هل الموت قبل الدخول منصِّف للمهر أو لا؟
لاشکّ أنّ الطلاق قبل الدخول منصّف للمهر وقد اتّفق علیه المسلمون، إنّما الکلام فی أنّ الموت قبل الدخول هل هو منصّف أو لا؟ وللمسأله صورتان:
الف: موت الزوج عن امرأته قبل الدخول بها.
ب: موت الزوجه عن زوجها قبل الدخول بها.
والأقوال لا تتجاوز الثلاثه:
۱٫ استقرار المهر کلّه بموت أحدهما مطلقاً من غیر فرق بین موت الزوج أو الزوجه.
۲٫ التنصیف مطلقاً.
۳٫ التفصیل بین موت الزوج والزوجه، باستقرار المهر کلّه فی الأوّل ونصفه فی الثانی، وهو خیره الشیخ فی النهایه والقاضی ابن البراج فی المهذّب.
وإلیک کلمات الفقهاء فی المقام بالنسبه إلى الصورتین:
المعـروف من عصر الصـدوق (۳۰۶ـ۳۸۱ هـ) إلى عصر العلاّمه الحلـی (۶۴۸ـ ۷۲۶هـ) بل عصر المحقّق الثانی (المتوفّى ۹۴۰ هـ ) هو عدم التنصیف، وإلیک ما وقفنا علیه من الکلمات، مباشره أو مع الواسطه:
۱٫ قال الصدوق: والمتوفّى عنها زوجها التی لم یدخل بها إن کان فرض لها صداقاً فلها صداقها الذی فرض لها، ولها المیراث، وعدّتها أربعه أشهر وعشراً… وفی حدیث آخر: وإن لم یکن دخل بها وقد فرض لها مهراً فلها نصفها، ولها المیراث وعلیها العدّه. وهو الذی اعتمده، وأفتی به. (۱۰۵۴)
وهل الضمیر یرجع إلى ما ذکره أخیراً، أعنی: «وفی حدیث آخر…» أو یرجع إلى ما ذکره فی أوّل کلامه؟ استظهر العلامّه فی المختلف بأنّه یرجع إلى الأخیر، ویحتمل أن یرجع إلى الأوّل لأنّه ذکر الوجه الثانی بصوره «قول» حیث قال: وفی حدیث آخر.
۲٫ وقال الشیخ الطوسی: ومتى مات الرجل عن زوجته، قبل الدخول بها وجب على ورثته أن یعطوا المرأه المهر کاملاً، ویستحب لها أن تترک نصف المهر، فإن لم تفعل کان لها المهر کلّه وإن ماتت المرأه قبل الدخول بها، کان لأولیائها نصف المهر. (۱۰۵۵)
وکأن الشیخ بکلامه هذا، حاول أن یجمع بین الروایات، فإنّ الروایات فی جانب موت المرأه متّفقه على التنصیف فترکها بحالها، وأمّا فی جانب موت الرجل فمتضاربه، فأخذ بما دلّ على عدم التنصیف وحمل ما دلّ على التنصیف على الاستحباب، أی یستحب للمرأه أن تترک نصف المهر.
۳٫ وقال القاضی: وإذا مات الرجل قبل الدخول بها کان على وارثه أن یدفع إلى الزوجه من الترکه المهر على کماله، والأفضل للزوجه أن لاتأخذ إلاّ نصفه، فإن لم تفعل، وأخذته على کماله، کان جائزاً.
وإذا ماتت المرأه قبل الدخول بها کان لأولیائها نصف المهر. (۱۰۵۶)
وقد فعل القاضی کما فعله الشیخ.
۴٫ وقال ابن حمزه: ویلزم المهر المعیّن بنفس العقد، ویستقر بأحد ثلاثه أشیاء: بالدخول والموت وارتداد الزوج. (۱۰۵۷)
وقال أیضاً: ومن وکّل رجلاً فی العقد على امرأه ثمّ مات الموکّل، وعقدُ الوکیل لم یخل: إمّا عقد قبل موته، ویصحّ العقد ویثبت المهر والمیراث، أو بعد موته ویبطل العقد. (۱۰۵۸)
ولیس فی کلامه فرض موت الزوجه.
۵٫ وقال ابن إدریس: متى مات أحد الزوجین قبل الدخول استقرّ جمیع المهر کاملاً، لأنّ الموت عند محصّلی أصحابنا یجری مجرى الدخول فی استقرار المهر جمیعه، وهو اختیار شیخنا المفید فی أحکام النساء وهو الصحیح، لأنّا قد بیّنا بغیر خلاف بیننا أنّ بالعقد تستحق المرأه جمیع المهر المسمّى، ویسقط الطلاق قبل الدخول نصفه، فالطلاق غیر حاصل إذا مات، فبقینا على ما کنّا علیه من استحقاقه، فمن ادّعى سقوط شیء منه یحتاج إلى دلیل ولا دلیل على ذلک من إجماع، لأنّ أصحابنا مختلفون فی ذلک، ولا من کتاب اللّه تعالى، ولا تواتر أخبار ولادلیل عقلی، بل الکتاب قاض بما قلناه، والعقل حاکم بما اخترناه. (۱۰۵۹)
وکلامه هذا صریح فی عدم التنصیف فی کلتا الصورتین.
۶٫ وقال یحیى بن سعید: ویستقر المهر بالدخول، وبالموت من کلّ منهما ویکره لورثتها مطالبته به إذا لم تکن طالبته فی حیاتها، وهو فی ضمان الزوج حتى تقبضه. (۱۰۶۰) وکلامه هذا صریح فی عدم الفرق بین موت الزوج والزوجه وأنّه یجب دفع المهر کاملاً.
۷٫ وقال المحقّق فی نکت النهایه عند قول الشیخ: «وإن ماتت المرأه قبل الدخول بها کان لأولیائها نصف المهر» هذا یصحّ إذا لم یکن لها ولد، لأنّ المستقر فی المذهب وهو أصحّ الروایتین أنّ المهر تملکه المرأه بنفس العقد ولو مات أحدهما کان المهر ثابتاً بأجمعه، فإذا ماتت، ورث الزوج نصفه وکان الباقی لباقی ورثتها.(۱۰۶۱)
ترى أنّ المحقّق لایرضى من الشیخ القول بالنصف فی موت المرأه، فیحاول أن یؤوّله بحمله على ما إذا لم یکن لها ولد، فالرجل یرث نصف المهر ویدفع النصف الآخر.
۸ . وقال العلاّمه فی المختلف: وقول ابن إدریس قویّ، وبالجمله فالمسأله مبنیّه على أنّ المقتضی لکمال المهر ما هو ـ ثمّ قال العلاّمه ـ تذنیب: لو مات الزوج قبل الدخول، وجب لها المهر کملاً کما نقلناه فی صوره المسأله. (۱۰۶۲)
۹٫ وقال الفاضل المقداد: والحق أنّ المهر یستقر بالموت لما بیّنا من تملّکه بمجرّد العقد، والأصل البقاء إلاّ ما أخرجه الدلیل ولم یخرجه إلاّ دلیل الطلاق. (۱۰۶۳)
۱۰٫ وقال ابن فهد الحلی: لو مات أحد الزوجین، استقرّ الجمیع على المشهور لوجوبه بالعقد وحصول التنصیف بالطلاق ولم یحصل، ویجب النصف عنده. (۱۰۶۴)
۱۱٫ وقال المحقّق الکرکی: إنّ لزوم الجمیع بموت الزوج قبل الدخول مذهب أکثر الأصحاب، ولزومه بموت الزوجه مذهب عامّه الأصحاب. (۱۰۶۵)
وقد تبیّن لی من هذا الفحص أنّ المشهور بین القدماء إلى عصر السید السبزواری هو القول بعدم التنصیف وقلّ من قال بالتنصیف فی هذه العصور، نعم نقل عن ابن الجنید أنّه قال: الذی یوجبه العقد من المهر المسمّى النصف، والذی یوجب النصف الثانی من المهر بعد الذی وجب بالعقد هو الوقاع أو ما قام مقامه من تسلیم المرأه نفسها، ولعلّ کلامه فی مقابل القول بلزوم الکلّ بالخلوه کما علیه لفیف من الفقهاء من الفریقین، وأوّل من أصحر بالتنصیف صاحب الکفایه حیث قال فی مقام الترجیح: إنّ أخبار التنصیف أکثر وأشهر بین القدماء، لاشتمال کلّ من الکتب الأربعه على بعضها بخلاف الأخبار المعارضه، فانّه لم یروها إلاّ الشیخ. (۱۰۶۶) وتبعه صاحب الحدائق، فعمل بأخبار التنصیف وحمل ما دلّ على دفع المهر کاملاً على التقیه، فقال: فالظاهر عندی ـ بالنظر إلى ما ذکرته من الأخبار ـ هو القول بالتنصیف وحمل الأخبار المعارضه على التقیه التی هی فی اختلاف الأخبار أصل کل بلیّه… قدعرفت أنّ الأخبار الدالّه على التنصیف متکاثره، بحیث لایمکن طرحها ولو جاز ردّها على ما هی علیه من الاستفاضه، وصحّه الأسانید، وروایه الثقاه لها فی الأُصول المعتمده، لأشکل الحال أیّ إشکال، وصار الداء عضالاً وأیَّ عضال. والتأویلات التی ذکرها الشیخ بعیده غایه البعد. (۱۰۶۷)
ولعلّ صاحب الجواهر یرید أحد هذین الفقیهین بقوله: ومن الغریب اتّباع فاضل الریاض بعض مختلی الطریقه فی القول بالتنصیف هنا للنصوص المزبوره التی قد عرفت حالها. (۱۰۶۸)
وقد حکى العلامّه الشیخ عبد اللّه المامقانی: إنّ والده کان یفتی فی بعض أجوبه المسائل بالتنصیف، وقد خرج القول بالتنصیف عن الشذوذ بعد ما أفتى السید الاصفهانی وتبعه الإمام الخمینی، وإلیک نصهما:
قال السید الاصفهانی: لو مات أحد الزوجین قبل الدخول فالأقوى تنصیف المهر کالطلاق خصوصاً فی موت المرأه، والأحوط الأولى التصالح خصوصاً فی موت الرجل. (۱۰۶۹) ومثله عباره الأُستاذ (قدس سره). (۱۰۷۰)
إذا عرفت ذلک فلنذکر أدلّه القائلین بعدم التنصیف، واستدلوا بوجوه:
أدلّه القائلین بلزوم دفع المهر کلّه:
الأوّل: قوله سبحانه: (وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهنَّ نِحْلَهً فَإنْ طِبْنَ لَکُمْ عَنْ شَیء مِنْهُ نَفْساً فَکُلُوهُ هَنِیئاً مَریئاً)(۱۰۷۱).
والاستدلال بالإطلاق حیث لم یقید بکونه قبل الدخول أو بعده.
یلاحظ علیه: أنّ مساق الآیه مساق سائر الآیات الوارده فی هذا الموضوع فإنّ الرجال فی العصر الجاهلی کانوا یبخسون النساء حقوقهنّ، ولایعطوهنّ مهورهنّ وربما کانوا یستردّونها بعد الدفع، وکان هذا موقفهم، ففی هذه الظروف تؤکد الآیه على أنّه یجب إعطاء النساء صدقاتهن ; ویؤیده قوله سبحانه فی نفس تلک السوره: (یا أیّها الّذینَ آمَنُوا لایَحِلُّ لَکُمْ أنْ تَرِثُوا النِّساءَ کُرهاً وَلاتَعْضِلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَیْتُمُوهُنَّ… * وإنْ أردْتُم اسْتِبْدَالَ زَوج مَکانَ زَوْج وَ آتَیْتُمْ إحداهُنَّ قِنْطاراً فَلاتَأخُذُوا مِنْهُ شَیْئاً أتَأخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإثْماً مُبِیناً)(۱۰۷۲).
فعلى ذلک فالآیه ناظره إلى تحریم البخس لحقوقهن، ولا إطلاق فی الآیه قبل الدخول وبعده أو قبل الموت وبعده، بل الآیه منصرفه عن صوره موت الرجل بشهاده أنّها تخاطب الأزواج وتقول: (وآتُوا النِّساءَ صَدقاتِهِنَّ )والخطاب للأزواج الأحیاء.
ویؤید ذلک ما روی أنّ الرجل منهم إذا تزوج أیّمه (المرأه التی مات زوجها) أخذ صداقها دونها، فنهاهم اللّه عن ذلک. (۱۰۷۳)
وبذلک تظهر أنّ الآیه لا تکون مرجِّحه لما دلّ على إعطاء الکل، کما سیوافیک بیانه.
الثانی: ما دلّ على أنّ المهر یملک بنفس العقد، وانّ نماءه بین العقد والقبض للمرأه. (۱۰۷۴)
یلاحظ علیه: أنّه لاشکّ أنّ المرأه تملک المهر ونماءه، ملکیه متزلزله ولکن الکلام فی کون الموت مسقطاً کما أنّ الطلاق مسقط للنصف، فمن المحتمل أن یکون الموت مثله، فغایه ما یمکن هو استصحاب ملکیه الجمیع للزوجه ولکن الأصل دلیل حیث لا دلیل، فلو دلّت الروایات على التنصیف لما جاز العمل بالأصل، فالمهم هو الدلیل الثالث الذی یرجع إلى التمسک بالروایات.
الثالث: التمسّک بالروایات الدالّه على عدم التنصیف وأنّه یجب دفع المهر کلّه، وقد رواها الشیخ من بین المشایخ الثلاث، ونقلها صاحب الوسائل فی الباب الثامن والخمسین من أبواب المهور مبتدئاً من الحدیث رقم عشرین إلى الخامس والعشرین، فیکون المجموع سته روایات قد رواها :
۱ـ سلیمان بن خالد۲ـ أبو الصباح الکنانی۳ـ الحلبی۴ـ زراره ۵ ـ أبوبصیر ۶ـ منصور بن حازم.
هؤلاء رجال هذه الأحادیث، وفیهم من یحتج بحدیثه على الوجه الأتم والأکمل کزراره والحلبی،غیر أنّ فی الاحتجاج بهذه الأحادیث مشاکل نشیر إلیها:
أوّلاً: أنّ هذه الروایات رواها الشیخ فقط من بین المشایخ الثلاثه، وما رواها الکلینی ولا الفقیه، فلا تجد فی کتابیهما أثراً عن هذه الأحادیث وإنّما تفرّد الشیخ بنقلها، فنقلها کما نقل الأحادیث الدالّه على التنصیف فرجّح الأحادیث الأُولى وحمل ما دلّ على النصف على الاستحباب بمعنى أنّه یستحب للمرأه أو لأولیائها ترک نصف المهر.
وثانیاً: أنّ بین رواه هذه الأحادیث کزراره والحلبی من روى أیضاً خلافه، کما سیوافیک بیانه عند البحث عن دلیل القول بالتنصیف.
ثالثاً: أنّ فی هذه الأحادیث قرینه واضحه على صدورها تقیه، وإلیک بیانه: وذلک: انّ منصور بن حازم سأل أبا عبد اللّه (علیه السلام)مره عن الرجل یتزوج المرأه فیموت عنها قبل أن یدخل بها؟ قال: «لها صداقها کاملاً». (1075)
ثمّ رجع إلیه مره أُخرى سأله عن تلک المسأله أیضاً، قال الإمام: «لها المهر کاملاً ولها المیراث»، فقال ابن حازم للإمام: فإنّهم رووا عنک أنّ لها نصف المهر؟ قال الإمام: «لا یحفظون عنّی، فإنّما ذلک للمطلقه». (1076)
ثمّ إنّ السائل یروی عن أبی عبد اللّه (علیه السلام)شیئاً ثالثاً وهو أنّه قال له: «ما أجد أحداً أُحدِّثه، وإنّی لأُحدِّثُ الرجل بالحدیث فیتحدث به فأُوتی فأقول: إنّی لم أقله».(1077)
فإنّ إمعان النظر فی الجمله الأخیره یرفع الستر عن وجه الحقیقه وأنّ الإمام (علیه السلام)کان حدّث بالنصف أوّلاً فأذاعته الرواه بین أبناء العامه، فلمّـا أتوا إلى الإمام (علیه السلام)ثانیاً نفى التحدّث؟ وقال: «إنّی لم أقله» وکأنّه یرید بذلک ما قاله فی الحدیث الثانی، بقوله: «لا یحفظون عنّی، فإنّما ذلک للمطلّقه» فهو بمنزله قوله: «إنّی لم أقله» فیکون الحکم بالنصف حکماً واقعیّاً، أنکره الإمام لمصلحه فیعرب أنّ ما صدر من الإمام فی ذلک الموقف کان للتقیه ومماشاه لأبناء العامه.
قال الشیخ الحرّ العاملی بعد نقل الروایه الأخیره: وهذا قرینه واضحه على حمل حدیث «منصور بن حازم» السابق على التقیه. وتظهر حقیقه الحال بالرجوع إلى کتبهم.
نعم إنّ المسأله (موت أحد الزوجین بعد الفرض وقبل الدخول) غیر معنونه غالباً فی کتب أهل السنّه وإنّما المعنون فی کتبهم مسأله أُخرى وهی: (موت أحد الزوجین قبل الفرض وقبل الدخول) وقد اختلفت کلمتهم فیها فمن قائل بمهر المثل قیاساً بمسألتنا من وجوب مهرالمسمّى فیها، وهو یعرب عن وجود التسالم بینهم فیها، إلى آخر قائل بعدم الوجوب.
قال الشیخ: إذا مات أحدهما قبل الفرض وقبل الدخول فلا مهر لها، وبه قال من الصحابه علیّ (علیه السلام) وابن عباس، وزید، والزهری، وبه قال ربیعه ومالک والأوزاعی وأهل الشام وهو أحد قولی الشافعی.
والقول الآخر: لها مهر مثلها، وبه قال ابن مسعود، وأهل الکوفه وابن شبرمه وابن أبی لیلى والثوریّ وأبو حنیفه وأصحابه وأحمد وإسحاق. (۱۰۷۸)
یقول ابن قدامه فی مسأله «لو مات أحدهما قبل الإصابه وقبل الفرض» : إنّ لها مهر نسائها، لأنّ الموت یکمل به المسمّى فکمل به مهر المثل المفوضّه کالدخول. وقیاس الموت على الطلاق غیر صحیح، فإنّ الموت یتم به النکاح فیکمل به الصداق، والطلاق یقطعه، ویزیله قبل إتمامه، ولذلک وجبت العدّه بالموت قبل الدخول ولم تجب بالطلاق وکمل المسمّى بالموت ولم یکمل بالطلاق.(۱۰۷۹)
وقال ابن رشد: إذا مات الزوج قبل تسمیه الصداق وقبل الدخول بها. فإنّ مالکاً وأصحابه والأوزاعی قالوا: لها صداق ولها المتعه والمیراث، وقال أبو حنیفه: لها صداق المثل والمیراث، وبه قال أحمد وداود، وعن الشافعی قولان…. (۱۰۸۰)
ولیس فی هذه المسأله أثر من التنصیف فالکلام یدور بین وجوب تمام مهر المثل، أو عدمه تماماً.
ولعلّه على هذا الأساس یقول شیخنا محمّد جواد مغنیه: وإذا مات أحد الزوجین قبل الدخول فلها تمام المهر المسمّى عند الأربعه. (۱۰۸۱)
هذا کلّه حول القول بلزوم دفع المهر کلّه، وإلیک دراسه القول الثانی:
ما یدل على لزوم دفع النصف فقط
استدلّ القائلون بانتصاف المهر بموت الزوجه بروایات متضافره رواها أعلام الرواه وفیهم شخصیات بارزه، نظراء:
۱ـ محمّد بن مسلم۲ـ أبو عبیده الحذّاء ۳ـ زراره ۴ـ عبید بن زراره ۵ـ عبداللّه بن الحجاج ۶ـ الحلبیّ ۷ـ ابن أبی یعفور ۸ ـ فضل بن عبد الملک أبو العباس ۹ـ أبوالجارود ۱۰ ـ الحسن الصیقل ۱۱ـ جمیل بن صالح ۱۲ـ عبداللّه بن بکیر.(۱۰۸۲)
روى الأخیر عن بعض أصحابنا عن أبی عبد اللّه (علیه السلام)فی رجل أرسل یخطب علیه امرأه وهو غائب، فأنکحوا الغائب وفرضوا الصداق ثمّ جاء خبره أنّه توفی بعد ما سیق الصداق، فقال: «إن کان أملک بعد ما توفی، فلیس لها صداق ولامیراث، وإن کان أملک قبل أن یتوفّى فلها نصف الصداق وهی وارثه وعلیها العدّه». (1083)
والمراد من «أملک» هو أنکح، وکأن الرجل بالنکاح یملک المرأه وهکذا العکس، ویجب علاج هذه الروایات مع ما دلّ على تمام المهر، وقد عرفت فی دراسه القول الأوّل أنّ هناک قرینه تدل على أنّ ما دلّ على التمام ورد تقیّه، وأنّ الإمام (علیه السلام)أنکر صدورها على النحو الذی مرّ.
ثمّ إنّ القائلین بعدم الانتصاف، حاولوا أن یعالجوا تلک الروایات الهائله بوجوه مختلفه نذکرها واحداً بعد الآخر.
۱٫ حمل الروایات الدالّه على الانتصاف على التقیه.
یلاحظ علیه: أنّها محاوله فاشله، لما عرفت من اتّفاق العامه على التمام ولیس فی کلماتهم أیُّ أثر من الانتصاف حتّى أنّ کلامهم فی ما إذا مات الزوج قبل الدخول وقبل الفرض، یدور بین دفع تمام مهر المثل وعدم دفع شیء أصلاً، ولیس فیهم من یقول بالانتصاف فیه فکیف فی مسألتنا هذه؟
۲٫ الحمل على النسیان والاشتباه وأنّ الإمام (علیه السلام)قال به فی المطلقه فاشتبه المراد على الرواه، فنقلوه فی المتوفى عنها زوجها، ویدل علیه قوله فی روایه منصور بن حازم; قلت: فإنّهم رووا عنک أنّ لها نصف المهر؟ قال: «لا یحفظون عنّی، إنّما ذلک للمطلّقه» . (1084)
یلاحظ علیه بأُمور:
الف: أنّ الاشتباه یتسرّب إلى ذهن واحد أو اثنین من الرواه لا إلى اثنی عشر راویاً یعدّ أکثرهم من الطبقه العلیا من أصحاب الأئمّه (علیهم السلام)، ومن المستحیل عاده أن یشتبه المراد على هؤلاء الذین طرحوا الأسئله فی مجالس متعدّده وسمعوا الجواب منهم ونقلوه.
ب: أنّ الاشتباه فی نقل الجواب لا یتلاءم مع متون أسئلتهم، لأنّ جمیع الأسئله راجعه إلى موت الزوج، فکیف یمکن أن یکون السؤال عن موته ویکون الجواب عن طلاقه؟ فإنّ لازم ذلک أن لا تکون للجواب صله بالأسئله المتکرره.
ج: کیف یمکن الحمل على الاشتباه مع أنّه ورد السؤال فی بعض الروایات عن موت الزوج والزوجه معاً، وفی بعض آخر عن موت الزوج والزوجه والطلاق قبل الدخول، فجاء الجواب: فی الجمیع النصف. روى عبید بن زراره قال: سألت أبا عبد اللّه (علیه السلام)عن رجل تزوج امرأه ولم یدخل بها؟ قال: «إن هلکت أو هلک أو طلّقها فلها النصف وعلیها العدّه کملاً ولها المیراث». (1085)
۳٫ ما ذکره الشیـخ فی کتابیه من حمل انتصاف المهر بمـوت الزوج على الاستحباب بمعنى أنّه یستحب للمرأه ولأولیائها ترک المطالبه، فالواجب هو الکلّ، والمستحب على الأخذ هو الاکتفاء بالنصف.
یلاحظ علیه: أنّه لیس فیها ما یدل على ما ذکروا إنّما الظاهر من الجمیع أنّها سیقت لبیان الوظیفه، مضافاً إلى أنّه لایتمشّى مع بعض الروایات کما فی روایه زراره من قوله: «إن هلکت أو هلک أو طلّقها فلها النصف»، فعلى ما ذکره الشیخ، یکون وجوب دفع النصف فی هلاکها أو طلاقه من باب الوظیفه، وأمّا فی هلاکه من باب الاکتفاء بنصف الوظیفه وإذا رضیت هی أو أولیاؤها، یسقط النصف الآخر وهو أشبه باستعمال اللفظ الواحد فی أکثر من معنى.
فإن قلت: إنّ الشهره العملیّه مع روایات التمام، وهی إحدى المرجّحات، بل هل المعیّه للحجه عن اللاّحجّه، والإعراض أحد المسقطات عن الحجّیه، فعلى ذلک یجب العمل بروایات التمام حسب ما حقّق فی الأُصول.
قلت: إنّما یحتج بالشهره العملیه إذا لم یعلم خطأ العاملین بالروایه، وإلاّ فیعمل بالروایه المخالفه، والمقام من هذا القبیل، فإنّ الأصحاب من عصر الصدوق إلى عصر السبزواری عملوا بروایات التمام وغفلوا عن ورودها تقیّه، وقد أوضحنا أنّها صدرت تقیه حتى أنّ الإمام (علیه السلام)التجأ لدفع الشرّ إلى أن ینکر صدورها عنه، فتاره أومأ إلى ذلک، وقال: «لایحفظون عنّی إنّما ذلک للمطلّقه» ، وأُخرى صرّح بذلک وقال: «فأُوتیَ، فأقول: إنّی لم أقله أی تقیّه» مع أنّه قاله.
وأمّا الإعراض فلم یثبت، وذلک لأنّ الکلینی والصدوق لم ینقلا إلاّ ما دلّ على الانتصاف، أضف إلى ذلک أنّ القول بالانتصاف نقله أعلام من الرواه، فیعرب عن أنّ الشهره کانت معه من عصر الإمام الصادق (علیه السلام) إلى عصر الصدوق (رحمه الله)، فمع ذلک کیف یمکن القول بالإعراض عنها؟
فالظاهر هو العمل بروایات الانتصاف وحمل ما دلّ على التمام على التقیّه.
هذا کلّه حول الصوره الأُولى أی موت الزوج عن المرأه التی لم یدخل بها، وأمّا الصوره الثانیه وهی موت الزوجه عن زوج لم یدخل بها، فقد أطبقت الروایات على الانتصاف (۱۰۸۶) ولا مانع من إبقائها على ظواهرها.
نعم أوّل المحقّق هذه الروایات کما أوّل فتوى الشیخ بالانتصاف فیه بأنّها وردت فیما إذا لم یکن للزوجه ولد، فعندئذ یرث الزوج من المهر النصف ویدفع النصف الآخر. (۱۰۸۷)
ولا یخفى أنّ ظاهر الروایات هو أنّ ما یجب علیه من أوّل الأمر هو نصف المهر، لا أنّ الواجب تمامه.
غایه الأمر بما أنّه یرث منها النصف فلا یدفع إلاّ النصف.
۱۰۵۴ . المقنع: ۱۲۰ ـ ۱۲۱٫
۱۰۵۵ . النهایه: ۴۷۱ ، کتاب النکاح، باب المهور. وسیوافیک انّ المحقّق فی نکت النهایه أوّل قول الشیخ فی الصوره الثانیه وجعلها من قبیل القول بوجوب دفع الکلّ فانتظر.
۱۰۵۶ . المهذّب: ۲/۲۰۴، باب الصداق.
۱۰۵۷ . الوسیله: ۲۹۷٫
۱۰۵۸ . المصدر نفسه: ۲۹۸٫
۱۰۵۹ . السرائر: ۲/۵۸۵ـ ۵۸۶٫
۱۰۶۰ . الجامع للشرائع: ۴۳۹٫
۱۰۶۱ . نکت النهایه: ۲/ ۳۲۳٫
۱۰۶۲ . المختلف: ۷ / ۱۴۶ ، کتاب النکاح، الفصل الثالث فی الصداق.
۱۰۶۳ . التنقیح الرائع: ۳/ ۲۲۵٫
۱۰۶۴ . المهذّب البارع: ۳/ ۳۹۷٫
۱۰۶۵ . جامع المقاصد: ۱۳ / ۳۶۴، کتاب النکاح، أحکام المهر، باب وجوب کمال المهر بالوطء أو الموت.
۱۰۶۶ . الحدائق: ۲۴/۵۵۷ـ ۵۵۸٫
۱۰۶۷ . الحدائق: ۲۴/۵۵۷ـ ۵۵۸٫
۱۰۶۸ . الجواهر: ۲۹/ ۳۳۲٫
۱۰۶۹ . وسیله النجاه: ۳۴۸، کتاب النکاح، فصل المهر.
۱۰۷۰ . تحریر الوسیله: ۲/۲۰۰، المسأله ۱۴، فصل فی المهر.
۱۰۷۱ . النساء: ۴ .
۱۰۷۲ . النساء: ۱۹ـ ۲۰٫
۱۰۷۳ . مجمع البیان: ۲/۷، فی تفسیر الآیه، وقد رواه عن الإمام الباقر (علیه السلام).
۱۰۷۴ . الوسائل: ج ۱۵، الباب ۲۴و۵۴ من أبواب المهور.
۱۰۷۵ . الوسائل: ج ۱۵، الباب ۵۸ من أبواب المهور، الحدیث ۲۳٫
۱۰۷۶ . الوسائل: ج ۱۵، الباب ۵۸ من أبواب المهور، الحدیث ۲۴٫
۱۰۷۷ . الوسائل: ج ۱۵، الباب ۵۸ من أبواب المهور، الحدیث ۲۵٫
۱۰۷۸ . الخلاف: ۴ / ۳۷۸، المسأله ۱۸، من کتاب الصداق.
۱۰۷۹ . المغنی: ۷/۱۷۵، لاحظ قوله: «إنّ الموت یکمل به المسمّى فکمل به مهر المثل» .
۱۰۸۰ . بدایه المجتهد: ۲/ ۲۷٫
۱۰۸۱ . الفقه على المذاهب الخمسه: ۳۴۷٫
۱۰۸۲ . الوسائل: ج ۱۵، الباب ۵۸ من أبواب المهور، الحدیث ۱ـ ۱۶ وفیهم من روى عنه الحدیث بأکثر من طریق واحد کزراره وعبید بن زراره، وقد روى عن الأوّل بطریقین وعن الثانی بثلاث طرق ولذلک ارتقى عدد الأحادیث إلى ۱۶ حدیثاً وانخفض عدد الرواه عن الإمام (علیه السلام)، إلى ۱۲ شخصاً.
۱۰۸۳ . المصدر نفسه، الحدیث ۱۶٫
۱۰۸۴ . الوسائل: ج ۱۵، الباب ۵۸ من أبواب المهور، الحدیث ۲۴٫
۱۰۸۵ . المصدر نفسه، الحدیث ۳، وبهذا المضمون الحدیث ۷، ۸ ، ۹و۱۳ غیر أنّ السؤال فیها عن موتهما ولیس فیها سؤال عن الطلاق.
۱۰۸۶ . الوسائل: ج ۱۵، الباب ۵۸ من أبواب المهور، الحدیث ۳، ۷، ۸، ۹٫
۱۰۸۷ . مضى کلام المحقّق فی نکت النهایه، فلاحظ.