العبودیه المحضه لله تعالى
إنّ العبودیه لله تعالى لا تُساوق الانفتاح الکلّی على جمیع المعارف الإلهیه الحقّه وإنّما هی شرط أساسیّ فی ذلک، کما أنّ العود إلى الفطره الأولى لا یُساوق أیضاً الانفتاح الکلّی والتامّ على جمیع المعارف الإلهیه الحقّه، ولکنّها ـ أی: الفطره السلیمه ـ طریق واضح وقریب إلى المعارف الإلهیه الحقّه إجمالاً وتفصیلاً، فذلک أمر على فرض إمکانه ـ أعنی: الوقوف على جمیع المعارف الإلهیه ـ فإنّه موکول بالدرجه الأولى إلى قوّه الاستعدادات المسبقه لدى طالب المعارف وإلى الإذن الإلهی فی قبول من یشاء، وقد عرفت أنّ العلم نور یقع فی قلب من یُرید الله أن یهدیه، فالاستعدادات رغم أنّها حجر أساس فی وصول طالب المعارف لمبتغاه إلاّ أنّها لیست الملاک التامّ فی ذلک.
إنّ العبودیه المحضه لله تعالى تعنی فی وجهها الآخر الحرّیه المطلقه عمّن سواه۱، وهذا المعنى یُعطی بُعداً ووجهاً آخر لمفهوم الحرّیه الحقّه. فالحرّیه الحقّه تکمن فی التخلّص المطلق من سلطه الأغیار والتبعیه لهم مادامت التبعیه لهم والخضوع لسلطتهم لا تُعمّق عبودیّتنا لله تعالى. فطاعه الرسول الأکرم صلى الله علیه وآله وأُولی الأمر الصادق حصراً على أئمّه أهل البیت علیهم السلام هی عین الطاعه لله تبارک وتعالى، وبذلک تُعمّق تبعیّتُنا لهم وإطاعهُ أوامرهم عبودیّتَنا لله تعالى، بل هم علیهم السلام لم یأتوا إلاّ بما یُرسّخ ویُعمّق هذه العبودیه المحضه؛ وذلک بتوجیه الأمّه إلى ضروره التخلّص من العبودیات والتبعیات المزیّفه وتحطیم الأصنام، والخروج من براثن الغیریه وسحق الإنّیـّه لیکون الإنسان حرّاً طاهراً وزکیّاً. ولأجل هذا الترسیخ والتعمیق لعبودیه الله تعالى، قرن سبحانه طاعتهم علیهم السلام بطاعته سبحانه، وذلک بقوله تعالى: (یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَطِیعُوا اللهَ وَأَطِیعُوا الرَّسُولَ وَأُولِی الأمْرِ مِنْکُمْ… )2.
إنّ العبودیه المحضه لله تبارک وتعالى تعنی تبعیـّه إرادتنا لإراده الله سبحانه، فلا تکون هنالک عرضیّه أو استقلالیه، وبعباره أخرى: أن تکون إرادتنا مرآه تعکس إرادته سبحانه، أو أنّها صدىً فعلیّ لإرادته، وبهذه الإراده المنعتقه من الأغیار تتحطّم الإرادات الأخرى المتحکّمه ـ عادهً ـ باتّجاهات القلب وتشویه القبله القلبیه الحقّه. إنّ التبعیه المطلقه المومأ إلیها ـ والتی هی الترجمه الفعلیه والحقّه للعبودیه المحضه ـ لهی مقام عظیم جدّاً لا یتحقّق فیه العبد إلاّ بعد الوصول إلى مقام الفناء فی الله تعالى، ذلک المقام الذی تکون فیه حرکات العُبّاد السالکین وسکناتهم، وأفعالهم وأقوالهم، وقیامهم وقعودهم، ونطقهم وصمتهم، وکلّ ما یمتّ إلیهم بصله صدىً حقیقیّاً لإراده الله تعالى ومشیئته، فهم (لاَ یَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ یَعْمَلُونَ)۳، فیکون مثلهم مثل أعضاء الإنسان للإنسان نفسه، فلا إراده لها البتّه مقابل إراده الإنسان نفسه، فلیس لها إلاّ أن تکون حرکاتها وسکناتها صدىً یحکی إراده النفس، وهذه هی العبودیه المحضه. ولا ریب أنّ الفانی فی الله تعالى، الذی یحیا العبودیه المحضه، هو المقرّب إلى الله تعالى؛ نظراً لصیروره قلبه الطاهر وعاءً لإراده الله سبحانه. وقد ورد هذا المعنى السامی فی کلمه للإمام الحجّه بن الحسن عجّل الله تعالى فرجه الشریف حیث یقول: (قلوبنا أوعیه لمشیئه الله، فإذا شاء شئنا)۴، وقد عُبّر بالأوعیه کنایه عن حفظ الأسرار وکتمها.
نعم، إنّ القلوب الطاهره هی مواضع مشیئه الله تعالى ومجلى إرادته۵، فإذا ما صار قلب العبد وعاءً لمشیئته سبحانه ومجلى لإرادته فحینئذ یُدرک العبد الولایه الحقّه التی هی بطانه الإنسان الکامل ومحتواه الفعلی، سواء کان ذلک الإنسان الکامل نبیّاً أو رسولاً أو إماماً أو ولیّاً من أولیاء الله الصالحین، فالجامع المشترک بینهم جمیعاً هو الفناء فی الله تعالى وتحقّق العبودیه المحضه منهم له سبحانه؛ یقول الآملی فی (أسراره): (والولایه هی قیام العبد بالحقّ عند الفناء عن نفسه، وذلک بتولّی الحقّ إیّاه حتّى یبلغه غایه القرب والتمکین)۶٫ وقد عرفت فی أکثر من مورد أنّه لا یُراد بالفناء انعدام عین العبد وغیاب أثره بل به غیاب الأغیار عن لحاظه وافتقار المنظور إلیه بمصداقه الأوحد وهو الله تعالى، فإذا ما رأى شیئاً آخر فإنّه یرى منظوره الأوّل فیه ومعه وقبله وبعده. ولذلک فإنّ هذه الطبقه من مفردات الإنسان الکامل الفانیه فی الله تعالى یتفرّد بقاؤها ببقائه سبحانه لا بإبقائه، والفرق عظیم جدّاً بین البقاء والإبقاء بما لا یخفى على البصیر۷، وبذلک نُدرک عمق ما أفاده الإمام الحجّه بن الحسن عجّل الله فرجه الشریف فی دعاء شهر رجب (لا فرق بینک وبینهم إلاّ أنّهم عبادک وخَلْقک)۸ . وبذلک نخلص إلى أنّ العود إلى الفطره الأولى لیس مأخوذاً على نحو القضیه الاتّفاقیه بل على القضیه اللزومیه۹، وهذا اللزوم یتبلور بالأخذ بالأسباب الصحیحه الآنفه الذِّکر والتی عبّرنا عنها بالآلیات الموجبه للعود إلى الفطره، فلا یتسنّى لطالب المعارف الإلهیه بواسطه العود إلى الفطره تحقیق غایته دون التحقّق بالطهارتین معاً، وارتداء ثوب التقوى الحقیقیه فی العمل ـ ظاهراً وباطناً ـ وتجسید العبودیه المحضه لله تعالى، فتنقطع عن قلبه جمیع التمحّلات، ویجفو قلبه کثره الأسباب، وتتحطّم أمامه جمیع الأصنام، ولا تبقى أمامه سوى قبله الحقّ ینشدّ إلیها بکلّه، وعندئذ ندرک أنّه قد عاد إلى حاضره الفطره السلیمه والقلب السلیم من کلّ شوب وکدر، فهو سلیم معافى من جمیع القذارات حتّى من قذاره الغفله، وإنّما سُمّی القلب السلیم بذلک لأنّه لا یلتفت إلى غیر الله تعالى أبداً.
عن الإمام جعفر الصادق علیه السلام وقد سُئل عن قول الله تعالى (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِیم)۱۰، قال علیه السلام: (القلب السلیم الذی یلقى ربّه ولیس فیه أحد سواه،… وکلّ قلب فیه شرک أو شکّ فهو ساقط…) 11.
فإذا ما سلم قلب العبد وعاد إلى فطرته الأولى صار کلّه عیناً باصره وأُذناً صاغیه ونفساً ناطقه بالحقّ، وقارباً یمخر فی أبحر المعارف الحقّه، لا یُبصر إلاّ حقّاً ولا یسمع إلاّ حقّاً ولا ینطق إلاّ صدقاً، مخر بمعرفته الحقّه بحر المعرفه المطلقه وسقاه ربّه ذلک الشراب الطاهر۱۲، فلم تعد هنالک بینونه ولا وسائط تعترض سبیله إلى الحقّ سبحانه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([۱]) ففی العبودیه المحضه لله تعالى تکمن الحرّیه الحقّه، لأنّها الحرّیه من النقص والقصور.
(۲) عن عمرو بن سعید قال: سألت أبا الحسن علیه السلام عن قوله (أَطِیعُوا اللهَ وَأَطِیعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِی الأمْرِ مِنْکُمْ) النساء: ۵۹ ـ قال: قال علیه السلام : علیّ بن أبی طالب والأوصیاء من بعده. انظر: بحار الأنوار، مصدر سابق: ج۲۳ ص ۲۹۳ ح ۳۰٫
(۳) الأنبیاء: ۲۷٫
(۴) دلائل الإمامه، للصدوق: ص۵۰۶٫
(۵) ورد فی إحدى زیارات أمیر المؤمنین علیه السلام: (السلام علیک یا حافظ سرّ الله، ومُمضی حکم الله، ومُجلی ـ مَجلى ـ إراده الله، وموضع مشیئه الله…). انظر: المزار الکبیر للشیخ محمّد بن المشهدی، تحقیق جواد الفیّومی، نشر مؤسّسه النشر الإسلامی، الطبعه الأولى، ۱۴۱۹هـ: ص۳۰۴؛ بحار الأنوار، مصدر سابق: ج۹۷ ص ۳۴۸ ح ۳۴٫
(۶) جامع الأسرار ومنبع الأنوار، للسید حیدر الآملی، نشر شرکت انتشارات علمی وفرهنکی، الطبعه الثانیه، إیران: ص۳۷۹٫
(۷) من اقترن بقاؤه ببقاء الله سبحانه فسوف یکون بقاؤه أبدیاً غیر قابل للفناء مطلقاً، وأمّا الذی یکون بقاؤه متعلّقاً بإبقاء الله تعالى له فذلک البقاء معرّض للزوال والفناء من قبله سبحانه، فلا ضمانه للدیمومه والأبدیه.
(۸) إقبال الأعمال، للسیّد علیّ بن طاووس، الطبعه الحجریه، ۱۳۱۲هـ: ص۶۴۷٫
(۹) القضیه الاتّفاقیه لا یوجد بین طرفیها اتّصال حقیقیّ؛ لعدم العلقه التی تُوجب الملازمه، من قبیل قولنا: إذا هاجرت الطیور تفتّحت الزهور، وأمّا القضیه اللزومیه فهی التی یوجد بین طرفیها اتّصال وعلقه حقیقیّه توجب استلزام أحدهما للآخر، من قبیل: إذا تمدّد الماء فإنّه ساخن. انظر: المنطق للعلاّمه محمد رضا المظفّر، نشر دار التفسیر، الطبعه الثانیه، ۱۴۲۳هـ: ج۲ ص ۱۴۶٫
(۱۰) الشعراء: ۸۹٫
(۱۱) أصول الکافی، مصدر سابق: ج۲ ص ۱۶ ح ۵٫
(۱۲) إشاره إلى قوله تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً) الإنسان: ۲۱٫