مواقف القیامه

0

لقد أشارت الروایات إلى أنّ لیوم القیامه مواقف وعقبات متنوّعه ومختلفه یقف المجرمون والمذنبون فی کلّ واحده منها ألف سنه من سنیّ الدنیا، ولذلک لابدّ من الترکیز على هذه القضیه لمعرفه حقیقه ذلک.
ولابدّ من إلفات النظر إلى أنّ المتکلّمین المسلمین قد أطلقوا على هذه المواقف: مصطلح «القنطره» تاره، ومصطلح «العقبه» تاره أُخرى، ومن الواضح أنّ المتکلّمین قد أخذوا ذلک الاصطلاح من الآیات والروایات الوارده فی هذا المجال.
إنّ مصطلح «الموقف» بمعنى محل الوقوف، ومصطلح «القنطره» بمعنى «الجسر»، ومصطلح «العقبه» بمعنى الحاجز والعائق.
یقول أمیر المؤمنین(علیه السلام) فی وصیته المعروفه لولده الإمام الحسن المجتبى(علیه السلام) :
«وَاعْلَمْ أَنَّ أَمامَکَ عَقَبَهً کَؤُوداً،الْمُخِفُّ فِیها أَحْسَنُ حالاً مِنَ الْمُثْقِلِ، وَالمُبْطِئُ عَلَیْها أَقْبَحُ حالاً مِنَ الْمُسْرِع، وَأنّ مَهْبِطَکَ بِها لا مَحالَهَ إِمّا عَلى جَنَّه أَوْ عَلى نار…».( [1])
مواقف القیامه من وجهه نظر المتکلّمین المسلمین
لقد مرّ بعض المتکلّمین المسلمین على هذه المسأله مروراً سریعاً وبنحو الإجمال ولم یولوها أهمیه کبیره، ولکن علمین کبیرین من أعلام الشیعه الکبار قد اهتما بهذه المسأله اهتماماً خاصاً، فکان لکلّ واحد منهما نظریه خاصه فی هذا المجال، وهذان العلمان هما: «الشیخ الصدوق المتوفّى ۳۸۱هـ» و« الشیخ المفید المتوفّى ۴۱۳هـ»، وهانحن نعرض هاتین النظریتین لیطّلع علیها القرّاء الکرام.
العقبات عند الشیخ الصدوق
إنّ للشیخ الصدوق(قدس سره) تفسیراً ونظریه خاصه فی المجال تنطلق من منهجه الذی اعتمده فی دراسه باقی المسائل، وهو منهج الاعتماد على ظواهر الآیات والروایات حیث قال(قدس سره) :
اعتقادنا فی العقبات التی على طریق المحشر انّ لکلّ عقبه منها اسمها اسم فرض وأمر ونهی، فمتى انتهى الإنسان إلى عقبه اسمها فرض وکان قد قصّر فی ذلک الفرض حبس عندها وطولب بحق اللّه فیها، فإن خرج منها بعمل صالح قدّمه أو برحمه تدارکه نجا منها إلى عقبه أُخرى، فلا یزال یدفع من عقبه إلى عقبه، ویحبس عند کلّ عقبه فیسأل عمّا قصّر فیه من معنى اسمها، فإن سلم من جمیعها انتهى إلى دار البقاء فیحیا حیاه لا موت فیها أبداً، وسعد سعاده لا شقاوه معها أبداً، وسکن فی جوار اللّه مع أنبیائه وحججه والصدّیقین والشهداء والصالحین من عباده، وإن حبس على عقبه فطولب بحقّ قصر فیه فلم ینجه عمل صالح قدّمه ولا أدرکته من اللّه عزّ وجلّ رحمه زلت به قدمه عن العقبه فهوى فی جهنم ـ نعوذ باللّه منها ـ وهذه العقبات کلّها على الصراط، اسم عقبه منها الولایه، یوقف جمیع الخلائق عندها فیسألون عن ولایه أمیر المؤمنین والأئمّه من بعده(علیهم السلام) ، فمن أتى بها نجا وجاز، ومن لم یأت بها بقی فهوى، وذلک قول اللّه عزّ وجلّ: ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤولون ) ، وأهم عقبه منها المرصاد وهو قول اللّه عزّ وجلّ: ( إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصادِ ) .( [۲])
ویقول عزّ وجلّ:وعزّتی وجلالی لا یجوزنی ظلم ظالم، واسم عقبه منها الرحم، واسم عقبه منها الأمانه، واسم عقبه منها الصلاه، وباسم کلّ فرض أو أمر أو نهی عقبه یحبس عندها العبد فیسأل.( [۳])
ولقد حذر الإمام علی(علیه السلام) الظالمین بقوله:«وَلَئِنْ أَمْهَلَ اللّهُ الظّالِمَ فَلَنْ یَفُوتَ أَخْذُهُ وَهو لَهُ بِالْمِرصادِعَلى مَجازِ طَریقِهِ» .( [4])
وکما قلنا:إنّ نظریه المرحوم الشیخ الصدوق فی خصوص «مواقف القیامه وعقباتها» فی واقعها تلخیص لما ورد فی الروایات فی هذا المجال، وها نحن نذکر نماذج من تلک الروایات:
۱٫ روى الصدوق فی أمالیه عن أبی جعفر الباقر(علیه السلام) قال:«لمّا نزلت هذه الآیه: ( وجیء یومئذ بجهنّم ) سئل عن ذلک رسول اللّه (صلى الله علیه وآله وسلم) فقال: أخبرنی الروح الأمین أنّ اللّه ـ لا إله غیره ـ إذا جمع الأوّلین و الآخرین أُتی بجهنّم تقاد بألف زمام….
ثمّ یوضع علیها صراط أدقّ من حدّ السیف علیه ثلاث قناطر: أمّا واحده فعلیها الأمانه والرحم، وأمّا الأُخرى فعلیها الصلاه، وأمّا الأُخرى فعلیها عدل ربّ العالمین لا إله غیره; فیکلّفون الممرّ علیه فتحبسهم الرحم والأمانه، فإن نجوا منها حبستهم الصلاه، فإن نجوا منها کان المنتهى إلى ربّ العالمین جلّ وعزّ، وهو قوله تبارک وتعالى: ( إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصادِ ) والناس على الصراط فمتعلّق، وقدم تزل، وقدم تستمسک، والملائکه حولهم ینادون: یا حلیم اغفر واصفح وعد بفضلک وسلّم وسلّم، والناس یتهافتون فیها کالفراش، وإذا نجا ناج برحمه اللّه عزّ وجلّ نظر إلیها فقال: الحمدللّه الذی نجّانی منک بعد أیاس بمنّه وفضله، إنّ ربّنا لغفور شکور».( [5])
۲٫ روى الصدوق(قدس سره) فی «ثواب الأعمال» عن الإمام الصادق(علیه السلام) ، فی تفسیر قوله تعالى: ( إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصادِ ) أنّه قال: «قَنْطَرهٌ عَلَى الصِّراطِ لا یَجُوزُها عَبْدٌ بِمَظْلَمَه».( [6])
۳٫ روى ابن عباس فی تفسیر قوله: ( إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصادِ ) قال:إنّ على جسر جهنم سبع محابس: یسأل العبد عند أوّلها عن شهاده أن لا إله إلاّ اللّه، فإن جاء بها تامّه جاز إلى الثانی، فیسأل عن الصلاه، فإن جاء بها تامّه جاز إلى الثالث، فیسأل عن الزکاه، فإن جاء بها تامّه جاز إلى الرابع، فیسأل عن الصوم، فإن جاء به تاماً جاز إلى الخامس، فیسأل عن الحجّ، فإن جاء به تاماً جاز إلى السادس فیسأل عن العمره فإن جاء بها تامّه جاز إلى السابع، فیسأل عن المظالم، فإن خرج منها، وإلاّ یقال: انظروا، فإن کان له تطوّع أکمل به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنه.( [۷]) ومن الواضح أنّ ظاهر الروایات المذکوره وغیرها یدلّ على أنّ فی یوم القیامه توجد مواقف وقناطر نصبت على الصراط وفی کلّ موقف من هذه المواقف یسأل الإنسان عن فریضه من الفرائض الإلهیه، هذه هی نظریه الشیخ الصدوق(قدس سره) .
نظریه الشیخ المفید
من المعروف أنّ الشیخ المفید(قدس سره) اعتمد المنهج العقلی بصوره أکثر فی المباحث الکلامیه، وسلک ذلک الطریق فی تفسیره لتلک المسائل الکلامیه، وحاصل کلامه فی شرحه لکلام الصدوق(قدس سره) :
إنّ المراد من العقبات هی الفرائض، فیسأل الإنسان عنها، دون أن یکون فی البین جبال وعقبات یعبرها الإنسان حتّى یصل إلى الجنه أو النار، وإنّما سمّیت الفرائض بالعقبات لأنّ إطاعتها لا تخلو من صعوبه ومشقه.( [۸])
ثمّ أضاف(قدس سره) : ولیس کما ظنّه الحشویه من أنّ فی الآخره جبالاً وعقبات یحتاج الإنسان إلى قطعها ماشیاً وراکباً، وذلک لا معنى له فیما توجبه الحکمه من الجزاء، ولا وجه لخلق عقبات تسمّى بالصلاه والزکاه والصیام والحجّ وغیرها من الفرائض یلزم الإنسان أن یصعدها، فإن کان مقصراً فی طاعه اللّه، حال ذلک بینه و بین صعودها، إذ کان الغرض فی القیامه المواقفه على الأعمال والجزاء علیها بالثواب والعقاب، وذلک غیر مفتقر إلى تسمیه عقبات، وخلق جبال وتکلیف قطع ذلک وتصعیبه أو تسهیله، مع أنّه لم یرد خبر صحیح بذلک على التفصیل فیعتمد علیه وتخرج له الوجوه، وإذا لم یثبت بذلک خبر کان الأمر فیه ما ذکرناه.( [۹]) ویدلّ على صحّه ما ذکره المفید هو أنّه سبحانه سمّى بعض الفرائض بالعقبات، فقد سمّى فک الرقبه أو الإطعام فی یوم المسغبه عقبه، فقال سبحانه:
( فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَهَ * وَما أَدْراکَ مَا الْعَقَبَهُ * فَکُّ رَقَبَه * أَوْ إِطْعامٌ فی یَوْم ذی مَسْغَبَه * یَتیماً ذا مَقْرَبَه * أَوْ مِسْکِیناً ذا مَتْرَبَه ) .( [۱۰])
والّذی یلاحظ المنهج القرآنی یرى أنّه یعتمد کثیراً على أُسلوب التمثیل والتشبیه لبیان وتفهیم المعارف العمیقه والتعالیم العالیه، ومن خلال هذا المنهج یسهل على الأذهان المتوسطه إدراک وفهم تلک المفاهیم العمیقه والمفاهیم العالیه.
وإنّ بحث ودراسه هذه الآیات التمثیلیه خارج عن مجال بحثنا هنا، وهو بحاجه إلى بحث مستقل.
وإنّ الآیه المذکوره هی إحدى الآیات التمثیلیه التی وردت فی القرآن الکریم، حیث تشبّه لنا الحقائق غیر المحسوسه بالأُمور المحسوسه، إذ انّ الجمیع على علم بالجبال وقممها والسلاسل صعبه العبور ویدرکون شدّه الصعاب التی تواجه الإنسان فی محاوله العبور منها واجتیازها للوصول إلى الأهداف والمقاصد الدنیویه، ومن هذا المنطلق یؤکّد القرآن الکریم على حقیقه أنّ نیل المقاصد الأُخرویه السامیه مقرون باجتیاز مجموعه من العقبات وتحمّل المشاکل والمحن، وانّ الوصول إلى الهدف متوقّف على الالتزام بالقوانین والأحکام الإلهیه، وبما أنّ رعایه الأحکام الإلهیه فی الحقیقه تتصادم وتتضاد مع المیول والشهوات النفسیه، ولذلک یکون العبور منها یشبه إلى حدّ کبیر العبور واجتیاز العقبات الطبیعیه من الجبال والأنهار و…، ولذلک فالإنسان الذی یوفّق فی الحیاه الدنیا لعبور العقبات من خلال الالتزام بالقوانین الإلهیه والأحکام والدساتیر الشرعیه بصوره کامله، فإنّه بلا شکّ سوف یتجاوز العقبات فی العالم الآخر، ویسهل علیه «الحساب» یوم القیامه.
والشاهد على ذلک الآیات التالیه حیث یقول سبحانه:
( ثُمَّ کانَ مِنَ الَّذِینَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَهِ * أُولئِکَ أَصْحابُ الْمَیْمَنَهِ * وَالَّذینَ کَفَرُوا بِآیاتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْئَمَهِ * عَلَیْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَهٌ ) .( [۱۱])
وحصیله المعنى بعد جمع الآیات الوارده فی سوره البلد، هو انّ شقاء الإنسان وسعادته فی الآخره رهن عبور تلک العقبات، وما هی إلاّ فک الرقبه أو إطعام الأیتام والفقراء والمساکین والأمر بالصبر والمرحمه، إلى غیر ذلک من الفرائض، فینتهی أمره إلى أن یکون من أصحاب المیمنه، کما أنّ عکسه ینتهی إلى أن یکون من أصحاب المشئمه، دون أن تکون هناک عقبات ومنعرجات صعبه العبور یؤمر أهل المحشر بطیّها وعبورها.و یدلّک على صحّه ما ذکره الشیخ المفید أنّ طی العقبات الدنیویه رهن الکفاءات الذاتیه، دون العقبات الأُخرویه فإنّها رهن الإیمان والعمل الصالح، وهذا إن دلّ على شیء فإنّما یدلّ على أنّ العقبات کنایه عن العمل بالفرائض التی یتوقّف العمل بها على الصبر والإیمان الراسخ باللّه والصبر على طاعته.( [۱۲])
[۱] . نهج البلاغه، قسم الرسائل والوصایا، رقم ۳۱، ط. صبحی الصالح.
[۲] . الحجر: ۱۴٫
[۳] . بحار الأنوار:۷/۱۲۸، الحدیث ۱۱٫
[۴] . نهج البلاغه: الخطبه ۷۱٫
[۵] . بحار الأنوار:۷/۱۲۵، الحدیث ۱۱و ج۸/۶۵، الباب۲۲، ح ۲٫
[۶] . بحار الأنوار:۸/ ۶۶٫
[۷] . بحار الأنوار:۸/ ۶۴٫
[۸] . وعلى هذا الأساس لا یمکن الجمود على ظواهر الروایات، بل حمل هذه التعابیر على نحو التشبیه والتمثیل لتقریب الحقائق غیر المحسوسه التی لا یمکن إدراکها.
[۹] . بحار الأنوار:۷/ ۱۲۹٫
[۱۰] . البلد:۱۱ـ ۱۶٫
[۱۱] . البلد:۱۷ـ ۲۰٫
[۱۲] . منشور جاوید:۹/۳۰۹ـ ۳۱۶٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.