السیده زینب الکبرى فی الشام
ویعرفوا مصیر کل من یتمرد على حکم یزید ! ومن الواضح أن الدعایه والإعلام لها دورها فی تمویه الحقائق ، وخاصه على السذج والعوام من الناس .
إستمع إلى الصحابی : سهل بن سعد الساعدی قال : «خرجت إلى بیت المقدس ، حتى توسطت الشام ، فإذا أنا بمدینه مطرده الأنهار ، کثیره الأشجار ، قد علقوا الستور والحجب والدیباج ، وهم فرحون مستبشرون ، وعندهم نساء یلعبن بالدفوف والطبول .
فقلت ـ فی نفسی ـ : لا نرى لأهل الشام عیداً لا نعرفه نحن. فرأیت قوماً یتحدثون ، فقلت : یا قوم لکم بالشام عید لا نعرفه نحن ؟ !
قالوا : یا شیخ نراک أعرابیاً غریباً !
فقلت : أنا سهل بن سعد ، قد رأیت محمداً (صلى الله علیه وآله) .
قالوا : یا سهل ، ما أعجبک السماء لا تمطر دماً ، والأرض لا تنخسف بأهلها !
قلت : ولم ذاک ؟
قالوا : هذا رأس الحسین عتره محمد یهدى من أرض العراق !
فقلت : واعجباه . . یهدى رأس الحسین والناس یفرحون ؟ !
ثم قلت : من أی باب یدخل ؟
فأشاروا إلى باب یقال له : «باب الساعات» .
فبینا أنا کذلک إذ رأیت الرایات یتلو بعضها بعضاً ، فإذا نحن بفارس بیده لواء منزوع السنان (۱) علیه رأس من أشبه الناس وجهاً برسول الله (صلى الله علیه وآله) .
فإذا أنا من ورائه رأیت نسوهً على جمال بغیر وطاء ، فدنوت من أولاهن ، فقلت : یا جاریه : من أنت ؟
فقالت : أنا سکینه بنت الحسین .
فقلت لها : الک حاجه إلی ؟ فأنا سهل بن سعد ممن رأى جدک وسمعت حدیثه .
قالت : یا سهل : قل لصاحب هذا الرأس أن یقدم الرأس أمامنا ، حتى یشتغل الناس بالنظر إلیه ولا ینظروا إلى حرم رسول الله .
قال سهل : فدنوت من صاحب الرأس فقلت له : هل لک أن تقضی حاجتی وتأخذ منی أربعمائه دیناراً ؟
قال : ما هی ؟
قلت : تقدم الرأس أمام الحرم .
ففعل ذلک .
فدفعت إلیه ما وعدته . . . .» . (2)
* * * *
ولما أدخلوهن دمشق طافوا بهن فی الشوارع المؤدیه إلى قصر الطاغیه یزید ، ومعهن الرؤوس على الرماح ، ثم جاؤا بهن حتى أوقفوهن على دکه کبیره کانت أمام باب المسجد الجامع ، حیث کانوا یوقفون سبایا الکفار على تلک الدکه (۳) ، ویعرضونهم للبیع ، لیتفرج علیهم المصلون لدى دخولهم إلى المسجد وخروجهم منه ، وبذلک یختاروا من یریدونه للإستخدام ویشتروه .
نعم ، إن الذین کانوا یعتبرون أنفسهم مسلمین ، ومن أمه محمد رسول الله . . أوقفوا آل الرسول على تلک الدکه .
یا للأسف ! یا للمأساه ! یا للفاجعه ! یا للمصیبه !
وجاء شیخ (۴) ودنى من نساء الحسین (علیه السلام) وقال : (الحمد لله الذی قتلکم وأهلککم ، وأراح البلاد من رجالکم ، وأمکن أمیر المؤمنین منکم) .
فقال له علی بن الحسین (علیه السلام) : «یا شیخ : هل قرأت القرآن» ؟
قال : نعم .
قال : فهل عرفت هذه الآیه : «قل لا أسألکم علیه أجراً إلا الموده فی القربى» (5) ؟
قال الشیخ : قد قرأت ذلک .
فقال له الإمام : «نحن القربى یا شیخ ، فهل قـرأت : «وآت ذا القـربى حقـه» ؟ (۶)
فقال الشیخ : قد قرأت ذلک .
فقال الإمام : «فنحن القربى یا شیخ ، فهل قرأت
هذه الآیه «واعلموا أنما غنمتم من شیء فأن لله خمسه وللرسول ولذی القربى»» ؟ (۷)
قال : نعم .
فقال الإمام : «فنحن القربى یا شیخ ، وهل قرأت هذه الآیه : «إنما یرید الله لیذهب عنکم الرجس أهل البیت ویطهرکم تطهیراً» » . (8)
قال الشیخ : قد قرأت ذلک .
فقال الإمام : «نحن أهل البیت الذین خصنا الله بآیه الطهاره یا شیخ» .
قال الراوی : بقی الشیخ ساکتاً نادماً على ما تکلم به ، وقال ـ متعجباً ـ : تالله إنکم هم ؟ !
فقال علی بن الحسین : «تالله إنا لنحن هم . . من غیر شک ، وحق جدنا رسول الله إنا لنحن هم» .
فبکى الشیخ ورمى عمامته ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم إنی أبرأ إلیک من عدو آل محمد ، من الجن والإنس .
ثم قال : هل لی من توبه ؟
فقال له الإمام : «نعم ، إن تبت تاب الله علیک ، وأنت معنا» .
فقال الشیخ : أنا تائب .
فبلغ یزید بن معاویه حدیث الشیخ ، فأمر به فقتل . (۹)
ــــــــــــــ
(۱) اللواء : العلم ، وهو دون الرایه . کما فی «المعجم الوسیط» . والسنان : الحدیده التی فی رأس العلم أو رأس الرمح .
(۲) بحار الأنوار للشیخ المجلسی ، ج ۴۵ ص ۱۲۷ باب ۳۹ . وکتاب «تظلم الزهراء» ، ص ۲۷۵ .
(۳) کتاب «معالی السبطین» ج ۲ ، ص ۱۴۰ الفصل الرابع عشر ، المجلس الرابع . وقد نقلنا مضمون ذلک .
(۴) شیخ : أی : رجل طاعن فی السن .
(۵) سوره الشورى ، الآیه ۲۳ .
(۶) سوره الإسراء ، الآیه ۲۶ .
(۷) سوره الأنفال ، الآیه ۴۱ .
(۸) سوره الأحزاب ، الآیه ۳۳ .
(۹) کتاب «الملهوف على قتلى الطفوف» ص ۲۱۱ . وکتاب «تظلم الزهراء» ، ص ۲۷۸ .