إعجاز القرآن
لا ریب فی أنّ القرآن یتحدّى بالإعجاز فی آیات کثیره مختلفه مکّیه ومدنیّه تدلّ جمیعها على أنّ القرآن آیه معجزه خارقه ، حتى أنّ قوله تعالى : ( وَإِنْ کُنْتُمْ فِی رَیْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَهٍ مِنْ مِثْلِهِ … ) .
( البقره : ۲۳ )
أی : مِن مثل النبی ( صلى إلیه علیه وآله وسلم ) ؛ استدلالاً على کون القرآن معجزه بالتحدّی على إتیان سورهٍ نظیره سوره مِن مثل النبی صلى الله علیه وآله وسلم ، لا أنّه استدلال على النبوّه مستقیماً وبلا واسطه ، والدلیل علیه قوله تعالى فی أوّلها : ( وَإِنْ کُنْتُمْ فِی رَیْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا … ) ، ولم یقل : وإنْ کنتم فی ریب من رساله عبدنا ، فجمیع التحدّیات الواقعه فی القرآن نحو استدلالٍ على کون القرآن معجزه خارقه من عند الله ، والآیات المشتمله على التحدّی مختلفه فی العموم والخصوص ، ومِن أعمّها تحدّیاً قوله تعالى : ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ یَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ یَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ کَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِیراً ) .
( الإسراء : ۸۸ )
والآیه مکّیه ، وفیها من عموم التحدّی ما لا یرتاب فیه ذو مُسْکَه .
فلو کان التحدّی ببلاغه بیان القرآن وجزاله أسلوبه فقط ، لم یتعدّ التحدّی قوماً خاصّاً وهم العرب العرباء من الجاهلیّین والمخضرمین قبل اختلاط اللسان وفساده ، وقد قرع بالآیه أسماع الإنس والجن .
وکذا غیر البلاغه والجزاله مِن کلّ صفه خاصّه اشتمل علیها القرآن کالمعارف الحقیقیه ، والأخلاق الفاضله ، والأحکام التشریعیه ، والأخبار المغیَّبه ، ومعارف أخرى لم یکشف البشرُ حین النزول عن وجهها النقابَ ، إلى غیر ذلک ، کل واحد منها ممّا یعرفه بعض الثقلین دون جمیعهم ، فإطلاق التحدّی على الثقلین لیس إلاّ فی جمیع ما یمکن فیه التفاضل فی الصفات .
فالقرآن آیه للبلیغ فی بلاغته وفصاحته ، وللحکیم فی حکمته ، وللعالِم فی علمه ، وللاجتماعی فی اجتماعه ، وللمقنّنین فی تقنینهم وللسیاسیّین فی سیاستهم ، وللحُکّام فی حکومتهم ، ولجمیع العالمین فیما لا ینالونه جمیعاً کالغَیب والاختلاف فی الحکم والعلم والبیان .
ومن هنا یظهر أنّ القرآن یدّعی عموم إعجازه من جمیع الجهات ، من حیث کونه إعجازاً لکلّ فرد من الإنس والجن ، من عامّه أو خاصّه ، أو عالِم أو جاهل ، أو رجل أو امرأه ، أو فاضل بارِع فی فضله أو مفضول إذا کان ذا لب یشعر بالقول ، فإنّ الإنسان مفطور على الشعور بالفضیله وإدراک الزیاده والنقیصه فیها ، فلکلّ إنسان أنْ یتأمّل ما یعرفه من الفضیله فی نفسه أو فی غیره من أهله ، ثمّ یقیس ما أدرکه منها إلى ما یشتمل علیه القرآن فیقضی بالحقّ والنَصْفَه ، فـ :
هل یتأتّى القوّه البشریه أنْ یُختَلَق معارف إلهیّه مبرهَنَه تقابِل ما أتى به القرآن وتماثله فی الحقیقه ؟
وهل یمکنها أنْ تأتی بأخلاق مبنیّه على أساس الحقائق تعادل ما أتى به القرآن فی الصفاء والفضیله ؟
وهل یمکنها أنْ یشرّع أحکاماً تامّه فقهیّه تُحصی جمیع أعمال البشر من غیر اختلاف یؤدّی إلى التناقض ، مع حفظ روح التوحید وکلمه التقوى فی کلّ حکم ونتیجته ، وسریان الطهاره فی أصله وفرعه ؟
وهل یمکن أنْ یصدر هذا الإحصاء العجیب والإتقان الغریب من رجل أُمّی لم یَتَرَبَّ إلاّ فی حِجْر قومٍ حظّهم من الإنسانیّه على مزایاها التی لا تُحصى وکمالاتها التی لا تغیا أنْ یرتزقوا بالغارات ، الغزوات ، ونهب الأموال ، وأنْ یَئِدُوا البنات ویقتلوا الأولاد خشیه إملاق ، ویفتخروا بالآباء وینکحوا الأمّهات ویتباهَوا بالفجور ، ویذمّوا العلم ویتظاهروا بالجهل وهم على أنفتهم وحمیّتهم الکاذبه أذلاّء لکل مستذِل ، وخطفه لکلّ خاطف ، فیوماً للیَمَن ویوماً للحبشه ویوماً للروم ویوماً للفرس ؟
فهذا حال عرب الحجاز فی الجاهلیه .
وهل یجتری عاقل على أنْ یأتی بکتاب یدّعیه هدىً للعالمین ، ثمّ یودعه أخباراً فی الغیب ممّا مضى ، ویستقبل وفیمن خلتْ من الأُمم وفیمن سیقدّم منهم لا بالواحد والاثنین فی أبواب مختلفه من القصص والملاحم والمغیّبات المستقبله ثمّ لا یتخلف شیء منها عن صراط الصدق ؟
وهل یتمکّن إنسان ـ وهو أحد أجزاء نشأه الطبیعه المادّیه ، والدار دار التحوّل والتکامل ـ أنْ یداخل فی کلّ شأن من شُؤون العالم الإنسانی ویلقی إلى الدنیا معارف وعلوماً وقوانین وحکماً ومواعظ وأمثالاً وقصصاً فی کلّ ما دقّ وجلّ ثمّ لا یختلف حاله فی شیء منها فی الکمال والنقص وهی متدرّجه الوجود ، متفرّقه الإلقاء ، وفیها ما ظهر ثمّ تکرّر ، وفیها فروع متفرّعه على أصولها ؟
هذا ، مع ما نراه أنّ کلّ إنسان لا یبقى من حیث کمال العمل ونقصه على حال واحده .
فالإنسان اللبیب القادر على تعقّل هذه المعانی لا یشکّ فی أنّ هذه المزایا الکلّیه وغیرها ممّا یشتمل علیه القرآن الشریف کلّها فوق القوّه البشریه ووراء الوسائل الطبیعیه المادّیه ، وإنْ لم یقدر على ذلک فلم یضل فی إنسانیّته ولم یَنْسَ ما یَحکم به وجدانه الفطری أنْ یراجع فیما لا یحسن اختباره ویجهل مأخذه إلى أهل الخبره به .
فإنْ قلتَ : ما الفائده فی توسعه التحدّی إلى العامّه والتعدّی عن حومه الخاصّه ، فإنّ العامّه سریعه الانفعال للدعوه والإجابه لکلّ صنیعه ، وقد خضعوا لأمثال : الباب ، والبهاء ، والقادیانی ، والمسیلمه على أنّ ما أتوا به واستدلّوا علیه أشبه بالهجر والهَذَیَان منه بالکلام .
قلتُ : هذا هو السبیل فی عموم الإعجاز والطریق الممکن فی تمییز الکمال والتقدّم فی أمر یقع فیه التفاضل والسباق ، فإنّ أفهام الناس مختلفه اختلافاً ضروریّاً والکمالات کذلک ، والنتیجه الضروریه لهاتَین المقدِّمَتین أنْ یُدرِک صاحب الفَهْم العالی والنظر الصائب ویرجع مَن هو دون ذلک فهماً ونظراً إلى صاحبه ، والفطره حاکمه والغریزه قاضیه .
ولا یُقبَل شیء ممّا یناله الإنسان بقِواه المدرِکه ویبلغه فهمه العموم والشمول لکلّ فرد فی کلّ زمان ومکان بالوصول والبلوغ والبقاء ، إلاّ ما هو مِن سنخ العِلْم والمعرفه على الطریقه المذکوره ، فإنّ کل ما فُرض آیه معجزه غیر العلم والمعرفه فإنّما هو موجود طبیعی أو حادث حِسّی محکوم بقوانین المادّه ، محدود بالزمان والمکان ، فلیس بمشهود إلاّ لبعض أفراد الإنسان دون بعض ، ولو فرض محالاً أو کالمحال عمومه لکلّ فرد منه فإنّما یمکن فی مکان دون جمیع الأمکنه ، ولو فرض اتّساعه لکلّ مکان لم یُمکن اتّساعه لجمیع الأزمنه والأوقات .
فهذا ما تحدّى به القرآن تحدّیاً عامّاً لکلّ فرد فی کلّ مکان ، فی کلّ زمان .