الحسین (علیه السّلام) فی الفکر المسیحی

0

 

 

هذه الثوره التی استلهمتها عنواناً لمؤلَّفی هذا فی طبعته الأولى،  کان حریّاً بها أن تظلّ هکذا عنواناً للطبعات التالیه ، ما دام الحدیث عنها ( کثوره ) یعنی الحدیث عن شخصیّه مفجّرها (علیه السّلام) ؛ إذ إنّها تمثّل خلاصات ونتائج أفکار وأفعال وتحرّکات رافع لواءها .

 

وبمعنى أدق هی مرآه لشخصیّته وترجمه لمبادئه ومُثُله ، وأیّ تطرّقٍ لها کثوره هو تطرّقٌ لشخصیّه الحسین (علیه السّلام) ، وفی المقابل فأیّ تطرّقٍ لشخصیّه الحسین هو تطرّقٌ لثورته . فتکون بذلک هذه الثوره هی الوجه الآخر لشخصیّه صاحبها ، وتکون شخصیّه صاحبها هی الوجه الآخر لها کثوره .

وقد رأى بعض المتنوّرین فکریاً بأنّ سطور الکتاب تحدّثت بإسهاب عن شخصیّه الحسین (علیه السّلام) ، وحلّلت أفکاره ومبادئه وخططه وأهدافه المرحلیّه الآنیه منها والمستقبلیّه .. فکانت الشخصیّه هی المبرّزه بما تمثّله من محصّله المبادئ ، إذ منها انطلقت الأفکار والمُثُل ، وفیها اختمرت المبادئ ، وفی أعماقها ربضت کلّ الموحیات التی أبرزت إلى النّور ما ظهر سواء ما کان منه قولاً أو فعلاً أو مبدأ أو ثوره ، کفکره وکفعل وکمعاناه وکهدف آنی ومستقبلی ، وبالتالی کخطوه لها طابع مادی بطولی یتّصل بجانبه المادیّ هذا بما تعارف علیه البشر من أفعال مادیّه بشریّه صرفه . وفی هذا علّه الثوره التی جمعت کلّ الممکنات فی ثنایاها ،الممکنات الروحیّه ، والزمنیّه ، والاجتماعیّه ، والمادیّه البطولیّه .
لذا فمن منطلق هذه الرؤیه الفکریّه لمجمل شخصیّه الحسین (علیه السّلام) تکون ثورته جزءاً من تکوّن هذه الشخصیّه ، ومن ثمّ فهی مرحله من مراحل سیر مکوّناتها وتأثیراتها ، بما تحمله من أفکار ومبادئ ، حیث بدأت وانتهت فی إحدى مراحلها، واستمرّت فی سیرها خالدهً إلى أبد الدهور فی مراحلها الاُخرى.
فکان حریّاً ، وقد تناولنا شخصیّه الحسین بما احتوته من أفکار ومبادئ وأعمال ـ والثوره جزء منها ـ أن تکون هذه الشخصیّه هی محور البحث ، وعنوان السیره والثّوره معاً ، واعتبار الثّوره جزءاً من الشخصیّه الشامله ککل ممّا یجدر معها أن تکون الشخصیّه هی الواجهه ، لا الثوره التی هی جزء من مقوّمات ومحصّلات الشخصیّه . وبالتالی یکون الحسین (علیه السّلام) کممثّل لهذه الشخصیّه ذات الخصائص والمیزات القدسیّه والبشریّه الفریده فی بابها . عنوان ثورته ، لا ثورته الخالده هی عنوان شخصیّته العظیمه، ممّا یجعل من عباره ( الحسین فی الفکر المسیحی ) التسمیه الأکثر جداره فی هذا المعنى .
وإذا کنّیت التسمیه بشخصیّه الحسین دون ثورته فی الشقّ الأوّل من عنوان الکتاب ، فالأحرى ـ کما طالَب البعض ـ أن تحلّ فی الشقّ الثانی منه کلمه ( إنسانی ) بدل ( مسیحی ) فیصبح العنوان معها ( الحسین فی الفکر الإنسانی ) .
وهی فکره صائبه ، وتسمیه فی محلّها ؛ على اعتبار أنّ ثوره سیّد الشهداء کانت ثوره إنسانیّه فی مفرد میزاتها وفی مجملها ، وأخذها من وجهه نظر مسیحیّه بما یخدم البحث المقارن ـ الذی هو موضوع الکتاب ـ یصلح تقدیمه کمثال على إنسانیّه هذه الثّوره ، أکثر ممّا یصلح قصره على هذه الوجهه .
وبأخذنا لها من زاویه الفکر المسیحی نکون وکأنّنا ننظر إلیها من زاویه الفکر الإنسانی ککل ؛ لأنّ الفکر المسیحی ما هو إلاّ جزء من الفکر الإنسانی ؛ ولأنّ المسیحیه ما هی إلاّ مرحله من مراحل المدرسه الإلهیّه التی تکوّن الدین الواحد . هذا الدین الذی جاء للبشریّه عبر مراحل متعدّده ، فکان الدواء لعلَلِها الاجتماعیّه والزمنیّه ، اتّخذ عبر مراحل التاریخ منحىً متدرّجاً فکان الطابع الغالب على الرساله ( الموسویّه ) طابع الإله القومی ، حیث نشأت فکره شعب الله المختار . وعلى الرساله ( العیسویّه ) طابع الإله العالمی غیر المتحرّر من المادّه وهذا ما تشیر إلیه مسأله الاُبوّه والبنوّه والتّثلیث . بینما وصل الخط البیانی للتوحید فی الرساله المحمدیّه إلى الذروه ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ یَلِدْ وَلَمْ یُولَدْ * وَلَمْ یَکُنْ لَهُ کُفُواً أَحَدٌ )(۱) .
وهکذا کان الإسلام خاتم الدیانات ، والرساله المحمّدیّه خاتمه النبوّات : ( الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَرَضِیتُ لَکُمْ الإِسْلاَمَ دِیناً )(۲) . لذا فمنطق الإیمان الکلّی بالدین الواحد یقضی بألاّ یصحّ إسلام المُسلم حتّى یتنصّرن ، ولا تصحّ نصرانیّه المسیحی حتّى یتأسلم ، فدین الله واحد وهدفه صناعه الإنسان .
ــــــــــــ
(۱) سوره الإخلاص / ۱ ـ ۴ .
(۲) سوره المائده / ۳ .
من هذا المنطلق تکون رؤیا الفکر المسیحی لشخصیّه الحسین وثورته هی ذات رؤیا الفکر الإنسانی لها ، وما تحدید التسمیه فی عنوان الکتاب إلاّ نوع من إغناء البحث ، وذلک بحصره ضمن حدود یمکن الاستشهاد بها ومقارنتها ، والانطلاق منها بشکل مستوف ؛ لذا فإنّ فی بحث رؤیا الفکر المسیحی لثوره الحسین دلاله کافیه على إنسانیّه هذه الثوره ، ممّا لا یجعل بقاء الشقّ الثانی من العنوان ( کما هو ) أمراً یدعو إلى الدهشه ؛ فالفکر المسیحی هو قاسم مشترک للفکر الإنسانی ، وجزء لا یتجزأ منه ، یشترک معه فی سداه ولحمته .
وفی تطلّعنا إلى ثوره سیّد الشهداء من کوّه هذا الفکر نکون کمَن یتطلّع إلیها من کوى الفکر الإنسانی کلّه ؛ لأنّ هذه الثوره إنسانیهٌ أوّلاً وآخِراً ؛ ولأنّ الإنسانیّه جمعاء تشترک فی دین واحد یرتکز على ثوابت إلهیّه واحده ، لا تتبدّل بتبدّل الدیانات ، وبأسالیب الإیمان بها ، هذه الأسالیب التی تدخل فی المجال الحیوی للعقل البشری : ( شَرَعَ لَکُمْ مِنَ الدِّینِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِی أَوْحَیْنَا إِلَیْکَ وَمَا وَصَّیْنَا بِهِ إِبْرَاهِیمَ وَمُوسَى وَعِیسَى أَنْ أَقِیمُوا الدِّینَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِیهِ )(۱) .
ـــــــــــــــ
(۱) سوره الشورى / ۱۳ .
وإذا کان الشیء بالشیء یذکر ، فإنّ أوّل ما یتبادر إلى ذهن القارئ ـ سواء أکان مسیحیاًّ أم غیر مسیحی ـ لدى قراءته للکتاب ، هو کیف أمکن الربط بین ثوره الإمام الحسین ، وبین فکر أهل الکتاب ؟ إذ لم یسبق هذا الربط أی اهتمام فکری مسیحی بعَلَم من أعلام الإسلام ، کی یأتی هذا الکتاب لیکمل اهتمامات سابقه بهذا الصدد .
وکان مکمن الغرابه فی کون مؤلّف الکتاب الفقیر لله ( مسیحیاً عربیاً ) فکانت هذه الصفه مکمناً إضافیاً لجدّه البحث ، ودافعاً للاطلاع علیه حتّى آخر سطرٍ منه ؛ بهدف الوقوف التامّ على ما یمکن أن یضیفه هذا الفکر على ملحمه استشهاد الحسین من أبعاد جدیده .
و( الأبعاد الجدیده ) فی رأی البعض ، هی فی النظر لملحمه کربلاء من وجهه نظر مسیحیّه لکاتب میسحی عربی ، لا هو بمسلم کی یقال: بأنّه متأثّر عاطفیاً بالفاجعه التی وقعت فوق ثرى الطّف ، ولا هو بمستشرق صاحب فکر غربی ینظر إلى التاریخ الإسلامی نظرته إلى أیّه مرحله تاریخیّه اُخرى ، لا تخشعه هذا إلاّ الجانب التاریخی السّردی ، مُهْمِلاً ـ عن عمدٍ أو جهلٍ ـ الکثیر من المقوّمات الروحیّه والإلهیّه للحرکه من جانبها العلوی القدسی ، مجرّداً إیّاها من أهمّ ما تملک ومن أکبر أهدافها التی هدفت .
فالفکر المسیحی العربی یقدّس آل البیت (علیهم السّلام) کما المسلم ، وفی أخذه لأیّه حادثه تاریخیّه تختصّ بالعالم الإسلامی الذی یعیش فیه ، یهدف إلى الحیده ، مبتغیاً الواقع ، باحثاً عن المنطق والرؤى العقلانیّه السلیمه ، وهی صعوبه تتکاثف على قلم غیر المسلم ، الذی تحکم حیدته اعتبارات کثیره ، ولا یحتمل الزلل لأقلّ هفوه ، ولا یقبل منه الشطط أو التطرّف ، ولا تسمح له الأدبیات الفکریّه بإبداء ما یخالف الحقیقه ، وما ینفر منه العقل الآخر الذی یخاطبه .
وفی هذا حجّه ، وللحجّه سبب ، بل جمله أسباب ، منها أنّ الفکر المسیحی العربی یستمدّ تراثه الفکری من تراث عربی إسلامی ، ویتعرّض لنفس التیّارات الفکریّه والروحیّه التی یتعرّض لها ، ویعی کلّ حادثه تاریخیّه ؛ نتیجه تشرّبه لها فی المدرسه ، أو زیارته لأماکنها ، أو لاتصال ظواهرها به . سواء فی الإنسان أو الجماد أو التراث ، بینما لا یملک الفکر المسیحی الغربی الخشیه والإحساس الورع بقیمه الشخصیّه القدسیّه التی یتناولها ، فإذا ذکر النّبی محمد لا یهمّه کثیراً وضع کلمه (صلّى الله علیه وآله) وإذا ذکر أحداً من آل البیت ، لا یؤثمه عدم وضع کلمه (علیه السّلام) .
هذا الفارق بین التمثّل القدسی وعدمه ، فارق له أهمیّته فی أخذ الحادثه التاریخیّه للعالم الإسلامی ، وهو فارق کبیر فی صغره المتناهی فی میزان النتیجه، وصغیر فی انعکاساته الفکریّه فی میزان الکیفیّه .
وشتّان بین کبر خطر النتیجه وبین تفاهه صغر الکیفیه خلال مسار الاُمور .
هذه الغرابه ، وهذا التوقّع والترقّب لِما هو محتمل فی جدّته عوامل نفسیّه وفکریّه من الممکن أن تعتمل فی ذهن أی قارئ حیال أثر ما یربط بین الفکر الإسلامی وبین فکر أهل الکتاب .
وبالمقابل فإنّ ما یشبهها بشکل أو بآخر یعتمل أیضاً فی ذهن المفکّر المسیحی الذی یتناول فکریاً عَلَماً من أعلام الإسلام ، ویدفعه للتساؤل عن مسبّبات هذه الغفله التی یرتع فیها الفکر الإسلامی ، ممّا یدمغه بصفه التقصیر عن دراسه شخصیّه مثل شخصیّه الحسین ، دراسه وافیه منصفه ، وتقدیمها للعالم المسیحی الغربی والعربی ، کواحده من أنصع الصفحات بیاضاً فی تاریخ الإسلام .
فشخصیّه الحسین محیط واسع من المُثُل الأدبیّه والأخلاق النبویّه ، وثورته فضاء واسع من المعطیات الأخلاقیّه والعقائدیّه . ولعلّنا نتمثّل أهمّ سمه من سمات العظمه فی هذه الشّخصیّه ، من قول جدّه الرسول (صلّى الله علیه وآله) : (( حسین منّی وأنا من حسین )) . فارتقت إنسانیّه السبط إلى حیث نبوّه الجَّد (( أنا من حسین ))(۱) ، وهبطت نبوّه الجَّد إلى حیث إنسانیّه السبط (( حسین منّی )) ، وفی هذا المعنى یقول السیّد الطباطبائی :
غرسٌ سقاه رسولُ الله من یدهِ       وطاب من بعد طیبِ الأصل فارعُهُ
وإذا کان العالم المسیحیّ الغربیّ له مآخذ على الإسلام ، فإنّما ینظر إلى هذه المآخذ من کوى مثالب عهود بنی اُمیّه ، والتشویهات التی استهدفت اُمّه الإسلام فیما بعدها ، حیث نظر الحکّام إلى الدنیا والمُلک بالشکل الذی صوّره معاویه بعد احتلاله الکوفه ، إذ قال : إنّی لم اُقاتلکم لکی تصلّوا أو تصوموا ، بل قاتلتکم لکی أتأمّر علیکم .
هذه النظره المغلوطه من زاویه المادّیات الصرفه إلى أمور الدنیا وقضایا الحکم کان أبو سفیان بن حرب قد نظر من خلالها یوم فتح مکّه ، إذ قال للعباس عمّ الرسول جملته الممثّله خیر تمثیل للمبدأ النفعی الذی کان مسیطراً على العقول آنذاک : لقد أصبح مُلک ابن أخیک عظیماً . فکان فی قولته لا یرى من جهاد الرسول الکریم سوى ذلک المغزى الدنیوی الغلبه والعظمه ، أمّا تعبید الخلق للخالق ، وتنفیذ إراده الله فی خلقه فلم تبن لناظره ، ومثلُه لا یفهمها ، فما یعقلها إلاّ العالمون .
ـــــــــــــ
(۱) انظر الإمام الحسین ـ الشیخ عبد الله العلایلی / ۲۹۰ .
هذا هو المظهر الخارجی لجوهر الصراع الذی استشرى بعد ذلک بین أهل بیت رسول الله (صلّى الله علیه وآله) وبین ذریّه أبی سفیان . أهل البیت (علیهم السّلام) یرون أنّ الخلافه مرکب یقود إلى الآخره وفق أحکام الله ، وبنو اُمیّه یتطلّعون إلیها باعتبارها مرکباً یقود للجاه والسّلطان ، وانقیاد الدنیا وفق أهواء النّفس ومطالبها . وبین أحکام الله وبین أهواء النفس حدث الانقسام المریع فی جسد أمّه الإسلام ، والتفّ الأبناء حول الرمز الأقرب لِما تهیّأت له أنفسهم : ( مِنْکُمْ مَنْ یُرِیدُ الدُّنْیَا وَمِنْکُمْ مَنْ یُرِیدُ الآخِرَهَ )(۱) .
ـــــــــــــ
(۱) سوره آل عمران / ۱۵۳ .
وهکذا ، فالفکر المسیحیّ الغربی لا یعی هذا التناقض الصارخ بین الحق المقهور وبین الباطل المنتصر ، ومتى فَقَد هذا الوعی تجرّدت الحوادث التاریخیّه من أهمّ عناصرها ؛ لذا فقد رأى المستشرقون فی حادثه الطفّ ـ انطلاقاً من هذا التجرید ـ موقعه عسکریّه تغلّبت خلالها الکثره على القلّه ، والتنظیم على الارتجال ، غیر ملتفتین إلى اختیارات العنایه الإلهیّه وسرّها وتدخّلها فی هذا الحدث الجذری فی المسیره الروحیّه والتاریخیّه لاُمّه الإسلام ، ولدین الله الکلّی الوحدانیّه .
من هنا یبرز دور الفکر المسیحی العربی فی تمثیل الحیادیّه الصرفه ، محلاّ الرؤیه الموضوعیّه ، محلّ تلک العاطفیّه منها ، والمتجنّیه على السواء .
لکن هذا الدور تحکّمه حساسیّه فائقه حیال آلاف الشروحات والتفسیرات للحادثه ، وکثره الأسانید واختلاف الروایات ، وهنا مکمن الصعوبه حیث یتجلّى دور البصیره النافذه للقیام بعملیّه غربله حذره لمئات من هذه الروایات , واختیار للأسانید الموثوقه ، ثمّ القیام بعملیّه تکریسیّه نهائیّه لا تقلّ صعوبه عن عملیّتی الغربله والانتقاء ، یلعب فیها الحدس والخلفیّه الثقافیّه والرؤیه العقلانیّه المحایده للکاتب أدوارها قبل أن یقرّب قلمه ویؤشّر على إحدى الروایات الأقرب إلى العقل ، والمنسجمه مع الحدث العام ، والمتناغمه مع إیقاع الأحداث ؛ لذا فإنّ معادله ( کل ما یقبله العقل مقبول ) تظلّ رافعه أشرعتها خلال البحث ترقب تحرّکات القلم ، وترصد حیادیّته ، بل وترغمه فی أحایین کثیره على نزع حالات شطط وتطرّف لإبراز موضوعیّه الأحداث ، والحفاظ على حیادیّه العمل .
وإذا کانت الحساسیّه التی تواکب قلم الکاتب غیر المسلم لدى تناوله لسیره عَلَم من أعلام الإسلام مضاعفه ، فإنّها سوف تتضاعف أیضاً لدى القیام بعملیّه الربط بین المواقف المتجانسه والأهداف المشترکه بین نبیٍّ ونبی ، وشهیدٍ وشهید . سیّما إذا لم یسبق هذا الربط ربط مماثل یقرب منه أو یبعد ، یشبهه أو یکاد ، فتکون البدایه فی هذا الصدد محطّ اهتمام الکثیرین ، ویکون البادئ محل هذا الاهتمام أیضاً ، مضافاً إلیه النقد والاستحسان أو الاستهجان .
ولعلّ هذا المؤلّف لم یسلم من هذا النقد ، کما لم یحرم من هذا الاستهجان والاستحسان ، شأن ، شأن أی عمل طابعه الجدّه . ولکن العامل المتّکل على الله فی عمله ، لا یعدم الإحساس بالرضا عن عمله مهما قوبل بالنقد ، إیجابیاً کان أم سلبیاً : ( وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَیَرَى اللهُ عَمَلَکُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَیْبِ وَالشَّهَادَهِ فَیُنَبِّئُکُمْ بِمَا کُنتُمْ تَعْمَلُونَ )(۱) .
ــــــــــــــــ
(۱) سوره التوبه / ۱۰۵ .
أسوق هذه التهیئه البسیطه فی متن هذه المقدّمه للکتاب ، والتی لا یصحّ سَوق مثلها فی المتن بعد تجاوز بدایه المقال ، لأصِلَ إلى مدخل الفصل الأهمّ من الکتاب ، والذی یمثّل ( الحسّاسیّه ) التی عنیتها تواکب قلم الکاتب ، فأشیر إلى أنّ فصل ( المسیح هل تنبّأ بالحسین ؟ ) قد أثار اهتمام الکثیرین ، واستأثر دون الفصول الاُخرى بجلّ النقد والاستحسان وکذلک الاستهجان ، ودارت حوله المناقشات والتساؤلات ، سیّما حول خطبه عیسى فی تلامیذه قبل توجّهه للموت ، وما عنته فی کلماتها القلیله من معانٍ عمدت إلى تفسیرها بالشکل الذی ألهمته ، وبالکیفیّه التی ترمی لها هذه المعانی فی حقیقتها ، مستنداً فی ذلک إلى حجج دامغه أوردتها فی متن الفصل المذکور إیّاه ، وسأضیف لها بعض التفاسیر والتحلیلات الاُخرى ضمن هذه المقدّمه : قال عیسى فی إنجیل یوحنا(۱) : (( إنّی ذاهب الآن إلى الذی أرسلنی وما من أحد منکم یسألنی : إلى أین تذهب ؟ غیر أنّی أقول لکم الحق : من الخیر لکم أن أمضی ، فإن لم أمض لا یأتکم المؤیّد ؛ أمّا إذا مضیت فأرسله إلیکم ، ومتى جاء أخزى العالم على الخطیئه والبر والحکم )) .
ــــــــــــــ
(۱) یوحنا ۱۶ / ۵ ـ ۷ ـ ۸ .
وقد ترکّزت المناقشات والتساؤلات حول ثلاث نقاط :
اُولاها : مَن المقصود بالمؤیّد . ألیس الرسول محمّد (صلّى الله علیه وآله) هو الجدیر بهذا القصد ؟
وثانیها : الحسین شهید ولیس بنبی فکیف یتحدّث عیسى عنه ، بینما لم یلمح إلى قدوم الرسول (صلّى الله علیه وآله) من بعده ، مع أنّه نبی ؟
وثالثها : لقد فسّرت کلمه المؤیّد فی الإنجیل تحت معنى ( الروح القدس ) فکیف احتملت اللفظه هذا التأویل المغایر الذی لم یقرأ إلاّ فی هذا الکتاب ؟
وهنا یجدر بنا الوقوف لتوضیح أمر لطالما تعامى عنه الغلاه المتطرّفون ، ولازال یشکّل عقبه کأداء أمام منوّری القلب والفکر من العقلاء ، أمام انطلاق أفکارهم وقناعاتهم المؤمنه ، بأنّه ما من نبیّ غلا وتنبّأ مبشّراً بقدوم نبی بعده ، وما من شهید إلاّ وتنبّأ أیضاً بالشّهید الذی سیلیه ، ولم یکن عیسى (علیه السّلام) لیشذّ عن هذه الحکمه الإلهیّه ، لا تغافلاً عن تبشیر الناس بقدوم النبی محمد (صلّى الله علیه وآله) ولا کرهاً لهذا التبشیر أو هذا القدوم ، ( حاشا لله ) وعیسى رسول المحبّه والسّلام ، والمبشّر بالحبّ حتّى للأعداء والمبغضین ، فکیف إذا کان الأمر یتعلّق بنبیّ بعده ختم الله به الأنبیاء وبرسالته الدیانات ، وکان على هذا القدر العظیم من الشمائل النبویّه والخُلق الکریم ؟
وللإجابه على مجمل التساؤلات یستحسن إعطاء نبذه عن نشأه الأناجیل الأربعه ، والتی سار ویسیر على تعالیمها العالم المسیحی ، ولنحدّد أکثر ( المسیحی الکاثولیکی ) التابع لسلطه البابا فی روما .
فالإنجیل المقدّس عرّبت لفظته إلى العربیّه من کلمه EUAYYEAIOV الیونانیّه ، وهی تعنی ( البشرى الحسنه ) ثمّ أطلقت على الکتاب الذی یحتوی هذه البشرى ، وهو مجموع الأسفار الإلهیّه التی کتبت بإلهام الروح القدس خلال الحقبه الزمنیّه الممتدّه من القرن السادس عشر قبل المسیح حتّى آخر القرن الأوّل بعده ، وإن کانت لفظه ( إنجیل ) هی کتاب القرن الأوّل قبل المسیح . فإنّ کتاب القرون التی سبقت السنه المیلادیّه ، دعی بـ ( الکتاب المقدّس ) وهو ینقسم إلى عهدین : ( القدیم . والجدید )(۱) الأوّل یحتوی على الأسفار التی اُنزلت قبل السیّد المسیح وعددها ۴۶ سفراً ، وتنطوی على تاریخ وشعر وحکمه ونبوّه ، والآخر یتضمّن الأسفار التی اُنزلت بعد ظهور المسیح ، وفیها خلاصه حیاته المقدّسه ، وتعالیمه السّامیه ، وعددها ۲۷ سفراً . فکان الکتاب القدیم تمهیداً ، والجدید تحقیقاً .
والإنجیل وضعه رسولان هما متّی ویوحنّا ، وکلاهما عاینا وسمعا وعاشا ولمسا حیاه المسیح عن قرب ، وتلمیذان هما مرقس ولوقا ، وکلاهما رفیق حمیم الأوّل لبطرس والآخر لبولس ، وهما اللّذان تلقّیا الخبر عن رفیقیهما .
ــــــــــــــــ
(۱) العهد الجدید تمهید ، ط البولسیه .
وعلّه الاختلاف الظاهر فی أسلوب تدوین الروایات بین الأناجیل الأربعه ، ترجع إلى ظروف المکان والزمان الذی کتبت فیه من قِبَل التلامیذ . فمتّی کتب إنجیله للیهود باللغه الآرامیّه ، وقد فقدت هذه النسخه بعد أن ترجمت إلى الیونانیّه ، وقد غلب على روایه متّی اللغه الثقافیه ؛ لأنّه کتبها للمثقّفین ، والبرهان على ذلک أنّه کتب الکلمه الوضعیّه على الصلیب بثلاث لغات وهی : العبریّه والیونانیّه والرومانیّه . والتی تقول : ( یسوع ملک الیهود ) . وقد أظهر الکاتب للیهود أنّ المعلّم الإلهی هو الماسیّا المنتظر ، إذ به تمّت نبوءات العهد القدیم وتحقّقت رموزه ، فأکثر فی إنجیله عباره : ( کما ورد فی أشعیا وأرمیا والأنبیاء ) أو ( وهکذا تمّت الکلمه التی قیلت بیسوع ) ، کذلک لم یکن متّی لیحرص على تسلسل الحوادث التاریخیّه ، فکان یجمعها جمیعاً بدون هذا التسلسل إذ کان المهم عنده إبراز الموقف بغضّ النظر عن توقیته الزمنی ، ویقال : أنّه ترجم إنجیله إلى الیونانیّه بنفسه .
أمّا مرقس تلمیذ بطرس فقد وجّه إنجیله إلى الرومانیین باللغه الیونانیّه ؛ ولأنّ هذا الشعب مغرم بالقدره والعظمه ، فقد أوقف وصفه على ما یظهر وجه المسیح من هذا القبیل ، وهو ینقل عن بطرس وفی إنجیله ترکیز على المعجزات التی اجترحها المسیح ، مع أنّه لا یأتی على ذکر بطرس شخصیّاً .
أمّا لوقا تلمیذ بولس فکان مثقّفاً وطبیباً ومصوّراً وخبیراً ضلیعاً باللغه الیونانیّه ، وقد وجّه إنجیله خصّیصاً للیونانیّین والرومانیّین المتنصّرین حدیثاً ، فأبان لهم أنّ رحمه المخلص ـ المسیح ـ لم تنحصر فی فئه من الناس دون اُخرى ، وکان لا یهتمّ بالتفاصیل التی أوردها غیره فی أناجیله ، وهو الذی ألّف أعمال الرسل ، وکان یوجّه کلامه لـ ( تیوفیلوس ) بکلّ الاُمور التی جاء بها المسیح . مبتدئاً کلامه بعباره : ( سأحکی الحقیقه ولیس کما زادوا علیها ) ، وقد انفرد إنجیله بإیراد أمثال الرحمه کالحروف الضال ، والابن الشّاطر ، حتّى دعی بـ ( إنجیل الرحمه ) .
أمّا یوحنّا فقد کتب إنجیله بعد مئه سنه من المسیح ؛ لذلک اختلف عن الأناجیل السابقه ، وقد کتبه بالیونانیّه لیحاجّ دعاه الضَلال المتنکّرین لناسوت المسیح أو لاهوته(۱) ، وحرص على التسلسل التاریخی أکثر من غیره ، وهدف به کلّ المسیحیین حیث حلّق بالفلسفه کثیراً ، وهو المتأثّر بفلسفه الیونان وبالکلمه ؛ لذا فقد بدأ إنجیله بعباره ( فی البدء کان الکلمه ) ، وفی عهده انبثقت فئه أسمت نفسها ( النقلاویّون ) أنکرت اُلوهیّه المسیح ، کما نشأت على عهده قصص شعبیّه وخیالیه ، وألّف إنجیل دعی ( أبو کریف ) وبدأت الأناجیل تکثر منذ عهده .
ـــــــــــــــ
(۱) الناسوت : طبیعه المسیح البشریه ، واللاهوت طبیعته الإلهیه .
والإنجیل الذی نتلوه الیوم منقول عن المخطوطات الکبرى على الجلد التی تعود إلى القرن الرابع ، منها المخطوطه الفاتیکانیّه ، وقد نسخت حوالی سنه ۳۴۸ م ، والمخطوطه السّینائیّه وقد نسخت حوالى ۳۳۱ ، والمخطوطه الإسکندریّه التی ترقى إلى القرن الخامس ، وهناک مخطوطه رابعه معروفه بالأفرامیّه ؛ لأنّ نصّ الکتاب والإنجیل قد محی وکتب علیه مواعظ ( مارأفرام ) وقد تمکّن العلماء من إبراز النصّ الأصلی وقراءته ، ویوجد أیضاً مخطوطات اُخرى نسخت ما بین القرنین الرابع والعاشر وهی نحو أربعین ، وهناک أیضاً نحو ثمانیه آلاف مخطوطه صغیره .
ففی الفاتیکان والمتحف البریطانی وباریس یوجد ثلاثه مخطوطات أصلیّه ، وقد اکتشف ( شتربیتی ) مجموعه تشتمل على جزء کبیر من الأناجیل ، وهی ترجع إلى القرن الثالث . وفی سنه ۱۹۵۶ اکتشف مارتان بودمیر أوراق بردی تتضمّن إنجیل یوحنّا کاملاً مع أجزاء من إنجیل لوقا ، وهی تعود إلى أواخر القرن الثانی ، کما اکتشف ( جون رایلاید ) أقدم مخطوطات البردی المحتویه على قسم من الفصل الثامن عشر من إنجیل یوحنّا ، وجده فی صعید مصر ، وهو یرقى إلى النصف الأوّل من القرن الثانی .
أمّا أقدم المخطوطات العربیّه لترجمه الکتاب المقدّس فموجوده الآن فی ( دیر سیناء ) ، منها مخطوطه أعمال الرّسل والرسائل الجامعه ، وهی من القرن الثامن میلادی ، ومنها مخطوطه المزامیر بالخطّ الکوفی مع النصّ الیونانی ، وهی من العام ۸۰۰ م ، وهناک عدد من مخطوطات الأناجیل الأربعه ترجع کلّها إلى القرن التاسع ، ومخطوطهٌ للرسائل وسفر الأعمال وقد ذکر ناسخها تاریخ نسخها وهو عام ۸۶۷ م ، کما أنّ هناک بعض أسفار الأنبیاء وأیّوب ترجع إلى القرن التاسع میلادی ، وفی دیر سیناء مخطوطه للتوراه من القرن العاشر ، کما وجدت ترجمات قدیمه إلى العربیّه یرجع عهدها إلى ما قبل الإسلام حیث کان المسیحیّون العرب فی الیمن وبصرى إسکی شام یتعبّدون بها .
أمّا الأناجیل الأربعه فقد ترجمت للعربیّه منذ عهد ( یوحنا الثالث ) بطریرک السریان الأنطاکی (۶۳۱ ـ ۶۴۸ م ) ، وطبعت لأوّل مرّه فی رومیّه سنه ۱۹۵۱ ، وقد ظهرت ترجمات عربیّه عصریّه کامله منذ عام ۱۸۶۵ فی ثلاثه مجلّدات کبیره حقّقها الآباء الیسوعیّون اللبنانیون .
 

 

وأخلص بعد هذا العرض إلى فکره أنّ الأناجیل الأربعه التی وضعها الرسل المذکورون ، کانت صریحه وصادقه وأمینه ، ترجمت حیاه المسیح بأکملها ، لکن ما طرأ بعد وفاه یوحنّا ، زاد من عدد الأناجیل کثیراً إذ شوّه البروتستانت بعض المرادفات ، وألغوا بعضاً منها ، وحوّروا البعض الآخر بما یتّفق مع عقیدتهم ، وعلى سبیل المثال حذفهم کلّ ما یمسّ رئاسه بطرس للکنیسه الموحّده .

 

وفی العالم المسیحی الآن ألف طائفه للبروتستانتیّه وحدها ، ولکلّ منها إنجیل یختلف بشکل أو بآخر عن الآخر .

فقد جاءت وقت کان ثمّه فیه راهب یدعى ( لوثیروس ) ، فتح عینَیه على رجال الدین الکاثولیک یتاجرون بـ ( الغفرانیّه ) ، ویملّکون أماکن فی الجنه بموجب شهادات رسمیّه ، سمّیت وقتذاک بـ ( صکوک الغفران ) ، فأراد هذا الراهب أن یقوم بحرکه إصلاح ، فانشقّ عن السدّه البابویّه .
ولم یحاول البابا وقتذاک إصلاح الوضع الشاذ الذی أوجده رجال الدین من خلال بیعهم لصکوک الغفران ، وقد قیل فی عصرنا هذا : إنّه لو انشقّ لوثیروس فی عهد البابا یوحنّا الثالث والعشرین الذی توفّی منذ عشر سنوات تقریباً ، لکان أمر بإصلاح مثل هذا الخلل ، ولم یسمح بالانشقاق ، لکنّ المصالح الاقتصادیّه والأطماع المادّیه ، کانت تعصف برؤوس رجال الدین ، ممّا جعل الانشقاق أمراً حتمیّاً .
وبعد لوثیروس جاء ( کالفن ) وجاء ( المورمون ) وجاء ( الباتیست ) و( السّبتیست ) ومذاهب انشقاقیّه اُخرى ، کلّ منها تحرّف فی الإنجیل بما یتّفق ومعتقداتها الجدیده . فمنها ما ألغت الأسرار ، ومنها ما نفت القدسیّه عن العذراء مریم (علیها السّلام) ومنها ما حرّفت الأحداث التاریخیّه کمسأله نوم العذراء فی المغاره ، وزیاره المجوس للمسیح فی المزوّد … إلخ .
ولمّا استشرى الوضع وتفاقم الخلاف بین الکنائس المنشقّه ، وکثرت الأناجیل حتّى غدت بعدد الطوائف المبعثره ، اجتمع المجمع المسکونی وقام بعملیّه غربله کبیره استبعد معها کلّ الأناجیل التی صدرت بعد عهود التلامیذ الأربعه ، ومنها إنجیل ( برنابا ) الذی وصفه المجمع المذکور : بأنّه کُتِب بید مرتدّ عن النصرانیّه ، جدّ خبیر بالتوراه اللاتینیّه ، یصف فیه شتّى نواحی الحیاه الدینیّه والمدنیّه والتاریخیّه والجغرافیّه والاجتماعیّه فی عهد المسیح ، على ما رأى بعینه فی بیئته الإیطالیّه فی القرن السادس عشر(۱) .
إضافه لذلک کلّه أنّ یوحنّا ذکر فی نهایه إنجیله عباره تقول : وقال المسیح خلال حیاته کلاماً کثیراً لو ــــــــــــــ
(۱) العهد الجدید ج تمهید ط البولسیه .
جُمع لَما احتوته أسفار .
إذاً فنحن هنا أمام تعدّد أناجیل کثیره نقلت من لغه إلى اُخرى ، وکُتبت فی أزمان متفاوته لتخدم غایات معیّنه، وحیال کلام کثیر قاله المسیح ولم یدوّن. فإلى أین تقود هذه التشعّبات التی آلت إلیها الأناجیل ؟
المسیح تفوّه بکلام کثیر ، فماذا قال تُرى ؟ ولِمَ لَم یدوّن قوله کلّه ، وهو النبیّ العظیم المنزّه عن الخطأ والتکرار والتشابه فی الأقوال والأفعال ؟ وما کانت ستضمّ هذه الأسفار لو جُمعت کما ذکر یوحنّا فی نهایه إنجیله ؟ وما کانت ستضمّ أیضاً من صنائعه إضافه لأقواله کما جاء فی یوحنّا ؟(۱) إذ ذکر : وضع یسوع أیضاً أشیاء کثیره اُخرى ، لو أنّها کُتبت واحداً فواحداً لَما خلت أنّ العالم نفسه یسع الصحف المکتوبه .
ــــــــــــــ
(۱) یوحنا ۲۰ / ۲۵ .
هل کانت ستضمّ من الأقوال والصنائع المتشابه والمکرّر والمُعاد من الکلام والفعل النّبوی ؟ هذه الأقوال التی فاقت فصاحتها کلّ فصاحه ، وهذه الأفعال التی فاق إعجازها کلّ إعجاز .
وتلک الموجه العارمه من الأناجیل التی برزت والتی عنی المجمع الکنیسیّ بغربلتها ، ماذا أضافت للعقیده المسیحیّه ؟ وماذا ألغت من قوانینها وأسرارها ؟ وما دورها فی إغناء أو إفقار التعالیم المسیحیّه من خلال انتشارها ؟
سؤال لطالما یرد إلى أذهان الکثیرین فی غیاب أیّ قبس مدوّن عن الکیفیّه التی تمّت فیها عملیّتا الغربله والإقرار النهائی للأناجیل الحالیّه المتداوله من قِبَل المجمع المقدّس ، والتی لا یرد فی متنها أو مقدّماتها ما یفسّر ویوضّح الملابسات التی تعرّض لها الإنجیل حتّى وصل إلى الأیدی بشکله الحالی .
ولکنّنا کمسیحیّین مؤمنین لدینا غنى کامل فی قناعاتنا بأنّ الأناجیل الأربعه المتداوله حالیاً عن ألسنه التلامذه الأربعه هی الکتب الصّحیحه والکامله للمسیحیّه ، ولا ثقه البتّه بأیّه أناجیل غیرها ، وما تساؤلنا إلاّ نوع من التعطّش إلى الحقیقه والظمأ إلى المعرفه .
فإذا لم یکن فی هذه الأناجیل إشاره واضحه لتنبّؤ المسیح عن قدوم نبی من بعده اسمه ( محمّد ) ، فممّا لا شکّ فیه أنّ هذا المعنى متضمّناً إحدى آیاته (علیه السّلام) حیث لم تسعف القوى التأمّلیّه بجوهر ومعنى الدِّین الکلّی الواحد ـ عن عمدٍ أو عن غیر عمد ـ بترجمه هذا المعنى ونحته من صلب الآیات ؛ لأنّ رسول المحبّه بشّر وتکلّم لا بشکل مباشر ، بل على سنّه الرموز والأمثال ، وبغیر مثل لم یکن یکلّمهم لیتمّ ما قیل بالنبی القائل: ( أفتح فمی بالأمثال ، وأذیع بالمکنونات منذ إنشاء العالم )(۱) .
وهکذا على هذه السنّه شبّه المسیح ملکوت السموات بالحقل المزروع بالحنطه ، وشبّه معتقدات الفریسیّین والهیرودیسیّین بالخمیر ، حیث نهى تلامیذه عنه بقوله : ( انظروا إیّاکم وخمیر الفریسیّین وخمیر هیرودس ! ) وهکذا .
فالرسل والأنبیاء والأوصیاء والمصطفون والشهداء ، أعطاهم الله ملکه نورانیّه تساعدهم على استجلاء الغیب واستشفاف المستقبل ، وفی الآیه : (عَالِمُ الْغَیْبِ فَلاَ یُظْهِرُ عَلَى غَیْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ )(۲) ؛ دلاله على أنّ هذا العالم ـ عالم الغیب ـ تکشّف على أوسع نطاق للأنبیاء والمرسلین ، فاستشفّوا کلّ الأحداث التی ستلیهم ، ما یتعلّق منها بالأدیان والمذاهب والمعتقدات ، والتاریخ والجغرافیا والحرکات السیاسیّه .
ــــــــــــــــ
(۱) متّی ۱۳ / ۳۵ مز ۷۷ / ۲ .
(۲) سوره الجن / ۲۶ـ ۲۷٫
ولا بدع فی هذا القول ، فمَن یقرأ الکتب السماویّه الثلاثه ـ خلا مزامیر داود ونبوءات الرسل وأمثال سلیمان ـ یجد أنّ أعظم الأحداث وأتفهها التی حدثت فی الماضی ، ولا تزال تحدث فی قرننا هذا ، والتی ستظل تحدث حتى انقضاء الدهور ، قد ورد ذکرها فی هذه الکتب : الوثنیه ، سدوم وعمورا ، طوفان نوح ، ظهور الأدیان ، عبور العبرانیین ، دمار أورشلیم وتشتّت الیهود ، خراب بابل ، مذبحه کربلاء ، فیضان النیل ، اختفاء الأتلنتیک ، ظهور إسرائیل ، براکین ترکیا ، ظهور ماده النفط من باطن الأرض ، ظهور الدجّالین باسم الأدیان ، سقوط عروش وممالک ، قیام نظم ، اختراع الطیران ، اکتشاف الذرّه ، الصعود إلى القمر ، اکتشاف الکون ، تقدّم الطب والعلوم ، الإلحاد(۱) ، وإضافه لما عایشته البشریّه حتّى الآن من الأحداث ؛ فإنّ فی طیّ هذه الکتب سجلاًّ کاملاً لأحداث ستلی خلال العقدین المتبقیین من القرن العشرین .
فإذا ما نظرنا إلى الإنجیل من هذه الزاویه ، نجده زاخراً بکل المعانی والنبوءات ، متضمّناً کل استکشافات المستقبل حتّى انقضاء الدهور . وعوده إلى الأناجیل بحثاً عن هذه النبوءات لتظهر منها الکثیر فی کلّ آیه ، فالمسیح (علیه السّلام) کانت له قدره خصّه الله بها دون سائر الرسل ، تکشف له الغیب حتّى انقضاء الدهور ، فکیف بتلک الاستکشافات التی ستلیه بعد خمسه قرون ، حیث کان مقرّراً أن تنزل خلالها الرساله السماویّه الثالثه التی أکملت الرساله الثانیه ، والتی بشّر (علیه السّلام) بها ، وشابهتها فی جلّ تعالیمها وفی جوهرها السامی وبدعوتها إلى الحق الإلهی ؟
هذه التعالیم التی سحرت النفوس فاستهوتها حتّى بلغ عددها منذ عهد النبی (صلّى الله علیه وآله) إلى وقتنا هذا معادلاً لعدد تلک الأنفس التی آمنت برساله عیسى (علیه السّلام) ؛ لأنّها وجدت فی رساله محمّد (صلّى الله علیه وآله) تتمّه وخاتمه لرسالته (علیه السّلام) ، فبلغ بها الکمال الإلهی حدوده العلیا ، وارتقت وحدانیه الله مداها من خلالها .
ــــــــــــــ
(۱) الأسفار والمراثی والنبوءات .
فکیف إذاً لا یجد المسیحی المتفهّم لروحیّه الإنجیل ، أیّه إشاره متضمّنه أو منحوته من إشاره متضمّنه إحدى الآیات لهذا الحدث العقائدی العمیق الأثر لملایین النفوس ، بینما نجد إشارات لأحداث بشریّه مادیّه عادیه لا تبلغ مهما ارتقت معشار حدث نزول الرساله المحمّدیّه وانتشار عقیده الإسلام فوق هذه الرقاع الواسعه من الأرض ، وترسّخها فی هذا العدد الهائل من النفوس البشریّه ؟
وأنّا لواجدون فی الإنجیل المقدّس تلمیحاً لنزول آیات الرساله الثالثه ، إذ یقول السیّد المسیح لبعض الفریسیّین : (( ما بال هذا الجیل یطلب آیه ! الحقّ أقول لکم : إنّه لن یُعطى هذا الجیل آیه ))(۱) . فمثل هذا القول یشیر إلى ترقّب نزول الآیه على الأجیال التالیه التی ستُعطى هذه الآیه ، وهذا الجیل لن یعایش المسیح بل نبیّاً غیره مع التضمین اللّفظی بأنّ الآیه لا یلفظها إلاّ لسان نبی .
ویطالعنا أیضاً فی إنجیل یوحنّا قولاً واضحاً لا مجرّد تلمیح فحسب متضمّناً مجیء نبیّ بعد المسیح ؛ إذ تقول شهاده یوحنّا المعمدان حینما أوفد الیهود إلیه من أورشلیم کهنه ولاویّین لیسألوه : مَن أنت ؟ فاعترف وما أنکر ، اعترف : إنّی لست المسیح . فسألوه : إذاً ماذا ، أإیلیا أنت ؟ فقال : لست إیّاه . فسألوه : أالنبیّ أنت ؟ أجاب : ( لا ) . فسألوه وقالوا له : فلم إذاً تعمد إن کنت لست المسیح ولا إیلیا ولا النبی ؟(۲) .
ــــــــــــــ
(۱) مرقس ۸ / ۱۲ ـ ۱۳ .
(۲) یوحنا ۱۷۷ / ۲۰ ـ ۲۱ .
ففی هذا القول تسلسل سلّمی أثبت التاریخ صحّته من حیث ظهور الأنبیاء ، فقبل المسیح (علیه السّلام) جاء یوحنا یبشّر به ، ثمّ جاء (علیه السّلام) وبعده جاء النبی محمّد (صلّى الله علیه وآله) .
کذلک نجد فی نفس الإنجیل إشاره اُخرى للنبی والمسیح ، وذلک فی وصف خطبه عیسى فی الیوم الأخیر العظیم ؛ إذ قال : (( إن عطش أحد فلیأت إلیّ ویشرب ، مَن آمن بی فستجری من جوفه کما قال الکتاب ، أنهار ماء حی ))(۱) .
وإذ سمع بعض الجمع هذا الکلام ، وقالوا : لا جرم إنّ هذا هو النبی . وقال آخرون : بل هو المسیح . وقال غیرهم : أمن الجلیل یأتی المسیح ؟(۲) .
ـــــــــــــ
(۱) یوحنّا ۱۹۳ / ۳۷ ـ ۳۸ .
(۲) یوحنّا ۱۹۳ / ۴۰ ـ ۴۱ .
ولنلاحظ صیغه الأسئله التی وجّهت إلى یوحنا ، وصیغه أجوبته علیها ، فقد أجاب بعد أن سُئل مَن أنت , بقوله : ( إنّی لست المسیح ) . وأجاب بعد أن سُئل عمّا إذا کان هو إیلیّا ، بقوله : ( لست إیّاه ) . وأجاب بعد أن سُئل عمّا إذا کان هو النبی ، قوله : ( لا ) .
وکلمه ( النبی ) کما وردت فی شهاده یوحنّا کان بصیغه معرفه ( النبی ) لا نکره ( نبی ) کی تفسّر على أنّها صفه قد تطلق هکذا لمجرّد التساؤل حول هویّه یوحنّا ، وهل هو نبی ما اُوتی مقدره ما ؟ أو بشر عادی ؟ بل سبقت بـ( أل التعریف ) ، فانتقلت کلفظه نکره تدلّ على مجهول غیر منتظر ، إلى معرفه تدلّ على معلوم منتظر ، بما یشیر إلى أنّ النبی المقصود قد أجمعت النبوءات على تحدید أوصافه واسمه ، وعلى تسلسل ظهوره فی سلّم ظهور الأنبیاء ، وعلى مکانته النبویّه بینهم ، وعلى انتظار البشر لمجیئه بعد المسیح مباشره .
وفی منظور التسلسل اللّفظی الذی جاء فی شهاده یوحنّا ( المسیح ، إیلیا ، النبی ) نلاحظ أنّ لفظه ( النبی ) کانت مسبوقه ولیست متبوعه بأیّ اسم آخر ، وبأنّها ختمت هذا التسلسل بتواجدها فی نهایته . وفی هذا الاختتام انسجام تام مع ما ورد فی الکتب السماویّه والتواریخ الوضعیّه المدوّنه والتی لم تسجّل ظهور نبیّ بعد عیسى مباشره أطلقت علیه صفه ( النبی ) ؛ حیث لم یظهر بعده نبی ، إلاّ النبی محمّد (صلّى الله علیه وآله) خاتم الأنبیاء والمرسلین .
وحتّى الإنجیل المقدّس لم یفسّر المعنى المقصود بـ( النبی ) کما ورد فی شهاده یوحنّا ، والذی ینتظر مجیئه بعد المسیح ، کی یقال: بأنّ أی تفسیر مغایر له یجافی الحقیقه والتاریخ .
فإذا قلت ذلک من قناعتی کمسیحی مؤمن فَهم تعالیم عیسى وما هدفت إلیه وتعمّق فی جوهر مبادئه السّامیه ، فلا یحمّل قولی بأکثر من حدود ما رمى إلیه ، ولا یؤخذ على أنّه تحمیل لآیات الکتاب المقدّس تآویلاً لا تحتملها ، حاشا لله ، بل کما سبق وأسلفت من أنّ قناعتی کامله بوجود ما یشیر إلى مثل هذا الحدث ـ حدث نزول رساله محمد (صلّى الله علیه وآله) ـ فی صلب آیات الإنجیل ، ولکن استخلاصها من مضانّها یحتاج إلى عقل ملهم ، وضمیر متبصّر نیّر ، وشجاعه أدبیّه مؤمنه لا تخاف الجهر بقناعاتها وتحلیلاتها الموضوعیّه العقلانیّه ، فلم تک أبداً رساله المسیح ، رساله تقوقع أو بغض ، ولا حتّى رساله نرجسیّه وعشق ذات ، فالمسیح (علیه السّلام) قال : (( لا تظنّوا أنّی جئت لأنقص الناموس أو الأنبیاء ، إنّی ما جئت لأنقص بل لأکمل ))(۱) .
ففی هذه القوله مغزىً مؤدّیاً إلى ما یلی معنى الإکمال المتبوع بـ( الاستمراریّه ) المؤدّیه بدورها إلى الخاتمه .
فإذا اعترفنا بأنّ الأدیان إنّما جاءت لجمیع البشر على السواء ، فنکون قد کرّسنا حقیقه أزلیه تتجلّى فی حکمه نزول الرسالات الثلاث واختتامها برساله الإسلام .
ــــــــــــــ
(۱) العهد الجدید ۹ / ۱۷ .
فعیسى (علیه السّلام) قال لمجموع البشریّه : ( ما جئت لأنقض بل لأکمل ) . وکان یرید إفهام النّاس بأنّه یکمل ما کان قد بدئ من دین الله الواحد برساله الیهودیّه التی تشکّل اُولى مراحله ، حیث أعقب هذا القول تضمیناً لفظیاً باستمراریّه مسیره الرسالات لتصل نحو نقطه النهایه ـ الخاتمه ـ والقرآن الکریم خاطب مجموع البشریّه بالقول : ( الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَرَضِیتُ لَکُمْ الإِسْلاَمَ دِیناً )(۱) . والمقصود فی هذه الآیه الکریمه: بأنّ ما کان فی مسالک دین الله الواحد من رسالات جاء الإسلام لیکملها ویضع لها الخاتمه ، فتمّت نعمه الله على البشریّه بتمام هذه الرسالات .
فمعنى عباره ( أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ ) یجیء مشیراً بشکل ضمنی وواضح إلى وجود هذا الدین فیما سبق ، ومسلّماً ببداهه هذه الکینونه السابقه بشکل منقوص ، حیث أکملت الیوم بالشکل المرسوم الذی أرادته العنایه الإلهیه . أمّا عباره ( وَرَضِیتُ لَکُمْ الإِسْلاَمَ دِیناً ) فإنها جاءت بعد عباره ( وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی ) الواقعه بدورها بعد عباره ( أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ ) ؛ فبذا یکون الإسلام هو الدین البشری الذی رضیه الله لعباده سواء أکانوا یهوداً ، أم نصارى ، أم مسلمین . وتکون الیهودیّه والمسیحیّه هما الأدواء الروحیّه التی عالجت الأنفس فی أزمان نزولها ، فبرّأتها إلى حین نزول الإسلام حیث أکملها وحصّن الأنفس بطعم روحی سرمدی ، درأ عنها کل العلل والأسقام التی قد تطرأ علیها فتفنیها .
ــــــــــــــ
(۱) سوره المائده / ۳ .
فالدین الواحد برسالاته الثلاث کان رحمهً للبشر ، وأمراً لهم بعباده الله الأحد . ولم یختصّ منهم أحداً دون الآخر بل قالت عزّته : ( یَا أَیُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّکُمْ الَّذِی خَلَقَکُمْ وَالَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ )(۱) .
وقد عرّفت الرسالات السماویّه الثلاث البشر بالله الأحد ، وأوصلت لهم دینه الإلهی الواحد ، مصداقاً لقوله تعالى : ( شَرَعَ لَکُمْ مِنَ الدِّینِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِی أَوْحَیْنَا إِلَیْکَ وَمَا وَصَّیْنَا بِهِ إِبْرَاهِیمَ وَمُوسَى وَعِیسَى أَنْ أَقِیمُوا الدِّینَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِیهِ )(۲) .
کما ورد ذکر الإله الواحد والدین الکلّیّ الشمول فی الآیه الکریمه : ( وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْکِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِی هِیَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِینَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِی أُنْزِلَ إِلَیْنَا وَأُنْزِلَ إِلَیْکُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُکُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )(۳) .
فعباره ( آمَنَّا بِالَّذِی أُنْزِلَ إِلَیْنَا وَأُنْزِلَ إِلَیْکُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُکُمْ وَاحِدٌ ) فیها أبین دلاله على وحدانیّه الله ، ووحدانیّه الأدیان ، ووحدانیّه التّنزیل ، ووحدانیّه الإسلام بین الإسلام والمسیحیّه .
وقد جاء فی القرآن الکریم : ( وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّهً لِلَّذِینَ آمَنُوا الَّذِینَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِکَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّیسِینَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ یَسْتَکْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْیُنَهُمْ تَفِیضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ یَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاکْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِینَ )(۴) .
ــــــــــــــــ
(۱) سوره البقره / ۲۱ .
(۲) سوره الشورى / ۱۳ .
(۳) سوره العنکبوت / ۴۶ .
(۴) سوره المائده / ۸۳ ـ ۸۴ .
ففی کلّ هذا مصداق للقول: بأنّه لا یصحّ إسلام المسلم حتّى یؤمن بنبوّه عیسى (علیه السّلام) ولا تصحّ نصرانیّه المسیحی حتّى یؤمن بنبوّه محمّد ، ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَکُمْ أُمَّهً وَاحِدَهً وَلَکِنْ لِیَبْلُوَکُمْ فِی مَا آتَاکُمْ )(۱) .
هذا التعدّد فی الخلق وفی الرسالات ، هو فی جوهره کتعدّد روافد نهر واحد یصبّ آخره فی خضمّ محیط واسع . وهذا التعدّد لا یعنی التفرّد أو الخصوصیّه ، بل یشبه دور عدّه أعمده تحمل مبنىً واحداً ، یتوزّع ثقله بالقسطاس على کلّ واحد منها . فرساله الرسالات تشابهت ، ٍکذلک تعالیمها ومبادئها . وقد ناقش المجمع المسکونی علاقه الکنیسه المسیحیه مع بقیّه الأدیان(۲) ، کما قارن بین الأدیان التوحیدیّه الثلاث : الیهودیّه ، والمسیحیّه ، والإسلام ، وأبرز قواسمها المشترکه ، وحدّد سماتها المتشابهه .
ــــــــــــــــ
(۱) سوره المائده / ۴۸
(۲) کان ذلک على عهد یوحنا الثالث والعشرین ، وأکمله بیوس السادس ، وقد دعی ممثّلوا الدیانات الأخرى غیر التوحیدیّه لحضور الجلسات کمراقبین .
أهم هذه القواسم کما تحدّدت ؛ الدعوه إلى عباده الله الأحد ، خلود النفس ، الآخره ، الله خالق ، الثواب والعقاب ، الفضائل والأخلاق الحسنه ، الزکاه والصدقه والبرّ والإحسان ، الملائکه والشیاطین ، الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر ، التعامل بالحسنى ، تحریم القتل والزّنا وشهاده الزّور والسرقه ، تکریم الوالدین .
وقد تبیّن للمجمع المسکونی أنّ الوصایا العشر فی المسیحیّه یقابلها وصایا شبیهه فی الإسلام ، ففی الإنجیل ثمّه وصیّه تقول : (( أحبب عدوک وقریبک کنفسک )) . وفی القرآن ثمه اُخرى تقول : ( وَلاَ تَسْتَوِی الْحَسَنَهُ وَلاَ السَّیِّئَهُ .. ادْفَعْ بِالَّتِی هِیَ أَحْسَنُ . فَإِذَا الَّذِی بَیْنَکَ وَبَیْنَهُ عَدَاوَهٌ کَأَنَّهُ وَلِیٌّ حَمِیمٌ )(۱) . والاثنتان تدعواننا للتأمّل فی مغزاهما ومرامیهما ومعانی ألفاظهما .
کذلک فإنّ قصّه خلق الإنسان على صوره الله ومثاله ، ومدّه الخلق التی هی ستّه أیّام ، واستراحه الخالق فی الیوم السابع کلّها متشابهه شبهاً کبیراً ما بین الإنجیل والقرآن .
والمطّلع على الکتابَین المقدّسین ، سیجد تطابقاً غریباً فی معظم القصص والأحداث ، وتشابهاً بیّناً بین المبادئ والأهداف ، وما قصّه استخلاف الله لآدم فی الأرض إلاّ إحدى هذه التطابقات المتجانسه .
وهکذا شاءت حکمته تعالى أن یسلّم من الناس أمره لعزّته عن طریق الإنجیل ، ومنهم الآخر عن طریق القرآن ، ومنهم عن طریق الحکمه ؛ لأنّ الإسلام هو التسلیم بالأمر لله تعالى ، توزّعت نعمه على الخلق بسواسیه عادله ، فکان دین البشریّه على اختلاف أدیانهم ونحلهم .
ـــــــــــــــ
(۱) سوره فصّلت / ۳۴ .
وبدین الإسلام هذا وصّى إبراهیم (علیه السّلام) بنیه ، وبه وصّى حفیده یعقوب أی إسرائیل بنیه ، ( إذْ قَالَ لِبَنِیهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِی قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَکَ وَإِلَهَ آبَائِکَ إِبْرَاهِیمَ وَإِسْمَاعِیلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )(۱) .
وطریق الهدى واحده ملّه إبراهیم ، الإسلام ، وعلیها کان إسماعیل وإسحاق ویعقوب والأسباط وموسى وعیسى . والمؤمنون یؤمنون بما اُوتی النبیّون ، لا یفرّقون بین أحد منهم ، ویسلّمون لله ، وبلَون الإسلام یصطبغون . الذین یؤمنون هذا الإیمان هم المهتدون ، اُولئک لا یجادلون فی الله تعصّباً لأهوائهم ، بل یخلصون لفطره الله ولا یتفرّقون(۲) .
فطره الله هی اختیاره تعالى لقافله أنبیائه من ذریّه واحده ، بعضها من بعض ، لتکمل دعواتهم بعضها بعضاً أیضاً ؛ لأنّها فی تمامها دعوه إلهیّه واحده ، إذ قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِیمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِینَ * ذُرِّیَّهً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ )(۳) .
فإذا کان الخط البیانی للتوحید بلغ فی الرساله المحمدیّه إلى الذروه ( قل هو الله أحد ) فإنّ التوحید فی المسیحیّه یبرز فی مطلع فعل الإیمان ، إذ جاء فیه : ( نؤمن بإله واحد ضابط الکلّ خالق السماء والأرض وکلّ ما یُرى وما لا یُرى ) .
ـــــــــــــ
(۱) سوره البقره / ۱۳۳ .
(۲) تفسیر القرآن المرتّب للدکتور أسعد علی / ۳۶۴ .
(۳) سوره آل عمران / ۳۳ ـ ۳۴ .
أمّا التثلیث ( الأب والابن والروح القدس ) فإنّه تعبیر مجازی أدبی ، لا حقیقی مادّی ، أو کما یفسّره البعض من أنّ لله ثلاثه أقانیم منفصله ، إذ الأصحّ أنّها أقانیم متّصله متداخله تعبّر المجاز فی ثلاث نقاط نحو الحقیقه ، ویصحّ تشبیه هذا المجاز اللفظی ، بقولنا عن الشمس: بأنّها مکوّنه من نار وضوء وحراره ، تشکّل مجتمعه قرصاً واحداً یدعى الشمس . یُعرف بها ولا تُعرف به ، ولا تشکّل مفرده عالماً أو کوناً قائماً ، تُعرّف من قریب أو بعید على ذات ما عُرّفت به مجتمعه .
وتعدّ وحدانیّه الله الحقیقه الأساسیّه التی یعلّمها الکتاب المقدّس ، فقد جاء على لسان أشعیا النبی : ( أنا الأوّل وأنا الآخر ولا إله غیری ) . ثمّ جاء المسیح وثبّت هذه الحقیقه بقوله (( إنّ الربّ إلهنا ربّ واحد ))(۱) . ثمّ انطلق الرسل بعده یعلّمون هذه الحقیقه ، فقد کتب بولس الرسول إلى أهل أفسس : ( للجمیع ربّ واحد وإیمان واحد وإله واحد هو فوق الجمیع ومع الجمیع وفی الجمیع ) ، وصرّح لأهل کورنتس : ( نحن نعلم أنّ الوثن لیس بشیء فی العالم ، وأنّه لا إله غیر واحد )(۲) . وتقول أولى الوصایا العشر : ( أنا الربّ إلهک لا یکن لک آلهه أخرى تجاهی ) . وکتب لوقا : ( للربّ إلهک تسجد ، وإیّاه وحده تعبد )(۳) .
ــــــــــــــــ
(۱) مرقس ۱۲ / ۲۹ .
(۲) رساله بولس إلى الکورنثیین ۳۲۹ / ۴ ـ ۵ .
(۳) لوقا ۴ / ۸ .
ولمّا کان عقل الإنسان محدوداً غیر قادر على سبر جوهر الله والوقوف على سرّ طبیعته ، فقد شاءت عزّته أن یعلن عن سرّ ماهیّته العمیق ، فکلّم البشر بواسطه أنبیائه . ولمّا قام البعض بنفی الاُلوهیّه عن الثالوث السرّی التام أقطاب الکنیسه ، وحدّدوا عقیده الثالوث ، فاستعانوا بکلمتی ( أقنوم ) و ( طبیعه ) لیعبّروا بها عن الله الواحد ، وجعلوا عباره : ( بسم الأب والابن والروح القدس ، الإله الواحد ) بدایه الصلاه .
وإنّا لواجدون فی سفر التکوین تلمیحات إلى الأقانیم الثلاثه ، قال الله بصیغه الجمع : ( لنصنع الإنسان على صورتنا کمثالنا )(۱) . وجاء فیه أیضاً : ( هلمّ نهبط ونبلبل لغتهم )(۲) .
کما یروی لنا أشعیا النبی أنّه رأى فی السماء مجد الله وسمع السرافین ـ إحدى طغمات الملائکه ـ یقولون : ( قدّوس قدّوس قدّوس ، ربّ الجنود ، الأرض کلّها مملوءه من مجدّه )(۳) . فتکرار کلمه قدّوس ثلاث مرات موجّه إلى طبیعه الأقانیم الثلاثه .
أمّا الاُقنوم الثانی الذی هو الابن ، أی المسیح فقد لمح إلیه داود النبی فی قوله : ( الربّ قال لی أنت ابنی ، أنا الیوم ولدتک )(۴) .
وقال أیضاً : ( قال الرب لربّی : اجلس عن یمینی ، فی بهاء من الجوف قبل الفجر ولدتک )(۵) .
ـــــــــــــــ
(۱) سفر التکوین ۱ / ۲۶ .
(۲) المصدر نفسه ۱۱ / ۷ .
(۳) أشعیا ۳۶ .
(۴) المزامیر ۲ / ۷ .
(۵) المصدر نفسه ۱۰۹ / ۱ ـ ۳ .
وفی العهد الجدید کشف عن سرّ الثالوث ، إذ قال جبرائیل الملاک وهو یبشّر العذراء مریم (علیها السّلام) : ( إنّ روح القدس یحلّ علیک ، وقوّه العلی تظلّلک ؛ ولذلک فالقدّوس المولود منک یدعى ابن الله )(۱) .
وعندما عمد یوحنا المسیح فی نهر الأردن انفتحت السماوات ونزل الروح مثل حمامه فوق رأسه وصاح صوت : ( أنت ابنی الحبیب بک سررت )(۲) . هذا ویدعو القدّیس یوحنا الأقنوم الثانی بـ( الکلمه ) المتمیّز عن الاُقنوم الأوّل فیقول : ( فی البدء کان الکلمه ، والکلمه کان عند الله ، وجاء إلى خاصّته ، والکلمه صار جسداً )(۳) .
والروح القدس هو اُقنوم ثالث ؛ لأنّ کلمتَی ( الروح القدس ) و ( الله ) تأتیان متناوبتین مترادفتین ، جاء فی أعمال الرسل : ( یا حنانیا ، لماذا ملأ الشیطان قلبک حتى تکذّب على الروح القدس ؟ إنک لم تکذّب على الناس بل على الله )(۴) .
وهکذا نرى أنّ تعلیم الکتاب عن تثلیث الأقانیم فی الله لا یمکن أن یتّفق مع التعلیم عن الوحدانیّه ما لم تکن للأقانیم الثلاثه طبیعه واحده غیر منفصله ، لا تشکّل إحداها منفرده ، أی طبیعه أو خاصیّه ممیّزه ، فلو أمکن الفصل بین الأقانیم لکان فی الطبیعه الإلهیّه تعدّد وکثره ، إذ إنّ الله تعالى روح محض فی منتهى البساطه ، ولا یوجد فیه تألیف أو ترکیب ، وفی التطرّق إلى أبوّه الله ، لیس المقصود فیها أنّ لله ولداً على طریقه البشر ، أو بحسب المفهوم البشری ، بل إنّ هذه الأبوّه تحمل معنى الصدور ، کما یصدر النور من الشمس .
ــــــــــــــــ
(۱) لوقا ۱ / ۳۵ .
(۲) مرقس ۱ / ۱۱ .
(۳) یوحنا ۱ / ۱ ـ ۲ ـ ۳ .
(۴) أعمال الرسل ۵ / ۳ ـ ۵ .
ولکن کیف ستوفّق عقول العامّه بین صدور النور من أحد المصادر ثمّ بقائه فی هذا المصدر ؟ إذ قیل لهم: إنّ صدور الابن فی هذا المقام یشبه إلى حدّ ما صدور القصیده من قریحه الشاعر ؛ فهی ولیده فکره وإنتاج مخیّلته ، فیخطّها على القرطاس وتتناولها الأیدی ، ولکنها تبقى فی الوقت نفسه راسخه أبداً فی مخیّلته .
وقد شبّه بعض اللاهوتیین ـ تقریباً للأذهان ـ علاقه الأقانیم الثلاثه فی الطبیعه الإلهیّه الواحده بمثلّث متساوی الأضلاع والزوایا ، تضمّ کلّ زاویه بین ضلعیها مساحه المثلّث بکامله وبالتساوی ، وتتمیّز فیه کلّ زاویه عن الأخرى ، فکما أنّ للزّوایا الثلاث مساحه واحده متساویه کلیّاً ، وأنّه لا یمکن الفصل بینها ما دام هناک مثلّث . فکذلک لکلّ من الأقانیم الثلاثه ، الطبیعه الإلهیّه الواحده ، وأنّه لا یمکن الفصل بینهم .
وهکذا فإنّ المسیحیّه لا تؤمن إلاّ بإلهٍ واحد ؛ لأنّها توحیدیّه ؛ ولأنّها بالتالی واحده من مراحل التنزیل ، وواحده من مراحل الرسالات السماویّه : ( وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِی أُنْزِلَ إِلَیْنَا وَأُنْزِلَ إِلَیْکُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُکُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )(۱) .
ـــــــــــــــ
(۱) سوره العنکبوت / ۴۶ .
أمّا المؤیّد الذی عناه المسیح فلا یمکن أن یکون النبی محمّد (صلّى الله علیه وآله) ؛ لسبب جوهری وهو أنّ الرسول لیس لدیه السلطه العلویّه على إرسال رسول مثله ، بل اختصّت هذه السلطه بیدَی الله جلّ جلاله ، باعث الرسالات من لدنه ، وفی کلمه عیسى (علیه السّلام) لتلامیذه مصداق لذلک ، إذ قال : (( الحقّ والحقّ أقول لکم ، ما کان عبدٌ أعظم من سیّده ولا کان رسولٌ أعظم من مرسِله ))(۱) . وقال أیضاً (علیه السّلام) : (( مَن قَبِل الذی أرسله قَبِلَنی ، ومَن قَبِلَنی قَبِل الذی أرسلنی ))(۲) .
فهنا ثمّه تعبیران واضحان لا لبس فیهما یؤکّدان على أنّ ثمّه قوّه عُلیا لا سیطره للمسیح علیها هی التی أرسلته ، وهی قوّه أعظم منه ، وهو کرسول یمثّل الطاعه لهذه القوّه والامتثال لمشیئتها ، فکیف ستکون له سلطه إرسال نبی مثله وهو المرسل من لدن الله ؟
وللجواب على ثانی التساؤلات حول المؤیّد ، یمکن القول: بأنّ المسیح حینما تکلّم عنه فإنّما کان یتکلّم بصفته شهیداً لا نبیّاً ، وقد تکلّم عن شهید یکمل شهادته ویؤیّدها بین الناس ، ولم یکن یتضمّن معنى عبارته ( أرسل لکم المؤیّد ) التأیید لنبوّته ، بل لشهادته التی أکملت بتمامها شهادات مَن سبقه (علیهم السّلام) ، إبراهیم وإسحاق وزکریا وموسى ویحیى وغیرهم ، والتی ستکملها بدورها شهادات مماثله على زمن الرساله الثالثه التی سیتمّ تعالى بها عهد الرسالات .
ولتوضیح التساؤل حول کلمه المؤیّد ، ولِمَ أوّلت فی هذا المؤلّف بالشکل الذی بدت به ؟ بینما فسّرت فی الإنجیل المقدّس بأنّها الروح القدس . فإنّ فی العَوده إلى فصل ( المسیح هل تنبّأ بالحسین ؟ )(۳) إجابه وافیه على ذلک ، توضّح فی الوقت ذاته أسباب تفوّه المسیح بهذه العباره ، مع تحلیل موسّع یجیب على مختلف الاستفسارات التی قد تجول فی ذهن القارئ المتعطّش لتحلیلٍ وافٍ مقنعٍ .
ــــــــــــــــ
(۱) یوحنا ۱۳ / ۱۶ ـ ۱۷ .
(۲) المصدر نفسه ۱۳ / ۲۰ .
(۳) الحسین / ۲۹۵ .
وتوخّیاً لإعمال فکر القارئ ، ورغبهً فی جعل تأمّلاته مَعبراً إلى الحقیقه الحرّه ، یتوصّل إلیها بقدراته الفکریّه الذاتیّه ، فقد عمدنا فی هذا الفصل إلى تغییر عنوانه السابق من ( المسیح یتنبّأ بالحسین ) إلى ( المسیح هل تنبّأ بالحسین ؟ ) . فنقلناه بهذه الصّیغه من صفه الجزم المطلق إلى صفه التساؤل المحرّک لرغبه البحث والتفکیر ، مع الإبقاء على مقصد التضمین الجازم بصدد النبوءه ، حتّى فی باب التساؤل الذی ترکناه مفتوحاً لیلج منه فکر القارئ إلى محراب التأمّل ، فالمعرفه ، فالحقیقه ، دونما توجیه أو إیحاء من جهتنا .
وجعلنا متن الفصل متلائماً مع عنوانه الجدید بما یحقّق الهدف الآنف الذکر ، فالحقائق السماویّه لا تطال أعتابها إلاّ بالتأمّل والتحلیل ، والتحلیق نحوها بجناحی البصیره الملهمه ، إلى حیث مصدر ذبذباتها ، ومبعث إیحاءاتها العلویّه .
وأخیراً فإنّ سؤالاً : لِمَ الحسین بالذات دون سائر أعلام الإسلام موضوعاً للکتاب ؟ لطالما رُفع فی معظم ما قیل وکتب حول الکتاب ، ویأتی الجواب بتساؤل مردود : ( ولِمَ لا یکون الحسین بالذات ؟ أیکره أحدنا الحقّ ورافعی لواءه ؟! ولِمَ لا یحبّ المؤمن أیّاً کان دینه ، مَن أحبّه النبی (صلّى الله علیه وآله) واعتبره بضعه منه : (( حسین منّی )) ، واعتبر نفسه جزءاً منه : (( وأنا من حسین )) .
أیرفض مطلق إنسان ـ سیّما إذا کان مسیحیاً ـ أن یکون ذلک المؤمن الذی ترقد فی قلبه حراره قتل الحسین التی لا تبرد أبداً ، تیمّناً بقول الرسول الکریم : (( إنّ لقتل الحسین حراره فی قلوب المؤمنین لا تبرد أبداً ))(۱) ؟ ومَن ذا الذی لا یحبّ مظلوماً کالحسین المظلوم ، ولا یجد فی حبّه راحهً لضمیر حی ، وسعادهً لفکر أصیل ، ورضىً لقلب یترع بالإیمان ؟
ـــــــــــــــ
(۱) مستدرک الوسائل ۲ / ۲۱۷ .
فشخصیّه کالحسین اختصّت بشمائل النبوّه ، لا یعثر المطّلع فی سِفر حیاته على موقف رخو أو متخاذل ، فلا یملک إلاّ أن یعجب به ویحبّه ، ویجد فی الاستجابه لهذا الإعجاب وهذا الحبّ مودّه قلب ، ومودّه قربى : ( قُلْ لاَ أَسْأَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّهَ فِی الْقُرْبَى )(۱) .
کیف تولّدت فکره الکتاب ؟ وما لغته ؟ سُئِلت عن هذا .
لقد اعتدت أن أعایش شخصیّه الحسین (علیه السّلام) ساعتین یومیّاً ؛ بقصد الاطّلاع على مجریات أحداث کربلاء ، وفی الوقت ذاته الإلمام بالأبعاد القدسیّه والبشریّه لشخصیّه مفجّرها ، فتوفّر لی بعد فتره من القراءه والاطّلاع على جوانبها ومعطیاتها ، رؤیه معیّنه لا تمتّ إلى الرؤى التی تکوّنت عنها بصله . وکما أسلفت فإنّی کثیراً ما تحسّست خلال قراءتی أو کتابتی لسیره الحسین (علیه السّلام) غفله الکتّاب والمؤرّخین المسلمین عن الجوانب الممیّزه لشخصیّه سبط النبی ، ورددت ذلک إلى کون هؤلاء الکتّاب والمؤرّخون یعیشون وسط الصوره ، لا خارجها ، فرأیت أنّ ما توفّر لدیّ من رؤى وآراء کان من خارج الصوره ، حیث وضحت زوایا عدیده خافیه .
ورأیتنی بعد سنتین من القراءه فی سیره أبی الشهداء أبدأ بترتیب أفکاری ورؤای وآرائی لأمضی بعدها سنه اُخرى فی وضع الکتاب على ضوء ما توفّر لی وعلى هدی ما استلهمته بعَون الله من أفکار وإلهامات.
والآن حینما اُعید قراءته یتأکّد لی بأنّنی کنت خلال کتابته واقفاً تحت تأثیر وإلهام ، ما کنت قادراً على إنجازه بدون عونهما ، فأشکر الله وأتیقّن من شمولی
ـــــــــــــــــــــــ
(۱) سوره الشورى / ۲۳ .
ببرکه ریحانه الرسول المذبوح ظلماً والمستشهد دون حقّ الله فوق ثرى کربلاء المقدّسه .
إلهام یلازم الفکر فی الصّحو والمنام ، ویلبّی هتاف وحی رجّاف انبثق له من أعماق الدهور ، یستحث من أعماق السریره للإفصاح والتدوین ، وإضافه جدید على سیره الحسین العطره وثورته الخالده ، فکان إیحاء یهدف لإتمام واجب ، وإلهاماً یعین على إتمامه بقدر ما یتنادى له الفکر الحی ، والضمیر المنوّر .
وهکذا فإنّنا کثیراً ما نقف نحن البشر الضعفاء لنتساءل : لِمَ فعلنا هذا ؟ ولِمَ أقدمنا على فعل ذاک الأمر ؟ ناسین أنّ ثمّه قوّه علویّه هی التی تُنفذنا إلى إتمام هذا الأمر أو ذاک ، وتسدّد خطانا جزاء طاعتنا ، أو تعثر بنا هذه الخطى جزاء عقوقنا واستهتارنا بکلّ ما هو قدسی . هکذا انبثقت فکره الکتاب .
أمّا عن لغته واُسلوبه ، فقد وضعت فی اعتباری منذ البدایه أن تکون اللغه سهله ، واُسلوب العرض والتحلیل موضوعیّاً . ففی البدایه تساءلت : بأیّه لغه أکتب ؟ هل استخدم لغه تاریخیّه تنسجم مع التاریخ الذی تغرف منه ؟ أم أکتب بلغه أدبیّه عقیمه ؟ أم بلغه فلسفیّه عسره ؟ وأخیراً رأیت أن تکون اللغه بسیطه بساطه الموضوع الذی تطرقه ، وعمیقه عمق هذه البساطه ، فما دامت شخصیّه الحسین (علیه السّلام) هی محور البحث ، وهی فی میزان البساطه والتعقید ، بسیطه کالحقّ ، واضحه کنور الشمس ، فلتکن اللغه المبرّزه لصفاتها هذه فی مستوى بساطتها وعمقها ووضوحها .
وهکذا کانت لغه الکتاب وسطاً بین الأدب والصحافه المثقّفه ، تأخذ من الأدب جماله ، ومن الصحافه إیقاعها السهل الممتنع .
لکن ذلک لم یمنعنِ من إعطاء کلّ حدث ما یوافقه من لغه وأسلوب ، بغضّ النظر عن الهیکل العام للکتاب ؛ وذلک بهدف إعطاء العمل جدیّه البحث ، وسلاسه التحقیق ، ورشاقه العرض البعید عن الإنشائیّه والتقریریّه ، وتکرار ما سبق تکراره ، بحیث ینسجم هذا کلّه مع الهدف الذی رمیت إلیه ، ألا وهو إخراج بحث تحلیلی صرف ، لا یقرب من السرد التاریخی إلاّ فیما یخدم الفکره فحسب ؛ لأنّی لست مؤرّخاً ، بل کاتباً یبحث فی التاریخ عن الإنسانیّه ، ومواقف الإنسان . وهکذا کانت الفکره وأیضاً اللغه .
ویظلّ الحبّ ومن رحابه تطلّ المحبّه ، ناشره ضیاءها ما بین السطور والکلمات ، ویفرز قلم المؤمن مداد قلبه، کلّما تحسّ روعه الاستشهاد ، وتبرز عظمه المضاء ، وتصوّر هلع السرائر والحنایا من هَول الفاجعه .
فإذا الله (جلّ شأنه) فدى إسماعیل من الذبح بعد أن صدّق أبوه الرؤیا وتلّه للجبین . فهل یرضى سبحانه بذبح الحسین ابن بنت رسوله ؟! وکم کان غضبه عظیماً حین ذبح فداءً للحقّ الإلهی ، وهو الصادق الأمین على هذا الحق ، وعلى سنّه الله فی خلقه ! وکم هو حریّ بنا نحن البشر الضعفاء لأن نقف بقلوب حزینه ، وعیون دامعه أمام أحداث هذا الذبح الذی لم تسجّل الأدیان والتواریخ ما یعدله سموّ معنى ، وسموّ ذات ، وعلوّ شأن .
فهو ذبحٌ فدى البشریّه جمعاء ، وصان دین الله الواحد من الانتهاک .
وهو ذبیح أرسى للبشریّه مجدها الذی ترتع فی نعمته الآن وإلى أبد الدهور . ویأبى الله إلاّ أن یتمّ نوره .
فسلام علیه سیّداً للشهداء ، سلامٌ علیه یوم ولد ، ویوم مات ، ویوم یبعث حیّاً

Leave A Reply

Your email address will not be published.