زواج المتعه
لم تزل مسأله المتعه ـ مع أنّها من المسائل الفرعیه ـ مثاراً للاهتمام والنقاش،فأهل السنه على ردها وادّعاء نسخها.
والشیعه عن بکره أبیهم على أنّها زواج مشروع نزل بها القرآن الکریم، ومارسها الصحابه عصر النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) وبعده.
وقد کتب أحد الکتّاب ـ المدعو محمد الالوسی ـ مقالاً حول المتعه نشرتها صحیفه اللواء على صفحاتها، وقد قرأت المقال أثناء رحلتی الأُولى إلى الأُردن عام ۱۴۱۸هـ ، فکتبت مقالاً فی ردّه، وتفضل رئیس تحریر الصحیفه مشکوراً بنشرها( [۸۵۸]).
وإلیک المقال مع تقدیم بقلم رئیس تحریرها.
العلاّمه سبحانی: «ما اختلفنا فی النبی… اختلفنا فیما روی عنه»
یطرح الأُستاذ آیه اللّه جعفر سبحانی فی هذا المقال رأی الشیعه فی قضیه «نکاح المتعه»، و یقدم من الأدله والحجج و البراهین حول جوازها وعدم نسخها بأُسلوبه الممیز وفکره الموضوعی،وعلمه الغزیر ما یدفعنا إلى نشر مقاله إیماناً منّا بحریه الرأی الآخر وضروره فتح صفحات الحوار بین المسلمین مهما اختلفت الرؤى والاجتهادات.
الشیخ سبحانی، واحد من أعلام الفقه والفکر، صدر له أکثر من مائه کتاب فی الملل والنحل والتفسیر والفقه وعقائد الإسلام والإلهیات، درس على ید الأعلام، السید البروجردی، و السید محمد حسین الطباطبائی، وهو تلمیذ الإمام الخمینی لأکثر من ثلاثه عشر عاماً، ویشغل الآن رئاسه مؤسسه الإمام الصادق (علیه السلام) للبحوث والدراسات العلیا، ویدرّس علم الفقه والأُصول.
وإذا کانت «اللواء» قدنشرت فی عددها قبل السابق مقالاً حول «زواج المتعه» من وجهه نظر المذهب السنی، وبقلم أحد الباحثین فی الجامعه الأُردنیه، فإنّها وهی تنشر فی هذا العدد مقال الشیخ سبحانی، من وجهه نظر المذهب الشیعی، لترجو أن تفتح هذه الاجتهادات فی وجه علمائنا ومفکرینا أبواب الحوار وفق أدب الاختلاف ومنهجیته الإسلامیه التی نحترمها جمیعاً، وأن تکون مقدمه لإزاحه حاله الاحتقان التی طرأت بفعل عوامل شتى على بحوثنا ومفکرینا وأورثت أُمّتنا ما تعیشه من انقسامات وتناقضات لم تکن فی أی حال متعلقه بأُصول دیننا بقدر ما کانت اجتهادات فی فروعه وهوامشه لا غیر.
وإذا کان الشیخ سبحانی قد أکد فی أکثر من مناسبه بأنّ المشترکات بین المذهبین السنی والشیعی تفوق الاختلافات، وانّ الاختلاف فی الفروع أمر طبیعی تحتاج إلیه المجتمعات، فانّه یثیر أیضاً وفی کل مناسبه وحوار، انّ المسلمین یختلفون ولن یختلفوا على النبی (علیه السلام) وسنته المشرّفه ولکنّهم اختلفوا أو سیختلفوا فیما روی عنه. فالاختلاف ـ إذن ـ لیس فی النبی أو الکتاب ولکن فیما روی عنه (علیه السلام) وفیما فسره المفسّرون مما جاء فی کتاب اللّه عزّوجلّ.
و «اللواء » إذ تشکر سماحه الشیخ سبحانی على تعقیبه الذی أبداه فی حوارها معه حول مانشرته عن حکم زواج المتعه لیسعدها أن تنشر مقالته ورده، دون أن تکون مضطره لتبنّی أی من وجهتی النظر السالفتین… فهی منبر للحوار وساحه للتقریب بین أتباع المذاهب، تلک رسالتها وستظل تسعى من أجل ذلک الهدف الحلم الذی یتطلع إلیه کلّ المخلصین و الغیورین على دین اللّه ورسالته.
المحرر
ما هو زواج المتعه؟
زواج المتعه عباره عن تزویج المرأه الحره الکامله نفسها إذا لم یکن بینها وبین الزوج مانع ـ من نسب أو سبب أو رضاع أو إحصان أو عده أو غیر ذلک من الموانع الشرعیه ـ بمهر مسمّى إلى أجل مسمّى بالرضاء والاتفاق، فإذا انتهى الأجل تبین منه من غیر طلاق. ویجب علیها مع الدخول بها ـ إذ لم تکن یائسه ـ أن تعتد عدّه الطلاق إذا کانت ممن تحیض وإلاّ فبخمسه وأربعین یوماً.
وولد المتعه ـ ذکراً کان أو أُنثى یلحق بالأب ولا یدعى إلاّ به، وله من الإرث ما أوصانا اللّه سبحانه به فی کتابه العزیز کما یرث من الأُمّ، وتشمله جمیع العمومات الوارده فی الآباء والأبناء والا ُمّهات، وکذا العمومات الوارده فی الاخوه والأخوات والأعمام والعمات.
وبالجمله: المتمتع بها زوجه حقیقه، وولدها ولد حقیقه.ولا فرق بین الزواجین: الدائم والمنقطع إلاّ انّه لا توارث هنا ما بین الزوجین،ولا قسمه ولا نفقه لها. کما انّ له العزل عنها، وهذه الفوارق الجزئیه فوارق فی الأحکام لا فی الماهیه، لأنّ الماهیه واحده غیر انّ أحدهما زوج مؤقّت والآخر دائم، وانّ الأوّل ینتهی بانتهاء الوقت والآخر ینتهی بالطلاق أو الفسخ.
وقد أجمع أهل القبله على أنّه سبحانه شرع هذا النکاح فی صدر الإسلام ، ولا یشک أحد فی أصل مشروعیته، وإنّما وقع الکلام فی نسخه أو بقاء مشروعیته.
ما هو الأصل فی مشروعیتها؟
والأصل فی مشروعیته قوله سبحانه: ( وَحَلائِلُ أَبْنائکُمُ الَّذینَ مِنْ أَصلابِکُم وَأَن تَجْمَعُوا بَیْنَ الأُختَیْن إِلاّما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ کانَ غَفُوراً رَحیماً * والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساء إِلاّما مَلَکَتْ أَیمانکُمْ کتاب اللّه عَلَیْکُمْ وأُحلَّ لَکُمْ ماوَراء ذلِکُمْ أَن تَبتَغُوا بِأَموالِکُمْ مُحصِنینَ غیرَ مُسافِحین فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَریضهً وَلا جُناحَ عَلَیْکُمْ فِیماتَراضَیْتُمْ بهِ مِنْ بَعْدِالْفَریضَه إِنَّ اللّهَ کانَ عَلیماً حَکِیماً ) ( [۸۵۹]) .
والآیه ناظره إلى نکاح المتعه وذلک لوجوه:
۱٫ الحمل على النکاح الدائم یستلزم التکرار بلا وجه:
إنّ هذه السوره، أی سوره النساء، تکفلت ببیان أکثر ما یرجع إلى النساء من الأحکام والحقوق، فذکرت جمیع أقسام النکاح فی أوائل السوره على نظام خاص، أمّا الدائم فقد أشار إلیه سبحانه بقوله: ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّتقسطُوا فِی الیَتامى فَانْکِحُوا ما طابَ لَکُمْ مِنَ النِّساء مَثْنى وَثلاثَ وَرُباع وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحدَه… ) ( [۸۶۰]) .
وأمّا أحکام المهر فقد جاءت فی الآیه التالیه: ( وآتُوا النساءَ صَدْقاتهنَّ نِحْلهً فَإِنْ طِبْنَ لَکُمْ عَنْ شیء مِنْهُ نَفساً فَکُلُوهُ هَنِیئاً مریئاً ) ( [۸۶۱]) .
وأمّا نکاح الإماء فقد جاء فی قوله سبحانه: ( وَمَنْ لَمْ یَسْتَطِعْ مِنْکُمْ طولاً أَنْ یَنْکِحَ الْمُحْصَنات المؤمنات فَمِنْ ما مَلَکَتْ أَیمانکُمْ من فَتیاتکُمُ المؤمنات وَاللّهُ أَعلم بایمانکُمْ بعضکم من بَعْض فَانکِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجورهنَّ بِالْمَعْرُوف مُحْصنات غَیر مُسافِحات ولا مُتَّخذات أَخْدان… ) ( [۸۶۲]).
فقوله سبحانه: ( فانکحوهنَّ بإِذن أَهلهنَّ ) إشاره إلى الزواج من أمه الغیر.
فإلى هنا تم بیان جمیع أقسام النکاح فلم یبق إلاّنکاح المتعه، وهو الذی جاء فی الآیه السابقه، وعلى ضوء هذا حمل قوله سبحانه: ( فما استمتعتم ) على الزواج الدائم، وحمل قوله: ( فَآتوهنَّ أُجورهنّ ) على المهور والصدقات یوجب التکرار بلا وجه، فالناظر فی السوره یرى انّ آیاتها تکفلت ببیان أقسام الزواج على نظام خاص ولا یتحقق ذلک إلاّ بحمل الآیه على موضوع جدید ولیس إلاّ نکاح المتعه کما هو ظاهرها أیضاً.
۲٫ تعلیق دفع الأُجره على عقد الاستمتاع
إنّ لفظ الاستمتاع وإن کان فی الأصل واقعاً على الانتفاع والالتذاذ، لکنّه صار بعرف الشرع مخصوصاً بهذا العقد المعین لا سیما إذا أُضیفت إلى النساء والمراد من قوله سبحانه: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ) هو «متى عقدتم علیهنّ هذا العقد المسمى متعه فآتوهنّ أُجورهنّ» وذلک لأنّ المهر یجب بالعقد، لا بالجماع والاستمتاع.
ولا یصحّ تفسیر قوله: ( فَما استَمْتَعْتُمْ بهِ مِنْهُنَّ ) بالعقد الدائم وحمله علیه وذلک لأنّه حینئذ إمّا أن یراد منه المعنى اللغوی أی الانتفاع والالتذاذ ومعنى ذلک انّه لا یجب شیء على الزوج إذا لم ینتفع من المرأه بشیء مع أنّ الفقهاء اتّفقوا على لزوم دفع نصف المهر فی العقد الدائم إذا طلقها قبل الانتفاع.
أو یراد منه العقد الدائم ولازمه وجوب دفع المهر بکماله بمجرّد العقد، لأنّه قال: ( فَآتُوهُنَّ أُجُورهنّ ) أی مهورهنّ ولا خلاف فی أنّه غیر واجب، وإنّما یجب دفع الکل إذا دخل وإلاّ فذمه الزوج مشغوله بالکلّ على وجه التعلیق. نعم للزوجه المنع من الدخول مالم تأخذ المهر کلّه، وأین هو من وجوب دفع المهر کلّه، إلیها مطلقاً، امتنعت أم لا، أراد الدخول أم لم یرد.
نعم هذا شأن المتعه التی لم یشرع فیها الطلاق فإذا عقد، عقد متعه، لزمه المهر کلّه، دخل أم لم یدخل.
۳٫ تصریح جماعه من الصحابه على شأن نزولها
ذکرت أُمّه کبیره من أهل الحدیث نزولها فیها، وینتهی نقل هؤلاء إلى أمثال ابن عباس، وأُبی بن کعب، وعبد اللّه بن مسعود، وجابر بن عبد اللّه الأنصاری، وحبیب بن أبی ثابت، وسعید بن جبیر، إلى غیر ذلک من رجال الحدیث الذین لا یمکن اتهامهم بالوضع والجعل.
وقد ذکر نزولها من المفسرین والمحدثین:
إمام الحنابله أحمد بن حنبل فی مسنده: ۴/۴۳۶٫
وأبو جعفر الطبری فی تفسیره: ۵/۹٫
وأبو بکر الجصاص الحنفی فی أحکام القرآن:۲/۱۷۸٫
وأبو بکر البیهقی فی السنن الکبرى:۷/۲۰۵٫
ومحمود بن عمر الزمخشری فی الکشاف:۱/۳۶۰٫
وأبو بکر بن سعدون القرطبی فی تفسیر جامع أحکام القرآن:۵/۱۳۰٫
وفخر الدین الرازی فی مفاتیح الغیب:۳/۲۰۰٫
إلى غیر ذلک من المحدثین والمفسرین الذین جاءوا بعد ذلک إلى عصرنا هذا، ولا نطیل الکلام بذکرهم.
ولیس لأحد أن یتهم هؤلاء الأعلام بذکر ما لا یؤمنون به. وبملاحظه هذه القرائن لا یکاد یشک فی ورودها فی نکاح المتعه.
ونزید الوضوح بیاناً بقوله سبحانه: ( واحلّ لَکُمْ ما وَراءَ ذلِکُمْ ان تَبْتَغُوا بِأَموالکم محصنینَ غَیْر مُسافحین ) .
إنّ قوله سبحانه ( ان تبتغوا ) مفعول له لفعل مقدر، أی بیّن لکم ما یحل ممّا یحرم لأجل أن تبتغوا بأموالکم، وأمّا مفعول قوله: ( تبتغوا ) فیعلم من القرینه وهو النساء أی طلبکم نکاح النساء، أی بین الحلال والحرام لغایه ابتغائکم نکاح النساء من طریق الحلال لا الحرام.
وقوله سبحانه: ( مُحصنین ) وهو من الإحصان بمعنى العفه وتحصین النفس من الوقوع فی الحرام، وقوله سبحانه ( غیر مسافحین ) هوجمع مسافح بمعنى الزانی مأخوذ من السفح بمعنى صبّ الماء، والمراد هنا هو الزانی بشهاده قوله سبحانه فی الآیه المتأخره فی نکاح الإماء: ( وَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ بِالمَعْرُوف مُحصنات غَیر مُسافِحات ) أی عفائف غیر زانیات.
ومعنى الآیه: انّ اللّه تبارک و تعالى شرع لکم نکاح ما وراء المحرمات لأجل أن تبتغوا بأموالکم ما یحصنکم ویصون عفتکم ویصدکم عن الزنا، وهذا المناط موجود فی جمیع الأقسام، النکاح الدائم،والمؤقت والزواج بأمه الغیر، المذکوره فی هذه السوره من أوّلها إلى الآیه ۲۵٫
هذا هو الذی یفهمه کلّ إنسان من ظواهر الآیات غیر انّ من لا یروقه الأخذ بظاهر الآیه ( فما استمتعتم به منهنّ فآتوهُنَّ أُجورهن ) لرواسب نفسیه أو بیئیّه حاول أن یطبق معنى الآیه على العقد الدائم، وذکر فی المورد شبهات ضعیفه لا تصمد امام النقاش نجملها بما یلی:
شبهات حول المتعه
الشبهه الأُولى: انّ الهدف من تشریع النکاح هو تکوین الأُسره وإیجاد النسل، وهو یختص بالنکاح الدائم دون المنقطع الذی لا یترتب علیه إلاّ إرضاء القوه الشهویه وصب الماء وسفحه.
ویجاب عنها: بأنّه خلط بین الموضوع والفائده المترتبه علیه، وما ذکر إنّما هو من قبیل الحکمه، ولیس الحکم دائراً مدارها، لضروره انّ النکاح صحیح وإن لم یکن هناک ذلک الغرض، کزواج العقیم والیائسه والصغیره. بل أغلب المتزوجین فی سن الشباب بالزواج الدائم لا یقصدون إلاّ قضاء الوطر واستیفاء الشهوه من طریقها المشروع، ولا یخطر ببالهم طلب النسل أصلاً وإن حصل لهم قهراً، ولا یقدح ذلک فی صحّه زواجهم.
ومن العجب حصر فائده المتعه فی قضاء الوطر، مع أنّها کالدائم قد یقصد منها النسل والخدمه وتدبیر المنزل وتربیه الأولاد والإرضاع والحضانه.
ونسأل المانعین الذین یتلقّون نکاح المتعه، مخالفاً للحکمه، التی من أجلها شرع النکاح، نسألهم عن الزوجین اللذین یتزوجان نکاح دوام، ولکن ینویان الفراق بالطلاق بعد شهرین، فهل هذا نکاح صحیح أو لا ؟ لا أظن انّ فقیهاً من فقهاء الإسلام یمنع ذلک إلاّإذا أفتى بغیر دلیل و لا برهان، وعندئذ یطرح السؤال الثانی: أی فرق حینئذ بین المتعه وهذا النکاح الدائم سوى انّ المدّه مذکوره فی الأوّل دون الثانی ؟
یقول صاحب المنار: انّ تشدید علماء السلف والخلف فی منع المتعه یقتضی منع النکاح بنیّه الطلاق، وإن کان الفقهاء یقولون إنّ عقد النکاح یکون صحیحاً إذا نوى الزوج التوقیت، ولم یشترطه فی صیغه العقد، ولکن کتمانه إیاه یعد خداعاً وغشاً وهو أجدر بالبطلان من العقد الذی یشترط فیه التوقیت.
أقول: نحن نفترض انّ الزوجین رضیا بالتوقیت لباً، حتى لا یکون هناک خداع وغش فهو صحیح بلا إشکال.
الشبهه الثانیه:انّ تسویغ النکاح المؤقت ینافی ما تقرر فی القرآن کقوله عزّ وجلّ فی صفه المؤمنین: ( وَالّذینَ هُمْ لِفُروجِهِمْ حافِظُون* إِلاّعَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَکَتْ أَیْمانهُمْ فَإِنَّهُمْ غَیْرُ مَلُومِین* فَمَنِ ابْتَغى وَراء ذلِکَ فَأُولئکَ هُمُ العادون ) ( [۸۶۳]) .
والمراد من الآیه: انّ من ابتغى وراء ذلک، هم المتجاوزون ما أحله اللّه لهم إلى ما حرّمه علیهم. والمرأه المتمتع بها لیست زوجه فیکون لها على الرجل مثل الذی علیها بالمعروف.
إلاّ انّه یرد علیها: انّها دعوه بلا دلیل. فانّها زوجه ولها أحکام، وعدم وجود النفقه والقسمه لا یخرجانها عن الزوجیه، فانّ الناشزه زوجه لیست لها النفقه وحقّ القسمه، ومثلها الصغیره. والعجب أن یستدل بعدم وجود الأحکام على نفی الماهیه، فانّ الزوجیه رابطه بین الزوجین تترتب علیها جمله من الأحکام وربما تختص بعض الأحکام ببعض الأقسام.
الشبهه الثالثه: انّ المتمتع فی النکاح المؤقت لا یقصد الإحصان دون المسافحه بل یکون قصده مسافحه، فإن کان هناک نوع ما من إحصان نفسه ومنعها من التنقل فی دمن الزنا، فانّه لا یکون فیه شیء ما من إحصان المرأه التی تؤجر نفسها کلّ طائفه من الزمن لرجل فتکون کما قیل:
کره حذفت بصوالجه *** فتلقفها رجـل رجــل ویرد على هذه الشبهه: انّه من أین وقف على أنّ الإحصان فی النکاح المؤقت یختص بالرجل دون المرأه، فانّا إذا افترضنا کون العقد شرعیاً، فکلّ واحد من الطرفین یحصن نفسه من هذا الطریق، وإلاّفلا محیص عن التنقل فی دمن الزنا. والذی یصون الفتاه عن البغی أحد الأُمور الثلاثه:
۱٫ النکاح الدائم.
۲٫ النکاح المؤقت بالشروط الماضیه.
۳٫ کبت الشهوه الجنسیه.
فالأوّل ربما یکون غیر میسور خصوصاً للطالب والطالبه اللّذین یعیشان بمنح ورواتب مختصره یجریها علیهما الوالدان أو الحکومه، والثالث أی کبت الشهوه الجنسیه أمر شاق لا یتحمله إلاّالأمثل فالأمثل من الشباب والمثلى من النساء وهم قلیلون، فلم یبق إلاّالطریق الثانی فیحصنان نفسهما عن التنقل فی بیوت الدعاره.
إنّ الدین الإسلامی هو الدین الخاتم، ونبیه خاتم الأنبیاء وکتابه خاتم الکتب، وشریعته خاتمه الشرائع، فلابد أن یضع لکلّ مشکله اجتماعیه حلولاً شرعیهً، یصون بها کرامه المؤمن والمؤمنه، وما المشکله الجنسیه عند الرجل والمرأه إلاّ إحدى هذه النواحی التی لا یمکن للدین الإسلامی أن یهملها، وعندئذ یطرح هذا السؤال نفسه:
ماذا یفعل هؤلاء الطلبه والطالبات الذین لا یستطیعون القیام بالنکاح الدائم، وتمنعهم کرامتهم ودینهم عن التنقل فی بیوت الدعاره والفساد، والحیاه المادیه بجمالها تؤجج نار الشهوه فی نفوسهم؟ فمن المستحیل عاده أن یصون نفسه أحد إلاّ من عصمه اللّه، فلم یبق طریق إلاّ زواج المتعه الذی یشکل الحل الأنجح لتلافی الوقوع فی الزنا، وتبقى کلمه الإمام علی بن أبی طالب ترن فی الأذان محذره من تفاقم هذا الأمر عند إهمال العلاج الذی وصفه المشرع الحکیم له، حیث قال (علیه السلام) : «لولا نهی عمر عن المتعه لما زنى إلاّشقی أو شقیه».
وأمّا تشبیه المتعه بما جاء فی الشعر فهو یعرب عن جهل الرجل بحقیقه نکاح المتعه وحدودها فانّ ما جاء فیه هی المتعه الدوریه التی ینسبها الرجل وغیره إلى الشیعه، وهم براء من هذا الإفک إذ یجب على المتمتع بها بعد إنهاء المده الاعتداد على ما ذکرنا، فکیف یمکن أن تؤجر نفسها کلّ یوم لرجل؟ سبحان اللّه ما أجرأهم على الکذب على الشیعه والفریه علیهم، وما مضمون الشعر إلاّ جساره على الوحی والتشریع الإلهی، وقد اتفقت کلمه المحدثین والمفسرین على التشریع، وانّه لو کان هناک نهی أو نسخ فإنّما هو بعد التشریع والعمل.
الشبهه الرابعه: انّ الآیه منسوخه بالسنّه، واختلفوا فی زمن نسخها على أقوال شتى:
۱٫ أُبیحت ثمّ نهی عنها عام خیبر.
۲٫ ما أحلت إلاّ فی عمره القضاء.
۳٫ کانت مباحه ونهی عنها فی عام الفتح.
۴٫ أُبیحت عام أوطاس ثمّ نهی عنها.
وهذه الأقوال تنفی الثقه بوقوع النسخ، کما انّ نسخ القرآن بأخبار الآحاد ممنوع جداً، وقد صحّ عن عمران بن الحصین انّه قال: إنّ اللّه أنزل المتعه وما نسخها بآیه أُخرى، وأمرنا رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) بالمتعه وما نهانا عنها، ثمّ قال رجل برأیه یرید به عمر بن الخطاب.
إنّ الخلیفه الثانی لم یدع النسخ وإنّما اسند التحریم إلى نفسه، ولو کان هناک ناسخ من اللّه عزّ وجلّ أو من رسوله، لأسند التحریم إلیهما، وقد استفاض قول عمر وهو على المنبر : متعتان کانتا على عهد رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) وأنا أنهى عنهما وأُعاقب علیهما: متعه الحج ومتعه النساء.
بل نقل متکلم الأشاعره فی شرحه على شرح التجرید انّه قال: أیّـها الناس ثلاث کنّ على عهد رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) وأنا أنهى عنهنّ، وأُحرمهنّ، وأُعاقب علیهنّ، متعه النساء، ومتعه الحج،وحی على خیر العمل.
وقد روی عن ابن عباس ـ و هو من المصرّحین بحلیه المتعه وإباحتها ـ فی ردّه على من حاجه بنهی أبی بکر و عمر لها، حیث قال: یوشک أن تنزل علیکم حجاره من السماء، أقول: قال رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) ، وتقولون: قال أبو بکر وعمر.
حتى أنّ ابن عمر لما سئل عنها أفتى بالإباحه فعارضوه بقول أبیه فقال لهم: أمر رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) أحقّ أن یتبع أم أمر عمر؟
کلّ ذلک یعرب عن أنّه لم یکن هناک نسخ ولا نهی نبوی وإنّما کان تحریماًمن جانب الخلیفه، وهو فی حدّ ذاته یعتبر اجتهاداً قباله النص الواضح، ولم یزل جمله من الصحابه یعلنون رفضهم له وعدم إذعانهم لأمره، وإذا کان الخلیفه قد اجتهد لأسباب رآها وأفتى على أساسها فکان الأولى بمن لحقوه أن یتنبهوا لهذا الأمر لا أن یسرفوا فی تحریمها دون حجه ولا دلیل.
المنکرون للتحریم
ذکرنا انّ لفیفاً من وجوه الصحابه والتابعین أنکروا هذا التحریم ولم یقرّوا به، منهم:
۱٫ علی أمیر المؤمنین، فی ما أخرجه الطبری بالاسناد إلیه انّه قال: «لولا انّ عمر نهى عن المتعه ما زنى إلاّ شقی» ( [864]).
۲٫ عبد اللّه بن عمر، أخرج الإمام أحمد من حدیث عبد اللّه بن عمر، قال ـ وقد سئل عن متعـه النساء ـ : واللّه ما کنا على عهد رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) زانین ولا مسافحین، ثمّ قال: واللّه لقد سمعت رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) یقول: «لیکونن قبل یوم القیامه المسیح الدجال وکذابون ثلاثون وأکثر» ( [865]).
۳٫ عبد اللّه بن مسعود، أخرج البخاری عن عبد اللّه بن مسعود، قال: کنّا نغزو مع رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) ولیس لنا شیء ، فقلنا: الا نستخصی؟ فنهانا عن ذلک، ثمّ رخص لنا أن ننکح المرأه بالثوب إلى أجل معین، ثمّ قرأ علینا: ( یا أَیُّها الّذینَ آمَنُوا لا تُحَرِّموا طَیّباتِ ما أَحَلَّ اللّهُ لَکُمْ ولا تَعْتَدُوا إنّ اللّهَ لا یُحِبُّ الْمُعْتَدین ) ( [۸۶۶]). ( [۸۶۷])
۴٫ عمران بن حصین، أخرج البخاری فی صحیحه عنه، قال: نزلت آیه المتعه فی کتاب اللّه ففعلناها مع رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) ، ولم ینزل قرآن یحرمها ولم ینه عنها حتى مات. قال رجل برأیه ما شاء ( [۸۶۸]).
۵٫ انّ الخلیفه العباسی المأمون أوشک أن ینادی فی أیّام حکمه،بتحلیل المتعه إلاّ أنّه توقف خوفاً من الفتنه وتفرق المسلمین. قال ابن خلکان، نقلاً عن محمد بن منصور: قال: کنّا مع المأمون فی طریق الشام فأمر فنودی بتحلیل المتعه، فقال یحیى بن أکثم لی ولأبی العیناء: بکّرا غدا إلیه، فإن رأیتما للقول وجهاً فقولا، وإلاّفاسکتا إلى أن أدخل، قال : فدخلنا علیه وهو یستاک ویقول وهو مغتاظ:متعتان کانتا على عهد رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) وعلى عهد أبی بکر رضی اللّه عنه وأنا أنهى عنهما، ومن أنت یا جُعَل حتى تنهى عما فعله رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) وأبو بکر رضی اللّه عنه؟ فأومأ أبو العیناء إلى محمد بن منصور وقال: رجل یقول فی عمر بن الخطاب ما یقول نکلمه نحن؟ فأمسکنا، فجاء یحیى بن أکثم فجلس وجلسنا، فقال المأمون لیحیى: ما لی أراک متغیراً؟ فقال: هو غم یا أمیر المؤمنین لما حدث فی الإسلام، قال: و ما حدث فیه؟ قال: النداء بتحلیل الزنا، قال: الزنا؟ قال: نعم، المتعه زنا، قال: و من أین قلت هذا؟ قال: من کتاب اللّه عزّوجلّ ، وحدیث رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) ، قال اللّه تعالى ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمنُون ) إلى قوله: ( وَالّذینَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّعَلى أَزواجِهم أَوْ ما مَلَکَتْ أَیمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَیْر مَلُومِین* فَمَنِ ابْتَغْى وَراءَ ذلِکَ فَأُولئِکَ هُمُ العادون ) ( [۸۶۹]) یا أمیر المؤمنین زوجه المتعه ملک یمین؟ قال: لا، قال: فهی الزوجه التی عند اللّه ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذین من العادین ( [۸۷۰]).
أقول: هل عزب عن ابن أکثم ـ و قد کان ممّن یکن العداء لآل البیت ـ انّ المتعه داخله فی قوله سبحانه : ( إِلاّعَلى أَزْواجِهِم ) و انّ عدم الوراثه تخصیص فی الحکم، وهو لا ینافی ثبوتها، وکم لها من نظیر، فالکافره لا ترث الزوج المسلم، وبالعکس، کما انّ القاتله لا ترث وهکذا العکس، وأمّا الولد فیلحق قطعاً،و نفی اللحوق ناشئ امّا من الجهل بحکمها أو التجاهل به.
وما أقبح کلامه حیث فسر المتعه بالزنا وقد أصفقت الأُمه على تحلیلها فی عصر الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم) والخلیفه الأوّل، أفحسب ابن أکثم انّ الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم) حلل الزنا ولو مده قصیره؟!
کبرت کلمه تخرج من أفواههم.
وهناک روایات مأثوره عن الخلیفه نفسه، تعرب عن أنّ التحریم کان صمیم رأیه، من دون استناد إلى آیه أو روایه.
فقد أخرج مسلم فی صحیحه: عن أبی نضره قال: کان ابن عباس یأمر بالمتعه، وکان ابن الزبیر ینهى عنها، فذکر ذلک لجابر، فقال: على یدی دار الحدیث: تمتعنا مع رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) فلما قام عمر، قال: إنّ اللّه کان یحل لرسوله ما شاء بما شاء، فأتموا الحج والعمره وأبوا نکاح هذه النساء، فلئن أُوتی برجل نکح امرأه إلى أجل إلاّرجمته بالحجاره.
وأخرج الإمام أحمد فی مسنده عن أبی نضره، قال: قلت لجابر: إنّ ابن الزبیر ینهى عن المتعه، وانّ ابن عباس یأمر بها، فقال لی: على یدی جرى الحدیث: تمتعنا مع رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) ومع أبی بکر، فلما ولی عمر خطب الناس فقال: إنّ القرآن هو القرآن، وانّ رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) هو الرسول، وانّهما کانتا متعتان على عهد رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) احداهما متعه الحج والأُخرى متعه النساء.
وهذه المأثورات تعرب عن جمله من الملاحظات نجملها بملاحظتین اثنتین:
الا ُولى: انّ المتعه کانت باقیه على الحل إلى عهد الخلیفه عمر بن الخطاب، وبقیت حلالاً فی أیامه حتى نهى عنها ومنع.
و الثانیه: انّه باجتهاده قام بتحریم ما أحلّه الکتاب والسنه، ومن المعلوم انّ اجتهاده ـ لو صحت تسمیته بالاجتهاد ـ حجه على نفسه لا على غیره.
وفی الختام نقول:
إنّ الجهل بفقه الشیعه أدى بکثیر من الکتاب إلى التقوّل على الشیعه، وخصوصاً فی مسأله المتعه التی نحن فی صدد الحدیث عنها، بجمله منکره من الآراء والأحکام تدل على جهل مطبق أو خبث سریره، ومن هذه الأقوال: إنّ من أحکام المتعه عند الشیعه انّه لا نصیب للولد من میراث أبیه، وانّ المتمتع بها لا عدّه لها، وانّها تستطیع أن تنتقل من رجل إلى رجل إن شاءت، و من أجل هذا استقبحوا المتعه واستنکروها وشنعوا على من أباحها.
وقد خفی الواقع على هؤلاء وانّ المتعه عند الشیعه کالزواج الدائم لا تتم إلاّبالعقد الدال على قصد الزواج صراحه، وانّ المتمتع بها یجب أن تکون خالیه من جمیع الموانع، وانّ ولدها کولد الزوجه الدائمه من وجوب التوارث، والإنفاق وسائر الحقوق المادیه، وانّ علیها أن تعتد بعد إنهاء الأجل مع الدخول بها، وإذا مات زوجها وهی فی عصمته اعتدت کالدائمه من غیر تفاوت، إلى غیر ذلک من الآثار .
على أنّ الأمر الذی ینبغی الالتفات إلیه وإدراکه بوضوح، انّ الشیعه ورغم إدراکهم وإیمانهم بحلیه زواج المتعه وعدم تحریمه ـ وهو ما یعلنون عنه صراحه ودون تردّد ـ إلاّانّهم لا یلجأون إلى هذا الزواج إلاّ فی حدود ضیقه وخاصه، ولیس کما یصوّره ویتصوّره البعض من کونه ظاهره متفشیه فی مجتمعهم وبشکل مستهجن ممجوج.
[۸۵۸] . راجع صحیفه اللواء، المؤرخه الأربعاء، ۲۹/۵/۱۹۹۶م .
[۸۵۹] . النساء: ۲۳ ـ ۲۴٫
[۸۶۰] . النساء: ۳٫
[۸۶۱] . النساء: ۴٫
[۸۶۲] . النساء: ۲۵٫
[۸۶۳] . المؤمنون: ۵ ـ ۷٫
[۸۶۴] . الطبری: التفسیر : ۵/ ۹٫
[۸۶۵] . مسند أحمد: ۲/ ۹۵٫
[۸۶۶] . المائده: ۸۷٫
[۸۶۷] . البخاری: الصحیح: ۷/۴، باب ما یکره من التبتل والخصاء من کتاب النکاح.
[۸۶۸] . البخاری: الصحیح: ۶/۲۷، تفسیر قوله تعالى: ( فمن تمتع بالعمره إلى الحج ) .
[۸۶۹] . المؤمنون: ۱ ـ ۷٫
[۸۷۰] . وفیات الأعیان: ۶/۱۴۹ ـ ۱۵۰٫