أدلّه لإثبات مسأله المعاد

0

لقد أثبت القرآن الکریم وبالأدلّه القطعیه والمحکمه مسأله المعاد وبعث الناس بعد الممات،واعتبر ذلک من الحوادث والوقائع القطعیه التی لایمکن أن تتخلّف، وقد اعتمد القرآن الطرق التالیه لإثبات ذلک:
۱٫ المعاد یمثّل رمز الخلقه.
۲٫ هو النتیجه القطعیه والولید الطبیعی للعدل الإلهی.
۳٫ المعاد مجلى الوعد  الإلهی.
۴٫ المعاد مظهر الرحمه الإلهیه الواسعه.
۵٫ المعاد یمثّل نهایه السیر التکاملی للإنسان.
۶٫ المعاد مظهر الربوبیه الإلهیه.
وها نحن نشرع فی دراسه هذه الأدلّه بصوره مستقله:
۱٫ المعاد رمز الخلقه
من التساؤلات والإثارات التی تتواصل إثارتها فی الفکر البشری وتلحّ على الإنسان وتلاحقه دائماً وبلا هواده هو السؤال عن أصل الخلقه والهدف منها، وماذا أُرید منها؟
وإنّ الشیء  الذی یمکن أن یبیّن الغرض من خلق العالم عامه والإنسان خاصه، وتجعل لذلک العالم هدفیه وغرضاً وفهماً عقلائیاً هو مسأله الاعتقاد بالمعاد بالنسبه إلى الإنسان والعالم بکلّ جزئیاته وذراته، بمعنى انّ هذا العالم بکلّ محتویاته سیتحول إلى عالم آخر أکثر تکاملاً وأفضل،وکأنّ خلق الإنسان ووجوده فی هذا العالم بمنزله إعداد الأرضیه المناسبه لخلق آخر أکمل، وإذا لم یکن للعالم وللخلق هذه الهدفیه وهذا الخلق المجدد تصبح وبلا ریب عملیه خلق الإنسان والعالم ـ بکلّ عظمته لیعیش الإنسان مقداراً من العمر القصیر والسنین المعدوده ـ أمراً عبثیاً لا جدوى منه ولا فائده فیه ولا یجدی طائلاً أبداً. ویخرج حینئذ فعله سبحانه وتعالى عن الحکمه.
إنّ قسماً من آیات الذکر الحکیم تنظر إلى مسأله المعاد من هذه الزاویه، وترى أنّ خلق العالم إذا جرّد عن المعاد یفتقد الصفحه الذهبیه منه ویصبح حینئذ کتاباً عبثیاً لا جدوى منه. ویمکن تقسیم الآیات التی تدلّ على هذه الغایه من خلق العالم إلى طائفتین:
الطائفه الأُولى: الآیات التی ترى أنّ إنکار المعاد یلازم العبث.
الطائفه الثانیه: الآیات التی تصف خلقه سبحانه للعالم وإیجاده له، بالحق المطلق الذی لا یأتیه الباطل.
ونشیر هنا إلى نموذجین من الطائفه الأُولى.
ألف: الآیات التی تدلّ على أنّ خلق الإنسان والعالم لم یکن أمراً عبثیاً
( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناکُمْ عَبَثاً وَأَنَّکُمْ إِلَیْنا لا تُرْجَعُونَ ) .( [۱])
وفی الآیه الثانیه ینزّه القرآن الکریم اللّه سبحانه وتعالى من کلّ أنواع النقص حیث یقول سبحانه:
( فَتَعالَى اللّهُ الْمَلِکُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْکَریمِ ) .( [۲])
وفی آیات أُخرى یقول سبحانه مؤکّداً الحقیقه السالفه:
( وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَیْنَهُما لاعِبینَ * ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقّ وَلکِنَّ أَکْثَرَهُمْ لا یَعْلَمُونَ * إِنَّ یَوْمَ الْفَصْلِ مِیقاتُهُمْ أَجْمَعینَ )( [۳]) .( [۴])
ب. الحقّ المطلق یلازم الهدفیه لفعله سبحانه
جاء فی الآیات التی  ـ سنتعرض لذکرها ـ بیان کون المعاد رمز الخلقه وانّه یثبت الهدفیه لفعله سبحانه ویخرجه عن اللغویه من خلال طریق آخر، وهو:
إنّ اللّه سبحانه حق مطلق لا مجال للباطل فی ذاته وصفاته وأفعاله، ومن کان یتّصف بهذا الوصف الجامع والحق المطلق لابدّ أن یکون عمله ملازماً  للهدفیه وانّه یهدف إلى غایه حکیمه من خلقه، والتی یکون المعاد تجسیماً لقسم منها. قال سبحانه: ( ذلِکَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ یُحْیی الْمَوتى وَأَنَّهُ عَلى کُلِّ شَیْء قَدِیرٌ ) .( [۵])
فقد وصف سبحانه فی هذه الآیه نفسه بـ ( هُوَ الحَقّ ) المطلق، ثمّ أردف  ذلک بقوله: ( یُحیی المَوتى ) وهذه إشاره واضحه إلى أنّ الحقّ المطلق لا ینفک عن إحیاء الموتى والبعث یوم القیامه.
بعد هذه الإشاره لابدّ من البحث عن العلاقه بین «کونه سبحانه حقاً» و بین «المعاد یوم القیامه» لنرى ما هی هذه العلاقه؟
والجواب عن هذا السؤال: یتّضح جلیاً من خلال الترکیز على معنى «الحق»، وذلک لأنّ الحقّ فی الواقع هو النقطه المقابله «للباطل»،ومن الطبیعی انّ الموجود الحقّ والذی لا یتطرق إلیه الباطل بشکل من الأشکال وبنحو من الأنحاء، لابدّ أن یکون أزلیّاً وسرمدیاً وأن تکون ذات ذلک الوجود جامعه لکلّ أنواع الکمال ومنزّهه من کلّ نقص وعیب، وهذا بدوره یلازم أن یکون العمل أو الفعل الصادر من تلک الذات منزّهاً عن  النقص والعیب بکلّ أشکاله أیضاً وإلاّ خرج الوجود عن کونه حقّاً مطلقاً وتطرّق إلیه الباطل حینئذ، وهذا خلاف فرض کونه حقّاً .
وبعباره أُخرى: انّ فعل الحقّ تجلّی لصفاته، والصفات الذاتیه تجلّی لذاته سبحانه، فإذا کانت ذاته سبحانه حقّاً مطلقاً ولا یتطرّق لها الباطل بأیّ نحو من الأنحاء وبوجه من الوجوه لابدّ أن یوصف سبحانه بأنّه «حکیم»، وبما أنّه حکیم لابدّ أن یکون فعله بعیداً عن العبثیه ومنزّهاً عن اللغویه دائماً.
ومن خلال هذا البیان نصل إلى هذه النتیجه وهی: انّ وصفه سبحانه بأنّه
«الحق» دلیل على أنّ فعله سبحانه نابع عن الحکمه والهدفیه، وکما قلنا إنّ تنزیه عمله عن العبثیه واللغویه لا یتحقّق إلاّ إذا اعتقدنا بالمعاد والحیاه الأُخرى.
من هذا المنطلق نراه سبحانه یقول فی آیه أُخرى:
( وَأَنَّ السّاعَهَ آتیَهٌ لا رَیْبَ فِیها وَأَنَّ اللّهَ یَبْعَثُ مَنْ فِی الْقُبُورِ ) .( [۶])
ولیست هذه الآیه الوحیده التی ترى أنّ کونه سبحانه حقاً هو الدلیل الوحید على حتمیه المعاد والبعث والنشور یوم القیامه، بل توجد آیات أُخرى تشیر إلى نفس الحقیقه حیث قال سبحانه وتعالى:
( ذلِکَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ ما یَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّاللّهَ هُوَ الْعَلِیُّ الْکَبیرُ ) .( [۷])
ثمّ أشار سبحانه فی الآیتین اللاحقتین إلى مسأله الحیاه الأُخرى للإنسان حیث قال سبحانه:
( وَهُوَ الّذی أَحْیاکُمْ ثُمَّ یُمیتُکُمْ ثُمَّ یُحْییکُمْ إِنَّ الإِنْسانَ لَکَفُورٌ ) .( [۸])
ثمّ إنّنا نرى الآیه ۲۸ من سوره لقمان تتحدّث عن المعاد ویوم القیامه حیث قال سبحانه:
( …ما خَلْقُکُمْ وَما بََعْثُکُمْ إِلاّ کَنَفْس واحِدَه… ) .
ثمّ تأتی الآیه رقم ۳۰لتصفه سبحانه بأنّه الحقّ حیث جاء فیها:
( ذلِکَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ… ) . ومن بعد ذلک تعود الآیه رقم ۳۳ للحدیث عن المعاد ویوم القیامه حیث قال سبحانه:
( یا أَیُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّکُمْ وَاخْشَوْا یَوْماً لا یَجْزی والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَولُودٌ هُوَ جاز عَنْ والِدِه شَیْئاً إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ  فَلا تَغُرَّنَّکُمُ الْحَیاهُ الدُّنْیا… ) .
وإذا لم یوجد فی القرآن الکریم إلاّ هذه الآیات بهذا النظم الرائع والترتیب المنطقی والوصف الجید،لأذعنّا بما لا ریب فیه أنّ هذا القرآن لا یمکن أن یکون نتاج وثمره الفکر البشری خاصه إذا أخذنا بنظر الاعتبار ذلک المحیط البعید کلّ البعد عن أجواء العلم والمعرفه «الجزیره العربیه»، کما أنّنا ندرک جیداً ونذعن بأنّ کلّ کلمه سطّرت فی هذا القرآن إنّما سطّرت على أساس حسابات دقیقه غایه فی الدقه والإمعان والرصانه، ولذلک نجدها بعد أن توصفه سبحانه(بالحق) تستنتج من ذلک الحق قطعیه المعاد والقیامه.
وعلى هذا الأساس نرى القرآن تاره ینطلق من فکره کون «الحق» ملازماً للمعاد، وأُخرى ینطلق من أنّ النظام المتناسق للکون لا یمکن أن یکون خالیاً من الهدفیه، ولذلک لابدّ من الإذعان بالمعاد والقیامه والحیاه الأُخرى.
والنتیجه: إنّ مجموع الآیات یشیر إلى کون المعاد رمزاً لهدفیه الخلق، وتعدّه أمراً حتمیاً وواقعاً قطعیاً.
۲٫ المعاد مظهر العدل الإلهی
إنّ العمل على أساس العدل هو أحد فروع مسأله التحسین والتقبیح العقلیّین، وإنّ الذین یذهبون إلى الاعتقاد بهذه النظریه فی مجال العقل العملی، یؤکّدون أنّ العمل وفقاً لما یستحسنه العقل والاجتناب عن کلّ ما یراه العقل قبیحاً، یُعدّ من الأُصول الکلّیه الواسعه التی لا تختص بالإنسان، وانّ العقل یرى أنّ العمل «الحسن» والجمیل وفی جمیع الأحوال وتحت کافه الشرائط ومن أیّ فاعل مرید ومختار صدر فهو حسن وجمیل، والقبیح على العکس من ذلک حیث یرون أنّ ذلک العمل قبیح ولا یفرّقون فی هذا الحکم(بحکم کلّیه الموضوع) بین کون الفاعل ممکناً«الإنسان» أو کونه واجباً«اللّه».
وممّا لا ریب فیه أنّه لو أطاع اللّه جمیع العباد وتحوّلوا إلى أُناس محسنین وخیّرین وصالحین، فلا یستلزم ذلک أبداً وجوب إثابتهم من قبله سبحانه، وذلک لأنّهم مهما عملوا وأطاعوا وأحسنوا فی حیاتهم فإنّما ینطلقون فی کلّ ذلک من القدرات والإمکانات التی منحها اللّه لهم ووهبها إلیهم، إذ انّ جمیع حرکاتهم وسکناتهم وجهودهم البدنیه منها والفکریه کلّها ولیده الثروه الإلهیه، وهذه النقطه ممّا لا یرتاب فیها أحدٌ أدنى ارتیاب. أضف إلى ذلک أنّنا لو أحصینا النعم الإلهیه التی وهبها اللّه لعباده ومدى سعتها وکثرتها ـ إلى الدرجه التی یصرّح القرآن الکریم بأنّها تستعصی على العدّ والحصر ـ فحینئذ لا یبقى مجال لاستحقاق الثواب الأُخروی، وإذا ما رأینا اللّه سبحانه وتعالى قد وعد هؤلاء بالثواب فإنّما ذلک من باب الإحسان والکرم واللطف الإلهی لا غیر، یقول أمیر المؤمنین(علیه السلام) فی هذا الصدد: «ولکنّه سبحانه جعل حقّه على العباد أن یطیعوه، وجعل جزاءهم علیه مضاعفه الثواب تفضّلاً منه، وتوسّعاً بما هو من المزید أهله».( [9])
فی مقابل ذلک لو کان جمیع العباد عاصین ومخطئین ومنحرفین ومذنبین لما وجب على اللّه تعالى عقابهم وعذابهم یوم القیامه،وذلک لأنّ العقاب والمؤاخذه حق للّه سبحانه وتعالى ولیس من اللازم علیه أن یستوفی حقّه،إذ بإمکانه سبحانه أن یتنازل عن حقّه .
على هذا الأساس یتّضح أنّه لو کان جمیع العباد صالحین أو جمیعهم طالحین فلا یمکن أبداً توجیه مسأله العقاب أو الثواب الإلهی على أساس«العدل الإلهی» ولکن الناس یصنفون إلى طائفتین هما:
۱٫ الصالحون.
۲٫ الطالحون.
وهنا من اللازم دراسه مقتضى العدل الإلهی بخصوص هاتین الطائفتین من عباده سبحانه.
کما ذکرنا أنّ الناس فی هذا العالم ومن جهه العمل بالتکالیف الإلهیه ینقسمون إلى طائفتین وهنا یأتی دور العقل لیستمد العون من الأصل الکلّی فی الحسن والقبح العقلیین، ویحکم  بأنّ المساواه بین هاتین الطائفتین على خلاف قانون«العدل»، وعلى هذا الأساس لو ساوى بینهم فی العقاب بأن عاقب الجمیع، أو ساوى بینهم فی الجزاء بأن أثاب الجمیع من دون فرق، أو أنّه على أقلّ تقدیر أهمل إحسان المحسنین کما أهمل إجرام المجرمین ولم یترتّب على عملهم أدنى أثر یذکر، فلا ریب أنّه بعمله هذا وموقفه لم یَعدل بینهم، فکما أنّ معاقبه الجمیع أو إثابه الجمیع تُعدّ خلافاً للعدل الإلهی، کذلک الحیاد والإهمال واللا مبالاه بالنسبه إلى الطائفتین الصالحه والطالحه التی تنفی أصل المعاد، یُعدّ على خلاف العدل الإلهی، والبحث هنا یتم على هذا المطلب الثالث والذی أکّد القرآن الکریم علیه أیضاً.
وبعباره أُخرى: إذا کان بین هاتین الطائفتین فرق وامتیاز فی الجزاء فی هذا العالم، فحینئذ یرى العدل الإلهی له مظهراً، وأمّا إذا فرضنا أنّ الموقف منهما ـ باستثناء بعض الموارد ـ على حدّ سواء فمن الطبیعی أنّه ولکی یتحقّق مفهوم العدل بصوره أتمّ وطریقه أکمل لابدّ من وجود عالم آخر وحیاه ثانیه تکون معرضاً للعداله الحقّه، ومن هنا یکون المعاد أمراً حتمیاً وقطعیاً لا یمکن أن یتخلّف بحال من الأحوال، والآن نشرع فی ذکر بعض الآیات التی جاءت فی هذا الإطار، وهذه الآیات یمکن تقسیمها إلى طائفتین:
الف: طائفه تنکر  مسأله التساوی بین المذنبین والصالحین وتطرحها بأسلوب الاستفهام التعجبی، وترى أنّ ذلک لا ینسجم ولا یتلاءم مع العدل الإلهی.
ب: الطائفه الثانیه ترى أنّ مسأله  الثواب والعقاب من تبعات مسأله المعاد، وأنّ إحدى غایات الحیاه الأُخرویه هی منح وإعطاء الثواب أو إجراء العقاب.
ومن الآیات التی ترتبط بالطائفه الأُولى:
( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ کَالْمُفْسِدینَ فِی الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقینَ کَالْفُجّارِ ) .( [۱۰])
( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمینَ کَالْمُجْرِمینَ * ما لَکُمْ کَیْفَ تَحْکُمُونَ ) .( [۱۱])
( أَمْ حَسِبَ الَّذِینَ اجْتَرَحُوا السَّیِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ کَالَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْیاهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَما یَحْکُمُونَ ) .( [۱۲]) فإذا ما أنکرت هذه الطائفه  من الآیات إنکاراً شدیداً مسأله المساواه بین الصالحین والطالحین فی الثواب والعقاب، فإنّ الطائفه الثانیه اعتبرت المعاد مقدّمه لعقاب العاصین والمجرمین وثواب المطیعین والمحسنین.
وبعباره أُخرى: انّ آیات الطائفه الأُولى تدلّ على أنّ اللّه سبحانه یستحیل أن یساوی بین الصالحین والطالحین، ولابدّ أن یعدل بینهما، ولکن أین ومتى یقع هذا العدل؟ لم تتطرق هذه الطائفه إلیه، ولکن آیات الطائفه الثانیه تؤکد أنّ هذا الأصل«الثواب والعقاب» یتحقّق فی فضاء ومحیط آخر، حیث قال سبحانه:
( إِلَیْهِ مَرْجِعُکُمْ جَمِیعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ یَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ یُعیدُهُ لِیَجْزِیَ الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِینَ کَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمیم وَعَذابٌ أَلیمٌ بِما کانُوا یَکْفُرُونَ ) .( [۱۳])
ویقول سبحانه:
( یَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَیْرَالأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزوا للّهِ الواحِدِ القَهّار * …یَجْزِیَ اللّهُ کُلَّ نَفْس ما کَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَریعُالحِسابِ ) .( [۱۴])
فإنّ هذه الآیات وإن لم تتحدّث عن «العدل الإلهی» ولکن بالالتفات إلى آیات الطائفه الأُولى یمکن القول إنّ ذلک هو مقتضى العدل الإلهی.
وفی کلام أمیر المؤمنین(علیه السلام) إشاره إلى هذا المعنى حیث قال(علیه السلام) :
«یَوْمَ یَجْمَعُ اللّهُ فِیهِ الأَوّلینَ وَالآخرینَ لِنِقاشِ الْحِسابِ وَجَزاءِ الأَعْمالِ».( [15]) ویقول (علیه السلام) أیضاً:
«فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إخْلاقِهِمْ، وَجَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ، ثُمَّ مَیَّزَهُمْ لِما یُریدُهُ مِنْ مَسألَتِهِمْ عَنْ خَفایَا الأَعْمالِ وَخَبایَا الأَفْعالِ وَجَعَلَهُمْ فَریقَین  أنْعَمَ عَلى هؤلاءِ وَانْتَقَمَ مِنْ هؤلاءِ…».( [16])
۳٫ المعاد مجلى الوعد الإلهی
هنا  یمکن إقامه الدلیل على حتمیه المعاد بنحو یکون ذلک الدلیل قائماً على أُسس شرعیه وأُخرى عقلیه، وهی أنّ اللّه سبحانه قد وعد فی الکتب السماویه السابقه وکذلک فی القرآن الکریم، بأنّه سیثیب المحسنین یوم القیامه ویعاقب العاصین، من هنا تدخل مسأله القیامه فی إطار الوعد الإلهی وتعد إحدى مسائله.
وعلى هذا الأساس یحکم العقل وبصوره قطعیه بأنّ  الوفاء بالوعد والعمل به حسن عقلاً، وانّ خلف الوعد قبیح عقلاً ومرفوض وغیر جائز قطعاً، ثمّ یستنتج العقل من ذلک انّ تحقّق المعاد یوم القیامه وإثابه المحسنین والمطیعین أمرٌ حتمی وقطعی لا یمکن أن یتخلّف.
إنّ هذا النوع من الاستدلال على حتمیه یوم القیامه یختلف عن الاستدلالین السابقین اختلافاً تامّاً، وذلک لأنّ الاستدلالین السابقین مبنیان على أُسس عقلیه، وانّ الآیات الوارده هنا تشیر إلى حکم العقل فی المسأله، سواء قلنا:«إنّ الخلق بدون المعاد عبث»، أو قلنا:«إنّ المساواه بین العباد فی الثواب والعقاب على خلاف العدل الإلهی».
ولکن یکون الاستدلال على حتمیه المعاد هنا قائماً على رکیزتین إحداهما شرعیه بمعنى أنّ اللّه إذا لم یبشر بیوم القیامه ولم یرسم حقّاً لکلّ من المطیع والعاصی و الصالح والطالح، فمن المستحیل أن یتحقّق موضوع حکم العقل «الوفاء بالوعد جمیل وخلفه قبیح» ولکن بعد الالتفات إلى هذا الأصل (البشاره الإلهیه بوقوع یوم القیامه والثواب والعقاب) حینئذ یحکم العقل حکماً قطعیاً بحتمیه وجود یوم القیامه وحتمیه الثواب والعقاب.
ویمکن استنتاج هذین النوعین من الاستدلال من خلال بعض الآیات القرآنیه، کما یمکن تقسیم تلک الآیات إلى طائفتین هما:
۱٫ الآیات التی تشیر إلى أصل الوعد الإلهی بوقوع القیامه والثواب والعقاب.
۲٫ الآیات التی ترى أنّ تحقّق هذا الوعد الإلهی أمرٌ حتمی لا یقبل التخلّف أبداً.
وها نحن نذکر نماذج من هاتین الطائفتین:
القیامه وعد إلهی
قال سبحانه:
( …کَمـا  بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْق نُعِیدُهُ وَعْداً عَلَیْنا إِنّـا کُنّا فاعِلینَ ) .( [۱۷])
وقال فی آیه أُخرى:
( فَذَرْهُمْ  یَخُوضُوا وَیَلْعَبُوا حَتّى یُلاقُوا یَوْمَهُمُ الَّذِی یُوعَدُونَ ) .( [۱۸]) ولقد وردت الإشاره إلى أنّ القیامه هی إحدى البشائر الإلهیه فی مواضع أُخرى.( [۱۹])
جزاء الأعمال من وعوده سبحانه
لقد ورد فی قسم من الآیات البشاره بالثواب والعقاب حیث قال سبحانه فی خصوص الجنه:
( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّهُ لِلْمُتَّقینَ غَیْرَ بَعید * هذا ما تُوعَدُونَ… ) .( [۲۰])
وقال سبحانه:
( وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوعِدُهُمْ أَجْمَعینَ ) .( [۲۱])
وفی آیه أُخرى:
( …وَمَنْ یَکْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ… ) .( [۲۲])
إلى هنا اتّضح ثبوت أصل الوعد الإلهی من خلال آیات الذکر الحکیم، فلنتعرض لذکر الآیات التی ترى أنّ تحقّق ذلک الوعد الإلهی أمر حتمی وقطعی، أی الآیات التی تؤید حکم العقل، ومن حسن الحظ انّ الآیات فی هذا  المجال کثیره جداً نکتفی بذکر بعضها:
( رَبَّنا إِنَّکَ جامِعُ النّاسِ لِیَوْم لا رَیْبَ فِیهِ إِنَّ اللّهَ لا یُخْلِفُ الْمِیعادَ ) .( [۲۳])
ویقول سبحانه فی آیه أُخرى: ( …وَلا تُخْزِنا یَوْمَ القِیامَهِ إِنَّکَ لا تُخْلِفُ الْمِیعادَ )( [۲۴]) .( [۲۵])
وکأنّ  المتکلّمین المسلمین قد استلهموا من هذه الآیات المبارکه الأمر واطّلعوا على حکم العقل من خلالها،واستدلّوا على ذلک بأصل الحکمه ووجوب الوفاء بالوعد کما یقول المحقّق الطوسی فی هذا الصدد:
«وَ وُجوبُ ایفاءِ الْوَعْدِ وَالحِکْمَه یَقْتضی وُجُوب الْبَعْث».( [26])
۴٫ المعاد مظهر الرحمه الإلهیه
من النکات المهمه والتی أولاها القرآن أهمیه خاصه انّه رکّز على العلاقه بین المعاد وبین الرحمه الإلهیه، واعتبر انّ المعاد غصن من شجره الرحمه الإلهیه، وأکّدت الآیات القرآنیه على النظره الرحمانیه التی ألزم الحقّ تعالى بها نفسه والتی ینظر فیها إلى عباده من نافذه الرحمه، لذلک حشرهم یوم القیامه قال سبحانه:
( قُلْ لِمَنْ ما فِی السَّمواتِ وَالأَرْضِ قُل للّهِ کَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَهَ لَیَجْمَعَنَّکُمْ إِلى یَوْمِ القِیامَهِ لا رَیْبَ فِیهِ الَّذِینَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا یُؤْمِنُونَ ) .( [۲۷])
وهنا یطرح التساؤل التالی نفسه: کیف یاترى یکون المعاد مظهراً للرحمه الإلهیه والحال انّ فی ذلک الیوم تعیش طائفه کبیره من الناس العذاب الإلهی الشدید؟! وهل یمکن أن یکون العذاب الألیم والجحیم وکون بعضهم فی الدرک الأسفل من النار مظهراً للرحمه الإلهیه؟ والجواب عن هذا التساؤل واضح: لأنّ الهدف من وراء  البعث والنشور والحشر یوم القیامه هو إیصال کلّ ممکن إلى الکمال المطلوب، ونیل الرحمه الإلهیه، ولیصل کلّ إنسان إلى الغایه التی یتوخّاها ویطلبها من خلال أعماله الاختیاریه واستعداداته الذاتیه التی وهبها اللّه له، ولیحیا تلک الحیاه الطیبه فی ذلک العالم وهو إنسان متکامل وعار عن کلّ نقص وعیب.
ولکن الإنسان الکافر هو الذی أوصد على نفسه نافذه الرحمه الإلهیه من خلال غیّه وعتوه ولجاجته، ولم یستفد من الهبات والمنح الإلهیه التی وهبها اللّه سبحانه له فی هذا العالم، ومال بنفسه وأعرض عن طریق الحق وخرج من تحت ظلال شجره الرحمه الإلهیه.
وعلى هذا الأساس یکون ـ و بلا ریب ـ یوم القیامه قائماً على أساس الرحمه، ولکن الکافرین والمعاندین هم الذین مالوا عن مسیر الرحمه وجادّتها، ومسأله القیامه والمعاد نظیر مسأله  الامتحان، إذ الغرض والغایه من الامتحان والاختبار إظهار ما فی کنه الممتحن من الکمال على نحو لولاه لما ظهرت تلک المواهب والاستعدادات والقدرات من مرحله القوّه إلى الفعلیه، ولکن الکافر ـ ولأسباب معینه ـ لم یستغل تلک الفرصه ولم یستفد من تلک الإمکانات بالنحو الصحیح، بل استعمل قدراته الکامنه فی جهه الطریق المهلک والمُخسر.
وقد تمّ الترکیز فی الآیه التی ذکرناها على مسألتین هما:
ألف: انّ الحضور والحشر فی یوم القیامه فرع من فروع الرحمه الإلهیه، لا مسأله الثواب والعقاب حیث قال سبحانه:
( …لَیَجْمَعَنَّکُمْ إِلى یَوْمِ الْقِیامَهِ… ) .
وکأنّ الحضور فی  ذلک الیوم یُعدّ بمنزله الوثبه والقفزه نحو عالم أکمل وحیاه أفضل، وإذا کان الکافر قد خسر ذلک الکمال وحرم نفسه من تلک النعمه باختیاره وسوء عمله، فلا یضر ذلک بکون یوم القیامه مظهراً للرحمه الإلهیه.
ب: انّ جمله  ( …الَّذِینَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ… ) تعدّ بمنزله الجواب عن التساؤل الذی طرح، وعن الاستغراب الذی أُثیر وانّه کیف یکون حضور المنافقین والکافرین فی العذاب الإلهی والحشر یوم القیامه مظهراً للرحمه الإلهیه؟! وکیف یکون الحشر فرعاً من فروع الرحمه الإلهیه؟ والحال انّ ذلک الیوم یعدّ بالنسبه إلیهم یوم الخسران المبین؟!
لکن الآیه تؤکّد انّ خسرانهم وعذابهم ولید طبیعی لأعمالهم المنحرفه ( خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) ، وهم الذین حرموا أنفسهم من مائده الرحمه الإلهیه، وکأنّ الحشر والجمع یوم القیامه بمثابه درس کمال للجمیع،ولکن طائفه من الناس وبسبب أعمالهم وأفعالهم المسبقه حرموا أنفسهم من الاستفاده منه.
ولعلّ الآیه التالیه ناظره إلى نفس الفکره(وهی کون المعاد فرعاً من فروع الرحمه الإلهیه) حیث یقول سبحانه:
( فَانْظُر إِلى آثارِ رَحْمَهِ اللّهِ کَیْفَ یُحْیِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِکَ لَمُحْیِ الْمَوتى وَهُوَ عَلى کُلِّ شَیْء قَدیرٌ ) .( [۲۸])
انطلقت هذه الآیه لإثبات المعاد یوم القیامه وإثبات إحیاء الموتى من خلال إمعان النظر فی الحیاه الدنیا وکیف یحیی اللّه الأرض بعد موتها، ولکنّها فی نفس الوقت لم تهمل النکته الثانیه وهی أنّه کما أنّ إحیاء الأرض بعد موتها یقع فی إطار الرحمه الإلهیه ویمثل مظهراً من مظاهر رحمته سبحانه، کذلک یکون الأمر یوم القیامه، فإنّ إحیاء الموتى یُعدّ أحد مظاهر الرحمه الإلهیه الواسعه أیضاً، وذلک لأنّ الذی یترتّب على إحیاء الأرض هو نمو النباتات، أی ظهور استعدادتها وتحوّل قدراتها من مرحله القوّه إلى الفعلیه وتظهر ما کمن  فیها من کمالات، فکما أنّ الأزهار الجمیله والفواکه اللذیذه تظهر من خلال حرکه  الأرض وقیامها، کذلک تظهر الأشواک والثمار المرّه حقیقتها من خلال تلک الحرکه أیضاً، ولا ریب أنّ الجمیع من مظاهر وآثار الرحمه الإلهیه الواسعه، کذلک الأمر فی مسأله إحیاء الموتى، فإنّ «الإحیاء» مقتضى الرحمه الإلهیه وتجسّم الأعمال والثواب والعقاب، من ملازماته التی لا تنفک عنه.
فالآیتان إذاً تشیران إلى حقیقه واحده.
۵٫ المعاد نهایه السیر التکاملی للإنسان
حینما تعرض الحکماء لذکر تعریف «الحرکه» ذکروا أنّ «الحرکه» تتوقّف على أُمور سته، السادس منها «العلّه الغائیّه»، وأنّ هدفهم من إثبات تلک الواقعیه للحرکه ینبع من تصوّر مفهوم الحرکه، وذلک لأنّ السعی والجهد یمثّلان حقیقه الحرکه، وانّه تکمن فی ماهیه السعی والجهد الحقیقه التالیه، وهی: انّ الساعی یحاول الحصول على الشیء الذی یفتقده، ولا فرق هنا بین الحرکات الطبیعیه أو الإرادیه.
وعلى هذا الأساس یکون الإنسان ومنذ الأیام الأُولى لحیاته یعیش حاله «اللاّثبات» و «اللاّ استقرار»وأنّه یخضع فی کلّ لحظه إلى ظروف وشروط خاصه تسوقه نحو الکمال فیعیش  دیمومه من الحرکه یفتقد فیها حاله سابقه ویحصل على حاله جدیده، فالخلیه الإنسانیه حینما تستقر فی الرحم لم تزل متحرکه ومنتقله من حاله إلى أُخرى ومن طور إلى آخر، من «علقه» إلى «مضغه» إلى … حتى یتم إنساناً سویاً یفعل العجائب والغرائب ویقوم بالأعمال الجسام التی تعجز المخلوقات الأُخرى عن القیام بها، ومع کلّ ذلک یبقى ذلک الإنسان یعیش حاله التحول والانتقال وعدم الثبات حیث یقذف دائماً فی تیار الحوادث من حاله إلى أُخرى.
ولقد أشار القرآن الکریم إلى هذا البرهان الفلسفی الذی یثبت حتمیه المعاد انطلاقاً من قانون «غائیه الحرکه»، ومن هذه الآیات التی وردت فی هذا المجال:
لقد أشار القرآن الکریم وبصوره هی غایه فی الدقّه والإحکام إلى المراحل التی یطویها الإنسان فی مجال خلقته من «النطفه» وحتى الوصول  إلى مقامات سامیه، وأنّه کلّما وصل إلى مرحله ما ترکها إلى أُخرى، أرقى من سابقتها وهکذا حتى یصل إلى درجه من الکمال. یصفها اللّه تعالى بقوله:
( …ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَکَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقینَ ) .( [۲۹])
ثمّ یشیر سبحانه إلى مرحلتین من مراحل الإنسان التکاملیه هما: مرحلتا «الموت» و «الحیاه الأُخرى» حیث یقول سبحانه:
( ثُمَّ إِنَّکُمْ بَعْدَ ذلِکَ لَمَیِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّکُمْ یَوْمَ الْقِیامَهِ تُبْعَثُونَ ) .( [۳۰])
ونحن إذا أمعنّا النظر فی الآیات نجد انّه سبحانه عطف الجمل الثلاث بحرف العطف «ثم» الذی یدلّ على التعاقب والالتصاق، وهذا یعنی أنّ هذه المراحل متعاقبه ومتلاحقه.
ومن مجموع الجمل تکتشف انّ النفس الإنسانیه والروح الواحده، تخضع لقانون واحد منذ اللحظات الأُولى للخلق إلى أن تصل إلى مرحله البعث والنشور والحیاه الأُخرى، وهذا القانون هو: الانتقال والتحوّل والحرکه من النقص إلى الکمال. ومن حاله «الفقدان» إلى حاله «الوجدان» ومن «القوه» إلى «الفعلیه»، وبالنتیجه یصل الإنسان إلى الدرجه القصوى من کماله المطلوب فی یوم القیامه وعند البعث والنشور، وبذلک یکون المعاد هو المرحله الأخیره فی سیر الإنسان التکاملی، وهذا المعنى نجد الإشاره إلیه فی آیات أُخرى من الذکر الحکیم حیث قال سبحانه:
( وَ أَنِّهُ خَلَقَ الزَّوجَینِ الذَّکَرَ وَالأُنْثى * مِنْ نُطْفَه إِذا تُمْنى * وَ أنَّ عَلَیْهِ النَّشأَه الأُخرى ) .( [۳۱])
کما یمکن إدراک وتلقّف تلک الحقیقه من الآیات التی تصف یوم القیامه بالأوصاف التالیه:«المنتهى» و «المستقر» و «المساق»،فکأنّها تشیر إلى أنّ القیامه والمعاد هی نهایه الحرکه والسعی، وانّ حیاه الإنسان العاصفه بالحوادث والاضطرابات والتحولات فی هذا البحر المتلاطم ستصل إلى مرحله الاستقرار والثبات (المستقر)، وانّ مسیره حرکه هذه القافله تساق إلى هذه الغایه المنشوده، وهی مرحله الحیاه الأُخرى وتکون نهایه سعیه إلى ربه سبحانه، ونحن هنا نشیر إلى الآیات التی بیّنت تلک الحقیقه حیث قال سبحانه:
( وَأَنْ لَیْسَ لِلإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى * وَ أنَّ سَعْیَهُ سَوْفَ یُرى * ثُمَّ یُجْزیهُ الْجَزاءَ الأَوفى * وَ أنَّ  إِلى رَبِّکَ الْمُنْتَهى ) .( [۳۲])
وقال تعالى:
( إِلى رَبِّکَ یَوْمَئِذ الْمُسْتَقَرّ ) .( [۳۳]) وقال سبحانه:
( إِلى رَبِّکَ یَوْمَئِذ الْمَساقُ ) .( [۳۴])
وفی کلمات أمیر المؤمنین(علیه السلام) لمحات وإشارات إلى هذا البرهان لمن أمعن النظر فیها حیث یقول(علیه السلام) :
«وَإِنَّ الْخَلْقَ لا مَقْصرَ لَهُمْ عَنِ القِیامه مُرقِلینَ( [۳۵]) فی مِضْمارِها إِلَیالْغایَهِ القُصْوى».( [36])
۶٫ المعاد مظهر ربوبیته سبحانه
الربّ فی اللغه بمعنى الصاحب، یقال: «ربّ الدار» و «ربّ الضیعه» لصاحب الدار وصاحب الضیعه أو البستان، وفی الحقیقه انّ المقام الربوبی هو مقام تدبیر المربوب وإیصاله إلى الکمال، کما أنّ مقام الخالقیه یرتبط بمرحله الإیجاد والإنشاء، فإنّ الموجود الممکن بعد أن یلبس ثوب الإیجاد والإنشاء یبقى بحاجه إلى الرعایه والتدبیر والسوق نحو الکمال المنشود، وهذا هو مجال المقام الربوبی.
کما أنّ کلمه «الرب» ـ وکما بیّنّا ـ تشیر إلى أنّ حقیقه الربوبیه والمربوبیه تتجلّى فی کون الإنسان عبداً للّه سبحانه وانّ اللّه هو المالک المطلق والصاحب له، وانّ العبد هو المملوک لربه سبحانه وممّا لا ریب فیه أنّ من شأن العبد بالنسبه إلى مولاه أن یطیعه ویتّبعه فی جمیع أوامره  بنحو تکون حرکاته وسکناته جمیعها مطابقه لأوامر مولاه ونواهیه. وبما أنّ العباد قد انقسموا  ـ من ناحیه الطاعه ـ إلى طائفتین، مطیعه وعاصیه، الأمر الذی یقتضی أن یوجد یوم یجمع فیه العباد على صعید واحد لیحاسب فیه العاصون على مخالفتهم ویُثاب فیه المطیعون على طاعتهم.
وبعباره أُخرى: انّ الربوبیه تلازم العبودیه،وفی الحقیقه انّه تکمن فی حقیقه العبودیه المسؤولیه، وإلاّ لا معنى للمسؤولیه بدون المؤاخذه، والمساءله والاستجواب عن الأعمال والأفعال، ولا شکّ انّ ذلک کلّه لا یمکن تصوّره من دون أن یکون هناک  یوم یُعدّ للحساب والمساءله والمؤاخذه، ولذلک فإنّ هذا الأمر یقتضی أن یوجد ذلک الیوم الذی تتجلّـى فیه ربوبیه اللّه سبحانه، ولعلّه من هذا المنطلق جاءت کلمه «الرب» فی الآیه المذکوره بدل کلمه «اللّه» أو «الخالق» أو ما شابه ذلک، قال تعالى:
( یا أَیُّهَا الإِنْسانُ إِنَّکَ کادِحٌ إِلى رَبِّکَ  کَدْحاً فَمُلاقیهِ ) .( [۳۷])
ولعلّه لنفس النکته اعتبر فی آیه أُخرى إنکار المعاد ملازماً لإنکار الربوبیه حیث قال  سبحانه:
( وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَولهُمْ ءَإِذا کُنّا تُراباً  ءَ إِنّا لَفی خَلْق جَدید  أُولئِکَ الَّذینَ کَفَرُوا بِرَبِّهِمْ… )( [۳۸]) .
وتتّضح من خلال البیان السابق الملازمه بین إنکار المعاد وإنکار الربوبیه، وذلک لأنّ الإنسان إذا سلم بأنّ له ربّاً وانّه مملوک لذلک الرب، فلا ینبغی بحال من الأحوال أن ینکر أنّه لابدّ أن یقف أمام هذا الرب والمالک للحساب والمساءله والمؤاخذه، وإلاّ لا یمکن تصوّر مقام المالکیه والربوبیه والعبودیه منفکّاً عن المحاسبه والمؤاخذه الکامله لعباده ومربوبه ومملوکیه.
من هنا یتحیّر الإنسان لطبیعه النظم القرآنی والموازنه والمقارنه الدقیقه ویقف بإعجاب أمام ذلک البیان الدقیق، حیث یرى بأنّه لا یمکن إبدال کلمه مکان أُخرى، لأنّ أدنى تغییر أو تبدّل سوف یقلب المعنى بصوره جذریه.( [۳۹])

[۱] . المؤمنون: ۱۵۵٫
[۲] . المؤمنون: ۱۱۶٫
[۳] . الدخان:۳۸ـ ۴۰٫
[۴] . من أسماء یوم القیامه (یوم الفصل) لأنّه یفصل فیه بین الحق والباطل.
[۵] . الحج: ۶٫
[۶] . الحج: ۷٫
[۷] . الحج: ۶۲٫
[۸] . الحج: ۶۶٫
[۹] . نهج البلاغه، الخطبه ۲۱۶، مراجعه صبحی الصالح.
[۱۰] . ص: ۲۸٫
[۱۱] . القلم:۳۵ـ ۳۶٫
[۱۲] . الجاثیه: ۲۱٫
[۱۳] . یونس: ۴٫
[۱۴] . إبراهیم:۴۸ـ ۵۱٫
[۱۵] . نهج البلاغه: الخطبه ۱۰۲٫
[۱۶] . نهج البلاغه: الخطبه ۱۰۹٫
[۱۷] . الأنبیاء: ۱۰۴٫
[۱۸] . الزخرف:۸۳ والمعارج: ۴۳٫
[۱۹] . الذاریات:۶۰، المعارج:۴۴، الأنبیاء: ۱۰۳٫
[۲۰] . ق: ۳۱ـ ۳۲٫
[۲۱] . الحجر: ۴۳٫
[۲۲] . هود: ۱۷٫
[۲۳] . آل عمران: ۹٫
[۲۴] . آل عمران: ۱۹۴٫
[۲۵] . انظر; الفرقان: الآیه۱۶، التوبه:۱۱۱، مریم:۶۱، الزمر: ۲۰٫
[۲۶] . کشف المراد: المقصد السادس، المسأله الرابعه.
[۲۷] . الأنعام: ۱۲٫
[۲۸] . الروم: ۵۰٫
[۲۹] . المؤمنون: ۱۴٫
[۳۰] . المؤمنون:۱۵ـ ۱۶٫
[۳۱] . النجم:۴۵ـ ۴۷٫
[۳۲] . النجم:۳۹ـ ۴۲٫
[۳۳] . القیامه: ۱۲٫
[۳۴] . القیامه: ۳۰٫
[۳۵] . أی مسرعین.
[۳۶] . نهج البلاغه: ص ۱۵۱٫
[۳۷] . الانشقاق: ۶٫
[۳۸] . الرعد: ۵٫
[۳۹] . منشور جاوید:۹/۳۱ـ ۵۲٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.