شبهه الآکل والمأکول

0

إنّ محور الإشکال قائم على أساس الفکره التالیه: إنّ الإنسان إذا تحوّل إلى طعام لإنسان آخر وأصبح جزءاً من ذلک الإنسان، سواء کان بصوره مباشره کما إذا اتّفق أن أکل إنسان إنساناً، أو کان بصوره غیر مباشره کما لو تحوّل بدن الإنسان المیت إلى تراب ثمّ إلى نبات ثمّ تحوّل هذا النبات إلى بدن حیوان فتغذّى الإنسان بلحم ذلک الحیوان، أو أنّ الإنسان تناول ذلک النبات بصوره مباشره، فحینئذ یطرح التساؤل عن کیفیه معاد الإنسان الأوّل من جهه؟ وعن کیفیه معاد الإنسان الثانی من جهه أُخرى؟
ومن الجدیر هنا أن نشیر إلى النکات التی یمکن أن تعالج کلّ واحده ـ وبنحو ماـ منها جانباً من جوانب الشبهه:
۱٫ لقد أثبتت البحوث العلمیه أنّ بدن الإنسان بمنزله العین الجاریه، بحیث یتحوّل وفی ضوء الفعل والانفعالات الطبیعیه وبصوره مستمره من حاله إلى أُخرى، حیث تنمو أجزاء جدیده من جهه وتفنى فی مقابلها أجزاء أُخرى غیرها، بل توصل العلم إلى أدق من ذلک حیث اکتشف انّ الإنسان ینزع بدنه ویبدله ببدن آخر فی کلّ ثمانیه أعوام من عمره، فالإنسان الذی یعمّر أربعه وستین عاماً یستبدل بدنه خلال هذه الفتره ثمانی مرّات ینزع ثوباً ویرتدی ثوباً غیره حاله حال العین النابعه التی لا یقف نبعها، من هنا نعلم أنّ عملیه التحوّل والتبدّل مستمره ومتواصله فی حیاه الإنسان، إلاّ أنّها تتم بصوره تدریجیه وعلى امتداد فتره طویله لا یشعر بها.
فلو فرضنا أنّ البدن الأخیر أصبح طعمه لإنسان آخر، فهذا لا یعنی أنّ الأبدان الأُخرى للإنسان اقترنت بالمانع، إذ من الممکن أن یبعث الإنسان وینشر یوم الحساب بأحد الأبدان الأُخرى، وحتى لو فرضنا أنّ بقیه الأبدان کالبدن السادس أو السابع مثلاً تصدق فیها شبهه الآکل والمأکول، فلا شکّ أنّ بقیه الأبدان لیست کذلک، إذ من المستبعد جداً أنّ جمیع أبدان الإنسان نابته من بدن إنسان آخر وانّها عرضه للإشکال المطروح.
۲٫ لو افترضنا أنّ البدن الأخیر وما تقدّمه من الأبدان قد ابتلی بنفس المصیر وانّه صادف المانع وأصبح جزءاً من إنسان آخر، سواء بصوره مباشره أو غیر مباشره، ولکن من الواضح أنّه لیس عامّه الأجزاء من کلّ بدن مأکولاً لفرد آخر، وإنّما یطرح القسم الأکبر منه خارجاً، ویبقى جزء قلیل منه ضمن البدن الآخر، وعندئذ فما هو المانع أن یحشر هذا الإنسان ولو ببدن نحیف، إذ اللازم أن یبعث الإنسان بنفس البدن الدنیوی، ولا یوجد دلیل شرعی یدلّ على اشتراط بعثه الإنسان بعین بدنه الدنیوی من ناحیه السمن والضعف، فلو بعث الإنسان ببدن نحیف فإنّه حینئذ یبعث ببدنه الأصلی مع فارق یسیر جدّاً فی الکمیه والحجم، وهذا المقدار لا یضرّ ولا یعتبر دلیلاً على التغایر الکامل.
۳٫ لو افترضنا ـ جدلاً ـ أن تتحوّل أغلب الأجزاء من کلّ بدن إلى بدن إنسان آخر، بحیث یکون الباقی کافیاً فی تشکیل بدن المأکول، وحینئذ یمکن الإجابه عن ذلک بوجهین:
الف: ما المانع أن یرجع الإنسان الآکل ـ على فرض خلوه من الموانع ـ الأجزاء التی أخذها من بدن الإنسان المأکول، وحینئذ یحشر الإنسان الآکل ببدن فارغ من الموانع؟
ب: ولو فرضنا ـ وإن کان فرضاً نادراً ـ أنّ بدنی الآکل والمأکول اقترنا بالمانع، على نحو لو فرضنا انّ اعاده الأجزاء المأکوله إلى صاحبها أو أصحابها لا یتقی للآکل شیئاً لکی یحشر فیه، فما المانع من إکمال البدن بالاستعانه بأجزاء ترابیه وهوائیه أُخرى لیتم من خلالها إکمال بدن الإنسان بصوره تامه، إذ من الواجب فی الحشر وحده البدن العرفیه لا العقلیه، أی بمعنى أنّه یکفی أن تصدق الإشاره إلیه عرفاً أنّه البدن السابق.
ونحن إذا أمعنّا النظر فی الآیات القرآنیه والروایات الوارده عن الرسول الأکرم وأهل بیته الأطهار(علیهم السلام) ، نجد أنّها ترکّز على أنّ کفایه کون البدن المحشور مثل البدن الدنیوی، ولا تصرّ على أن یکون هذا البدن هو عین البدن الدنیوی بنحو لو اختلّ هذا الشرط فإنّه سیؤثر على مسأله المعاد والحشر واستحاله المعاد.
وبالطبع إذا کانت العینیه متیسّره وانّ جمیع أجزاء بدن الإنسان باقیه فی التراب، فلا ریب أنّه لا حاجه حینئذ إلى الاستعانه بأجزاء جدیده، بل الواجب أن تحشر نفس تلک الأجزاء. وإنّما نحتاج إلى المثلیه فی حاله واحده نادره جداً، وهی فیما إذا لم یبق من بدن الإنسان المأکول شیء لکی یتم إحیاؤه مرّه أُخرى.
قال تعالى:
( أَوَ لَیْسَ الَّذِی خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ بِقادِر عَلى أَنْ یَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلیمُ ) .( [۱])
فمن الواضح أنّه قد استعمل فی الآیه لفظ: ( مِثْلَهُمْ ) لا «عینهم».
روی عن الإمام الصادق(علیه السلام) أنّه قال:
«فإذا قبضه اللّه إلیه صیّر تلک الروح إلى الجنه فی صوره کصورته فیأکلون ویشربون، فإذا قدم علیهم القادم عرفهم بتلک الصوره التی کانت فی الدنیا».( [2])
فالآیه الکریمه والروایه الشریفه تشهدان على أنّ المحور فی المعاد هو حفظ صوره الإنسان بنحو یکفی أن یکون الإنسان المبعوث بهیئه الإنسان وشکله الدنیوی، ولا دلیل أبداً على أنّ الإنسان یجب أن یبعث بنفس الماده التی خلق منها فی الدنیا وبنفس ذراته وأجزائه الترابیه.
ولابدّ من إعاده التأکید على أنّه على فرض إمکانیه حشر البدن الدنیوی من دون أی موانع، فلا دلیل للعدول منه إلى ماده أُخرى جدیده.
شبهه الآکل والمأکول والعدل الإلهی
فی هذا المجال تطرح الشبهه المذکوره بأُسلوب جدید وهو: إذا کان الإنسان المؤمن مأکولاً للکافر، یلزم أن یعذب المؤمن بتعذیب الکافر، أو بالعکس إذا کان المأکول کافراً فإنّه ینعم بنعیم المؤمن،وهذا خلاف العدل الإلهی. ومن الواضح هنا أنّ محور الإشکال مبنی على مسأله الثواب والعقاب والعدل الإلهی، والحال أنّ الإشکال فی الصوره الأُولى مبنی على عدم وفاء الماده لحشر کلّ إنسان على النحو الأکمل.
ویمکن الإجابه عن هذا الإشکال المذکور بوجهین:
الوجه الأوّل: إذا تحوّل عضو من بدن المؤمن وأصبح جزءاً من بدن الإنسان الکافر، فحینئذ ـ و بلا ریب ـ یکون تعذیبه تعذیباً للکافر لا للمؤمن، لأنّ هذا العضو انقطعت صلته بالمأکول واندکّ فی الآکل على نحو صار جزءاً منه، فتعذیبه أو تنعیمه یرجع إلى الآکل لا إلى المأکول، وهذا نظیر زرع الأعضاء الرائج فی الطب الحدیث، فإنّ الکلیه مثلاً إذا أُخذت من بدن شخص وزرعت فی بدن شخص آخر بنحو التحمت مع سائر الأعضاء فتعذیبها وتنعیمها یرجع إلى البدن المنقوله له لا البدن الأوّل، وکذلک الأمر فی مسأله الآکل والمأکول.
الوجه الثانی: إنّ الشبهه نابعه من التفکیر المادی الذی یحصر الإنسان فی اللحم والجلد والعظام والمواد الطبیعیه لا غیر، مع أنّ واقع الإنسان وحقیقته أعمق من ذلک وهی روحه ونفسه، فإذا صار عضو من الإنسان جزءاً من إنسان آخر انقطعت صله الروح عن الجزء المقطوع، فلا یکون مدبّراً للنفس، فتکون الآلام واللّذات منصبّه على الآکل لا على المأکول وعلى المنقول له لا على المنقول منه.
وفی الختام نؤکّد انّ مرکز الآلام و اللّذات هو الروح والنفس الإنسانیه، وانّ البدن لا یتجاوز عن کونه وسیله لإدراک الآلام واللّذات الجسدیه لا أکثر، والمفروض انّ هذا العضو لا علاقه له بالبدن السابق لیؤثر فی نعیمه أو عذابه.( [۳])
[۱] . یس: ۸۱٫
[۲] . بحار الأنوار:۶/۲۲۹، باب أحوال البرزخ، الحدیث ۳۲٫
[۳] . منشور جاوید:۹/۱۵۰ـ ۱۵۶٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.