ترحیل العائله من کربلاء
وهل أستطیع أن أکتب ـ هنا ـ شیئاً من مواقف بنی أمیهتجاه آل رسول الله ؟ ! والله . . إنها وصمه خزی وعار لاتمحى ولا تزول بمرور القرون. لقد وصموا بها جبههالتاریخ الإسلامی النزیه المشرق الوضاء .
عن کتاب (أسرارالشهاده) للدربندی : ثم أمر عمر بن سعد بأن تحمل النساء على الأقتاب (۱) ، بلا وطاء ولا حجاب ، فقدمت النیاق إلى حرم رسولالله (صلى الله علیه وآله) وقد أحاط القوم بهن ، وقیل لهن : تعالین وارکبن ،فقد أمر إبن سعد بالرحیل . (۲)
فلما نظرت زینب (علیها السلام) إلى ذلک نادت وقالت : سود اللهوجهک یا بن سعد فی الدنیا والآخره ! تأمر هؤلاء القوم بأن یرکبونا ونحن ودائع رسولالله ؟ !
فقل لهم : یتباعدوا عنا ، یرکب بعضنا بعضاً .
فتنحوا عنهن ، فتقدمت السیده زینب ، ومعها السیده أمکلثوم ، وجعلت تنادی کل واحده من النساء باسمها وترکبها على المحمل ، حتى لم یبقأحد سوى زینب (علیها السلام) !
فنظرت یمیناً وشمالاً ،فلم تر أحداً سوى الإمام زین العابدین وهو مریض ، فأتت إلیه وقالت :
قم یابن أخی وارکبالناقه .
قال : یا عمتاه ! إرکبی أنت ، ودعینی أناوهؤلاء القوم .
فالتفتت یمیناً وشمالاً ، فلم تر إلاأجساداً على الرمال ، ورؤوساً على الأسنه بأیدی الرجال (۳) ، فصرخت وقالت :
واغربتاه ! وا أخاه ! وا حسیناه ! وا عباساه ! وا رجالاه ! وا ضیعتاه بعدک یا أباعبد الله . . .
فأقبلت فضه وأرکبتها . . (۴)
نیاحه السیده زینب على سید الشهداء
وفی یوم الحادی عشر منالمحرم . . لما أراد الأعداء أن یرحلوا بقافله نساء آل رسول الله من کربلاء إلىالکوفه ، مروا بهن على مصارع القتلى ـ وهم جثث مرمله ومطروحه على التراب ـ فلمانظرت النسوه إلى تلک الجثث صحن وبکین ولطمن خدودهن . وأما السیده زینب الکبرى(علیها السلام) فقد کانت تلک الساعه من أصعب الساعات على قلبها ، وخاصهً حینما نظرتإلى جثه أخیها العزیز الإمام الحسین وهو مطروح على الأرض بلا دفن ، وبتلک الکیفیهالمقرحه للقلب ! !
یعلم الله تعالى مدى الحزن الشدیدوالألم النفسی الذی خیم على قلب السیده زینب وهی ترى أعز أهل العالم ، وأشرف من علىوجه الأرض بحاله یعجز القلم واللسان عن وصفها .
فقد مدأولئک الذئاب المفترسه (الذین لا یستحقون إطلاق إسمالبشر علیهم ، فکیف باسم الإنسان ، وکیفباسم المسلم) أیدیهم الخبیثه إلى جسد أطهر إنسان على وجه الکره الأرضیه آنذاک . وأرقوا دماءً کانت جزءاً من دم الرسول الأقدس ، وقطعوا نحراً قبله رسول الله (صلى الله علیه وآله) مئات المرات ، وعفروا خداً طالما إلتصق بخد الرسول الأطهر ،ورضوا وسحقوا جسداً کان یحمل على أکتاف الرسول الأعظم ، وکان محله فی حجر الرسول ،وعلى صدره وظهره .
لقد کان الرسول الکریم یحافظ على ذلکالجسم العزیز ، حتى من النسیم والمطر . . فکیف من غیره ؟
نعم ، إن المجرمین الجناه کانوا فی سکره موت الضمیر ، وفقدان الوعی والإدراکللمفاهیم ، فانقلبوا إلى سباع ضاریه ، وذئاب مفترسه ، ووحوش کاسره ، لا تفهم معنىالعاطفه والشرف والفضیله ، ولا تدرک إلا هواها الشیطانی .
فصنعت ما صنعت بذلک الإمام ، المتکامل شرفاً وعظمه ، وجعلت جسمههدفاً لسیوفها ورماحها وسهامها ، ومیداناً لخیولها ، وهم یحاولون أن لا یترکوا منهأثراً یرى ، ولا أعضاء فتوارى .
کان هذا المنظر والمظهرالمشجی ، المقرح للقلب ، الموجع للروح بمرأى من السیده زینب الکبرى . فهی ترى نفسها بجوار جثمان إمامها ، وإمام العالم کله ، وسید شبابأهل الجنه ، فلا عجب إذا اختضنته تارهً وألقتنفسها علیه تارهً أخرى .
تبکی علیه بدموع منهمرهمتواصله، وتندبه من أعماق نفسها، ندبهً تکاد روحها تخرج مع زفراتها وآهاتها !
تندبه بکلمات منبعثه من أطهر قلب ، خالیه عن کل ریاءوتصنع ، وکل کلمه منها تعتبر إعلاناً عن
دوث أکبر فاجعه ، وأوجع مصیبه .
إنها سجلت تلک الکلمات على صفحات التاریخ لتکون خالدهً بخلودالأبد ، تقرؤها الأجیال قرناً بعد قرن ، وأمهً بعد أمه ، کی تستلهم منها الدروسوالعبر . . . ولکی تبقى المدرسه الزینبیه خالدهً بخلود کل المفاهیم العالیه والأصولالإنسانیه .
نعم ، کلمات تقرع الأسماع الیقظه کصوت الرعد، فتضطرب منها القلوب وتتوتر منها الأعصاب ، وتسخن الغدد الدمعیه المنصوبه على قمهالعینین فلا تستطیع الغدد حبس الدموع ومنعها عن الخروج والهطول . وتضیق الصدور فلا تستطیع کبت الآهات ، والنحیب والزفیر .
أجل . . إنها معجزه وأیه معجزه ، صدرت من سیده قبل أربعه عشرقرناً ، أراد الله تعالى لها البقاء ، لتکون تلک المعجزه غضه ، وکأنها حادثه الیوموحدث الساعه .
أجل . . .
کان المفروض أنتفقد السیده زینب الکبرى وعیها ، وتنهار أعصابها ، وتنسى کل شیء حتى نفسها ، وتتعطلذاکرتها أمام جبال المصائب والفجائع ، والهموم والأحزان .
نعم ، هکذا کان المفروض ، ولکن إیمانها الراسخ العجیب بالله تعالى، وقلبها المطمئن بذکر الله (عزوجل) کان هو الحاجز عن صدور کل ما ینافی الوقاروالإتزان ، والخروج عن الحاله الطبیعیه .
ولیس معنى ذلکالسکوت الذی یساوی عدم الإهتمام بتلک الفاجعه أو عدم المبالاه بما جرى ، بل لا بدمن إیقاظ الشعور العام بتلک الجنایه العظمى ، التی صدرت من أرجس عصابه على وجهالأرض .
فلا عجب إذا هاجت أحزانها هیجان البحارالمتلاطمه الأمواج ، وتفایض قلبها الکبیر . . بالعواطف والمحبه ، وجعلت تندب أخاهابکلمات فی ذروه الفصاحه والبلاغه ، وتعتبر أبلغ کلمات سجلها التاریخ فی الرثاءوالتأبین ، وفی مقام التوجع والتفجع . (۵)
قال الراوی : فوالله لا أنسى زینب بنت علی وهی تندبأخاهاالحسین بصوت حزین وقلب کئیب :
یا محمداه ، صلى علیک ملیک السماء ، هذا حسین مرمل بالدماء ،مقطع الأعضاء ، مسلوب العمامه والرداء ، محزوز الرأس من القفا . ونحن بناتک سبایا .
إلى الله المشتکى ، وإلى محمد المصطفى ، وإلى علیالمرتضى ، وإلى فاطمه الزهراء ، وإلى حمزه سید الشهداء .
یا محمداه ! هذا حسین بالعراء (۶) ، تسفیعلیه ریح الصباء ، قتیل أولاد البغایا .
واحزناه ! واکرباه علیک یا أبا عبد الله .
بأبی من لا هو غائبفیرتجی ، ولا جریح فیداوى .
بأبی المهموم حتى قضى .
بأبی العطشان حتى مضى . . . .»
فأبکت ـ والله ـ کل عدو وصدیق . (۷)
واعتنقت زینب جثمانأخیها ، ووضعت فمها على نحره وهی تقبله وتقول :
«أخی لوخیرت بین المقام عندک أو الرحیل لاخترتالمقام عندک ، ولو أن السباع تأکل من لحمی .
یابن أمی ! لقد کللت عن المدافعه لهؤلاء النساءوالأطفال ، وهذا متنی قد أسود من الضرب ! ! (۸).
مدینه الکوفه
لقد کانت الکوفه : مدینهموالیه للإمام أمیر المؤمنین (علیه السلام) وکان أهلها ـ رجالاً ونساءً ـ قد تطبعوابأحسن الإنطباعات فی ظل حکومه الإمام علی بن أبی طالب (علیه السلام) بسبب المناهجالصحیحه التی انتهجها الإمام لتربیه وإداره شعبه .
وکانتلدى أهل الکوفه أحسن الإنطباعات عن الإمام ، نظراً لسیرته الشخصیه والإجتماعیهوالحکومیه ، وأسلوب تعامله مع أفراد الشعب إبان حکومته علیهم ، فعواطفه التی شملتجمیع طبقات الشعب ، وتوفیر لوازم الحیاه لهم ، ومواساته معهم فی السراء والضراء ،وعدله الواسع الشامل وعطایاه السنیه ، وسخاؤه وکرمه ، وعلمه الجم ، وغیر ذلک منالفضائل التی ترکت إنعکاساتها الإیجابیه فی نفوس أهل الکوفه ، وأثرت فیهم أحسنالأثر .
کل هذه الأمور . . جعلت الطابع العام الغالب على الکوفه : هو الولاء والمحبه لآل رسول الله (صلى الله علیه وآله) .
ومن الطبیعی أن کل عصر ومصر لا یخلومن الأشرار والسفله ، حتى المدینه المنوره ـ فی عهدها الزاهر . . فی عصر الرسولالکریم ـ کانت تحتوی على عناصر المنافقین وغیرهم .
وهناسؤال یقول: إذا کانت مدینه الکوفه موالیه للإمام .. فکیف صدرت من أهلها تلکالمواقف المخزیه تجاه الإمام الحسین (علیه السلام) ؟ !
إن الجواب على هذا السؤال یحتاج إلى مزید من الشرح والتفصیل ، وهو خارج عن أسلوبالکتاب ، ولکننا نذکر ـ الآن ـ، مثالاً توضیحیاً لهذا البحث ونترک دراسه الموضوعإلى فرصه أخرى :
قد تحدث فی فرد من الناس أو شعب منالشعوب حاله شاذه ، غیر طبیعیه ، تشبه حاله السکر وفقدان الوعی ، فإذا زالت آثارالسکر . . عاد الوعی ، ثم الحاله الطبیعیه ، ثم الندم !
وفعلاً . . ترى ذلک الفرد ـ أو الشعب ـ یتعجب من تصرفاته الشاذه خلال حاله سکره ،بل ویتعجب منه عقلاء العالم !
ومن الثابت أنالعقلاء لا یقبلون أی عذر من ذلک الفرد أو الشعب الذی مر بتلک الحاله الشاذه ، لأنالعقل والدین یفرضان على الإنسان أن یوفر فی نفسه وقلبه وذهنه خلفیه علمیه ومناعهدینیه وإیمانیه تبعده عن هذا النوع من الحالات الشاذه ، وتحفظه من السقوط فی هکذامنعطفات مصیریه محتمله .
وذلک یحصل بتقویه الإیمان باللهتعالى وبیوم القیامه . . فی قلب الإنسان ، ثم الإستمرار فی شحن النفس بالطاقهالإیمانیه التی تقوم بدور مهم فی إبعاد الإنسان عن مراکز وصالات وأجواء الإنحرافالعقائدی والسلوکی ، وتحمیه من السقوط فی مهاوی جهنم .
أجل . .
لقد کانت مدینه الکوفه ـ قبل عشرین سنه من تاریخفاجعه کربلاء ـ : عاصمهً للإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (علیه السلام) ومرکزاً لحکومته ، ومقراً لقیادته .
وکانت السیده زینب ـحینذاک ـ فی أوج العظمه والجلاله ، وکانت سیدات الکوفه یتمنین الحضور عندها ، وإذاکانت السیده زینب تنظر إلى إحداهن نظره ، أو تتکلم معها کلمه ، لکان قلبها یمتلئفرحاً وسروراً ، وتشعر بالشرف والفخر ، لأن إبنه أمیر المؤمنین نظرت إلیها أو تکلمتمعها ! !
ولکن الیوم . . وبعدحوالی عشرین سنه ، تغیرت الأوضاع عما کانت علیه قبل ذلک ! ! وأخذت الکوفه طابعاًشاذاً یختلف عما مضى ، فقد إنقلبت إلى جو من الإرهاب والإرعاب ، وانتشر الآلاف منالشرطه والجواسیس ، وهم فی حاله التأهب والإستعداد ، خوفاً من هیاج الناس ، وخنقاًلکل صوت یرتفع ذد السلطه .
هذا . . ویضاف إلى ذلک : أنالمئات ـ أو الآلاف ـ من الموالین للإمام أمیر المؤمنین (علیه السلام) کان الطاغیهابن زیاد قد سجنهم کی لا یلتحقوا بأصحاب الإمام الحسین فی کربلاء .
وهناک من أخفى نفسه فی البیوت کی لا یتعرض للقتل من قبل السلطهحیث لم یستطع الإلتحاق بالإمام بسبب الأعداد الهائله من الشرطه التی کانت السلطه قدنشرتهم فی جمیع نواحی وبوابات مدینه الکوفه .
وعدا منالتحق بالإمام الحسین فی کربلاء ـ من أهل الکوفه ـ ونصروه ، وقتلوا فی سبیل الدفاععنه ، ویبلغ عددهم أکثر من عشرین رجل ، مذکوره أسماؤهم فی الکتب المفصله التی تتحدثعن فاجعه کربلاء الدامیه.
ـــــــــــــــــــ
(1)أقتاب ـ جمع قتب ـ : وهو وشیء یصنع من خشب ،یشد على ظهر البعیر ، ویغطى بقماش سمیک ، لراحه الراکب ، وحفظه من السقوط . قال فی «المعجم الوسیط» : القتب : الرحل الصغیر على قدر سنام البعیر .
(2)لقد ذکر السید ابن طاووس فی کتاب «الملهوف» ص ۱۸۹ : أن ترحیل العائله کان بعد الزوال من الیوم الحادی عشر من المحرم .
(3)الأسنه ـ جمع سنان ـ : الرمح .
(4)کتاب (أسرار الشهاده) للعالم الجلیل الشیخ الدربندی .
(5)وکان ذلک حینما مروا بقافله الأسارى على مصرعالإمام الحسین (علیه السلام) یوم الحادی عشر من المحرم .
(6)العراء : الأرض المنبسطه التی لا یستر فضاءهاشیء .
(7)کتاب (الملهوف) لابن طاووس ، ص ۱۸۱ ، وکتاب الإیقاد ، ص ۱۴۰ .
(8)معالی السبطین ج ۲ ، الفصل العاشر ، المجلسالرابع عشر .