الإیمان بالله فی ضوء المذهب العقلی

0

الدلیل الفلسفی: یعتمد هذا الدلیل على القضایا الثلاث التالیه:
أولاً: على البدیهه القائله: إن کلّ حادثه، لها سبب تستمدّ منه وجودها. وهذه قضیه یدرکها الإنسان بشعوره الفطری ویؤکّدها الاستقراء العلمی باستمرار.
ثانیاً: على القضیه القائله: کلّما وجدت درجات متفاوته من شیء ما بعضها أقوى وأکمل من بعض، فلیس بالإمکان أن تکون الدرجه الأقلّ کمالاً والأدنى محتوىً هی السبب فی وجود الدرجه الأعلى. فالحراره لها درجات والمعرفه لها درجات والنور له درجات بعضها أشدّ وأکمل من بعض، فلا یمکن أن تنبثق درجه أعلى من الحراره عن درجه أدنى منها، ولا یمکن أن یکتسب الإنسان معرفه کامله باللغه الإنجلیزیه من شخص لا یعرف منها إلا قدراً محدوداً أو یجهلها تماماً، ولا یمکن لدرجه نور ضئیله أن تحقّق درجه أکبر من النور، لأنّ کلّ درجه أعلى تمثّل زیاده نوعیه وکیفیه على الدرجه الأدنى منها، وهذه الزیاده النوعیه لا یمکن أن یمنحها من لا یملکها، فأنت حینما ترید أن تموّل مشروعاً من مالک لا یمکنک أن تمدّه بدرجه أکبر من رصیدک الذی تملکه.
ثالثاً: إن المادّه فی تطوّرها المستمرّ تتّخذ أشکالاً مختلفه فی درجه تطوّرها ومدى الترکیز فیها. فالجُزیء من الماء الذی لا حیاه فیه ولا إحساس یمثّل شکلاً من أشکال الوجود للمادّه، ونطفه الحیاه التی تساهم فی تکوین النبات والحیوان (البروتوبلازم) تمثّل شکلاً أرفع لوجود المادّه، والأمیبا التی تعتبر حیواناً مجهریاً ذا خلیّه واحده تمثّل شکلاً من وجود المادّه أکثر تطوّراً، والإنسان هذا الکائن الحی الحسّاس المفکّر یعتبر الشکل الأعلى من أشکال الوجود فی هذا الکون.
وحول هذه الأشکال المختلفه من الوجود یبرز السؤال التالی: هل الفارق بین هذه الأشکال مجرّد فارق کمّی فی عدد الجزیئات والعناصر وفی العلاقات المیکانیکیه بینها، أو هو فارق نوعیّ وکیفیّ یعبّر عن درجات متفاوته من الوجود ومراحل من التطوّر والتکامل؟ وبکلمه أخرى هل الفارق بین التراب والإنسان الذی تکوّن منه عددیٌّ فقط، أو هو الفارق بین درجتین من الوجود ومرحلتین من التطوّر والتکامل، کالفارق بین الضوء الضعیف والضوء الشدید؟
وقد آمن الإنسان بفطرته منذ طرح على نفسه هذا السؤال بأنّ هذه الأشکال درجات من الوجود ومراحل من التکامل. فالحیاه درجه أعلى من الوجود للمادّه، وهذه الدرجه نفسها لیست حدّیه وإنما هی أیضاً درجات، وکلّما اکتسبت الحیاه مضموناً جدیداً عبّرت عن درجه أکبر، ومن هنا کانت حیاه الکائن الحسّاس المفکّر أغنى وأکبر درجه من حیاه النبات وهکذا.
غیر أن الفکر المادّی قبل أکثر من قرن من الزمن خالف فی ذلک إیماناً منه بوجهه النظر المیکانیکیه فی تفسیر الکون القائله بأنّ العالم الخارجی یتکوّن من جسیمات صغیره متماثله تؤثّر علیها قوى بسیطه متشابهه جاذبه وطارده ضمن قوانین عامّه، أی أن عملها یقتصر على التأثیر بتحریک بعضها للبعض من مکان إلى مکان، وبهذا الجذب والطرد تتجمّع أجزاء وتتفرّق أجزاء وتتنوّع أشکال المادّه.
وعلى هذا الأساس حصرت المادّیه المیکانیکیه التطوّر والحرکه بحرکه الأجسام والجسیمات فی الفضاء من مکان إلى مکان، وفسّرت أشکال المادّه المختلفه بأنها طرق شتّى لتجمّع تلک الجسیمات وتوزّعها دون أن یحدث من خلال تطوّر المادّه شیء جدید. فالمادّه لا تنمو فی وجودها ولا تترقّى فی تطوّرها وإنما تتجمّع وتتوزّع بطرق مختلفه کالعجینه فی یدک حین تشکّلها بأشکال مختلفه وتظلّ دائماً هی العجینه نفسها دون جدید.
هذه الفرضیه أوحى بها تطوّر علم المیکانیک الذی کان أول العلوم الطبیعیه تحرراً وانطلاقاً فی أسالیب البحث العلمی، وشجّع علیها ما أحرزه هذا العلم من نجاح فی اکتشاف قوانین الحرکه المیکانیکیه وتفسیر الحرکات المألوفه للأجسام الاعتیادیه على أساسها بما فیها حرکات الکواکب فی الفضاء. ولکنّ استمرار تطوّر العلم وامتداد أسالیب البحث العلمی إلى مجالات متنوّعه أخرى أثبت بطلان تلک الفرضیه وعجزها من ناحیه عن تفسیر کلّ الحرکات المکانیه تفسیراً میکانیکیاً، وقصورها من ناحیه أخرى عن استیعاب کلّ أشکال المادّه ضمن الحرکه المیکانیکیه للأجسام والجسیمات من مکان إلى مکان. وأکّد العلم ما أدرکه الإنسان بفطرته من أن تنوّع أشکال المادّه لا یعود إلى مجرّد نقله مکانیه من مکان إلى مکان، بل إلى ألوان من التطوّر النوعیّ والکیفیّ. وثبت من خلال التجارب العلمیه أن أیّ ترکیب عددیّ للجسیمات لا یمثّل حیاه أو إحساساً أو فکراً، وهذا یجعلنا أمام تصوّر یختلف کلّ الاختلاف عن التصوّر الذی تقدّمه المادّیه المیکانیکیه، إذ نواجه فی الحیاه والإحساس والفکر عملیه نموّ حقیقیه فی المادّه وتطوّراً نوعیاً فی درجات وجودها سواء کان محتوى هذا التطوّر النوعی شیئاً مادّیاً من درجه أعلى أو شیئاً لا مادّیاً.
هذه هی القضایا الثلاث:
• کلّ حادثه لها سبب.
• الأدنى لا یکون سبباً لما هو أعلى منه درجه.
• اختلاف درجات الوجود فی هذا الکون وتنوّع أشکاله کیفیاً.
وفی ضوء هذه القضایا الثلاث نعرف أنا نواجه فی الأشکال النوعیه المتطوّره نموّاً حقّاً أی تکاملاً فی وجود المادّه وزیاده نوعیه فیه، فمن حقّنا أن نتساءل من أین جاءت هذه الزیاده؟ وکیف ظهرت هذه الإضافه الجدیده مع أن لکلّ حادثه سبباً کما تقدّم؟ وتوجد بهذا الصدد إجابتان.
الإجابه الأولى: إنها جاءت من المادّه نفسها. فالمادّه التی لا حیاه فیها ولا إحساس ولا فکر، أبدعت من خلال تطوّرها الحیاهَ والإحساس والفکر، أی إن الشکل الأدنى من وجود المادّه کان هو السبب فی وجود الشکل الأعلى درجه والأغنى محتوىً.
وهذه الإجابه تتعارض مع القضیه الثانیه المتقدّمه التی تقرّر أن الشکل الأدنى درجه لا یمکن أن یکون سبباً لما هو أکبر منه درجهً وأغنى منه محتوىً من أشکال الوجود. فافتراض أن المادّه المیّته التی لا تنبض بالحیاه تمنح لنفسها أو لمادّه أخرى الحیاه والإحساس والتفکیر یشابه افتراض أن الإنسان الذی یجهل اللغه الإنجلیزیه یمارس تدریسها، وأن درجه الضوء الباهت بإمکانها أن تعطینا ضوءاً أکبر درجه کضوء الشمس، وأن الفقیر الذی لا یملک رصیداً یموّن المشاریع الرأسمالیه.
الإجابه الثانیه: إن هذه الزیاده التی تعبّر عنها المادّه من خلال تطوّرها جاءت من مصدر یتمتّع بکلّ ما تحتویه تلک الزیاده الجدیده من حیاه وإحساس وفکر وهو الله ربّ العالمین سبحانه وتعالى، ولیس نموّ المادّه إلا تنمیه وتربیه یمارسها رب العالمین بحکمته وتدبیره وربوبیته(وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسانَ مِنْ سُلالَهٍ مِنْ طِینٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَهً فِی قَرارٍ مَکِینٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَهَ عَلَقَهً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَهَ مُضْغَهً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَهَ عِظاماً فَکَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أنْشَأناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَکَ اللَّهُ أحْسَنُ الْخالِقینَ) (المؤمنون:۱۲ ـ ۱۴).
هذه هی الإجابه الوحیده التی تنسجم مع القضایا الثلاث المتقدّمه وتستطیع أن تعطی تفسیراً معقولاً لعملیه النموّ والتکامل فی أشکال الوجود على ساحه هذا الکون الرحیب. وإلى هذا الدلیل یشیر القرآن الکریم فی عدد من آیاته التی یخاطب بها فطره الإنسان السلیمه وعقله السوی.
(أفَرَأیْتُمْ ما تُمْنُونَ. أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ). (الواقعه: ۵۸ – 59)، (أفَرَأیْتُمْ ما تَحْرُثُونَ. أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ). (الواقعه:۶۳ -۶۴)،(أفَرَأیْتُمُ النَّارَ الَّتی تُورُونَ. أأنْتُمْ أنْشَأتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ الْمُنْشِئونَ) (الواقعه: ۷۱ ـ ۷۲)، (وَمِنْ آیاتِهِ أنْ خَلَقَکُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) (الروم: ۲۰). صدق الله العلیّ العظیم

موقف المادّیه من هذا الدلیل
نشیر الآن إلى موقف المادّیه من هذا الدلیل. إن المادّیه المیکانیکیه غیر مُحرجه فی مواجهه هذا الدلیل لأنها کما عرفنا تفسّر الحیاه والإحساس والفکر بأنّها أشکال من التجمیع والتوزیع للأجسام والجسیمات لا أکثر، فلا یحدث من خلالها شیء جدید سوى حرکه الأجزاء وفقاً لقوى میکانیکیه.
وأما المادّیه الحدیثه فهی – لإیمانها بالتطوّر النوعی والکیفی للمادّه من خلال هذه الأشکال – تواجه إحراجاً فی هذا الدلیل، غیر أنها اختارت أسلوباً آخر فی تفسیر هذا التطوّر الکیفی، توفّق فیه بین القضیه الثانیه المتقدّمه ورغبتها فی الاکتفاء بالمادّه وحدها کتفسیر لکلّ تطوّراتها. وهذا الأسلوب هو أن المادّه هی مصدر العطاء وهی التی تموّن عملیه التطوّر الکیفی، ولکن لا کما یموّن الفقیر المشاریع الرأسمالیه لکی یتعارض مع القضیه الثانیه المتقدّمه، بل إن ذلک یتمّ على أساس أن کلّ أشکال التطوّر ومحتویاته موجوده فی المادّه منذ البدء، فالدجاجه موجوده فی البیضه والغاز موجود فی الماء و هکذا.
أما کیف تکون المادّه فی وقت واحد بیضه ودجاجه أو ماء وغازاً؟ فتجیب المادّیه الجدلیه على ذلک بأنّ هذا تناقض، والتناقض هو قانون الطبیعه العامّ، فکلّ شیء یحتوی على نقیضه (أی ضدّه) فی أحشائه وهو فی صراع مستمرّ مع هذا النقیض، وبهذا الصراع بین النقیضین ینمو النقیض الداخلی حتى یبرز ویحقّق تحوّلاً فی المادّه، کالبیضه تنفجر فی لحظه معیّنه ویبرز فرخ الدجاجه من داخلها، وعن هذا الطریق تتکامل المادّه باستمرار لأنّ النقیض الذی یبرز من خلال الصراع یمثّل المستقبل، أی خطوه إلى الأمام.

مناقشه الموقف
ونلاحظ على ذلک ما یلی: ماذا تقصد المادّیه الحدیثه بالضبط من أن الشیء یحتوی على نقیضه أو ضدّه؟ وعلى التحدید أیّ المعانی التالیه هو المقصود؟
الاحتمال الأول: أن یراد بذلک أن البیضه وفرخ الدجاجه نقیضان أو ضدّان، وأن البیضه تصنع الفرخ وتسبغ علیه صفات الحیاه. أی أن المیت یلد الحیّ ویصنع الحیاه، وهذا تماماً کالفقیر الذی یموّن المشاریع الرأسمالیه یتعارض مع البدیهیه المتقدّمه.
الاحتمال الثانی: أن یراد بذلک أن البیضه لا تصنع الفرخ بل تبرزه بعد أن کان کامناً فیها لأنّ کلّ شیء یکمن فیه نقیضه، فالبیضه حینما کانت بیضهً هی فی الوقت نفسه فرخ دجاجه، کالصوره التی تبدو من جانب بشکل ومن جانب آخر بشکل مختلف.
ومن الواضح أن البیضه إذا کانت فی الوقت نفسه فرخ دجاجه فلا توجد هناک أیّ عملیه نموّ أو تکامل عندما تصبح البیضه دجاجه، لأنّ کلّ ما وجد الآن کان موجوداً منذ البدء تماماً کالشخص یُخرج نقوده من جیبه فلا یزداد بذلک ثراءً، لأنّ کلّ ما بیده الآن من نقود کان فی جیبه، فلکی تکون هناک عملیه نموّ وتکامل ویحدث شیء جدید حقاً من خلال تحوّل البیضه إلى دجاجه لابدَّ أن نقول بأنّ البیضه لم تکن دجاجه أو فرخاً، بل کانت مشروع دجاجه أی شیئاً صالحاً لأن یصبح دجاجه، وبهذا تتمیّز عن الحجر. فقطعه الحجر لا یمکن أن تکون دجاجه، وأما البیضه فبالإمکان أن تکون دجاجه ضمن شروط وظروف عینه، ومجرّد أن الشیء ممکن لا یعنی وقوعه، فإذا أصبحت البیضه دجاجه حقاً فلا یکفی مجرّد الإمکان تفسیراً لذلک.
ومن ناحیه أخرى إذا کانت أشکال المادّه ناتجه عن تناقضاتها الداخلیه فیجب أن تفسّر تنوّع هذه الأشکال على أساس تنوّع تلک التناقضات الداخلیه، فالبیضه لها تناقضاتها الخاصّه التی تختلف عن تناقضات الماء، ولهذا تتمخّض تلک التناقضات عن دجاجه وهذه عن غاز، وهذا افتراض یبدو میسوراً عندما نتحدّث عن مرحله متأخّره من مراحل تنوّع أشکال المادّه، ففی المرحله التی نواجه فیها بیضهً وماءً یمکننا بسهوله أن نفترض الاختلاف بینهما فی تناقضاتهما الداخلیه.
ولکن ماذا نقول عن تنوّع أشکال المادّه على مستوى الجسیمات التی تشکّل الوحدات الأساسیه فی الکون من بروتونات ونترونات وإلکترونات وبروتونات مضادّه وإلکترونات مضادّه وفوتونات؟ فهل اتخذ کلّ جسیم شکلاً خاصّاً من هذه الأشکال على أساس تناقضاته الداخلیه، فکان البروتون موجوداً فی أحشاء مادّته ثم برز من خلال الحرکه والصراع کالدجاجه مع البیضه؟
إذا کنّا نفترض ذلک فکیف نبرّر تنوّع الأشکال التی اتّخذتها تلک الجسیمات؟ مع أن هذا یفترض بمنطق التناقض الداخلی أن تکون تلک الجسیمات متنوّعه مختلفه فی تناقضاتها الداخلیه أی أنها مختلفه فی کیانها الداخلی، ونحن نعلم أن العلم الحدیث یتّجه إلى الاعتقاد بوحده کیان المادّه وأن المحتوى الداخلی للمادّه واحد، ولیست الأشکال التی تتخذها إلا حالات متبادله على محتوى واحد ثابت. ولهذا کان بالإمکان أن یتحوّل البروتون إلى نترون وبالعکس، أی أن یتغیّر شکل الجُسَیم فضلاً عن الذرّه أو الجُزیء مع وحده المحتوى وثباته، وهذا یعنی أن المحتوى واحد فی الجمیع وإن اختلفت الأشکال، فکیف یمکن أن نفترض أن هذه الأشکال نتجت عن تناقضات داخلیه مختلفه؟
إن مثال البیضه والدجاجه نافع لتوضیح هذا الموقف فإنه لکی تتنوّع الأشکال التی تتخذها بیضات عدیده من خلال تناقضاتها الداخلیه المفترضه لابدَّ أن تکون متغایره فی ترکیبها الداخلی، فبیضه الدجاجه وبیضه الطیر تنتجان شکلین متغایرین وهما الدجاجه والطیر، وأما إذا کانت البیضتان من نوع واحد کبیضتی دجاجه فلا یمکن أن نفترض أن تناقضاتهما الداخلیه تؤدّی إلى شکلین مختلفین.
وهکذا نلاحظ أن تفسیر المادّیه الحدیثه لأشکال المادّه على أساس تناقضاتها الداخلیه واتجاه العلم الحدیث إلى التأکید على وحده المحتوى الداخلی للمادّه یسیران فی خطّین متغایرین.
الاحتمال الثالث: أن یراد أن البیضه نفسها تعبّر عن ضدّین أو نقیضین مستقلّین لکلّ منهما وجوده الخاصّ، أحدهما یتمثّل فی النطفه التی سببها فی داخل البیضه اللقاح، والآخر سائر ما تحتویه البیضه من موادّ، وهذان الضدّان وحّدتهما معرکه فی داخل قشر البیضه، ومن خلال هذا الصراع برز أحد الضدّین وانتصرت النطفه فتحوّلت البیضه إلى دجاجه. وهذا النوع من الصراع بین الأضداد شیء مألوف فی حیاه الناس وقدیم فی تصوّراتهم الاعتیادیه فضلاً عن تصوّراتهم الفلسفیه.
ولکن لماذا نسمّی هذا التفاعل بین النطفه والمواد الطبیعیه المکوّنه للبیضه تناقضاً؟ لماذا نسمّی هذا التفاعل بین البذره والتربه والهواء تناقضاً؟ لماذا نسمّی التفاعل بین الجنین فی رحم أمه وما یستمدّه من غذاء تناقضاً؟ إنها مجرّد تسمیه ولیست بأفضل من أن یقال إن أحدهما یندمج فی الآخر أو یتوحّد فیه.
هَبْ أنا سمّینا ذلک تناقضاً فلن تحلّ المشکله بذلک ما دمنا نسلّم بأنّ هذا التفاعل الخاصّ بین الضدّین یؤدّی إلى نتیجه أکبر، إلى عملیه نموّ إلى شیء جدید یزید على المجموع العددیّ لهما، فمن أین جاءت هذه الزیاده؟ هل جاءت من الضدّین المتصارعین الفاقدین معاً لها، مع أن فاقد الشیء لا یعطیه؛ بحکم القضیه الثانیه من القضایا الثلاث المتقدّمه؟
وهل نعرف من الطبیعه مثالاً یکون فیه التضادّ والصراع بین الأضداد عامل تنمیه حقّاً؟ وکیف یساهم الضدّ فی تنمیه ضدّه عن طریق الصراع معه، مع أن هذا الصراع یعنی درجه من المقاومه والرفض، وکلّ مقاومه تنقص من طاقه الطرف الآخر على التحرّک والنموّ بدلاً من أن تساعده على ذلک؟ وکلّنا نعرف أن السبّاح إذا تعرّض فی سباحته لأمواج مضادّه من الماء فإن هذا سوف یعیقه عن التحرّک إلى درجه کبیره بدلاً عن أن یکون سبباً فی التحرّک. وإذا کان الصراع بین الأضداد ـ بأیّ معنىً کان ـ هو الأساس فی تنمیه البیضه وتطویرها إلى دجاجه، فأین التنمیه التی یؤدّیها الصراع بین الأضداد فی تحوّل الماء إلى غاز ثم رجوعه ماءً مرّه أخرى؟
والطبیعه تکشف لنا باستمرار أضداداً یؤدّی التحامها أو اللقاء بینها إلى دمارها معاً، بدلاً عن التطوّر والتکامل. فالبروتون الموجب الذی یشکّل الحجر الأساس فی نواه الذرّه ویحمل شحنه موجبه، له بروتون مضادّ سالب, والإلکترون السالب الذی یتحرّک فی مدار الذرّه له الکترون مضادّ موجب، وإذا حدث أن التقى أحد هذین الضدّین بضدّه تحدث عملیات إفناء ذرّیه تختفی معها معالم المادّه من الوجود بینما تنطلق طاقات وتنتشر فی الفضاء.
نخلص من ذلک کلّه إلى أن حرکه المادّه بدون تموین وإمداد من خارج لا یمکن أن تحدث تنمیه حقیقیه وتطوّراً إلى شکل أعلى ودرجه أکثر ترکیزاً، فلابدّ لکی تنمو المادّه وترتفع إلى مستویات عُلیا کالحیاه والإحساس والتفکیر، من ربّ یتمتّع بتلک الخصائص لیستطیع أن یمنحها للمادّه، ولیس دور المادّه فی عملیات النموّ هذه إلا دور الصلاحیه والتهیّؤ والإمکان، دور الطفل الصالح والمتهیّئ لتقبّل الدرس من مربّیه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.