تعلّق النیه بالإحرام ووجوبها
تعلّق النیه بالإحرام
ذکر السید الطباطبائی تبعاً للفقهاء أنّ من واجبات الإحرام النیه وفسر بمعنى القصد إلیه، وعلى ضوء ما ذکره یکون الإحرام مقصوداً، والقصد متوجهاً إلیه، فهل یعمّم ذلک على عامه النظریات فی حقیقه الإحرام أو لا؟ وإلیک دراسته.
أمّا على الأُولى، فلو کان الإحرام أمراً مرکباً من أُمور ثلاثه، أحدها النیه، والآخران التلبیه ولبس الثوبین، فلا یتعلق به النیه، لأنّ أحد أجزائه، هو النیه، فکیف تتعلّق النیه بها، إلاّ أن یقال بأنّه أمر بسیط یحصل من الأُمور الثلاثه، فتتعلّق به النیه، وقد عرفت إشکاله.
وأمّا على الثانیه: توطین النفس على ترک المنهیات فهو بالذات أمر قصدی، فلا تقع متعلّقاً للنیه.
وأمّا على الثالثه، الإحرام أمر اعتباریّ، یتحصل بالتلبیه، فتتعلق به النیه. أمّا السبب ـ أی التلبیه ـ فواضح، وأمّا المسبب فمن طریق تعلقّها بالسبب.
وأمّا الرابعه، أعنی: کونه أمراً إنشائیاً یوجده المحرم بتحریم المحرمات على نفسه، فلو کان آله الإنشاء، هو الالتزام النفسانی فهو بالذات أمر قصدی وإن کانت التلبیه فیصحّ تعلّقها بها.
وأمّا الخامسه، أعنی: الحاله التی تمنع عن فعل شیء من المحرمات المعلومات، فبما أنّها لا تحصل إلاّ بالسبب، یکون حکمها حکم النظریه الرابعه.
وأمّا السادسه، أعنی: الدخول فی العمره والحجّ، بالتلبیه، فتعلّقها به واضح.
الإحرام بلا نیه
لو أحرم من غیر نیه أصلاً بطل، سواء کان عن عمد أو عن سهو أو عن جهل.
أمّا الأوّل ـ أعنی: الترک عن عمد ـ فیبطل نسکه، أی مجموع العمره أو الحجّ، لأنّ العباده بلا نیه کالجسد بلا روح، ولا یصحّ إلاّ بالرجوع إلى المیقات فینوی ویأتی ببقیه الأعمال، وقد تقدّم ذلک فی فصل أحکام المواقیت، المسأله۳٫
وأمّا الثانی: أعنی: إذا ترکه مع السهو والجهل فقد سبق أنّه لا یبطل النسک ویجب علیه تجدیده من المیقات إذا أمکن، وإلاّ فمن حیث أمکن على ما مرّ فی المسأله السادسه من ذلک الفصل، فلاحظ.
اعتبار القربه والخلوص فی النیه
یشترط فی صحّه امتثال الأمر العبادی أمران:
۱٫ کونه آتیاً به للّه سبحانه، لا لغیره، وهذا هو المراد من القربه فیعتبر أن یکون العمل للّه سبحانه.
۲٫ أن یکون خالصاً لوجهه الکریم، لا للریاء ولا للسمعه حتى یراه الناس ویسمعوه، وهذان الأمران معتبران فی صحّه کلّ أمر عبادی.
وجوب النیه من أوّل الشروع فی الإحرام
وجه مقارنتها للشروع فیه واضح، لأنّ الأعمال بالنیات، والنیّه تتعلّق بالعمل من أوّله إلى آخره، فلو أتى ببعض العمل بلا نیّه لا یکون مجزیاً.
ثمّ إنّ صاحب العروه نقل عن بعضهم من أنّ الإحرام تروک، وهی لا تفتقر إلى النیه، والقدر المسلّم من الإجماع على اعتبارها إنّما هو فی الجمله ولو قبل التحلّل.
وأورد علیه أوّلاً: منع کون الإحرام تروکاً فإنّ التلبیه ولبس الثوبین
أفعال.
وثانیاً: اعتبارها فیه على حدّ سائر العبادات فی کون اللازم تحقّقها حین الشروع فیها.
ولم أعثر على القائل وإلاّ فضعفه واضح کما ذکره السید الطباطبائی، بل التروک من أحکام الإحرام لا نفسه.
نعم هو خیره الشیخ فی «المبسوط» إذ قال فیه: الأفضل أن تکون مقارنه للإحرام، فإن فاتت جاز تجدیدها إلى وقت التحلل.(۵۷۲)
ولعلّ الشیخ قد أراد من عدم مقارنه النیّه هو تفکیک التلبیه عن الصلاه فی المیقات فقد ورد ذلک فی بعض الروایات.
ففی صحیح معاویه بن عمار، عن أبی عبد اللّه (علیه السلام) قال: «إذا فرغت من صلاتک وعقدت ما ترید، فقم وامش هنیهه، فإذا استوت بک الأرض ـ ماشیاً کنت أو راکباً ـ فلبّ…».(573)
وعلى ذلک لا تنفک النیّه عن العمل لما عرفت من أنّ الإحرام یتحقّق بالتلبیه.
لزوم تعیین خصوصیات الإحرام فی النیه
قد سبق عن الشرائع والتذکره والمنتهى، من أنّ الواجب فی النیه أن یقصد فی قلبه أُموراً أربعه:
۱٫ تعیین کون الإحرام لحجّ أو عمره، وهذا ما یعبّر عنه فی کلام القدماء بـ«ما یحرم به».
۲٫ تعیین نوعه، لأنّ حجّه الإسلام على ثلاثه أقسام یجب أن یعین نوعه: إمّا تمتعاً، أو إفراداً، أو قراناً.
۳٫ تعیین أنّ الحجّ، حجّه الإسلام أو النذری أو الندبی. وهذا ما یعبّر عنه فی کلامهم بـ«ما یحرم له».
۴٫ نیه الوجه من الوجوب والندب.
وإلیک دراستها:
أمّا الأوّل: أی تعیین (ما یحرم به) من عمره أو حجّ، فقد اختلفت کلمتهم فی تعیین ما یُحرم به من عمره أو حجّ، فذهب الشیخ فی «المبسوط» وابن البراج فی «المهذب» وابن حمزه فی «الوسیله» والعلاّمه فی «التذکره» و«المنتهى» إلى عدم وجوب التعیین حین النیه، بل هو بالخیار بین أن یجعله للحجّ أو للعمره، نعم إن کان فی غیر أشهر الحجّ تعین للعمره. وإلیک کلماتهم:
قال الشیخ: إذا أحرم منهما ولم ینو شیئاً لا حجّاً ولا عمره، کان مخیراً بین الحجّ والعمره أیّهما شاء فعل إذا کان فی أشهر الحجّ، وإن کان فی غیرها فلا ینعقد إحرامه إلاّ بالعمره .(۵۷۴)
وقریب من هذه العباره عبارتا «المهذب»(575) و«الوسیله».(576)
وقال العلاّمه فی «التذکره»: ولو نوى الإحرام مطلقاً ولم یذکر لا حجّاً ولا عمره انعقد إحرامه، وکان له صرفه إلى أیّهما شاء.(۵۷۷) وکذا عباره «المنتهى».(578)
استدلّ القائل بوجوب التعیین بأمرین:
۱٫ انّ الأمر المتعلّق بالعمره غیر الأمر المتعلّق بالحجّ، فتعیین امتثال أحد الأمرین فرع قصد العنوان، أی کونه عمرهً أو حجّاً.
یلاحظ علیه: أنّه مبنی على لزوم قصد الأمر فی تحقّق الامتثال، ولکنّه غیر تام، إذ یکفی فی امتثال الأُمور القربیه والتعبد، إتیان العمل للّه سبحانه خالصاً لوجهه الکریم کما هو سیره المسلمین، ویؤیده قوله سبحانه: (قُلْ إِنّما أَعِظُکُمْ بِواحده أَن تَقُومُوا للّهِ مَثْنى وَفُرادى).(۵۷۹)
۲٫ یظهر من غیر واحد من الروایات أنّ عنوانی العمره والحجّ من العناوین التی یجب قصدهما کعنوانی الظهر والعصر….
ففی صحیحه معاویه بن عمار عن أبی عبد اللّه (علیه السلام) أنّه أمر بالدعاء بعد الصلاه، وقد جاء فیها: «اللّهمّ إنّی أُرید التمتع بالعمره إلى الحجّ على کتابک وسنّه نبیّک».(580)
وفی صحیحه عبد اللّه بن سنان، عن أبی عبد اللّه (علیه السلام) قال: «إذا أردت الإحرام والتمتع فقل: اللّهمّ إنی أُرید ما أمرت به من التمتع بالعمره إلى الحجّ فیسّـر ذلک لی وتقبّله منّی وأعنّی علیه».(581)
وفی صحیح حماد بن عثمان، عن أبی عبد اللّه (علیه السلام) قال: قلت له: إنّی أُرید أن أتمتّع بالعمره إلى الحجّ فکیف أقول؟ قال:«تقول: اللّهمّ إنّی أُرید أن أتمتّع بالعمره إلى الحج…».(582)
وفی صحیح البزنطی عن أبی الحسن (علیه السلام)قال: سألته عن رجل متمتع کیف یصنع؟ قال: «ینوی العمره ویحرم بالحجّ».(583)
إلى غیر ذلک من النصوص المتضمنه ذکر التعیین ولکنّ فی دلاله أکثرها على لزوم التعیین، نظراً.
أمّا الأوّل فلأنّ الدعاء مشتمل على أُمور مستحبه، ومعه کیف یحتج به على لزوم خصوصه؟! وأمّا الثلاثه الباقیه فلأنّ المفروض فیها من جانب الإمام کما فی الثانیه، أو من الراوی کما فی الأخیرتین، هو انّ الحاج یرید من أوّل الأمر حجّ التمتع، فیأمره الإمام أن یقول: اللّهمّ إنّی أُرید أن أتمتع بالعمره إلى الحجّ.
وأمّا لزوم التعیین مطلقاً، حتّى فیما لا یرید سوى الإحرام المطلق، والتعیین بعده فهو ممّا لا یستفاد منها.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر أیّد لزوم التعیین بوجهین آخرین:
۱٫ ما علیه الفقهاء من أنّه إن لم یتوفق للحج فیعدل إلى عمره مفرده، ضروره أنّه لو لم یعتبر التعیین لم یحتج إلى العدول المعتبر فیه ما عرفت، لأنّ الفرض مشروعیه النیه على الإطلاق….
۲٫ ما ورد فی صحیحه معاویه بن عمار من الإشراط وأنّه یقول: «اللّهم إن لم یکن حجه فعمره» وهذا یدلّ على وجوب التعیین عند الإحرام، ولذلک ربّما یشترط أنّه إذا لم یکن حجه فعمره.
وسیوافیک ما هو الکلام الحاسم فی المقام، فانتظر.
حجّه القائل بعدم الوجوب
استدلّ القائل بعدم وجوب قصد أحد العنوانین بوجوه:
الأوّل: انّ النسکین (العمره والحجّ) غایتان للإحرام غیر داخلین فی حقیقته ولا تختلف حقیقه الإحرام نوعاً ولا صنفاً باختلاف غایاته، فالأصل عدم وجوب التعیین کما هو الحال فی غایات الوضوء، حیث لا یعتبر نیتها عند التوضّؤ.
الثانی: انّ أخبار التعیین مبنیه على الغالب أو الفضل وکذا الاشتراط.(۵۸۴)
یلاحظ على الوجهین: أمّا الأوّل: فإنّ قیاس الإحرام بالوضوء قیاس مع الفارق فإنّه أمر عبادیّ أو تقرّبی فی نفسه ولا تتوقف عبادیته أو مقربیته على تعیین الغایه، بخلاف الإحرام فإنّه جزء للعباده، ولا یتعین للجزئیه إلاّ بتبعیه الکل، والمفروض أنّه لم ینو الکل.
وأمّا الثانی: فهو خلاف المتبادر، مع تضافر الأمر به.
الثالث: ما ذکره العلاّمه فی «التذکره» قائلاً بأنّ الإحرام بالحجّ یخالف غیره من إحرام سائر العبادات، لأنّه لا یخرج من الحجّ بالفساد (بخلاف الصلاه). وإذا عقد(فی الحجّ) عن غیره، أو تطوعاً وعلیه فرضه، وقع عن فرضه، فجاز أن ینعقد مطلقاً (ثانیاً).(۵۸۵)
أقول: إنّ إمکان إبطال الصلاه بالمنافیات وعدم إمکان إبطال الحجّ بها، لا صله له بالمقام، أی عدم لزوم قصد العنوان فی الحجّ ولزومه فی الصلاه، والاختلاف فی الأحکام فی مورد لا یکون مؤثراً فیما نحن فیه.
الرابع: ما رواه الفریقان من أنّ النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) خرج من المدینه لا یُسمّی حجّاً ولا عمره بل ینتظر القضاء، فنزل علیه القضاء وهو بین الصفا والمروه، فأمر أصحابه من کان، منهم أهلّ ولم یکن معه هدی، أن یجعلوها عمره.(۵۸۶)
یلاحظ علیه: أمّا أصحابه فقد کانوا أهلّوا بالحجّ تبعاً للرسم الرائج فی الجاهلیه من تفکیک العمره عن الحج، فأحرم کلّهم للحجّ، حتّى أنّهم طافوا وسعوا قبل النزول إلى عرفات بعنوان الحجّ وتقدیم بعض أجزائه،فعند ذاک نزل جبرئیل والنبی على المروه فأمره أن یأمر الناس أن یحلوا إلاّ سائق هدی، فقال رجل: أنُحلُّ ولم نفرغ من مناسکنا؟!(۵۸۷)
وأمّا ما ذکره من خروج النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) من دون أن یسمّی حجّاً ولا عمره، فهو غیر صحیح، لأنّه أحرم حج قران وساق الهدی، وکذلک أمر علیاً أیضاً بعدم الإحلال لأنّه أهلَّ بإهلال النبی (صلى الله علیه وآله وسلم).
الخامس: أنّ الشکّ فی المقام شکّ فی التکلیف وفی وجوب التعیین ومقتضى الأصل عدم وجوبه وبراءه الذمه.
یلاحظ علیه: أنّ الأصل دلیل حیث لا دلیل، وقد عرفت الدلیل على لزوم التعیین .
ثمّ إنّ صاحب العروه أشار إلى فرعین:
۱٫ کفایه التعیین الإجمالی ولو بأن ینوی الإحرام لما سیعیّنه.
۲٫ ما لو نوى مردداً مع إیکال التعیین إلى ما بعد، فقال بالصحه فی الأوّل والبطلان فی الباقی.
والظاهر أنّ الفرق بینهما غیر ظاهر، والفرعان ینبعان من مصدر واحد، لأنّه بعدُ لم یعین فیکون مبهماً فی الواقع، وأشار إلى ما ذکرنا بعض المعلّقین قائلاً: الفرق بینه و بین الفرض الآخر مشکل، نعم ذکر المحقّق الخوئی شیئاً وربما یکون فارقاً حیث قال: باعتبار أنّ المنوی معین فی علم اللّه، فیکون إشاره إلیه.(۵۸۸) فلو صحّ ذلک لصحّ فی الفرض الآخر.
فی صلاحیه الظروف لتعیین کون الإحرام للعمره أو الحج
ثمّ إنّ محط البحث فی لزوم تعیین کون الإحرام للعمره أو الحجّ، ما صلحت الظروف لکلّ واحد منهما ، کما إذا أتى بحجه الإسلام فی السنه السابقه مثلاً وصح أن یتمتع، أو یفرد ویقرن، وأمّا إذا لم یصلح إلاّ لواحد کما إذا لم یحجّ أصلاً، فبما أنّ الزمان لا یصلح إلاّ للعمره فی المتمتع، أو للحجّ کما فی المفرد والقارن فهو متعین واقعاً، ولیس له إلاّ قصد ما هو الوظیفه، لا قصد الجامع، لأنّه لیس بمحبوب. ونظیره ما إذا کان الإحرام فی غیر أشهر الحجّ، فإنّ الزمان لا یصلح إلاّ للعمره المفرده. والجامع غیر مطلوب إلاّ فی ضمن الفرد المعین.
کلام حاسم
إنّ السید المحقّق البروجردی کان یقول بأنّ کلّ عنوان وقع تحت الأمر، فهو ظاهر فی لزوم قصده، کعنوان الظهر والعصر والأداء والقضاء، وعلى ضوء ما ذکره، فکلّ من العناوین التالیه: العمره والحجّ بأنواعه: التمتع والقران والإفراد وقعت تحت الأمر، کما هو ظاهر لمن راجع الأخبار، ولیست هذه العناوین، عناوین مشیره إلى ذات العمل، حتّى یکفی نفس القیام بالعمل من دون قصد عنوانه.
فالقول بلزوم القصد والتعیین من أوّل الأمر فی الموردین لا یخلو من قوّه.
ومنه یظهر حال الأُمور التالیه:
۱٫ عنوان حجه الإسلام، إذ یکفی فیه، قصد التمتع أو أحد قسیمیه من دون حاجه إلى قصد عنوان آخر.
۲٫ کونه لنفسه أو لغیره إذا صلح الزمان لکلّ من العملین، فالظاهر کفایه قصد الجامع، لأنّ الجامع أمر مطلوب ومحبوب، وکفایه التعیین بعده.
۳٫ إذا وجب علیه کلا الحجین حجه الإسلام والحج النذری إذا کان فوریاً فهل یجب التعیین؟ والظاهر عدم إمکان تصویر مورد یصلح لکلا العملین، فإنّ التأثیر للسبب المتقدم، فلو نذر، ثم استطاع فیقدم الحجّ النذری على غیره، کما أنّه إذا انعکس، عکس.
۴٫ إذا اجتمع الأمر الندبی والوجوبی، فلا شکّ فی تقدم الثانی، لما قلنا فی محله من أنّ الأصل فی امتثال الأمر هو الفوریّه والتأخیر یحتاج إلى الدلیل، إلاّ إذا کان الواجب محدداً بزمان متأخّر.
إلى هنا تبیّن حکم الأُمور الثلاثه، وأمّا الأمر الرابع ـ أعنی: قصد الوجه ـ فقد طرحه السید الطباطبائی فی المسأله التالیه.
عدم وجوب قصد الوجه من الوجوب والندب
لقد حقّق فی محلّه من عدم وجوب قصدهما وأنّ الواجب هو قصد الأمر أو کون العمل للّه تعالى، وأمّا قصد وجه العمل فلیس على وجوبه دلیل. وذلک لأنّ الواقع لا یخلو من أحد أمرین:
۱٫ انّ قصد الوجه من القیود التی لا یصح أخذها فی متعلّق الأمر العبادی، فعلى ذلک لا یصحّ التمسّک بالإطلاق اللفظی بأن یقال: إنّ متعلق أوامر العباد، مطلقه لیس فیها لهذا القید عین ولا أثر.
۲٫ انّ قصد الوجه ممّا لا یصحّ أخذه فی متعلق الأوامر، حسب ما اختاره الشیخ الأنصاری، وتبعه المحقّق الخراسانی ـ قدس الله سرهما ـ فلا یصحّ عندئذ التمسک بالإطلاق اللفظی، إذ لا یکون عدم ذکره فی المتعلّق دلیلاً على عدم مدخلیته، لکنّه لما کان من القیود التی یغفل عنها أکثر الناس، فعلى الشارع أن یشیر إلیه ولو بدلیل منفصل وهو أیضاً لیس بموجود، وهذا نسمّیه بالإطلاق المقامی.
لا یعتبر فی الإحرام استمرار العزم على ترک محرماته
لا شکّ أنّ الحجّ والصوم یشترکان فی لزوم ترک أُمور، تعدّ من المفطرات فی الصوم کالأکل والشرب، ومن المحرمات فی الحجّ کالعقد والزینه واستعمال الطیب والنظر إلى المرآه والمراء والجدال إلى غیر ذلک.
ومع ذلک کلّه فإنّ بین الأمرین فرقاً واضحاً وهو أنّه یشترط فی الصوم، العزم على ترک المفطرات فی مجموع النهار فیکون فی کلّ جزء من أجزاء النهار مأموراً بالإمساک، فلابدّ أن یکون کلّ جزء مقترناً بالنیه، فلو أفطر أو نوى استعمال المفطر یبطل صومه وإن لم یفطر لعدم استمرار نیه العزم على ترکه.
وهذا بخلاف الحجّ، فالمعتبر فیه ـ حسب تعبیر السید الطباطبائی ـ هوالعزم على ترکها مستمراً عند الإحرام، فلو لم یعزم من الأوّل على استمرار الترک، بطل; وأمّا لو عزم عند الإحرام على استمرار الترک ثمّ تهاون فی أثنائه فارتکب بعض المحرمات، فلا یکون الحجّ باطلاً لعدم اشتراط استدامه النیه فی الحجّ دون الصوم.
وبعباره أُخرى: إنّ الصوم عباره عن نیه الإمساک فی کلّ جزء جزء من أجزاء الزمان، فلو أفطر فی جزء فقد فات منه الصوم لعدم نیه الإمساک فی جزء من أجزاء الزمان; بخلاف الحجّ، فإنّه یکفی العزم على ترکها مستمراً عند الإحرام فقط والمفروض تحقّقه ولا یعتبر استمرار العزم على ترک المحرمات، وبعباره أُخرى: یعتبر فی حدوثه، لا فی بقائه.
هذا هو الّذی قصده السید الطباطبائی (رحمه الله) ، وعلى ذلک فالواجب هو العزم على ترکها مستمراً عند الإحرام لا استمرار العزم على ترک المحرمات.
ویترتّب على ذلک أنّه لو کان عازماً على ارتکاب المحرم من أوّل الأمر کالاستظلال، یبطل إحرامه، لأنّ الإحرام هو العزم على ترک المحرمات والمفروض أنّه لم یکن کذلک.
وأمّا إذا کان عازماً على الترک مستمراً عند الإحرام لکن بدا له فی ثنایا العمل الاستظلال أو التزین، فهو لا یبطل الحجّ وإنّما تجب الکفّاره. وکأنّه کالبیع، فلو عدل البائع بعد الإنشاء والقبول والتفرق فلا یؤثر فی البیع.
إنّ ما ذکره اعتبار العزم الاستمراری، حدوثاً لا بقاءً یتم على أکثر الوجوه المذکوره فی تفسیر الإحرام، سواء قلنا بأنّه مرکّب من أُمور ـ منها النیّه ـ على فرض توسیع متعلّقها إلى التروک وعدم حصره فی الأُمور الأربعه المذکوره فی کلام العلاّمه فی «التذکره» و«المنتهى»، أم قلنا بأنّه من مقوله «توطین النفس على ترک المنهیات» فیکفی التوطین حدوثاً لا بقاءً.
أو قلنا بمقاله السید الحکیم وأنّه صفه خاصه اعتباریه تحصل للمحرم بتوسط الالتزام بترک المحرمات أو نیه ترک المحرمات، فیکفی الالتزام الحدوثی، أمّا على القول بأنّ التلبیه سبب الإحرام وعلته ـ کما علیه المحقّق الخوئی ـ أو بما قلنا بأنّه عباره عن الدخول فی العمره أو التمتع، فالالتزام بالتروک من أحکام الإحرام لا من مقوماتها فلا یضرّ حتّى ولو کان قاصداً لعدم الترک من أوّل الأمر.
والحاصل: أنّه إذا کان الإحرام عباره عن التلبیه بنیه الدخول فی العمل الّذی له أحکام. فلا یبطل الحجّ حتّى ولو لم یعزم من الأوّل على استمرار الترک، لأنّ ترک المحرمات لیس من مقومات الإحرام، بل من أحکامه.فالعزم على عدم العمل بالأحکام غیر العزم على ترک الإحرام.
والحاصل: أنّ المتبادر من الروایات أنّ الإحرام هو التلبیه بنیه الدخول فی عمل العمره أو الحجّ، وهذا متحقق وله آثار قد یمتثلها المکلف وأُخرى یخالفها، على أنّ نشوء العزم القطعی بالنسبه إلى کلّ واحد من المحظورات ربّما لا یتمشّى من کلّ زائر من أوّل الأمر.
لو نسی المحرم ما عیّنه من حج أو عمره
المسأله معنونه عند الفریقین، وهذا یعرب عن وجود الابتلاء بها ،وفیها أقوال نستعرضها فیما یلی:
۱٫ یجعله عمره
قال الشیخ فی «الخلاف»: إذا أحرم فنسی، فإن عرف أنّه أحرم بشیئین ولم یعلم ما هما جعلهما عمره; وإن نسی فلم یعلم بماذا أحرم منهما، أو لم یعلم هل بهما أو بأحدهما، مثل ذلک جعله عمره ویتمتع .
واستدلّ علیه: بأنّه إن کان الإحرام بالحج فقد بیّنا أنّه یجوز له أن یفسخه إلى عمره یتمتع بها، وإن کان بالعمره فقد صحّت العمره على الوجهین، وإذا أحرم بالعمره لا یمکنه أن یجعلها حجه مع القدره على إتیان أفعال العمره، فلهذا قلنا: یجعلها عمره على کلّ حال.(۵۸۹) وما ذکره من العدول والفسخ فقد ذکره فی المسأله ۳۷: من أنّه من أحرم بالحجّ ودخل مکه جاز أن یفسخه ویجعله عمره ویتمتع بها، وخالف جمیع الفقهاء فی ذلک وقالوا: هذا منسوخ. دلیلنا: إجماع الفرقه والأخبار التی رویناها، وأیضاً لا خلاف أنّ ما قلناه هو الذی أمر به النبی (صلى الله علیه وآله وسلم)أصحابه وقال لهم: «من لم یسق هدیاً فلیحل ولیجعلها عمره» وروى ذلک جابر وغیره بلا خلاف فی ذلک .
وحاصل کلامه: أنّه إن أحرم بنیه التمتع، فیتعین فی العمره، وإن أحرم بنیه حجّ الإفراد، فقد ثبت أنّه یجوز لمن نوى الإفراد إذا ورد مکه أن یعدل إلى عمره التمتع .
وما ذکره متین ولکنّه خاص بصوره واحده، وهی ما إذا أحرم فی أشهر الحجّ وتردد بین عمره التمتع وحجّ الإفراد.
واختاره فی التحریر وقال: لو أحرم بنسک ثمّ نسیه… وفی الخلاف جعل ذلک عمره وهو حسن.(۵۹۰)
واستحسنه فی «المنتهى» أیضاً ونقل دلیل الشیخ فی «الخلاف».(591)
وهو خیره أحمد قال الخرقی فی متن المغنی: وإن أحرم بنسک ونسیه جعله عمره.(۵۹۲)
۲٫ یتخیر بین جعله عمره أو حجاً
قال فی «المبسوط»: ومن أحرم ونسی بماذا أحرم کان بالخیار إن شاء حجّ وإن شاء اعتمر، لأنّه لو ذکر أنّه أحرم بالحجّ جاز له أن یفسخ ویجعله عمره على ما قدّمناه.(۵۹۳)
یلاحظ علیه: بأنّ التعلیل لا یثبت التخییر فی عامه الصور، وذلک لأنّه لو أحرم للحجّ جاز له العدول إلى عمره التمتع ـ حسب ما مرّ عن الخلاف ـ وأمّا إذا أحرم للعمره فلا یجوز له العدول إلى حجّ الإفراد فکیف یکون مخیّراً مطلقاً؟!
وقال فی «الشرائع»: ولو نسی بماذا أحرم، کان مخیراً بین الحجّ والعمره، إذا لم یلزمه أحدهما.(۵۹۴)
وقال فی شرح المغنی: إذا أحرم بنسک ثم نسیه قبل الطواف فله صرفه إلى أی الأنساک شاء، فإنّه إن صرفه إلى عمره وکان المنسی عمره فقد أصاب، وإن کان حجّاً مفرداً أو قراناً فله فسخهما إلى العمره على ما سنذکره.(۵۹۵)
ولا یخفى قصور الدلیل من إثبات التخییر، لأنّه لو أحرم لحج الإفراد، جاز له العدول إلى عمره التمتّع، بخلاف العکس.
۳٫ یخیر إذا لم یلزمه أحدهما
ذهب المحقّق إلى أنّه مخیّر بینهما إذا لم یلزمه أحدهما، قال: ولو نسی بماذا أحرم کان مخیراً بین الحجّ والعمره إذا لم یلزمه أحدهما.
وفی «القواعد»: ولو نسی ما عینه تخیّر إذا لم یلزمه أحدهما.(۵۹۶)
وقال فی «الجواهر» بعد نقل عباره «الشرائع»:«وإلاّ صرف إلیه»: کما صرح به الفاضل والشهیدان وغیرهم، لأنّه کان له الإحرام بأیّهما شاء إذا لم یتعین علیه أحدهما، فله صرف إحرامه إلى أیّهما شاء، لعدم الرجحان وعدم جواز الإحلال بدون النسک إلاّ إذا صد أو أُحصر، ولا جمع بین النسکین فی إحرام، أمّا إذا تعین علیه أحدهما صرف إلیه، لأنّ الظاهر من حال المکلف الإتیان بما هو فرضه خصوصاً مع العزم المتقدم على الإتیان بذلک الواجب.(۵۹۷)
یلاحظ علیه: أنّ عدم لزوم أحدهما لا یکفی فی الحکم بالتخییر، بل یجب مع ذلک صلاحیه الزمان لکلا الأمرین، ولذلک یجب التفصیل الآتی.
۴٫ یتخیر لو لم یلزمه أحدهما وصحّ الإحرام عنهما
الفرق بین هذا القول، والقول الثالث، أنّ السابق منهما، اکتفى فی نفی التخییر، بقید واحد، وهو إذا لزمه أحدهما، وأمّا هذا القول فهو یُقیّد التخییر بقیدین:
أ. إذا لم یلزمه أحدهما.
ب. وصحّ الإحرام عن کلا الأمرین.
وحاصل هذا التفصیل:
۱٫ إذا تعیّن أحد الأمرین من العمره والحجّ فیقدم المتعیّن، لأنّ الظاهر من حال المکلّف الأخذ بما هو الواجب.
۲٫ إذا لم یلزمه أحدهما وکان الزمان صالحاً لأحد الأمرین کالعمره المفرده فی غیر أشهر الحجّ، فیجعله لما یصح.
۳٫ إذا لم یلزمه أحدهما وصحّ الإحرام عن کلا الأمرین، فهو مخیّر بین الأمرین.
۵٫ تجدید النیّه
وهذا هو الظاهر من السید الطباطبائی حیث قال: لو نسی ما عینه من حجّ أو عمره وجب علیه التجدید.
وجهه هو بطلان إحرامه لإجمال المکلّف به وعدم الطریق إلى امتثاله ولو بالاحتیاط بفعل کلّ محتمل.(۵۹۸)
وما ذکره السید الطباطبائی هو الموافق للقاعده بشرط أن لا یتمکّن من الامتثال الإجمالی، وإلاّ فهو مقدّم على تجدید النیه.
وبعباره أُخرى: أنّ القول بالتجدید عباره أُخرى عن الحکم ببطلان الإحرام الأوّل، فلا یحکم ببطلانه إذا لم یتمکّن من الامتثال التفصیلی أو الإجمالی، وإلاّ فلا تصل النوبه إلى التجدید. وإلیک بعض الأمثله فی ذلک المجال.
۱٫ إذا تردد بین نیه حجّ الإفراد ونیه العمره المفرده فالامتثال الإجمالی ممکن حیث یذهب إلى المواقف ثمّ یرجع إلى مکّه فیأتی بأعمال الحجّ بنیه المردد بین الحجّ والعمره، فإنّ أعمال الحجّ فی مکه مشترکه بینه و بین العمره کالطواف وصلاته والسعی.
۲٫ إذا تردّد بین العمره المفرده وعمره التمتّع یتم أعمال العمره بقصد ما نواه وقصّر وأحلّ، لأصاله البراءه من وجوب الحجّ بعدها وإن أراد الاحتیاط یأتی بأعمال الحجّ رجاءً.
فتلخص من ذلک أنّه لو أمکن الامتثال الإجمالی فهو المقدّم، وإلاّ فیحکم علیه بالبطلان.
نعم إذا لم یمکن الامتثال الإجمالی ودار الأمر بین الباطل والصحیح فتصل النوبه إلى بطلان الإحرام الأوّل وتجدید النیه مثلاً.
۳٫ إذا أحرم فی غیر أشهر الحجّ ثمّ شکّ فی أنّ إحرامه کان للعمره المفرده لیکون إحرامه صحیحاً أو للحجّ فیکون فاسداً، ففی هذا یحکم ببطلان الإحرام ولا یمکن تصحیحه بإجراء أصاله الصحه فی العمل، لأنّ جریانها فرض إحراز عنوان العمل الّذی یوصف بالصحّه والبطلان، کما إذا باع وشکّ فی أنّه کان ربویاً أو لا فیحکم بالصحّه، وأمّا إذا کان العنوان مشکوکاً، کما إذا صدر منه فعل وتردد بین کونه بیعاً أو قماراً، فلا تجری أصاله الصحّه، لعدم إحراز العنوان، وما نحن فیه من هذا القبیل، لأنّ أحد العنوانین (عمره التمتع) محکوم بالصحه، والآخر ـ أعنی: الحجّ ـ محکوم بالبطلان، ومع عدم إحراز العنوان فلا مجرى لأصاله الصحّه. فیصحّ قول السید الطباطبائی بتجدید نیه الإحرام.
لا یصحّ الإحرام بنیه واحده للحج والعمره
هل المراد من الاکتفاء بالنیه الواحده للحجّ والعمره هو عدم التحلّل بینهما الذی کان یرومه الخلیفه الثانی، قائلاً بأنّه یکره أن یراهم معرسین بهن فی الأراک ثمّ یروحون فی الحجّ تقطر رؤوسهم(۵۹۹) ، أو المراد به هو الاکتفاء بنیه واحده وإحرام واحد لعملین مختلفین وإن کان بینهما فصل وتحلل؟ الظاهر هو الثانی وانّ محور البحث هو وحده النیه ، لا ما ربّما یتبعه من عدم الإحلال بین العملین، وربما یظهر من کلمات العلاّمه فی «المختلف» انّ النظر إلى وحده النیه وما یتبعها، من عدم الإحلال بینهما .(۶۰۰)
ثمّ لا یخفى أنّ تعبیر «الشرائع» أفضل من تعبیر صاحب العروه، قال فیه: «ولو أحرم بالحجّ والعمره» فجعل محط البحث، هو وحده الإحرام لکلا العملین، بخلاف السید الطباطبائی فجعل محط البحث وحده النیه للعمره والحجّ وجعلهما عملاً واحداً، فالمقصود واحد والاختلاف فی التعبیر. وعلى کلّ تقدیر ففی المسأله أقوال ثلاثه:
الأوّل: بطلان النیه ویجب تجدیدها
إنّ الحجّ أمر عبادی توقیفی، لا یمتثل إلاّ بما بیّنه الشارع، والمبیّن إنّما هو الإحرامان لعملین، بنیّتین متعددتین، والامتثال بغیر هذا الطریق یحتاج إلى دلیل.
وإلى ما ذکرنا یشیر صاحب المدارک بقوله:
لأنّ المنوی ـ أعنی: وقوع الإحرام الواحد للحجّ والعمره معاً ـ لم یثبت جوازه شرعاً، فیکون التعبّد به باطلاً، وغیره لم یتعلّق به النیه.(۶۰۱)
و على ضوء هذا لو قصد أن یکون إحرامه هذا إحراماً للحجّ والعمره فقد شرّع أوّلاً، وما أتى بما أُمر به ثانیاً، وهذا کاف فی فساد العمل من غیر فرق بین أشهر الحجّ التی تصحّ فیها نیه الإحرام للعمره والحجّ، وغیرها الذی لا یصحّ إلاّ الإحرام للعمره، وقد صرّح به فی «القواعد » حیث قال: ولو نوى الإحرام ولم یعیّن لا حجاً ولا عمره أو نواهما معاً، فالأقرب البطلان وإن کان فی أشهر الحجّ.(۶۰۲)
الثانی: یصرفه إلى المتعیّن منهما إذا تعین علیه أحدهما
هذا هو القول الثانی وحاصله:
۱٫ انّه لو تعیّن أحد الفردین یصرفه إلى المتعیّن، وذلک کما فی الموردین التالیین:
أ. إذا أحرم فی غیر أشهر الحجّ فیصرفه إلى المتعیّن، کالعمره المفرده.
ب. إذا أحرم فی أشهر الحجّ، وعلیه حجّ التمتع، فیصرفه إلیه.
۲٫ ولو لم یتعیّن علیه، کما إذا أتى بالفریضه، یتخیّر بین جعله عمره مفرده، أو حجّاً إفرادیاً، ونقله المحقّق فی «الشرائع» قولاً وقال: ولو أحرم بالحجّ والعمره وکان فی أشهر الحجّ، کان مخیّراً بین الحجّ والعمره، إذا لم یتعیّن علیه أحدهما. وإن کان فی غیر أشهر الحجّ تعیّن للعمره.(۶۰۳)
وقوّاه الفاضل الاصفهانی فی کشفه وقال: فإنّهما إذا لم یدخلا فی حقیقه الإحرام فکأنّه نوى أن یحرم لیوقع بعد ذلک النسکین ولیس فیه شیء.(۶۰۴) والظاهر أنّه (قدس سره) یرید تصحیح الإحرام فی صوره التعیین والتخییر.
یلاحظ علیه: أنّ الإحرام من المفاهیم ذات الإضافه، فکیف یمکن أن یکون الإحرام بما هوهو عباده فإنّ عبادیه الإحرام بما یضاف إلیه من العمره والحجّ، وقد مرّ فی بیان حقیقه الإحرام أنّ الإحرام عباره عن الدخول فی العمره والحجّ، والإحرام جزء من أحد النسکین، وعندئذ فتصویر عبادیته خارجاً عمّا یضاف إلیه کما ترى.
الثالث: یصحّ فی غیر أشهر الحجّ و یبطل فیها
وهذا هو القول الثالث، وحاصله: أنّه لو کان فی أشهر الحجّ بطل ولزم التجدید. وهو خیره المحقّق فی «الشرائع» حیث قال: لو کان فی أشهر الحجّ بطل ولزم التجدید، وإن کان فی غیرها صحّ عمره مفرده
ولعلّ وجهه: أنّه إذا کان الزمان غیر صالح إلاّ للعمره، یکون قصد الحجّ إلى جنب العمره من باب الخطأ فی التطبیق، فکأنّه بصدد امتثال أمر الشارع ولکنّه یتصوّر أنّه مجموع العملین بإحرام واحد، والخطأ فی التطبیق غیر مضر لعدم الإخلال بقصد القربه.
بخلاف ما إذا کان الزمان صالحاً لکلّ منهما، فالمنوی غیر مشروع، وما هو المشروع غیر منویّ، ولیس هنا واقع محفوظ حتى یدخل تحت عنوان الخطأ فی التطبیق. ولعل الصحّه فی هذه الصوره أقوى من القول بتجدید النیّه، وإن کان الثانی أحوط.
وما ذکرنا فی التصحیح إنّما یجری إذا کان جاهلاً بالحکم الشرعی، وأمّا العالم بالحکم ومع ذلک أحرم على النسکین وحاول إتیانهما بإحرام واحد، فهو مشرع والعمل مبغوض.
وأمّا تصحیح ما إذا کان الزمان صالحاً لکلا الأمرین بجعل قصد الغایتین على نحو تعدد المطلوب، فهو غیر تام، لخروجه عن محط البحث، لاستلزامه تعدد النیّه، وهو خلف.
لو نوى کإحرام فلان
إنّ هذه المسأله ربّما تبتلی بها العامه، فإنّ بعض الناس إذا کان مع عالم عارف بأحکام الحجّ وآدابه ینوی الإحرام کإحرام ذلک العالم، حتّى تکون النیّه والمنویّ حذوَ نیّته وإحرامه. ولذلک اعتنى الفقهاء بعنوان هذه المسأله.
قال الشیخ فی «الخلاف»: إذا أحرم کإحرام فلان وتعیّن له ما أحرم به، عمل علیه وإن لم یعلم حجّ متمتعاً. وقال الشافعی: یحجّ قارناً على ما یقولون فی القران.(۶۰۵)
وأساس البحث هو کفایه النیه الإجمالیه وعدمها، لکن لا ینبغی الشکّ فی کفایتها، لأنّ المیزان فی صحّه العباده تمشّی القربه وتمیّز المنوی فی الواقع، وإمکان امتثاله، فلو کان الجمیع متحقّقاً فلا وجه للشکّ فی الصحّه، وعلى ذلک فللمسأله صور:
إذا أحرم بإحرام الغیر فتاره لم یکن ذلک الغیر محرماً فی هذا الوقت.
وأُخرى کان محرماً وکان التابع واقفاً على نیّه المتبوع وکیفیه إحرامه وأنّه لعمره التمتع أو غیرها.
وأُخرى: یکون المتبوع محرماً ولکن التابع لم یکن عارفاً بکیفیه إحرامه.
أمّا الأُولى: فلا شکّ فی بطلانه، لأنّه أحرم إحراماً لا واقع له; کما أنّه لا شکّ فی صحّه الثانیه، لعلمه بکیفیه إحرامه حینه.
إنّما الکلام فی الصوره الثالثه، أی إذا أحرم وکان المتبوع محرماً ولکن التابع لم یکن عالماً بکیفیه إحرامه.
فتاره تنکشف له کیفیه نیته وإحرامه فیما بعد، وأُخرى تبقى على حاله الإبهام دون أن تکشف شیئاً.
وإلیک دراسه الفرعین:
الفرع الأوّل: إذا کان غیر عالم حین الإحرام ولکن انکشف له کیفیه إحرام المتبوع فیما بعد، فالظاهر صحّته،وذلک لأنّ صحّه العباده ـ کما تقدّم ـ رهن أُمور ثلاثه:
۱٫ تمشّی القربه.
۲٫ تمیّز المنوی فی الواقع.
۳٫ إمکان امتثاله فی ظرفه.
والجمیع موجود فی المقام. فخرج ما لو علم بإحرامه ولکنّه لا یتمکّن من العلم بواقع إحرامه، لعدم التمکّن من امتثاله.
هذا حسب القاعده، وربما یستدلّ علیه بفعل الإمام علی (علیه السلام) ففی صحیح معاویه بن عمّار أنّ علیاً قدم من الیمن وسأله رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم)وقال: «وأنت یا علیّ بما أهللت؟!» قال: «قلت یا رسول اللّه: إهلالاً کإهلال النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) » فقال له رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم): «کن على إحرامک مثلی وأنت شریکی فی هدیی».(606)
وفی حدیث الحلبی عن أبی عبد اللّه (علیه السلام) قال: وأقبل علی(علیه السلام) من الیمن فوجد فاطمه (علیها السلام) قد أحلت ووجد ریح الطیب، فانطلق إلى رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم)مستفتیاً… فقال ]رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) [: لا تحلّ أنت، فأشرکه فی الهدی، وجعل له سبعاً وثلاثین، ونحر رسول اللّه ثلاثاً وستین.(۶۰۷)
ولکن الاستدلال بالحدیث لا یخلو من إشکال:
۱٫ أنّ الظاهر من حدیث الحلبی أنّ علیاً ـ کما مرّ ـ لم یُسق الهدی وإنّما اکتفى بقوله: إهلالاً کإهلال النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) ، ومن المعلوم أنّه لا یکفی فی کون الإحرام إحرام قران ما لم یسق الهدی، وعندئذ یکون حکم علی (علیه السلام) حکم سائر المسلمین الذین لم یسوقوا الهدی، فکیف شارک فی هدی رسول اللّه وأمره بعدم الإحلال مع أنّ وظیفته کالآخرین فی الإحلال؟!
۲٫ وجود التناقض بین روایه الحلبی وروایه معاویه بن عمّار، فإنّ الظاهر من روایه الحلبی هو أنّ علیاً لم یسق الهدی، وإنّما خصّ له النبی سبعاً وثلاثین.
والظاهر من صحیحه معاویه بن عمّار أنّ علیاً ساق الهدی حیث جاء فیها: «فلمّا أضاء له النهار أفاض حتّى انتهى إلى منى فرمى جمره العقبه، وکان الهدی الّذی جاء به رسول اللّه أربعاً وستین أو ستاً وستین وجاء علیٌّ بأربعه وثلاثین أو ست وثلاثین.
فنحر رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم)ستاً وستین ونحر علیٌّ أربعاً وثلاثین بدنه، وعلى هذا یکون إحرام علی (علیه السلام) إحرام حجّ القران بلا إشکال من دون حاجه إلى النیّه الإجمالیه.
ومع ذلک ففی نفس روایه معاویه بن عمار تدافع بین الصدر والذیل، فأمّا الذیل فقد عرفت، وأمّا الصدر فقد جاء فیه: «فقال له رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) : کن على إحرامک مثلی وأنت شریکی فی هدیی».
وهذا یعرب عن أنّ علیاً لم یسق هدیاً.
فالأولى الاستدلال على الصحّه بنفس القاعده.
الفرع الثانی: إذا لم یکن عارفاً بکیفیه النیّه عند الإحرام وبقی على الإبهام دون أن ینکشف واقع نیّه المتبوع. ففیه قولان:
۱٫ البطلان، وهو خیره صاحب العروه.
۲٫ یتمتّع إذا کان فی مقام یصحّ له العدول إلى التمتّع.
أمّا القول الثانی فهو خیره الشیخ فی «الخلاف» فقال: وإن لم یعلم حجّ متمتعاً.(۶۰۸) ویؤید ذلک ما مرّ فی المحرم الناسی، فلاحظ ما ذکرناه .
لو وجب علیه نوع من الحج ونوى غیره
هذا الفرع یختلف عمّـا مضى فی أوّل الفصل من اشتراط النیّه وأنّه لو أحرم من غیر قصد أصلاً بطل، وذلک لأنّ الموضوع فیما سبق هو لمن لم ینو أصلاً، وأمّا المقام فالمفروض أنّه نوى غیر المفروض علیه، وعندئذ لا یجزی عن الفرض، کما إذا نوى حجّ الإفراد مع کون المفروض علیه هو حجّ التمتّع، فلا یجزی عن الفرض، أی حجّ التمتع، وهو واضح، وأمّا وقوع ما نوى ففیه التفصیل بین ما یصحّ وقوعه عنه فی هذه الحاله، کما إذا نوى العمره المفرده فی أشهر الحجّ حیث یصحّ العمره المفرده مع أنّ الفرض هو عمره التمتع وحجّه وما لا یصحّ وقوعه فیها کما إذا نوى الإحرام للحجّ المفرد مع وجوب حجّ التمتع علیه.
لو نوى نوعاً ونطق بغیره
وذلک لأنّ الأعمال بالنیّات، والألفاظ طریق إلى النیّه، فإذا تعلّقت النیّه بشیء وتخلّف عنه الطریق فلا یؤخذ به.
لو کان فی أثناء نوع وشک فی أنّه نواه
وذلک لجریان أصاله الصحّه، فی ما أتى، ولیس الشکّ فی أصل النیّه حتّى یکون الموضوع لجریان أصاله الصحّه غیر محرز.
توضیحه: إذا وجب علیه حجّ التمتّع ورأى نفسه أنّه یطوف لهذا النوع من الحجّ، فلو شکّ فی أنّه هل نوى حجّ التمتّع أو غیره؟ فقد اختار السید الحکیم البطلان، قائلاً: بأنّ قاعده التجاوز أو الصحّه إنّما تجری مع الشکّ فی تحقّق ما له دخل فی تمامیه المعنون بعد إحراز عنوانه، والنیّه لما کانت بها قوام العنوان، فمع الشکّ فیها، یکون الشکّ فی العنوان لا فی المعنون.(۶۰۹)
وذهب السید الخوئی إلى الصحّه ، قائلاً: بأنّ الشکّ لیس فی أصل النیّه حتّى یکون فی أصل العنوان.(۶۱۰)
والظاهر ما اختاره السید الحکیم ، لأنّ أمر النیّه بما هی هی لا یکفی فی إحراز العنوان، بل یجب إحراز ما یضاف إلیه من الإحرام لحجّ التمتّع، والمفروض أنّه غیر محرز، لاحتمال أنّه نوى غیره.
ولو صحّ ما ذکره السید الخوئی من کفایه إحراز نیه الحج، وإن لم یحرز نوع العمل، فالأولى التفصیل بین الصورتین التالیتین:
۱٫ إذا صحّ کلا العملین منه فی هذه الحاله، کما إذا تردد أنّه نوى العمره المفرده أو حجّ التمتع مع کون الواجب علیه هو الثانی، فلا یثبت أصاله الصحّه أو قاعده التجاوز أنّه نوى ما علیه، لأنّ نسبتها إلیهما على السواء، فیجب علیه الجمع بین العملین، بجعل ما فی هذه عمره مفرده، ثمّ الإحرام لحجّ التمتع.
۲٫ إذا لم یصحّ إلاّ أحد العملین، کما إذا تردد أنّه نوى عمره التمتّع، أو حجّ الإفراد، فإنّ أصاله الصحّه بالنسبه إلى حج الإفراد على طرف النقیض، فیحکم بصحّه العمل وأنّ ما بیده هو الفریضه.
فی استحباب التلفّظ بالنیه
یستحبّ عند الإحرام التکلّم بالنیه، ویدلّ علیه صحیحتا معاویه بن عمار وعبد اللّه بن سنان(۶۱۱) ، وقد خلط صاحب العروه فی نقلهما فأخذ شیئاً من صدر روایه عبد اللّه بن سنان وشیئاً من روایه معاویه بن عمار فصار روایه واحده، وعلى کلّ تقدیر فالأمر سهل لا خلاف فیه.
یستحب أن یشترط عند إحرامه الإحلال إذا عرض له مانع
واعلم أنّ للمصدود والمحصور فی طریق الحجّ أحکاماً خاصه.
أمّا المصدود فهو مَن تلبس بالإحرام ثمّ صُدّ عن الوصول ولم یکن له طریق غیر موضع الصد، أو کان له طریق وقصرت نفقته، فهو یتحلّل بالهدی ونیه التحلّل، ویجوز نحره فی موضع الصدّ سواء کان حلاًّ أو حرماً.
وأمّا المحصور وهو الممنوع بالمرض ،فیبعث هدیه مع أصحابه لیذبحوه عنه فی موضع الذبح، إذا کان قد ساق هدیاً، وإلاّ بعث ثمنه، ویبقى على إحرامه إلى ذلک الیوم، فإذا حلّ الموعد یقصّر ویحلّ من کلّ شیء إلاّ النساء.(۶۱۲)
إذا عرفت ذلک فاعلم أنّ الفریقین اتّفقا على استحباب الاشتراط عند الإحرام بأن یشترط على اللّه أن یحلّه إذا عرض مانع من إتمام نسکه من حجّ أو عمره. وأن یتم إحرامه عمره إذا کان للحجّ ولم یمکنه الإتیان.
قال الشیخ فی «الخلاف»: یجوز للمحرم أن یشترط فی حال إحرامه أنّه إن عرض له عارض یُحبسه، أن یحلّ حیث حبسه من مرض، أو عدو، أو انقطاع نفقه، أو فوات وقت، وکان ذلک صحیحاً یجوز له أن یتحلل إذا عرض شیء من ذلک. وروی ذلک عن عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وبه قال الشافعی. وقال بعض أصحابه: إنّه لا تأثیر للشرط، ولیس بصحیح عندهم.
والمسأله على قول واحد فی القدیم، وفی الجدید على قولین، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال الزهری ومالک وابن عمر: الشرط لا یفید شیئاً، ولا یتعلّق به التحلّل. وقال أبو حنیفه: المریض له التحلّل من غیر شرط، فإن شرط سقط عنه الهدی.(۶۱۳) ولا یخفى أنّه نقل عن ابن عمر قولین، الظاهر أنّ قوله وابن عمر فی النقل الأوّل من زیاده النساخ، لأنّه معروف بإنکار الشرط.(۶۱۴)
وقال فی «المغنی»: یستحبّ لمن أحرم بنسک أن یشترط عند إحرامه، فیقول: إن حبسنی حابس فمحلّـی حیث حبستنی. وقال: ویفید هذا الشرط شیئین:
أحدهما: إذا عاقه عائق من عدو أو مرض أو ذهاب نفقه ونحوه أنّ له التحلّل.
والثانی: أنّه متى حلّ بذلک فلا دم علیه.(۶۱۵)
وبذلک ظهر أنّ أصل الاشتراط أمر لا غبار علیه، وإنّما الکلام فی فائدته، فقد ذکر الأصحاب له فوائد نذکرها تباعاً ثمّ ندرسها:
الأُولى: سقوط الهدی مع الإحصار والتحلل بمجرد النیه، وهو خیره المرتضى فی الانتصار(۶۱۶)، وابن إدریس فی «السرائر».
قال فی «السرائر»: قال بعض أصحابنا: لا تأثیر لهذا الشرط فی سقوط الدم عند الحصر والصدّ، ووجوده کعدمه. والصحیح الأوّل، وهو مذهب السید المرتضى، وقد استدلّ على صحّه ذلک بالإجماع، وبقول الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم)لضباعه بنت الزبیر بن عبد المطلب:«حجّی واشترطی وقولی: اللّهم فحلّنی حیث حبستنی» ولا فائده لهذا الشرط; إلاّ التأثیر فیما ذکرناه من الحکم; فإن احتجوا بعموم قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَهَ للّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَیْسَرَ مِنَ الْهَدْیِ)(۶۱۷). قلنا: نحمل ذلک على من لم یشترط، هذا آخر استدلال السید المرتضى.(۶۱۸)
الثانیه: ما ذهب إلیه المحقّق من أنّ فائده الاشتراط هو جواز التحلّل عند الإحصار من غیر تریّث إلى أن یبلغ الهدی محله، فإنّه لو لم یشترط لم یجز له التعجیل، ومعه یتحلل، ولکن لا یسقط الدم والهدی، فعلیه أن یواعد أصحابه لیذبحوا عنه یوم المواعده.(۶۱۹)
وأمّا المصدود فیجوز له التعجیل من غیر شرط اتّفاقاً، لجواز الذبح فی مکان الصدّ کما مرّ فی صدر البحث.
الثالثه: انّ فائده هذا الشرط سقوط الحجّ فی القابل عمّن فاته الموقفان، ذکره الشیخ فی موضع من «التهذیب».(620)
وأورد علیه العلاّمه فی «المنتهى» بأنّ الحجّ الفائت إن کان واجباً لم یسقط فرضه فی العام المقبل بمجرّد الاشتراط،وإن لم یکن واجباً لم یجب بترک الاشتراط.(۶۲۱)
الرابعه: أنّ فائده هذا الاشتراط استحقاق الثواب بذکره فی عقد الإحرام، لأنّه دعاء مأمور به وإن لم یکن له حکم مخالف لحکم غیر المشترط.(۶۲۲)
هذه هی الفوائد المتصوره فی هذا الشرط، والقضاء الحاسم یتوقف على دراسه الروایات حتّى یتجلّى الحق، وهی تنقسم إلى طوائف:
۱٫ سقوط الهدی والتعجیل فی التحلیل
قد عرفت أنّ السید المرتضى وابن إدریس جعلا فائده الشرط سقوط الهدی مع الإحصار والتحلّل بمجرّد النیه. ویمکن الاستدلال له بصحیحتین:
۱٫ صحیحه ذریح المحاربی، قال: سألت أبا عبد اللّه (علیه السلام) عن رجل تمتّع بالعمره إلى الحجّ، وأُحصر بعد ما أحرم، کیف یصنع؟ قال: فقال:« أو ما اشترط على ربّه قبل أن یحرم أن یُحلَّه من إحرامه عند عارض عرض له من أمر اللّه؟» فقلت: بلى قد اشترط ذلک. قال: «فلیرجع إلى أهله حلاً لا إحرام علیه، إنّ اللّه أحقّ من وفى بما اشترط علیه» قال: فقلت: أفعلیه الحجّ من قابل؟ قال: «لا».(623)
دلّت الروایه على التحلل بمجرّد الإحصار من غیر تعرض لإنفاذ الهدی، ولو کان واجباً لذکر فی مقام البیان، بعد سؤال السائل«کیف یصنع» ولیس السکوت فی المقام کالسکوت فی سائر المقامات.
۲٫ صحیحه أحمد بن محمد بن أبی نصر: قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام)عن مُحْرم انکسرت ساقه، أی شیء یکون حاله؟ وأیّ شیء علیه؟
قال(علیه السلام) :« هو حلال من کلّ شیء».
قلت: من النساء والثیاب والطیب؟
قال: «نعم، من جمیع ما یحرم على المحرم».
وقال: أما بلغک قول أبی عبد اللّه(علیه السلام) : «حلّنی حیث حبستنی، لقدرک الّذی قدّرت علیّ».(624)
ودلاله الصحیحتین على سقوط الهدی والتربّص معاً بالسکوت، إذ لو کان الهدی والتربّص واجبین لذکرهما الإمام، لأنّه فی مقام البیان. وقد مرّ أنّ السکوت فی المقام لیس کالسکوت فی سائر المقامات بعد سؤال السائل عن تکلیفه بقوله: «أی شیء علیه» فدلاله الصحیحین على سقوطهما لا غبار علیها.
إذا عرفت ذلک فنقول: وظیفه المحرم ـ لولا الاشتراط ـ هو بعث الهدی أو ثمنه لیذبح فی یوم النحر والانتظار إلى أن یبلغ الهدی محلّه، کما قال سبحانه:(فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَیْسَرَ مِنَ الْهَدْی وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَکُمْ حَتّى یَبْلُغَ الْهَدْیُ مَحِلَّهُ)(۶۲۵) وإطلاق الآیه یقتضی وجوب البعث والانتظار مطلقاً، سواء اشترط على ربّه أو لا، لکن الصحیحتین أخصّ مضموناً من الآیه حیث دلّتا على سقوط الهدی عند الاشتراط، فیقید إطلاق الآیه بهما، وقد أفتى بذلک ـ مضافاً إلى ما عرفت من السید وابن إدریس ـ لفیف من العلماء کما سیوافیک.
إذا عرفت ذلک فإنّ مقتضى قوله سبحانه: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَیْسَرَ مِنَ الْهَدْی وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَکُمْ حَتّى یَبْلُغَ الْهَدْیُ مَحِلَّهُ) هو أنّ المحصر یقوم بأمرین:
۱٫ بعث الهدی إلى محلّه.
۲٫ المواعده مع من بعث الهدی معه أن یذبحه فی وقت کذا، حتى یخرج من الإحرام عنده بالحلق أو التقصیر.
وإطلاق الآیه یعمّ المشترط وغیره، فیقیّد إطلاقها بالصحیحین فلا یجب البعث ولا التربّص، بل یتحلّل بمجرّد الحصر أو مع نیّه التحلل. وهذا القول هو الظاهر من السید المرتضى وابن إدریس کما تقدّم.
واختاره ابن سعید، قال: والمحصر المریض إن شرط على ربّه، أحلّ بلا هدی. (۶۲۶) فهو صریح فی سقوط کلا الأمرین: بعث الهدی والتربّص إلى یوم منى، لأنّه إذا سقط الهدی، لا معنى للتربّص.
نعم یظهر من العلاّمه سقوط الهدی، دون الانتظار قال: ولو اشترط على ربّه جاز له أن یحل وقت بلوغ الهدی إلى محلّه وهو یوم العید إلاّ فی النساء، من دون إنفاذ هدی….(۶۲۷)
والحقّ أنّ التفکیک بین الهدی والصبر إلى یوم النحر بسقوط الأوّل دون الثانی لا یساعده الذوق السلیم ولا مفاد الصحیحین، لما عرفت من أنّ دلالتهما بالسکوت، وهو بالنسبه إلى الأمرین سواء.
نعم أمام الاستدلال بهما على سقوط الأمرین إشکالان:
أ. مشکله التعارض.
ب. مشکله تقیید إطلاق الکتاب بالخبر الواحد.
وإلیک بیانهما:
الف. مشکله التعارض
یظهر من صحیحه زراره ومعتبره حمزه بن حمران أنّه لا تأثیر للاشتراط فلو طرأ الحصر فالمحصر، فی حلّ اشترط أم لم یشترط، فإذا لم یکن له تأثیر یکون المرجع هو إطلاق الکتاب، أعنی: فإن أُحصرتم فما استیسر من الهدی…» وإلیک الحدیثین:
۱٫ صحیح زراره، عن أبی عبد اللّه (علیه السلام) قال: «هو حل إذا حبسه، اشترط أم لم یشترط».(628)
۲٫ معتبره حمزه بن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه (علیه السلام) عن الذی یقول: حلّنی حیث حبستنی؟ قال: «هو حل حیث حبسه قال أو لم یقل».(629)
ویرد على الأوّل: انّ السؤال غیر مذکور فی الأوّل ربّما یحتمل أنّه راجع إلى الاعتکاف. وعلى الثانی، بأنّ حمزه مختلف فیه.
و یرد على الإشکال الأوّل: بأنّ التعبیر الرائج فی بیان الاشتراط فی الحجّ، هو لفظه الحبس ففی صحیحه أبی الصباح الکنانی: «أن حلّنی حیث حبستنی».(630)
وفی معتبره فضیل بن یسار : «أن یحلّه حیث حبسه».(631)
وفی «قرب الاسناد»: «فحلّنی حیث حبستنی».(632) إلى غیر ذلک من الروایات.(۶۳۳)
وأمّا الاعتکاف فالرائج فیه قوله: أن یحلک من اعتکافک عند عارض إن عرض لک من عله تنزل بک من أمر اللّه تعالى.(۶۳۴)
وأقصى ما یمکن أنّ التعبیر الأخیر مشترک بین الشرط فی الحجّ والاعتکاف، وأمّا الحبس فهو مختص بالحجّ والوارد فی الروایات هو ذاک اللفظ.
ویرد على الإشکال الثانی بأنّه وردت روایات فی جلالته وأکثرها وإن کانت ضعیفه السند لکن فی المعتبره منها کفایه.(۶۳۵)
والأولى أن یجاب عنهما بما فی المدارک بقوله: إنّ أقصى ما یستفاد من الروایه ثبوت التحلّل مع الحبس فی الحالین، ونحن نقول به، ولا یلزم من ذلک تساویهما من کلّ وجه، فیجوز افتراقهما بسقوط الدم مع الشرط ولزومه بدونه.(۶۳۶)
توضیحه: أنّ المطلوب فی المقام أمران:
۱٫ التحلّل، ۲٫ سقوط الهدی.
والأمر الأوّل یحصل بنفس الحصر اشترط أم لم یشترط.
وأمّا الأمر الثانی، فلا یحصل إلاّ بالاشتراط.
فلا منافاه بین الطائفتین، فالطائفه الأُولى ترکّز على سقوط الهدی ـ بعد تسلیم التحلل ـ و الطائفه الثانیه ترکّز على التحلل بالحصر، اشترط أم لم یشترط.
بعباره أُخرى وهو: انّ للحل فی قوله: «هو حل حیث حبسه قال أو لم یقل» أثرین:
۱٫ الحلّ فی إتمام العمل.
۲٫ الحلّ من المحظورات والمحرمات.
وصحیحه زراره ومعتبره حمزه بن حمران ناظرتان إلى الحلّ من إتمام العمل، لا الحلّ من المحظورات، بخلاف الأُولیین، فهما ناظرتان إلى الحلّ من محظورات الإحرام، لأنّ القاعده فی الحلّ من المحظورات هو سوق الهدی وبلوغه محله، وهو هنا ساقط فیکون محلاً من المحظورات أیضاً.
ب. مشکله تقیید الکتاب بالخبر الواحد
إنّ تخصیص الآیه الکریمه أو تقییدها بالخبر الواحد أمر مشکل، لأنّ الآیه ظاهره فی أنّ الحلّ عن المحظورات لا یحصل فی المحصور إلاّ ببلوغ الهدی محلّه، فتقییدها أو تخصیصها بمن اشترط الحلّ عند الإحصار بالخبر الواحد أمر لا یساعده الدلیل، إذ لیس لنا فی حجّیه الخبر الواحد إطلاق نأخذ به فی المقام أیضاً، بل الدلیل هو بناء العقلاء وهو قاصر عن الشمول للمورد، فإنّ للقرآن عظمه وکرامه لا یُعدل عنه إلاّ بدلیل مثله.
فإن قلت: ما الفرق بین رفع إجمال الآیه بالخبر الواحد حیث إنّه حجّه فیه کما هو الحال فی أجزاء الصلاه، وبین تقییدها أو تخصیصها.
قلت: الفرق واضح، فإنّ الآیه فی القسم الأوّل ساکته وفاقده للدلاله، بخلافها فی القسم الثانی فإنّها بإطلاقها وعمومها تدلّ على سعه الحکم، والخبر الواحد یخالفه فیها.
۲٫ تعجیل التحلیل دون سقوط الهدی
إنّ فائده الاشتراط هو التعجیل فی التحلّل دون سقوط الهدی(۶۳۷) ، فإنّ الواجب علیه لولا الاشتراط أمران:
أ. بعث الهدی.
ب. الانتظار إلى بلوغه محله.
وأمّا على الاشتراط فیبعث الهدی أو ثمنه لکن لا یجب علیه الانتظار إلى یوم النحر، وهو خیره لفیف من الفقهاء. وهذا الأثر یختص بالمحصور دون المصدود، لأنّه یتحلّل بنفس الصدّ وذبح الهدی فی نفس المحلّ، کما فعل النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) عندما صدّ عن الدخول فی الحرم من جانب قریش فی السنه السادسه من الهجره.
قال الشیخ:ومتى شرط فی حال الإحرام أن یحلّه حیث حبسه صحّ ذلک، ویجوز له التحلّل ـ إلى أن قال: ـ فإذا حصل الشرط فلابدّ من الهدی لعموم الآیه.(۶۳۸)
وقال فی «الخلاف»: إذا شرط على ربه فی حال الإحرام ثمّ حصل الشرط وأراد التحلّل فلابدّ من نیّه التحلل ولابدّ من الهدی.(۶۳۹)
وقد عرفت أنّه خیره «الشرائع» واختاره فی «الجواهر» ویدلّ على تخصیص الحکم بالمحصر فی الروایه فإنّ المصدود یجوز له التعجیل من غیر شرط اتفاقاً.(۶۴۰)
استدلّ القائل بعدم سقوط الهدی بروایتین:
الأُولى : صحیح معاویه بن عمار عن أبی عبد اللّه (علیه السلام)ـ فی حدیث ـ قال: «إنّ الحسین بن علی (علیهما السلام) خرج معتمراً فمرض فی الطریق، فبلغ علیاً (علیه السلام)ذلک وهو بالمدینه، فخرج فی طلبه فأدرکه فی السقیا، وهو مریض بها. فقال: یا بنی ما تشتکی؟ فقال: اشتکی رأسی، فدعا علی (علیه السلام) ببدنه فنحرها، وحلق رأسه،ورده إلى المدینه، فلمّا برأ من وجعه اعتمر».
فقلت: أرأیت حین برأ من وجعه قبل أن یخرج إلى العمره أحلّ له النساء؟ قال: «لا تحلّ له النساء حتّى یطوف بالبیت ویسعى بین الصفا والمروه». قلت: فما بال النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) حین رجع إلى المدینه حلّ له النساء ولم یطف بالبیت؟ قال: «لیسا سواء کان النبی (صلى الله علیه وآله وسلم)مصدوداً والحسین (علیه السلام)محصوراً».(641)
والسقیا موضع بین مسجد الشجره والجحفه، بینهما و بین الجحفه تسعه عشر میلاً.
وجه الاستدلال: أنّ الشرط أمر مستحبّ لا یترکه الإمام بلا جهه، والظاهر أنّ الإمام مرض بعد الإحرام لوجوه:
۱٫ انّ الإمام «حلق رأسه وردّه إلى المدینه».
۲٫ ما فی صدر الحدیث الذی حذفه صاحب الوسائل ونقله فی «الکافی»، إذ فیه:«وإن کان مرض فی الطریق بعدما أحرم».
۳٫ انّ القید «بعد الإحرام» مأخوذ فی مفهومی الحصر والصد وقد وردا فی آخر الروایه.
یرد على الاستدلال وجوه:
أوّلاً : بأنّ الفعل (نحر علیّ، البُدْنه) فاقد للظهور فإنّه یحتمل أن یکون نحر البدنه بعنوان الهدی الواجب، کما یحتمل أن تکون صدقه مستحبه لدفع البلاء عن ولده علیهما السلام واقترانه بالنحر«فدعا علی ببدنه فنحرها وحلق رأسه»، وإن کان یعطی ظهوراً ما بکون البدنه هو الهدی الواجب على المحصور، لکنّه ظهور ضعیف لا یمکن الاعتماد علیه.
ثانیاً: لم یثبت استحباب الاشتراط استحباباً نفسیاً حتّى لا یترکه الإمام، إذ یحتمل أن یکون الاشتراط لأجل التسهیل، فالروایات الداله على الاشتراط، إنّما وردت لأجل تعلیم الناس أسهلَ الطریقین لا أنّه مستحبّ ذاتاً.
ثالثاً: لو فرضنا أنّه مستحب فی نفسه، لا دلیل على أنّ الإمام یعمل بجمیع المستحبات، إذ ربما یترکه تعلیماً للناس بأنّه لیس بواجب.
رابعاً: أنّ الکلام فی وجوب الهدی وسقوطه فیما إذا لم یسق المعتمر الهدی، وأمّا إذا ساق فلا یسقط ولا یحل إلاّ بعد بلوغ الهدی محله. والظاهر من روایه رفاعه بن موسى أنّ الحسین (علیه السلام) هو الذی ساق الهدی….
روى الصدوق باسناده عن رفاعه بن موسى عن أبی عبد اللّه (علیه السلام) قال: «خرج الحسین (علیه السلام) معتمراً وقد ساق بدنه حتّى انتهى إلى السقیا فبرسم، فحلق شعر رأسه ونحرها مکانه، ثمّ أقبل حتّى جاء فضرب الباب، فقال علی (علیه السلام): ابنی وربّ الکعبه افتحوا له، وکانوا قد حموه الماء فأکبّ علیه فشرب ثمّ اعتمر بعد».(642)
ومع وجود التعارض بین النقلین لا یمکن الاعتماد على النقل الأوّل، واحتمال تعدد الواقعه بعید جدّاً مع وحده الخصوصیات.
ویرد على النقل الثانی أنّ البُدنه التی ساقها الإمام لم تکن لها صله لا بالعمره ولا بحجّ التمتع، إذ لا یُساق فیهما الهدی فیحمل على أنّه کان من باب الاتّفاق.
خامساً: انّ مورد الروایه هو العمره المفرده، وعطف العمره المتمتع بها علیه مبنی على وحده حکم العمرتین.
وسادساً: فإنّ الظاهر من الروایتین: أنّ المعتمر إذا أُحصر ینحر فی مکانه ویتحلّل من دون حاجه إلى بعث الهدی إلى محله، ولما کان ذلک مخالفاً للآیه الکریمه: (حتّى یَبْلُغَ الهَدی محلّه) حمله صاحب الجواهر «على البعث للنحر فی محله» ثمّ الحلق، ثمّ استبعده.(۶۴۳)
وهذا یؤید أنّ نحر البدنه کان صدقه مستحبه ولم یکن جزء العمل، ولا الغایه منه التحلّل.
الثانیه: خبر عامر بن عبد اللّه بن جذاعه عن أبی عبد اللّه (علیه السلام)، فی رجل خرج معتمراً فاعتلّ فی بعض الطریق وهو محرم، قال: فقال: «ینحر بدنه، یحلق رأسه ویرجع إلى أهله ولا یقرب النساء».(644)
فقوله: «ینحر بدنه» دلیل على عدم سقوط الهدی.
وقوله: «یحلق الرأس» دلیل على التحلل.
وهذه الروایه لا یحتجّ بها، لورود روایات ذامّه فی حقّ «عامر بن عبد اللّه» نقلها الکشی والکلینی.
فتلخص ممّا ذکر أنّ الفائده الثانیه لا یوجد دلیل صالح علیها.
ثمّ إنّ الاختلاف فی الهدی یختصّ بالعمره المفرده، والعمره المتمتّع بها، وأمّا القارن الذی ساق الهدی فهو یبعث بلا کلام لصحیح محمد بن مسلم ورفاعه عن الباقر والصادق (علیهما السلام) : القارن یُحصر وقد قال واشترط فحِلَّنی حیث حبستنی، قال: «یبعث بهدیه».(645)
۳٫ سقوط الحجّ من قابل
إنّ فائده هذا الشرط، سقوط الحجّ من قابل عمّن فاته الوقت ذکره الشیخ فی موضع من «التهذیب»(646)واستدلّ علیه بروایات:
الأُولى: صحیح ضریس بن أعین قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن رجل خرج متمتعاً بالعمره إلى الحجّ فلم یبلغ مکّه إلاّ یوم النحر، فقال: «یقیم على إحرامه، ویقطع التلبیه حین یدخل مکّه، فیطوف، ویسعى بین الصفا والمروه، ویحلق رأسه، وینصرف إلى أهله إن شاء» وقال: «هذا لمن اشترط على ربّه عند إحرامه، فإن لم یکن اشترط فإنّ علیه الحجّ من قابل».(647)
وأشکل علیه بوجهین:
۱٫ انّ الحجّ الفائت إن کان واجباً لم یسقط فرضه فی العام المقبل بمجرّد الاشتراط، وإن لم یکن واجباً لم یجب بترک الاشتراط.
لا یخفى علیک جوده الإشکال، نعم أفتى به ابن سعید فی جامعه وقال بعد عنوان المسأله: فإذا برأ من وجعه اعتمر إن کان لم یشترط على ربّه فی إحرامه، وإن کان قد اشترط فلیس علیه أن یعتمر إلاّ أن یشاء فیعتمر.(۶۴۸)
۲٫ انّه أجنبی عمّا نحن فیه، لأنّ موضوع البحث هو المحصور الممنوع عن الإتمام بمرض، والوارد فی الروایه، هو من لم یدرک الموقفین لضیق الوقت، وتأثیر الشرط فی السقوط فی الثانی لا یکون دلیلاً على سقوطه فی المحصور.
یلاحظ علیه: بأنّ ظاهر التعلیل أنّ السبب لسقوط الحجّ، هو اشتراطه، کما هو السبب للتحلیل، وفوات الموقفین، مورد التعلیل لا جزء منه، فإذا قیل: حرمت الخمر لإسکارها، یکون المتبادر انّ الإسکار تمام العلّه للحرمه، لا إسکار الخمر.
الثانیه: صحیح ذریح المحاربی المتقدم وفیه: فقلت: بلى قد اشترط ذلک، قال: «فلیرجع إلى أهله حلاً لا إحرام علیه انّ اللّه أحقّ من وفى بما اشترط علیه» قال: فقلت: أفعلیه الحجّ من قابل؟ قال: «لا».(649)
الثالثه: ما رواه محمد بن مسلم، عن أبی جعفر (علیه السلام) ; ورفاعه عن أبی عبد اللّه (علیه السلام) أنّهما قالا: القارن یحصر وقد قال واشترط: فحلنی حیث حبستنی، قال: «یبعث بهدیه» قلنا: هل یتمتع فی قابل؟ قال: «لا، ولکن یدخل فی مثل ما خرج منه».(650)
وحصیله هذه الروایات هو عدم وجوب الإعاده.
ثمّ إنّ هنا روایات تعارض ذلک، وتدلّ على وجوب الحجّ من قابل:
۱٫ ما رواه رفاعه، عن أبی عبد اللّه (علیه السلام) قال: سألته عن الرجل یشترط وهو ینوی المتعه فیحصر هل یجزیه أن لا یحجّ من قابل؟ قال: «یحج من قابل. والحاج مثل ذلک إذا أحصر».(651)
۲٫ ما رواه حمزه بن حمران أنّه سأل أبا عبد اللّه (علیه السلام) عن الذی یقول:حِلَّنی حیث حبستنی؟ فقال:«هو حِلّ حیث حبسه، قال أو لم یقل، ولا یُسقط الاشتراطُ عنه الحجّ من قابل».(652)
۳٫ ما رواه أبو بصیر قال: سألت أبا عبد اللّه (علیه السلام) عن الرجل یشترط فی الحجّ أن یحله حیث حبسه أعلیه الحجّ من قابل؟ قال: «نعم».(653)
۴٫ ما رواه أبو الصباح الکنانی قال: سألت أبا عبد اللّه (علیه السلام) عن الرجل یشترط فی الحجّ کیف یشترط؟ قال: «یقول حین یرید أن یُحرم: أن حلنی حیث حبستنی فإن حبستنی فهی عمره». فقلت له: فعلیه الحجّ من قابل؟ قال: «نعم». و قال صفوان: قد روى هذه الروایه عدّه من أصحابنا کلّهم یقول: إنّ علیه الحجّ من قابل.(۶۵۴)
أقول: یمکن الجمع بین الطائفتین، بحمل الطائفه الثانیه على من استقرّ علیه الحجّ أو بقیت استطاعته إلى العام القابل فیجب علیه الحجّ، وحمل الطائفه الأُولى على من لم یستقر علیه الحجّ ولم تبق له الاستطاعه إلى العام القابل، أو کان قد أتى بالحجّ الواجب سابقاً، فلو صحّ هذا الجمع فهو، وإلاّ فالترجیح مع الطائفه الثانیه لوجهین:
۱٫ کونها موافقه للکتاب فإنّ الحجّ الواجب لا یسقط إلاّ بالامتثال.
۲٫ کون الطائفه الثانیه هی المشهوره بین الأصحاب، وقد مرّ قول صفوان أنّ روایه الإعاده من قابل قد رواها عدّه من أصحابنا کلّهم یقول: إنّ علیه الحجّ من قابل.
۴٫ استحقاق الثواب
ربّما یقال بأنّ فائده الاشتراط استحقاق الثواب بذکره فی عقد الإحرام، لأنّه دعاء مأمور به واختاره صاحب العروه تبعاً لغیره.قال فی «المسالک» : أمّا سقوط الهدی فمخصوص بغیر السائق، إذ لو کان قد ساق هدیاً لم یسقط. وأمّا تعجیل التحلّل فمخصوص بالمحصر دون المصدود، واستحباب الاشتراط ثابت لجمیع أفراد الحاج. ومن الجائز کونه تعبّداً، أو دعاءً مأموراً به یترتّب على فعله الثواب.(۶۵۵)
قد تلخّص من هذا البحث الضافی انّ المتیقّن هو الوجه الرابع، وأمّا الفوائد الثلاثه الباقیه فأقواها هی الفائده الأُولى، لولا ما فیه من تقیید الکتاب بالخبر الواحد.
وکان الأولى للسید الطباطبائی وغیره تأخیر هذا البحث إلى فصل الإحصار والصدّ، فإنّ القضاء الحاسم فی فائده الاشتراط یتوقّف على دراسه أحکام الموضوعین، على وجه الاستقصاء، وبدونها یکون البحث غیر ناضج.
۵۷۲ . المبسوط:۱/۳۰۷٫
۵۷۳ . الوسائل: ج ۹، الباب ۳۴ من أبواب الإحرام، الحدیث۲٫ ولاحظ سائر أحادیث الباب.
۵۷۴ . المبسوط:۱/۳۱۶٫
۵۷۵ . المهذب :۱/۲۱۹٫
۵۷۶ . الوسیله:۱۶۱٫
۵۷۷ . التذکره:۷/۲۳۳٫
۵۷۸ . المنتهى: ۱۰ / ۲۱۷، تحقیق مجمع البحوث الإسلامیه، مشهد.
۵۷۹ . سبأ:۴۶٫
۵۸۰ . الوسائل: ج ۹، الباب ۱۶ من أبواب الإحرام، الحدیث۱٫
۵۸۱ . نفس المصدر والباب، الحدیث۲٫
۵۸۲ . الوسائل: ج ۹، الباب۱۷ من أبواب الإحرام ، الحدیث۱٫
۵۸۳ . الوسائل: ج ۹، الباب۲۱ من أبواب الإحرام ، الحدیث۲٫
۵۸۴ . کشف اللثام: ۵/۲۵۵٫
۵۸۵ . التذکره:۷/۲۳۴٫
۵۸۶ . لاحظ التذکره:۷/۲۳۳; سنن البیهقی:۵/۶٫
۵۸۷ . الوسائل: ج ۸ ، الباب۲ من أبواب أقسام الحجّ، الحدیث۴٫
۵۸۸ . هامش العروه:۵۲۰٫
۵۸۹ . الخلاف:۲/۲۹۰، المسأله۶۸٫
۵۹۰ . تحریر الأحکام:۱/۵۶۹٫
۵۹۱ . المنتهى:۱۰/۲۲۲، تحقیق مجمع البحوث الإسلامیه، مشهد.
۵۹۲ . المغنی:۳/۲۵۲٫
۵۹۳ . المبسوط:۱/۳۱۷٫
۵۹۴ . شرائع الإسلام:۱/۲۴۵٫
۵۹۵ . المغنی:۳/۲۵۲٫
۵۹۶ . القواعد:۱/۴۱۹٫
۵۹۷ . الجواهر:۱۸/۲۱۳٫
۵۹۸ . المستمسک:۱۱/۳۶۷٫
۵۹۹ . صحیح مسلم:۴/۴۵٫
۶۰۰ . مختلف الشیعه:۴/۳۶٫
۶۰۱ . المدارک:۷/۲۶۰٫
۶۰۲ . القواعد:۱/۴۱۹٫
۶۰۳ . شرائع الإسلام:۱/۲۴۵٫
۶۰۴ . کشف اللثام:۵/۲۵۷٫
۶۰۵ . الخلاف:۲/۲۹۰، المسأله۶۷٫
۶۰۶ . الوسائل: ج ۸، الباب۲ من أبواب أقسام الحجّ، الحدیث۴٫
۶۰۷ . الوسائل: ج ۸ ، الباب۲ من أبواب أقسام الحج، الحدیث۱۴٫
۶۰۸ . الخلاف:۲/۲۹۰٫
۶۰۹ . المستمسک:۱۱/۳۷۵٫
۶۱۰ . المعتمد:۲/۵۰۶٫
۶۱۱ . الوسائل: ج ۹، الباب۱۶ من أبواب الإحرام، الحدیث ۱و۲٫
۶۱۲ . وأمّا حلّ النساء، فهو یتوقف على طوافها.
۶۱۳ . الخلاف:۲/۴۳۰، المسأله۳۲۳٫
۶۱۴ . لاحظ السنن الکبرى:۵/۲۲۳٫
۶۱۵ . المغنی:۳/۲۴۳٫
۶۱۶ . الانتصار:۱۰۴٫
۶۱۷ . البقره:۱۹۶٫
۶۱۸ . السرائر:۱/۵۳۳٫
۶۱۹ . الشرائع:۱/۲۴۷٫
۶۲۰ . التهذیب: ۵ / ۲۹۵ برقم ۱۰۰۱٫
۶۲۱ . المنتهى: ۱۳ / ۶۳، فی حکم الفوات من مباحث المحصور.
۶۲۲ . مدارک الأحکام:۷/۲۹۱٫
۶۲۳ . الوسائل: ج ۹، الباب۲۴ من أبواب الإحرام، الحدیث۳٫
۶۲۴ . الوسائل: ج ۹، الباب۱ من أبواب الإحصار والصد، الحدیث۴٫
۶۲۵ . البقره:۱۹۶٫
۶۲۶ . الجامع للشرائع:۲۲۲٫
۶۲۷ . التحریر:۲/۸۱، المسأله۲۵۱۵٫
۶۲۸ . الوسائل: ج ۹، الباب۲۵ من أبواب الإحرام، الحدیث ۱٫
۶۲۹ . الوسائل: ج ۹، الباب۲۵ من أبواب الإحرام، الحدیث ۲٫
۶۳۰ . الوسائل: ج ۹، الباب۲۳ من أبواب الإحرام، الحدیث۱٫
۶۳۱ . الوسائل: ج ۹، الباب۲۳ من أبواب الإحرام، الحدیث ۲٫
۶۳۲ . الوسائل: ج ۹، الباب۲۳ من أبواب الإحرام، الحدیث ۳٫
۶۳۳ . الوسائل: ج ۹، الباب۲۴ من أبواب الإحرام، الحدیث ۱، ۲٫
۶۳۴ . الوسائل: ج ۷، الباب۹ من أبواب الاعتکاف، الحدیث۲٫
۶۳۵ . معجم رجال الحدیث:۶/۲۶۰٫
۶۳۶ . المدارک:۷/۲۹۲٫
۶۳۷ . الظاهر ـ کما یدلّ علیه دلیل القائل ـ أنّ المراد من عدم سقوط الهدی، هو الأعمّ من بعثه، أو نحره فی المکان الذی مرض فیه، فلیتدبّر.
۶۳۸ . المبسوط:۱/۳۳۴٫
۶۳۹ . الخلاف:۲/۴۳۰٫
۶۴۰ . المسالک۲/۲۴۲٫
۶۴۱ . الوسائل: ج ۹، الباب۱ من أبواب الإحصار والصد، الحدیث۳٫ وللحدیث صدر، لاحظ الکافی:۴/۳۷۰٫
۶۴۲ . الوسائل: ج ۹، الباب۶ من أبواب الإحصار والصد، الحدیث۲٫ البرسام التهاب فی الحجاب الذی بین الکبد والقلب.
۶۴۳ . الجواهر:۱۸/۲۶۲٫
۶۴۴ . الجامع للشرائع :۲۲۱، نقله عن مشیخه ابن محبوب.
۶۴۵ . الوسائل: ج ۹، الباب۴ من أبواب الإحصار والصد، الحدیث۱٫
۶۴۶ . التهذیب:۵/۲۹۵برقم ۱۰۰۱٫
۶۴۷ . الوسائل: ج ۱۰، الباب۲۷ من أبواب الوقوف بالمشعر، الحدیث۲٫
۶۴۸ . الجامع للشرائع:۲۲۲ـ ۲۲۳٫
۶۴۹ . الوسائل: ج ۹، الباب۲۴ من أبواب الإحرام، الحدیث۳٫
۶۵۰ . الوسائل: ج ۹، الباب۴ من أبواب الإحصار والصد، الحدیث۱٫
۶۵۱ . الوسائل: ج ۹، الباب۸ من أبواب الإحصار والصد، الحدیث۲ .
۶۵۲ . الوسائل: ج ۹، الباب۸ من أبواب الإحصار والصد، الحدیث ۳٫
۶۵۳ . الوسائل: ج ۹، الباب۸ من أبواب الإحصار والصد، الحدیث ۴٫
۶۵۴ . الوسائل: ج ۹، الباب۲۴ من أبواب الإحرام، الحدیث۳٫
۶۵۵ . مسالک الأفهام:۲/۲۴۳٫
۶۵۶ . مفتاح الکرامه: ۷/۴۸۷٫
۶۵۷ . المقنعه: ۶۳۲٫
۶۵۸ . النهایه: ۴۲۸٫
۶۵۹ . النهایه: ۴۳۰٫
۶۶۰ . الکافی: ۳۴۷٫
۶۶۱ . المراسم: ۱۸۲٫
۶۶۲ . التذکره: ۱۷ / ۵۴، فی شرائط الربح، کتاب القراض، تحقیق مؤسسه آل البیت، قم .
۶۶۳ . المغنی: ۵/۱۴۲٫
۶۶۴ . مجمع الفائده والبرهان: ۱۰/۲۵۰ ـ ۲۵۱٫
۶۶۵ . الجواهر: ۲۶/۳۶۷٫