصل أحدهما إلى الغایه المنشوده والآخر إلى النار. فکلّ مَن اختار طریق الطاعه فهو یوصله إلى الجنه، ومن اختار طریق العصیان فهو یوصله إلى الجحیم. فصراط کلّ إنسان هو الطریق الذی یسلکه فی النشأه الدنیا، ثمّ یتجسّد فی الآخره فیجتازه إمّا إلى الجنه أو إلى النار. ومع ذلک کلّه فالاحتمالان على حدّ سواء عندنا دون أن نجزم بأحدهما، وإن کان الاحتمال الثانی ـ کما قلنا ـ یؤیّده قول أمیر المؤمنین(علیه السلام) .
والذی یستفاد من قول أمیر المؤمنین(علیه السلام) انّ طریقی الجنه والنار فی الواقع یبدآن من الحیاه الدنیا وینتهیان بالآخره إلى الجنه أو النار، ولیس کما یتصوّر أنّه یوجد على جهنم طریق وصراط لابدّ للجمیع من عبوره والمرور علیه، بل أنّ الإنسان الذی یختار فی الحیاه الدنیا طریق الصلاح والتقوى والورع فإنّه فی الآخره تتجسّم أعماله تلک بصوره الطریق والصراط الذی یقوده إلى الجنه ونعیمها، وأمّا الإنسان الذی ینتخب فی هذه الدنیا طریق الانحراف والضلال ولا یمر عبر الجاده الوسطى التی رسمها الکتاب والسنّه للإنسان( [۱۸]) فإنّ عمله ذلک سیتجسّم بطریق یقوده إلى النار.
مع ذلک لا یمکن القطع بهذا الاحتمال ونفی الاحتمال الآخر من خلال تلک الخطب والکلمات، وذلک لأنّ کلام أمیر المؤمنین (علیه السلام) مملوء بالمجاز والکنایه والاستعاره، ومن المحتمل هنا أن یکون قسماً من هذه التعابیر هی من قبیل الاستعاره التی تنسجم مع کلا الاحتمالین.( [۱۹])
[۱] . البقره: ۲۱۳٫
[۲] . الصافات:۲۲ـ ۲۳٫
[۳] . مفردات الراغب: ۲۳۰٫
[۴] . مریم:۷۱ـ ۷۲٫
[۵] . القصص: ۲۳٫
[۶] . الأنبیاء: ۶۹٫
[۷] . هود: ۹۸٫
[۸] . الأنبیاء:۹۸ـ ۹۹٫
[۹] . القصص: ۲۳٫
[۱۰] . الفجر: ۲۳٫
[۱۱] . بحار الأنوار:۸/۶۵، الباب ۲۲ من کتاب العدل والمعاد، الحدیث ۲٫
[۱۲] . المصدر نفسه، الحدیث ۳٫
[۱۳] . ق: ۲۴٫
[۱۴] . تصحیح الاعتقاد:۵۰، ط تبریز.
[۱۵] . مریم: ۷۱٫
[۱۶] . شرح المقاصد:۲/۲۲۳، ط آستانه.
[۱۷] . نهج البلاغه: الخطبه ۱۶٫
[۱۸] . إشاره إلى قول أمیر المؤمنین (علیه السلام) : « الیمین والشمال مضلّه والطریق الوسطى هی الجاده، علیها باقی الکتاب، وآثار النبوه، ومنها منفذ السنّه،وإلیها مصیر العاقبه » . نهج البلاغه، الخطبه۱۶، طبع صبحی الصالح.
[۱۹] . منشور جاوید:۹/۳۴۳ـ ۳۵۳٫