التقیه فی الإسلام

0

أول ما یلفت الانتباه فی کتاب د. سامی مکارم هو عنوانه : « التقیّه فی الإسلام ».
یطرح هذا العنوان علامات استفهام کبیره :
أولاً : هل إن فی الإسلام تقیه ، أم أنّ التقیّه هی فی مذهب دون آخر من مذاهب المسلمین ؟
ثانیاً : هل أنّ التقیّه هی سلوک إسلامی مکتسب تحت ضغط ظروف وأوضاع طارئه واستثنائیه ، أم أنّها فی أساس العقیده یمکن اللجوء إلیها فی حاله الشدّه أو فی حاله الیسر وفی حاله القلق أو فی حاله الاطمئنان ؟ ..
بمعنى هل أن ضیق صدر حاکم إسلامی معین ، أو مجتمع إسلامی فی ظروف معینه باجتهادات فقهیه ما ، دفعت بهذا الفقیه إلى ابتداع التقیّه سلامه لأبدان أتباعه من الأذى ولإیمانهم من الانتهاک ؟ ..
أم أن التقیّه رافقت الدعوه الإسلامیّه منذ اشراقتها الأولى فی مکه المکرمه وقبل الهجره إلى المدینه المنوره ، واستمرّت فیها وبعدها ؟ ..
هل أنّ للمؤمن حقّ اللجوء إلى التقیّه حتى من دون إکراه أو اضطرار ؟ ..
ثالثاً : هل إنّ اللجوء إلى التقیّه یکون خوفاً من أذى الآخر وتجنّبا لشرّه ، أم انّه یکون أیضاً مراعاه لمحدودیه الفهم عند بعض المؤمنین ، ولعدم قدرتهم على استیعاب حقائق إیمانیه کبیره ؟ .. أو یکون خوفاً من إساءه فهم هذه الحقائق وتالیاً تحسباً من سوء عاقبه التعامل مع هذه الحقائق على غیر ما یقتضی الحال ؟ ..
رابعاً : هل التقیّه إجازه ـ ورخصه ـ من الله للمؤمنین ، أم أنّها مجرّد اجتهاد فقهی انسانی اخذ به هذا العالم المجتهد وأنکره ذاک ؟ ..
خامساً : إذا کانت التقیّه فی الإسلام ، کما یقول د. مکارم ، فهل ثمه تقیّه فی الأدیان الأخرى أیضا ؟ .. فی المسیحیه والیهودیه تحدیداً ؟..
سادساً : هل أننا جمیعاً نمارس التقیّه من دون أن ندری ؟ ..
وهل أن انفتاح معرفتنا على هذه الحقیقه ـ التی حاول د. مکارم أن یؤکّدها من خلال استشهاداته الکثیره بالآیات القرآنیه الکریمه وبتفاسیر أئمه کبار علماء المسلمین ـ سیغیر من نظرتنا إلى التقیّه بحیث نتعامل معها على أنّها رکن من أرکان فضائلنا الإیمانیه ؟ .. ومن ثمّ نرفع عن أهلها الشک وسوء الفهم ؟ ..
إذا خرجنا من هذا الکتاب بإجابات ایجابیه على هذه الأسئله ، فإن الکتاب یکون قد أحدث صدمه فی الفکر الإسلامی داخل منظومه الثوابت الإیمانیه. ویکون قد فتح آفاقا جدیده فی الإجتهاد الفقهی وحتى فی فقه الاجتهاد. وهذا حکم جریء. فی توطئته للکتاب یؤکد د. مکارم على أمرین أساسیین :
الأمر الأول : هو أن التقیّه هی من الأسس المهمّه فی الإسلام ، وانّ القاعده الرئیسیّه هی ممارسه التقیّه ، وانّ الفرق الإسلامیّه التی لم تمارسها هی الفرق الشاذه عن القاعده ، وهذا یعنی أن القاعده عنده هی ممارسه التقیّه.
أمّا الأمر الثانی : فهو أن للتقیّه شروطاً شرعیّه وأصولاً ومقتضیات أقرتها الشریعه الإسلامیه. ولم یقل د. مکارم أقرها الفقه الإسلامی. وهذا استنباط جریء أیضاً.
لقد کان واضحا أن د. مکارم اعتمد تعریف ابن حجر العسقلانی للتقیّه. وهو تعریف یقول فیه « إنّها الحذر من إظهار ما فی النفس من معتقد وغیره للغیر » [ ص ۹ ]. وهذا تعریف عام جداً. إلا أن الأمر المحدد والمهم ، هو أنّ د. مکارم اعتبر أنّ کلمه التقیّه تعنی ما تعنیه کلمه تقاه الوارده فی الآیه الکریمه ( لا یتخذ المؤمنون الکافرین أولیاء من دون المؤمنین ومن یفعل ذلک فلیس من الله فی شیء إلا إن تتقوا منهم تقاه ویحذرکم الله نفسه والى الله المصیر). [ سوره آل عمران ـ الآیه ۲۸ ]
وجاء اعتباره هذا کما قال فی [ ص ۹ ] أن اللغویین یجمعون على ذلک. ولکن السؤال الذی یفرض نفسه هو هل یجمع على ذلک أیضاً الفقهاء ؟ .. فی محاوله غیر مباشره ـ ربما ـ للإجابه على هذا السؤال قال د. مکارم [ ص ۱۱ ] « یمکننا القول أن الآیتین القرآنیتین اللتین انطلق منهما المفسرون على العموم عند تناولهم التقیه فی الإسلام هما الآیه المذکوره آنفاً والآیه التی تقول : ( من کفر بالله من بعد إیمانه إلا من اکره وقلبه مطمئن بالإیمان ولکن من شرح بالکفر صدرا فعلیهم غضب من الله ولهم عذاب عظیم ) » [سوره النحل ـ الآیه ۱۰۶ ]
وقد نزلت هذه الآیه فی احد المهاجرین من مکه إلى المدینه « عمار » وقع فی اسر الکفّار ، فقال لهم کلمه أعجبتهم تقیّه فخلوا سبیله. ولمّا وصل إلى المدینه وأخبر الرسول (ص) بما حدث قال له رسول الله : « کیف کان قلبک حین قلت الذی قلت ؟ .. أکان منشرحاً بالذی قلت أم لا ». قال : « لا ». فنزلت الآیه. ( إلا من اکره وقلبه مطمئن بالإیمان ).
ویؤکد د. مکارم [ ص ۱۵ ] « أن معظم المفسرین اقروا بصوره مباشره أم غیر مباشره ، بأن المضطر یجوز له التقیه إما قولا وإما فعلا تیسیرا له من الله لا تعسیرا، واجتنابا للقتل أو للحرج. وإذا نحن نظرنا إلى جمیع الآیات المذکوره آنفا نرى انه رُخِّص للمؤمن المطمئن قلبه للإیمان أن یظهر الکفر تقیّه من الکافرین إن هم اکرهوه على ذلک ».
یرى د. مکارم أن آراء العلماء اختلفت فی شأن التقیه من حیث جوازها ووجوبها وامتناعها ، ومن حیث أحکامها وشروطها. کما یرى أن الآراء تعددت وتشعبت فی شأن أسباب التقیّه حتّى أنها تجاوزت الإکراه إلى أسباب أخرى ، « کالرغبه فی هدایه العدو باستدراجه إلى الإیمان واتقاء استعدائه ». وقد نقل عن الصحابی الجلیل عبد الله بن مسعود انه لا یرى جواز التقیه خوفاً على النفس فقط، بل یراها تجنباً لأدنى إکراه یلحق بالمسلم [ ص ۲۲ ].
وفی اجتهاد د. مکارم أن مصطلح « التقیه » أو « التقاه » تعزز بمصطلحین قرآنیین آخرین هما مصطلحا « الظاهر » و « الباطن ».
ویقول انّه « مع أن المفسرین اختلفوا على بعض التفاصیل عند تطرقهم لهذین المصطلحین اختلافا کبیرا فی بعض الأحیان ، فقد اتفقوا على أن « الظاهر » هو ما یعلن ، فی حین أن « الباطن » هو ما یخفى فی القلب ، وان « ظاهر الشیء » هو حرفیته ، وان « باطن الشیء » هو حقیقته التی لا یصل إلیها إلا أولئک الذین یتوخون الولوج فی جواهر المعانی وما ترمی إلیه وتشیر ، وذلک بتأویلهم النص دون الاکتفاء بمعناه الحرفی. وهم یقولون بأن هذا التأویل ، أی ما یشیر إلى المعنى الأصلی ، لا یعلمه إلا الله والراسخون فی العالم ، لقوله تعالى : ( وما یعلم تأویله إلا الله والراسخون فی العلم یقولون آمنا به کل من عند ربنا وما یذکّر إلا أولوا الألباب ) » [ سوره آل عمران ـ الآیه ۷ ].
اخت لفّ المفسّرون حول قراءه هذه الآیه الکریمه ولیس حول نصها. هل « والراسخون » مبتدأ خبره الجمله الفعلیه ، ( یقولون آمنا به … ) ، أی أن الوقف فی القراءه یجب أن یکون بعد اسم الجلاله ، بحیث تقرأ الآیه : ( وما یعلم تأویله إلا الله ). ثم تتبع البقیه : ( والراسخون فی العلم یقولون آمنا به … ) إلى آخر الآیه. وبذلک یقتصر علم التأویل على الله وحده دون ( الراسخون فی العلم ).
أما القراءه الثانیه فهی تجعل « والراسخون » معطوفه على اسم الجلاله ، أیّ أنّ الوقف فی القراءه یکون بعد « والراسخون » معطوفه على اسم الجلاله ، أی أنّ الوقف فی القراءه یکون بعد « والراسخون » بحیث تقرأ الآیه : ( وما یعلم تأویله إلا الله والراسخون فی العلم ). ثم تتبع البقیه : ( یقولون آمنا به … ) إلى آخر الآیه.
وکذلک یکون الله والراسخون فی العلم یعلمون تأویله. أدت القراءتان المختلفتان لنص واحد إلى قیام رأیین متباینین کل التباین رأی لا یجیز للناس تأویل القرآن مهما رسخوا فی العلم ، فعلیهم إذاً أخذ معانیه بظاهرها وعلى حرفیتها ، ورأی یجیز للراسخین فی العلم تأویل الکتاب والأخذ بمعانیه الباطنیه. الدکتور مکارم فی کتابه یدافع عن الرأی الثانی ویتبناه.
هنا أرید أن أنتقل إلى کتاب آخر جدید أیضاً ، وان لم یکن فی مستوى جدیه ورصانه البحث العلمی الراقی والعمیق الذی یتسم به کتاب د. مکارم. مؤلف هذا الکتاب هو جمال بدوی من مصر وعنوانه « الفاطمیه » [ دار الشروق ۲۰۰۴ ] ، ورغم إنی أشک فی صحه ما ذهب إلیه ، فقد أردت عرضه لأنه یعکس وجهه نظر أخرى لیست معاکسه فقط ، ولکنها سلبیه أیضاً. یقول المؤلف :
« نشأت الدعوه الفاطمیه ونظمت مبادئها السریه للمره الأولى على ید جماعه من الثوریین الملاحده المجوس الذین تظاهروا بالإسلام وعملوا على غزو العقیده الإسلامیه وهدمها ، ونشر المجوسیه بالتأویلات التی یتأول بها دعاتهم على القرآن والسنه واعتبار أن لکل شیء ظاهراً وباطناً ، حتى القرآن الکریم نفسه ، جعلوا له ظاهراً وباطناً ، أما الظاهر : فهو دلالات ألفاظه العربیه حقیقه أو مجازاً. وأما الباطن فهو ما وراء هذا الظاهر أو هذه الدلالات ، وهذا لا یفهمه ـ فی زعمهم ـ إلا أئمه المذاهب. وهذا الباطن لا تقیده دلالات الألفاظ العربیه ، ومعانیها اللغویه ، ولیس الظاهر إلا رموزا وإشارات لا یفهمها العوام ، الذین هم أهل السنه فی نظرهم ، فأهل السنه بکل علمائهم بدءاً من الصحابه الکرام حتى الآن ـ إنما هم عوام وجهال فی نظرهم لأنهم لا یعلمون علمهم الباطن ، وقد أدت بهم هذه النظره الباطنیه إلى تأویل معانی القرآن الکریم تأویلا غریباً یتناقض ودلالات اللغه العربیه ».
ثم ینقل المؤلف عن الدکتور عبد المنعم النمر نماذج لهذه التأویلات فمنها ما قالوه فی تفسیر قوله تعالى فی سوره نوح ( فقلت استغفروا ربکم انه کان غفارا [ الآیه ۱۰ ] یرسل السماء علیک مدرارا [ الآیه ۱۱ ] ویمددکم بأموال وبنین ویجعل لکم جنات ویجعل لکم أنهارا ) ، فزعموا ـ وهذا الزعم هو للدکتور النمر ـ أن المراد من قوله ( استغفروا ربکم ) اسألوه أن یطلعکم على أسرار المذهب الباطنی ، ومن قوله ( یرسل السماء ) المراد بالسماء « الإمام ». والماء المدرار الإمام « العلم ینبع من الإمام » ، ومن قوله [ یمددکم بأموال ] الأموال هی « العلم » ، و « البنین » هم « المستجیبون للدعوه » ( ویجعل لکم جنات ) ، ( فالجنات ) هی « الدعوه السریه الباطنیه » ، و ( الأنهار ) هی العلم الباطنی.
إنّ المقارنه بین أسباب التأویل وأهدافه کما وردت فی دراسه د. مکارم ، وکما وردت فی کتاب جمال بدوی ، تکشف عن هوه معرفیه عمیقه ، لا تزال تعمقها باستمرار معاول الجهل بالآخر والتشکیک به ، ولا تزال الصور النمطیه السلبیه عنه التی زرعها هذا الجهل منغرسه فی الثقافه العامه ، ولا تزال تشکل الأساس الذی تبنى علیه الاتهامات وأحکام الإدانه المسبقه.
من هنا الأهمیه الاستثنائیه فی اعتقادی لکتاب « التقیه فی الإسلام » ، من حیث انّه یوضح الفرق بین المسلم ، أی المقرّ بالإسلام إقراراً ظاهراً یقتصر على اللسان ولا یتعدّى القول ، من جهه ، والمؤمن، أی المصدّق بالإسلام تصدیقاً لا یقف عند الإقرار الظاهر ، وإنما یتجاوزه إلى الإیمان الباطن والعمل فی سبیل الله ، من جهه أخرى. ومن هنا أیضاً تفسیره لذلک بقوله [ ص ۲۰ ] « إن التقیّه قائمه على رحمه المسلم، فلا یعطى ما لا یستطیع تحمله من الحقیقه دفعه واحده، بل یتعطاها بالتدریج حرصاً على رسوخها فی قلبه وتمکنه منها ».
هنا لا بد من الإشاره إلى انه لا یوجد موقف إسلامی واحد من موضوع « الظاهر والباطن » [ ص ۴۳ ـ ۵۳ ] ، ومن موضوع التقیه. فهناک من تعامل معها بتساهل کالرازی مثلا الذی أجازها حتى دفاعاً عن المال ، وحتى بین المسلمین أنفسهم ولیس فقط بین المسلمین والمشرکین. وهناک من تعامل معها بتحفظ کالطبری وابن کثیر والبیضاوی. ولأن التقیه لم تکن بالأمر النادر فی التاریخ الإسلامی ، فقد ألف أبو بکر بن درید « کتاب الملاحن » لکی یکون دلیلاً للمکرهین على الکفر. فالتقیه التی تمارس بکتمان الدین وحتى بإظهار الکفر لا تؤدی إلى الکفر. فالقاعده هی « لا إکراه فی الدین ».
والـ « لا » هنا نافیه ولیست ناهیه فقط. بحیث لا یقتصر المعنى على الدعوه إلى عدم إکراه الناس حتى یؤمنوا ، ولکنه یتجاوز ذلک إلى إقرار المبدأ الأساس وهو انه لا یکون إیمان بالإکراه. وإذا کان الإیمان ینتفی بالإکراه ، فمن الأولى أن لا یکون کفر بالإکراه.
والرسول علیه السلام یقول : « إن الله تجاوز عن أمتی الخطأ والنسیان وما استکرهوا علیه ». وهو الذی قال أیضاً : « من رأى منکم منکراً فیغیره بیده. فإن لم یستطع فبلسانه ، وان لم یستطع فبقلبه وذلک اضعف الإیمان ».
وعلى أساس ذلک رأى حجه الإسلام الغزالی « وجوب ستر الحقیقه عمن هو محجوب عن تقبلها ، فلا یُعطى إلا بقدر التهیؤ المعرفه ».
وقد نقل د. مکارم عن بعض العارفین قولهم : « إفشاء سر الربوبیه کفر ». [ ص ۵۵ ]. ویفسر د. مکارم ذلک بقوله :
« إن إعطاء الحقیقه ، فی نظر حجه الإسلام ، یجب أن یکون فی غایه من الحذر. فإفشاؤها لغیر أهلها خطر کبیر لا یقل عن خطر منعها عن أهلها ، وذلک تقیه لصاحب الحقیقه ممن لا یقدرون على معرفتها ، وتقیه للحقیقه ممن لیسوا من أهلها ، وتقیّه لمن لیسوا من أهلها أن یعمیهم سطوعها فیصعقوا ».
وما أجمل قول الإمام محمد بن إدریس الشافعی :
« سأکتم علمی عن ذوی الجهل طاقتی ، ولا انثر الدر النفیس على الغنم » ؟
ولعل البحث الذی أورده د. مکارم « عن قصه موسى علیه السلام ، والعالِم بما لم یکن موسى النبی على علم به کما وردت فی القرآن الکریم » [ ص ۶۱ ـ ۷۲ ] ما یکشف عن الکثیر من أسرار الحکمه من وراء کتمان المعرفه عمن لیس أهلاً لها حتى ولو کان نبیاً. ویمکن الرجوع إلى التأویلات الذکیه والعمیقه التی توصل إلیها د. مکارم من خلال عرضه لوقائع تلک القصه المثیره.
ولکن رغم کل التأصیل العلمی والأکادیمی المثبت بالمراجع الشرعیه والاجتهادات الفقهیه لمبدأ التقیه فی الإسلام ، فان الدکتور مکارم یرى انه « بقبول الآخر والاعتراف به تبطل أسباب التقیه إکراهاً ، إذ یُقضى على الخوف من طغیان الأکثریه على الأقلیه أو طاغوتها ، فیفسح فی المجال أمام الأقلیه أن تعبر عن رأیها دون خوف أو تقاه ».
إن د. مکارم على حق عندما یقول إن انکفاء الأقلیه عن المشارکه فی الفکر بلجوئها إلى التقیه سبب فی الماضی ویسبب فی الحاضر الشکوک المتبادله بین أفراد المجتمع ، کما سبب ویسبب ظهور « وحدات » اجتماعیه متنافره لا یربطها إلا روابط واهیه قائمه على الخداع الاجتماعی والریاء والتعالی والتکاذب والولاء الطائفی. وهی کلها صفات توسم المجتمع الإسلامی بالهشاشه والضعف والتفسخ.
أما کیف تنتفی حاجه المسلمین إلى أن یکره بعضهم بعضاً على رأی عقائدی أو سیاسی فیضطر المکرَه إلى مداراه المکرِه تقیه ، فبالعمل بما دعا إلیه القرآن الکریم إلى کلمه سواء ـ أی إلى کلمه طیبه ـ کما یفسرها د. مکارم. وهو یرى عن حق :
« أن الکلمه السواء تکون ناتجه عن الموده لا عن الکراهیه ، فتتجاوز اللسان إلى القلب ، فإذا هی تعبیر عن الحقیقه التی تغذی الناس ، کلا على قدر ما هو علیه من صحه دینه وعقله ، وعلى قدر ما هو مهیأ له من الارتقاء فی مراقی الإسلام ».
وأود أن اردد معه تأکیده على انه :
« عندما تعم هذه الثقه المتبادله بین المسلمین ولا یعود المسلم ، إلى أیه فرقه أو مذهب انتمى ، یشعر برفض الآخر له وتکفیره إیاه وبرفضه وتکفیره الآخر ، عندما یصل المسلمون إلى قبول بعضهم بعضا یصلون بالتالی إلى قبولهم لمواطنیهم اجمع دونما فرق بین منتم إلى دین أو آخر ».
واختم بأننا عندما نقول بحوار الحضارات لا تصارعها ، علینا أن نبدأ بأنفسنا ومن داخل عقیدتنا وانطلاقا من ثوابتها الإیمانیه.
فالحوار من حیث هو البحث عن الحقیقه فی وجهه نظر الآخر ، یجب أن یکون سبیلنا إلى احترام الاختلاف والمختلف معه والى الإقرار بأن أیاً منا لا یملک الحقیقه المطلقه وان للمرء إلا ما سعى ، وان الله وحده هو عالم الغیب والشهاده. وهو وحده یحکم بیننا یوم القیامه فیما کنا فیه مختلفین.
_____________________________
 
المصدر : مؤسسه السبطین العالمیّه

Leave A Reply

Your email address will not be published.