التقیه رخصه شرعیه
کانت لرحلتی إلى الأُردن عام ۱۴۱۸ نتائج بنّاءه فی تقریب الخطى وتبیین عقائد الشیعه من خلال المحاضرات التی القیتُها فی الجامعات الإسلامیه ، وممّا عطفت النظر علیه هی مسأله التقیّه ، وإنّها لیست أصلاً شیعیّاً محضاً بل هی أصل قرآنی نطق بها الصادع بالحقّ وأوضحها المفسرون بکلماتهم .
ثمّ إنّی لما قفلت راجعاً إلى إیران وقفت على مقاله بقلم أحد أساتذه جامعه مؤته نشرتها صحیفه اللواء الأُردنیّه فی عددها الصادر ۱۲۱۱ المؤرخه ۲۴ / ۷ / ۹۶ وقد استرعى انتباهی ما فی آخر المقال من جمله ربما تتُخذ ذریعه لتحریف الحقیقه فعزمت على کتابه رساله إلى رئیس التحریر وبیّنت فیها موقف المسلمین بالنسبه إلى ما تحتویه تلک الجمله .
ولما کان المقال وثیقه علمیه اصحر الحق بها ذلک الکاتب ، آلیتُ أن أنشره مع ما ذیلته به ، وإلیک المقال .
***
الضرورات تبیح المحذورات والمشقه تجلب التیسیر
الحمد لله رب العالمین ملء السّموات والأرض وما بینهما والصّلاه و السّلام على محمّد النبیّ الخاتم وعلد آله الطیّبین الطاهرین الّذین أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهیراً … وبعد .
فی بواکیر ثقافتی واطلاعی کنت أسمع الکثیر من المفتریات والمبالغات التی کانت تدور حول الشیعه وحول التشیّع خاصّه ما یؤمنون من افکار ومعتقدات کنت أصدق کلّ ما یقال وذلک لقلّه اطلاعی .
فقد کنت أسمع عن مبدأ التقیه عند الشیعه وکأنّ هذا المبدأ لیس له أصل فی الشرع الإسلامی إلاّ انّه مجرّد فکر اختلقه علماء الشیعه ولکن الحقائق بعد الاطلاع ظهرت جلیه و ( جاء الحقّ وزهق الباطل انّ الباطل کان زهوقاً ) .
والآن ما هی التقیه وما هی أحکامها وأدلّتها الشرعیه ؟
التقیه : الاظهار باللسان خلاف ما ینطوی علیه القلب للخوف على النفس وهی عکس مفهوم النفاق .
ففی التقیه یتم اظهار الکفر وابطان الإیمان . أمّا فی النفاق فیتم إبطان الکفر وإظهار الإیمان .
والتقیّه رخصه شرعیه کأکل المیته والدم ولحم الخنزیر وما أُهلّ لغیر الله به لانّ الله عزّ وجلّ یقول: ( وَما جَعَلَ عَلَیْکُمْ فیِ الدِّینِ مِنْ حَرَج مِلَّهَ أَبِیکُمْ إِبْراهیم هُوَ سَمّاکُمُ الْمُسْلِمینَ ) .
أمّا النفاق: «فهو أشدّ الکفر لانّه أشدّ خطوره والمنافقون فی الدرک الأسفل من النار» .
الأدلّه على جواز الأخذ بمبدأ التقیّه :
انّ الأصل فی الإسلام هو: عدم موالاه الکافرین والیهود والنصارى والصدع بما أمر الله وعدم خشیه أحد فی الحقّ إلاّ الله . فالمؤمنون هم الّذین ( یجاهدون فی سبیل الله ولا یخافون لومه لائم ) (المائده / ۵۴) .
ولکن الضرورات تبیح المحذورات والمشقه تجلب التیسیر .
قال تعالى: ( فمن اضطرّ غیر باغ ولا عاد فلا إثم علیه ) .
أی من اضطر للوقوع فی المحرّم على أن لا یطلبه لذّاته ولا یتعدى على أصل تحریمه فإنّ الإثم عنه مرفوع .
ونحن نعلم انّ الله قد نهانا عن موالاه الکافرین ومودّتهم فی الأصل الحکمی ولکن هناک حالات یجوز لنا فیها موالاتهم فیها فما هی لنتعرف علیها من خلال الآیه القرآنیه الکریمه التالیه :
قال تعالى: ( لا یتّخذ المؤمنون الکافرین أولیاء من دون المؤمنین ومن یفعل ذلک فلیس من الله فی شیء إلاّ أن تتقوا منهم تقاه ویحذّرکم الله نفسه وإلى الله المصیر ) (آل عمران / ۲۷) .
مفهوم الآیه: نهی وتحذیر من الواحد الأحد عزّ وجلّ من موالاه وموده الکافرین ؟ ومن یفعل ذلک فهو فی غایه البعد عن الله . ولکن فی حاله خوفکم من جهتهم أمراً یجب اتقاؤه فهنا الموالاه جائزه کرخصه لا کأصل .
وقال تعالى: ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون یکتم إیمانه أتقتلون رجلاً أن یقول ربّی الله وقد جاءکم بالبیّنات من ربّکم وإن یک کاذباً فعلیه وإن یک صادقاً یصیبکم بعض الّذی یعدکم انّ الله لا یهدی من هو مسرف کذّاب ) (غافر / ۲۸) .
من خلال الآیه السابقه نلاحظ ما یلی :
انّ الرجل من آل فرعون وقوم فرعون فاسقوم والرجل مؤمن وکان هذا الرجل یکتم إیمانه أی یخفیه یظهر الکفر ویبطن الإیمان والسبب فی ذلک : خوفاً من فرعون وجنوده لانّ فرعون طغى وفی الأرض علا .
ولکن ما هی المنفعه التی جلبها وحقّقها مؤمن آل فرعون بکتمه إیمانه:
صیانه نفسه وحمایتها وتقدیم النصح بعدم قتل موسى بناء على انّه کافر لیس مؤمن ولیس له عند موسى أیّ منفعه .
فهنا تمّ تحقیق تکون فی حال التمکّن فی الأرض وفی حال ضعف المسلمین وتکون فی الحرب لانّ (الحرب خدعه) وهی جائزه لصون النفس من الضرر لانّ دفع الضرر عن النفس واجب قدر الإمکان حتى فی ساحه القتال . قال تعالى: ( تلقوا بأیدیکم إلى التهلکه ) وقال تعالى: ( ولا تقتلوا أنفسکم إنّ الله کان بکم رحیماً ) .
أحکام التقیه
۱ . تکون بالجری على اللسان مع الاطمئنان فی القلب بالإیمان .
۲ . لو انّه أفصح بالإیمان والخوف حیث تجوز له التقیّه کان ذلک أفضل و ذلک بناء على قاعده ( وان تصوموا خیر لکم ) .
۳ . تکون التقیه إذا کان الرجل فی قوم کفّار ویخاف منهم على نفسه وماله فیداریهم بلسانه ونحن نعرف انّ الدعوه السریه للإسلام استمرت ثلاث سنین قبل أن یصدع الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم) بالدعوه . ومن ذلک الذی یعیش مثلاً فی «اسرائیل» وسیط الیهود أو فی روسیا وسط الشیوعین أو فی دوله أوروبیه تعادی الإسلام .
۴ . إنّما تجوز فیما یتعلّق بإظهار الموالاه والدین فأمّا ما یرجع ضرره على الغیر کالقتل والزنا وغصب الأموال وشهاده الزور وقذف المحصنات واطلاّع الکفّار على عورات المسلمین فذلک غیر جائز البّته لأنّه «لا ضرر ولا ضرار» .
۵ . وکما انّ التقیّه جائزه لصون النفس فکذلک هی جائزه لصون المال . قال(صلى الله علیه وآله وسلم) «حرمه مال المسلم کحرمه دمه» ولقوله: من قتل دون ماله فهو شهید» ولانّ الحاجه إلى المال شدیده .
حیث إنّه من المعروف انّ الماء إذا بیع بالغبن سقط فرض الوضوء وجاز الاقتصار على التیمم دفعاً لذلک القدر من نقصان المال فکیف لا یجوز ههنا .
۶ . انّ التقیّه یؤخذ بها فی أیّ وقت إلى یوم القیامه فهی رخصه تطبق عند وجود السبب والضروره ولا تقتصر على حال ووقت معینّ .
۷ . انّ التقیّه واجبه کضرب من اللطف والاستصلاح فمن خاف الکفّار فله أن یتقیهم بظاهره لا بباطنه فقد روى البخاری عن أبی الدرداء انّه قال: إنّا لنکشر فی وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم . وقال ابن عباس: لیس التقیه بالعمل إنّما التقیّه باللسان . وکذا قال أبو العالیه وأبو الشقاء والضحّاک والربیع بن أنس ویؤید ما قالوه قول الله تعالى: ( من کفر بالله من بعد إیمانه إلاّ من أکره وقلبه مطمئن بالإیمان ) .
وکلّنا یعرف قصه آل یاسر وتعذیب قریش لهم فقد نطق یاسر بکلمه الکفر بلسانه من شدّه العذاب ولکن بقی قلبه مطمئناً بالإیمان .
روى الحسن انّ مسیلمه الکذاب أخذ رجلین من أصحاب رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) فقال لاحدهما أتشهد انّ محمّداً رسول الله ؟ قال : نعم ، قال: أفتشهد انّی رسول الله ؟ قال : نعم فقال للآخر: أفتشهد انّی رسول الله ؟ فقال: انّی أحم قالها ثلاثاً کلّ ذلک یجیبه مثل الأوّل فضرب عنقه فبلغ ذلک رسول الله فقال: أمّا ذلک المقتول فمضى على صدقه ویقینه وأخذ بفضله فهنیئاً له . وأمّا الآخر فقبل رخصه الله فلا یتبعه علیه فعلى هذا تکون التقیه رخصه والافضاح بالحق عزیمه .
وإذاً انّ البعض قد أساء فهم مدلول التقیه فانّ الخطأ لم یکمن فی القاعده أو الحکم إنّما نقول انّ الله یحبّ أن تؤتى رخصه کما یجبّ أن تؤتى عزائمه . وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمین
***
بسم الله الرحمن الرحیم
«حضره الأُستاذ حسن التل» رئیس تحریر صحیفه اللواء الأُردنیه، الموقّر
أتقد لکم بالتحیه الخاصه متمنیاً دوام التوفیق .
أمّا بعد: فقد قرأنا فی العدد ۱۲۱۱ والمؤرَّخ فی ۲۴ / ۷ / ۹۶ مقالاً قیّماً حول التقیّه بعنوان: التقیه رخصه شرعیه بقلم الأُستاذ الفاضل أُسامه عبد الکریم الکساسبه من قسم الدراسات الإسلامیه بجامعه مؤته .
ونحن إذ نقدّر منکم ومن الأُستاذ الکاتب لذلک المقال ، هذه الخطوه الهادفه إلى التقریب بین المذاهب نسأل الله سبحانه أن ینصر المسلمین ویعید إلیهم عزّتهم وکرامتهم على أیدی المخلصین من أبناء امتنا الإسلامیه .
انّ المقال المذکور تضمّن ـ ولله الحمد ـ أدلّه مشرقه أثبتت أنّ للتقیه أُصولاً وجذوراً فی القرآن الکریم والسنّه المطهّره والتاریخ الإسلامی ، فهو بحق مقال علمی کشف القناع عن وجه التقیه وبیّن الفرق بینها وبین النفاق بوجه واضح .
بید أنّه جاء فی آخر المقاله عباره مجله هی: «وإذا کان البعض قد أساء فهم مدلول التقیه فانّ الخطأ لم یکمن فی القاعده أو الحکم إنّما الخطأ یکمن فی الخطأ فی العمل والتطبیق» .
فإذا کان مقصود الکاتب من هذه العباره ـ کما فهمنا أو احتملنا ـ هو اختصاص أدلّه مشروعه التقیّه باتقاء المسلم من الکافر ، فلا یشمل اتّقاء المسلم من المسلم فهو غیر صحیح ، لأنّ الغرض من تشریع التقیّه عند الابتلاء بالکفّار لیس إلاّ صیانه النفس والمال من الشرّ والضرر ، فإذا ابتُلی المسلم بمسلم ظالم صادر حرّیته ، ومنعه من إظهار عقیدته من دون خوف بحیث لو أظهر عقیدته نکلّ به واستباح دمه وماله ، حکم العقل والنقل هنا بصیانه النفس والمال بواسطه التقیّه ، وعدم إظهار المعتقد ، ومماشاه من یهدّد حیاته أو ماله ، وحینئذ لا یکون اللوم متوجّهاً إلى المسلم المقهور بل إلى الآخر الذی صادَرَ حرّیته ، وقهره منعه من اظهار معتقده .
وقد صرح بهذا (أی مشروعیّه التقیّه حتّى عند المسلم) طائفه من أعلام المسلمین ، نشیر إلى عبارات بعضهم فی هذا المجال:
۱ . یقول الإمام الرازی فی تفسیر قوله سبحانه: ( إلاّ تتقوا منهم تقاه ) ظاهر الآیه یدل على أنّ التقیه إنّما تحلّ مع الکفّار الغالبین إلاّ أنّ مذهب الشافعی أنّ الحاله بین المسلمین ، وقال: التقیه جائزه لصون النفس، وهل هی جائزه لصون المال ؟ یحتمل أن یحکم فیها بالجواز لقوله (صلى الله علیه وآله وسلم) «حرمه مال المسلم کحرمه دمه» وقوله (صلى الله علیه وآله وسلم) : «من قُتِل دون ماله فهو شهید» . (مفاتیح الغیب: ۸ / ۱۳) .
۲ . نقل جمالُ القاسمی عن الإمام المرتضى الیمانی فی کتابه «إیثار الحقّ على الحق» مانصّه: «وزاد الحقّ غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف التقیه عند ذلک بنصّ القرآن وإجماع أهل الإسلام ، ومازال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأکثر الخلق وقد صحّ عن أبی هریره انّه قال فی ذلک العصر الأوّل: حفظت من رسول الله (صلى الله علیه وآله وسلم) وعائین أمّا أحدهما فبثثته فی الناس وأمّا الآخر فلو بثثته لقُطع هذا البلعوم . (محاسن التأویل: ۴ / ۸۲) .
۳ . قال المراغی فی تفسیر قوله سبحانه: ( من کفر بالله من بعد إیمانه إلاّ من أکره وقلبه مطمئن بالإیمان ) : ویدخل فی التقیه مداراه الکفر والظلمه والفسقه ، وإلانه الکلام لهم، والتبسّم فی وجوههم وبذل المال لهم لکفّ أذاهم وصیانه العِرض منهم ، ولا یُعدّ هذا من الموالاه المنهی عنها، بل هو مشروع ، فقد أخرج الطبرانی قوله (صلى الله علیه وآله وسلم) : «ما وقى المؤمن به عرضَه فهو صدقه» . (تفسیر المراغی: ۳ / ۱۳۶ ) .
وهکذا یذهب اعلام من المسلمین إلى مشروعیّه إتقاء المسلم من المسلم إذا خاف على نفسه وحتى ماله من الهلاک والضیاع ، ولا إثم على المسلم إذا اتقى أخاه المسلم وعامَلَه بالتقیه وأخفى عنه معتقده إذا لم یسمح له أخوه المسلم بأن یظهر عقیدته بدافع العصبیه والطائفیه .
فالذی ینبغی أن یسعى إلیه المسلمون وبخاصه المهتمون بشؤونهم هو فتح آفاق الحوار البنّاء ، والسماح للجمیع بإظهار عقائدهم ، بعیداً عن الإرهاب والإرعاب، والتکفیر والتفسیق لتعود الأُمّه الإسلامیه قوّه متراصه الصفوف، متکاتفه حتى مع الاختلاف فی الاجتهادات، والآراء .
وعلى کلّ حال نعود لنثمن جهدکم وجهدَ الکاتب الفاضل هذا .
وفقکم الله وأخذ بأیدیکم لما فیه صالح المسلمین .
جعفر السبحانی
قم ـ الجامعه الإسلامیه
۲۰ / ۴ / ۱۴۱۷ هـ