السیده زینب (ع) امتداد لشخصیه أبیها

0

ففی مجال البلاغه والفصاحه یقول العلامه الشیخ جعفر النقدی بعد أن یتحدث عن بلاغه علی وبیانه . فأعلم أن هذه الفصاحه العلویه ، والبلاغه المرتضویه ، قد ورثتها هذه المخدره الکریمه ، بشهاده العرب أهل البلاغه والفصاحه أنفسهم ، فقد تواترت الروایات عن العلماء وارباب الحدیث بأسانیدهم عن حذلم بن کثیر ، قال :
قدمت الکوفه فی المحرم سنه احدى وستین عند منصرف علی بن الحسین من کربلاء ومعهم الأجناد ، یحیطون بهم ، وقد خرج الناس للنظر الیهم ، فلما أقبل
بهم على الجمال بغیر وطاء ، وجعلن نساء الکوفه یبکین وینشدن فسمعت علی بن الحسین یقول بصوت ضئیل وقد أنهکته العله ، وفی عنقه الجامعه ویده مغلوله الى عنقه : أن هؤلاء النسوه یبکین فمن قتلنا ؟ .
قال : ورأیت زینب بنت علی ولم أرَ خفره أنطق منها کأنها تفرغ عن لسان أمیر المؤمنین .
وهذا حذلم بن کثیر من فصحاء العرب أخذه العجب من فصاحه زینب وبلاغتها ، وأخذته الدهشه من براعتها وشجاعتها الأدبیه ، حتى أنه لم یتمکن أن یشبهها الا بأبیها سید البلغاء والفصحاء ، فقال : کأنها تفرغ عن لسان أمیر المؤمنین (۱) .
وفی جانب العباده والمناجاه والتضرع کانت تحفظ العدید من أدعیه ومناجاه أبیها علی وتواظب على قرائتها ، فقد روی عنها أنها کانت تدعو بعد صلاه العشاء بدعاء أبیها علی وهو : « اللهم إنی أسألک یاعالم الأمور الخفیه ، ویا من الأرض بعزته مدحیه ، ویا من الشمس والقمر بنور جلاله مشرقه مضیئه . . » ، الى آخر الدعاء (۲) .
کما کانت تناجی ربها بمناجاه أبیها علی ، وهی قصیده روحیه تفیض خشوعاً وتضرعاً لله ( سبحانه ) مطلعها :
لک الحمد یاذا الجود والمجد والعلى * تبارکت تُعطی من تشاء وتمنع (۳)
وکانت تلهج أیضاً بأبیات حکمیه وعظیه لأبیها علی جاء فیها :
وکم لله من لطف خفی         *    یدق خفاه عن فهم الذکی
وکم یسر أتى من بعد عسر   *  وفرج کربه القلب الشجی
وکم أمر تساء به صباحاً        *  فتأتیک الـمسّره بالعشی
اذا ضاقت بک الأحوال یوماً     *  فثق بالواحد الفرد العلی (۴)
____________
(۱) ( زینب الکبرى ) جعفر النقدی ص ۴۸ .
(۲) ( عقلیه بنی هاشم ) الهاشمی ص ۱۶ .
(۳) المصدر السابق ص ۱۶ .
(۴) المصدر السابق ص ۱۹ .
هکذا تتابع السیده زینب خطى أبیها علی ، وتتقمص شخصیته وتلهج بأدعیته وکلماته .
 

فی محنه أخیها الحسن علیه السلام

 

وبادر الناس الى مبایعه الإمام الحسن بعد شهاده أبیه علی (علیه السلام) لما تواتر فی أوساطهم من أحادیث وروایات عن جده رسول الله (صلى الله علیه وآله) فی فضله ومکانته کقوله (صلى الله علیه وآله) :

 

 

« من سره أن ینظر الى سید شباب أهل الجنه فلینظر الى الحسن » (1) .

وما رواه البراء قال : رأیت رسول الله (صلى الله علیه وآله) والحسن على عاتقه یقول : « اللهم إنی أحبه فأحبه » (2) .
وفی روایه عن أبی هریره عن رسول الله (صلى الله علیه وآله) انه قال للحسن : « اللهم إنی أحبه فأحبه ، وأحبب من یحبه » (3) .
وعنه (صلى الله علیه وآله) : « الحسن والحسین ریحانتای من الدینا » (4) .
وقد بادر بعض الصحابه للإدلاء بشهاداتهم وما سمعوه عن رسول الله (صلى الله علیه وآله) فی حق الإمام الحسن عندما خطب الإمام الحسن مؤبّناً أباه علیاً ومستقبلاً البیعه من الناس کما روى زهیر بن الأقمر قال :
بینما الحسن بن علی یخطب بعدما قتل علی إذ قام الیه رجل من الأزد آدم طوال ، فقال : لقد رأیت رسول الله (صلى الله علیه وآله) واضعه فی حبوته یقول « من أحبنی فلیحبه فلیبلغ الشاهد الغائب » ولولا عزمه من رسول الله (صلى الله علیه وآله) ما حدثتکم (۵) .
ومما دفع الناس الى مبایعه الإمام الحسن ما عرفوه من صفاته وکفاءاته التی لا یدانیه فیها أحد ، فهو أفضل الأمه بعد أبیه علی .
فهذا أنس بن مالک یقول : لم یکن أشبه برسول الله من الحسن (۶) .
وتذاکر قوم من الصحابه یوماً حول من أشبه النبی من أهله ، فقال عبدالله بن الزبیر ، أنا أحدثکم بأشبه أهله به وأحبهم الیه الحسن بن علی (۷) .
وهذا عبدالله بن عمر وهو جالس فی مسجد الرسول (صلى الله علیه وآله) بالمدینه فی حلقه فمرّ الحسن بن علی ، فقال : « هذا أحب أهل الأرض الى أهل السماء » (8) .
ویقول عمرو بن اسحاق : ما تکلم أحد أحب الیّ أن لا یسکت من الحسن بن علی وما سمعت منه کلمه فحش قط (۹) .
وعن واصل بن عطاء : کان الحسن بن علی علیه سیماء الأنبیاء وبهاء الملوک (۱۰) .
وقال محمد بن اسحاق : ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله (صلى الله علیه وآله) ، ما بلغ الحسن کان یبسط له على باب داره ، فاذا خرج وجلس ، انقطع الطریق ، فما یمر أحد من خلق الله اجلالاً له ، فاذا علم قام ودخل بیته فمر الناس ، ولقد رأیته فی طریق مکه ماشیاً فما من خلق الله رآه الا نزل ومشى ، وحتى رأیت سعد بن أبی وقاص یمشی (۱۱) .
ولأن الإمام الحسن بعد ذلک وصی أبیه أمیر المؤمنین ، فلهذه العوامل جمیعاً بادر الناس الى مبایعته ، فقد انبرى عبیدالله بن العباس مخاطباً الجمع الحاشد الذی اجتمع بعد مقتل الإمام علی قائلاً :
معاشر الناس هذا ابن نبیکم ـ یعنی الحسن ـ ووصی إمامکم فیایعوه فهتف الناس مستجیبین قائلین : « ما أحبه الینا وأوجب حقه علینا ، وأحقه بالخلافه » (12) .
وهکذا بویع الإمام الحسن بالخلافه فی الثانی والعشرین من شهر رمضان سنه (۴۰ هـ ) ، بایعه الناس فی الکوفه والبصره والمدائن وجمیع أهل العراق ، وبایعته فارس والحجازیون والیمانیون وجمیع البلاد الإسلامیه ، لکن معاویه بن أبی سفیان أصر على التمرد کما کان موقفه من خلافه الإمام علی ، بل وبدأ یعد العده ویحشد الجیوش للزحف على عاصمه الخلافه الشرعیه الکوفه ، ولم تنجح الجهود التی بذلها الإمام الحسن من رسائل ومبعوثین الى معاویه من ثنیه عن موقفه المتمرد الخارج على الشرعیه .
فصصم الإمام الحسن على مواجهه بغی معاویه ، واستنهض جمهوره وعبأهم للقتال ، بعد ما بلغته أنباء تحرک جیش معاویه باتجاه العراق وقوامه ( ۶۰ الفاً ) ، وقیل أکثر من ذلک (۱۳) .
لکن الظروف لم تکن فی صالح الإمام الحسن ، فقد کان جیشه وجمهوره متعباً منهکاً من الحروب الثلاثه التی خاضها مع الإمام علی ، کما کان الجیش والجمهور موزّع الولاء والاتجاه للتیارات المختلفه ومنها الخوارج وأصحاب المطامع ، وبلغ تعداد جیش الإمام الحسن ( ۴۰ الفاً ) على أرجح الروایات التاریخیه (۱۴) .
واجتهد معاویه بن أبی سفیان کثیراً لتفتیت وتخریب الجبهه الداخلیه لمعسکر الإمام الحسن فبث فی أوساطه العملاء الذین ینشرون الأشاعات المثبطه والتشکیکات ، کما کثف مساعیه لأغراء واستقطاب العدید من الزعماء والرؤساء والشخصیات فی معسکر الإمام ، بتقدیم المبالغ المالیه الضخمه لهم وتطمیعهم بالمناصب والمواقع .
وبالفعل فقد تخلى عن الإمام الکثیر من قیادات جیشه حتى ابن عمه عبیدالله بن العباس والذی کان یقود مقدمه جیش الإمام لمواجهه معاویه ، حیث أغراه معاویه بمبلغ ملیون درهم فتسلل منحازاً الى معاویه ومعه ثمانیه الآف جندی من أصل اثنی عشر ألفاً کان یقودهم ! ! .
کل ذلک أدى الى اضطراب جیش الإمام ، مما جرأ البعض منهم على النیل من هیبه الإمام شخصیاً ومحاوله اغتیاله وقد هجم جماعه من معسکر الإمام على مضاربه وسرداقه وانتهبوا أمتعته ، وتضیف بعض المصادر أنهم نزعوا بساطاً کان یجلس علیه وسلبوا رداءه ، کما خاطبه أحد الخوارج وهو الجراح بن سنان قائلاً :
أشرکت یا حسن کما أشرک أبوک من قبل ! .
وجرت ثلاث محاولات لأغتیال الإمام فی معسکره (۱۵) .
هذه الظروف المؤلمه الحرجه دفعت الإمام الحسن لأعاده النظر فی قرار المواجهه والقتال مع معاویه ، لعدم تکافؤ المعسکرین عدداً وعده وتماسکاً ، مما یجعل مستقبل المواجهه والحرب لصالح معاویه حتماً ، وذلک یعنی الأخطار والمضاعفات الکبیره على وضع الأمه الإسلامیه ککل وخط أهل البیت ( علیهم السلام ) بشکل خاص .
لذلک قرر الإمام الحسن الأستجابه الى دعوه الصلح التی کان معاویه یلح فی طرحها ، وتنازل الإمام عن الخلافه والحکم بشروط قبلها معاویه ومن أهمها العمل بکتاب الله وسنه نبیه ، وعدم الظلم والأعتداء على حقوق الناس وخاصه أهل البیت وأتباعهم ، وأن تکون الخلافه بعد معاویه للإمام الحسن أو حسب اختیار المسلمین .
وتم الصلح حوالی شهر ربیع الأول سنه ( ۴۱ هـ ) أی بعد سته أشهر من خلافه الإمام الحسن (علیه السلام) .
بالطبع کان مؤلماً للإمام الحسن ولأهل بیته وأتباعه أن یروا معاویه متسلطاً على المسلمین متحکماً فی أمورهم ، وأن یلاحظوا الأنحرافات الکبیره الخطیره التی یقوم بها دون رادع أو مانع ، لکن ماذا یصنع الإمام الحسن وقد خانته الظروف ولم تخلص له الأمه ؟ .
وانفعل العدید من المخلصین من أتباع الإمام لما حدث ، ووجهوا للإمام الحسن عتابهم الحاد الجارح على قرار الصلح ، لکن الإمام بقلبه الواسع وحلمه الکبیر کان یعذرهم على انفعالهم ، ویوضح لهم حقیقه الموقف وأبعاده .
وبعد الصلح بقی الإمام فی الکوفه أیاماً وهو مکلوم القلب قد طافت به الهموم والالام ، یتلقى من شیعته مراره الکلام ، وقسوه النقد ، ویتلقى من معاویه وحزبه الاستهانه بمرکزه الرفیع ، وهو مع ذلک صابر محتسب ، قد کظم غیظه ، وأوکل الى الله أمره ، وقد عزم على مغادره العراق ، والشخوص الى مدینه جده (۱۶) .
وطلب منه بعض أهل الکوفه البقاء عندهم ، لکنه لم یستجب لهم وکان یوم سفره مشهوداً فی الکوفه حیث خرج الناس بمختلف طبقاتهم الى تودیعه ، وهم ما بین باک وآسف .
ولم تکن العقیله زینب بعیده عن تلک الأحداث القاسیه ، بل کانت الى جانب أخیها الحسن تشاطره معاناته ، وتعیش معه آلام الأمه المنکوبه . . وقد غادرت الکوفه مع أخیها الى مدینه جدها ومسقط رأسها بعد أن قضت فی الکوفه حوالی خمس سنوات ملیئه بالحوادث والآلام ، ومن أشدها وأفجعها فقد أبیها علی .
وفی المدینه واصلت السیده زینب تحمل مسؤلیتها فی الهدایه والأرشاد وبث المعارف الوعی ، کما کانت تشارک أخاها الإمام الحسن مواجه اساءات الحکم الأموی وانحرافاته ، حیث لم یلتزم معاویه بأی شرط من شروط الصلح ، وصار یحکم المسلمین حسب رغباته وشهواته بعیداً عن تعالیم کتاب الله وسنه رسوله ، کما کان یوجه سهام بغیه وحقده صوب أهل البیت ( علیهم السلام ) وشیعتهم ، فسن شتم الإمام علی على المنابر ، وقتل خیار أتباعه ، وضیق على شیعته ، وصار یخطط لتنصیب ولده یزید خلیفه وحاکماً على الأمه من بعده .
بالطبع کان وجود الإمام الحسن یقلق معاویه ، ویعرقل بعض مخططاته الفاسده ، لذلک فکر فی تصفیه الإمام الحسن والقضاء على حیاته ، فأغرى زوجته جعده بنت الأشعث بمائه ألف درهم ، ووعدها بأن یزوجها ولده یزیداً إن هی دست السم للإمام الحسن وقضت على حیاته .
واستجابت جعده لتلک الأغراءات وألقت السم الفتاک الذی بعثه الیها معاویه فی طعام الإمام الحسن ، فتقطعت بذلک کبده وامعاؤه واستعد لمفارقه الحیاه .
ورأته أخته زینب وهو فی فراش الموت ، فانفطر قلبها لمأساه أخیها وتجددت علیها المصائب والأحزان .
ومما زاد فی آلام السیده زینب وأحزانها ما تعرضت له جنازه أخیها من إساءه وهوان ، حیث کان الإمام الحسن قد أوصى بأن یدفن عند قبر جده رسول الله (صلى الله علیه وآله) أولاً أقل أن یمر به على قبر جده لیجدد به عهداً ، لکن الحزب الأموی اعترض جنازه الإمام وأثاروا السیده عائشه لتتبنى مواجهه الهاشمیین ومنعهم من الأقتراب بجنازه الإمام الحسن عند قبر جده بحجه أنه یقع فی بیتها وأنها لا تسمح لهم بذلک ‍ ! ! .
وهکذا رافقت الظلامه والمأساه الإمام الحسن حتى بعد وفاته ، ومنعوا اقتراب جنازته من قبر جده رسول الله (صلى الله علیه وآله) وهو سبطه الحبیب وولده العزیز ! .
کل ذلک ضاعف من أحزان السیده زینب والهاشمیین لذلک ورد فی التاریخ أن نساء بنی هاشم وفی طلیعتهن السیده زینب استمرین فی النیاحه على الإمام الحسن (علیه السلام) شهراً کاملاً ، وأظهرن الحداد ، ولبسن السواد سنه کامله (۱۷) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) ( حیاه الإمام الحسن ) القرشی ج ۱ ، ص ۹۶ .
(۲) ( صحیح البخاری ) ج ۵ ، ص ۳۳ .
(۳) ( صحیح مسلم ) ج ۲ ، ص ۳۶۷ .
(۴) ( حیاه الإمام الحسن ) القرشی ج ۱ ، ص ۹۶ .
(۵) ( الاصابه فی تمییز الصحابه ) ابن حجر ج ۱ ، ص ۳۲۹ .
(۶) المصدر السابق ص ۳۲۹ .
(۷) المصدر السابق ص ۳۲۹ .
(۸) ( در السحابه فی مناقب القرابه والصحابه ) الشوکانی ص ۲۸۹ .
(۹) ( أئمتنا ) علی دخیل ج ۱ ، ص ۱۶۷ .
(۱۰) المصدر السابق ص ۱۶۸ .
(۱۱) المصدر السابق ص ۱۶۸ .
(۱۲) ( حیاه الإمام الحسن ) القرشی ج ۲ ، ص ۳۴ .
(۱۳) المصدر السابق ص ۷۱ .
(۱۴) المصدر السابق ص ۸۰ .
(۱۵) المصدر السابق ص ۱۰۶ .
(۱۶) المصدر السابق ص ۲۸۵ .
(۱۷) المصدر السباق ص ۵۰۲ .
 
 

موقع ۱۴ معصوم

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.