التناسخ وأدلّه بطلانه

0

التناسخ مأخوذ من «نسخ» والذی یستفاد من کلمات علماء اللغه حول هذا المصطلح أنّهم أخذوا فی هذا المصطلح خصوصیتین، هما:
۱٫ التحوّل والانتقال.
۲٫ التعاقب.( [۱])
ومن هنا أُطلق فی الشریعه على الحکم الذی یزیل حکماً آخر لفظ «النسخ»، وانّ هاتین الخصوصیتین موجودتان وبوضوح فی هذا المجال، ولکن باعتبار أنّ اللفظ فی المسائل الکلامیه أُخذ بمعنى «التناسخ» اکتفی بذکر الخصوصیه الأُولى فقط ولم تذکر الخصوصیه الثانیه، فإنّنا سنقول مثلاً: «إنّ التناسخ خروج النفس من بدن وانتقالها إلى بدن آخر»، فقد أخذ هنا خصوصیه التحوّل والانتقال ولم تلحظ خصوصیه التعاقب.
ثمّ إنّ القائلین بالتناسخ طرحوا ثلاث نظریات، وهی:
الف: التناسخ المطلق أو اللا محدود.
ب: التناسخ النزولی المحدود.
ج: التناسخ الصعودی المحدود.
إنّ هذه النظریات الثلاث جمیعها تشترک ـ من جهه الإشکال ـ فی کونها مضاده للمعاد ولا تنسجم معه( [۲])، وذلک لأنّ النوع الأوّل باطل من وجهه النظر الفلسفیه ویتعارض مع المعاد تعارضاً تاماً، وأمّا النوع الثالث فإنّه غیر صحیح من وجهه النظر الفلسفیه فقط، وإن کان الاعتقاد به لا یتنافى مع فکره المعاد، وکذلک الکلام فی النوع الثانی فإنّه لا یتنافى مع المعاد من جمیع الجهات، ولکن باعتبار أنّ
الجمیع تشترک فی أصل واحد وهو:«انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر» من هذه الناحیه ذکرنا النوع الثالث ضمن أنواع التناسخ.
وها نحن نشرع فی بیان وتوضیح الأنواع والأقسام المذکوره.
التناسخ المطلق أو اللا محدود
یراد من التناسخ هنا أنّ النفوس البشریه تخرج من بدن إلى بدن آخر على وجه الاستمرار وفی الأزمان وجمیع الأفراد، فالنفوس بعد خروجها من البدن تتعلّق ببدن آخر وثالث ورابع وخامس و… وهکذا تستمر فی تقمّصها الأبدان بصوره واضحه ومستمره، ووفقاً لهذه النظریه لا یکون المعاد إلاّ عوده الأرواح إلى الأبدان الأُخرى لا غیر.
وقد أُطلق على هذا النوع من التناسخ عنوان التناسخ المطلق أو اللا محدود، لشمولیته لجمیع الأفراد من جهه ولاستمراریته فی جمیع الأزمان من جهه أُخرى.
یقول شمس الدین محمد الشهرزوری(المتوفّى بعد ۶۸۷هـ) فی بیان هذا النوع من التناسخ:
«ومن القدماء من یقول بعدم تجرّد جمیع النفوس بعد المفارقه وهم المعروفون بـ«التناسخیه» فإنّهم یزعمون انّ النفوس جرمیه دائمه الانتقال فی الحیوانات. وهؤلاء أضعف الحکماء وأقلّهم تحصیلاً».( [3])
التناسخ النزولی المحدود
إنّ أصحاب هذه النظریه یذهبون إلى فکره مؤدّاها انّ الناس من ناحیه الحکمه العملیه والنظریه، على صنفین: صنف قد بلغ من الحکمه العملیه والنظریه مرتبه لا تعود النفس حینها إلى هذه النشأه بعد خروجها من البدن، بل تلتحق بعالم المجردات والمفارقات، ولا مبرر لرجوعها للدنیا مرّه أُخرى، وذلک لأنّها قد بلغت الکمال المطلوب منها.
وأمّا الصنف الآخر فهو الصنف الذی لم یبلغ من ذلک الکمال العلمی والعملی إلاّ رتبه واطئه ومنزله متدنیّه، ولم یتسنّ لتلک النفوس أن تتطهّر التطهّر الکامل من الدنس والرذائل، ولذلک اقتضت الحاجه أن تعود تلک النفوس إلى النشأه الأُولى لغرض بلوغها الکمال المطلوب من التناسخ والتقمّص حتّى تصل النفس إلى کمالها المطلوب، فإذا وصلت إلیه انقطعت حاله التناسخ والتحقت النفس بالمجرّدات.
ومن الواضح أنّ هذا النوع من التناسخ ینطوی على نوعین من المحدودیه،هما:
۱٫ المحدودیه من جهه الأفراد، وذلک باعتبار أنّ هذا النوع من التناسخ هو من نصیب الإنسان غیر الکامل، وأمّا الإنسان الکامل فإنّه لا یبتلی بهذا المصیر ولا حاجه له إلیه.
۲٫ المحدودیه الثانیه من جهه الزمان، بمعنى أنّ هذه المجموعه من الناس الذین عادوا إلى الحیاه الدنیا وتعلّقوا بأبدان أُخرى لن یستمر التناسخ عندهم، بل سیقف عند بلوغ النفس المستنسخه الکمال المطلوب فی العلم والعمل.
التناسخ الصعودی
إنّ هذه النظریه تقوم على رکیزتین، هما:
ألف: انّ النبات من بین الأجسام أکثر استعداداً من غیره من الأجسام لکسب فیض الحیاه. ب: انّ الإنسان له قدر أکبر من الاستعداد لإفاضه الحیاه علیه والتی قد تجاوزت مراتبها النباتیه والحیوانیه.
فعلى أساس هذین الأصلین (استعداد النباتات ـ و لیاقه الإنسان) فقد شاءت الإراده الإلهیه أن تتعلّق الحیاه فی سیرها التکاملی بالنبات الأقرب للحیوان، ثمّ تنتقل منه إلى عالم الحشرات ثمّ إلى عالم الحیوانات التی هی أقرب للإنسان، ثمّ بعد التکامل والوصول إلى المرحله الفردیه تقفز إلى الحیاه قفزه لتستقر فی الإنسان لغرض الاستکمال حیث تتدرج من الأدنى«النازل» إلى الدرجه الکامله.( [۴])
وبعد أن عرفنا أقسام التناسخ والفرق بینها نذکر لتحلیل هذه النظریات ونقدها مجموعه من المطالب:
۱٫ التناسخ والمعاد
إنّ الإمعان فی الأقسام الثلاثه التی ذکرناها للتناسخ یوضح وبجلاء، انّ القسم الأوّل (التناسخ المطلق) على طرف النقیض مع المعاد وانّه یتنافى معه بدرجه مائه بالمائه، وانّ القائلین بهذه النظریه لا یؤمنون بالمعاد ولو على نحو محدود جداً وعلى سبیل النموذج فقط، وذلک لأنّه وفقاً لهذه النظریه یکون الإنسان فی عوده مستمره إلى الحیاه الدنیا وانّه دائماً یرجع إلى النقطه التی بدأ منها.
والحال انّ التناسخ النزولی المحدود لا یقول بالشمولیه والعمومیه لا على صعید الأفراد ولا على الصعید الزمانی، بل یرى أنّ الإنسان الکامل لا یرجع إلى النشأه الدنیا منذ الانتقال الأوّل من البدن، ولذلک فله معاد منذ الیوم الأوّل لوفاته، بمعنى أنّ موتهم یکون سبباً لانتقال نفوسهم إلى عالم النور. وأمّا الإنسان الناقص أو الطبقه غیر المتکامله فإنّها ترجع إلى النشأه الدنیا فتره یسیره حتى تتکامل، وهذا یعنی أنّ هذه الطائفه تفتقد المعاد لفتره محدوده فقط إلى أن تصل إلى کمالها النظری والعملی، وحینئذ ینقطع التناسخ فلا تعود إلى الدنیا وتلتحق بطائفه المتکاملین، ویکون حینئذ مصیرها المعاد وتقوم قیامتها.
وأمّا النظریه الثالثه ـ التناسخ الصعودی ـ فلا تتنافى مع القول بالمعاد أدنى منافاه.
نعم انّ نقطه الخلل فی هذه النظریه هی فی تبیین الخط التکاملی للإنسان حیث اعتبرت الروح الإنسانیه تمرّ بدورات منفصله ومتعدّده حیث تنتقل من النبات إلى الحیوان إلى القرد ثمّ إلى الإنسان، والنفس وفقاً لهذه النظریه تشبه الطائر الذی یُنقل من قفص إلى قفص آخر ومن نقطه إلى نقطه أُخرى من دون أن توجد بین تلک المراتب أیّه صله ورابطه أبداً. فإنّ للنفس فی کلّ مرحله بدناً خاصاً بها حتى تصل إلى بدن الإنسان ومنه تنفصل ویکون مصیرها إلى المعاد.
نعم إنّ القائل بهذه النظریه لو جعل مدارج الکمال متّصله، لشکّلت هذه النظریه نقطه التقاء واضحه مع نظریه صدر المتألّهین (الحرکه الجوهریه)، فإنّ النفس بناء على نظریته منذ دورها الجنینی وحتّى إلى مرحله الإنسان تمرّ بمراحل النبات والحیوان والإنسان بنحو مستمر ومتواصل دون أن یتخلّل فی الوسط انفصال وخلاء فی الموضوع، وفی الختام تعرج نحو المعاد.
والخلاصه: انّ هذه النظریه وإن کانت لا تتصادم مع القول بالمعاد، إلاّ أنّها مرفوضه من وجهه النظر الفلسفیه.
۲٫ التناسخ المطلق والعنایه الإلهیه
نشیر هنا إلى مسألتین هما: الأُولى: انّ القائلین بالتناسخ المطلق أطاحوا بفکره المعاد،زاعمین أنّ القول به یغنی عن المعاد، والحال أنّ الأدلّه والبراهین الفلسفیه تحتّم المعاد وتعتبره أصلاً ضروریاً، ولعلّ القائلین بهذه النظریه بسبب جهلهم بحقیقه المعاد توجّهوا صوب هذه الأساطیر،واعتبروا التناسخ بدیلاً طبیعیاً للمعاد، والحال أنّ الأدلّه السته لحتمیه المعاد لا تعتبر هذا النوع من الرجوع هو الغایه من المعاد أبداً، وذلک لأنّ الغایه من المعاد لا تنحصر فی الجزاء، لیکون القول بالتناسخ والانسجام مع الحیاه السابقه مؤمّناً للعدل الإلهی، بل لحتمیه وضروره المعاد أدلّه متعدّده لا تؤمّن ولا تتحقّق إلاّ بالقول بانتقال الإنسان إلى الحیاه الأُخرى.
فطبقاً لهذه النظریه تکون القدره الإلهیه محدوده بخلق الإنسان الذی یعیش حاله متواصله من التحوّل فی عجله التحوّلات والتقلّبات، وکأنّه سبحانه یعجز عن أن یخلق إنساناً آخر.
الثانیه: انّ النفس على القول بالتناسخ المطلق لا تخلو من حالتین: إمّا أن تکون عرضاً منطبعه فی البدن الأوّل قائمه به، أو تکون جوهراً لها حظ من التجرّد.
فعلى الفرض الأوّل یلزم انتقال العرض من موضوع إلى موضوع وهو أمر محال، لأنّ واقع العرض قیامه بالموضوع،وعلى فرض الانتقال تکون النفس المنطبعه فی حاله الانتقال ـ الحاله الثالثه ـ بدون موضوع و تکون مستقله.
وبعباره أُخرى: انّ النفس المنطبعه لها ثلاث حالات:
أ. النفس فی البدن الأوّل.
ب. النفس حاله الانتقال من البدن الأوّل إلى الثانی.
ج. النفس بعد الانتقال إلى البدن الثانی.
ففی الحاله الأُولى لها موضوع، وکذلک الأمر فی الحاله الثالثه، إنّما الکلام فی الحاله الثانیه(حال الانتقال) فیلزم فی هذه الحاله قیام العرض بلا موضوع، وهو من الأُمور المستحیله، وفی الحقیقه أنّ الاعتقاد بهذه الاستقلالیه جمع بین النقیضین، لأنّ وجوب القیام بالغیر والاستقلال هو عین الجمع بین النقیضین.
وأمّا الفرض الثانی وهو: تعلّق النفس التی لها حظ من التجرّد بالبدن استمراراً، وهذا الفرض یستلزم أن لا یصل الموجود الذی یمتلک اللیاقه والاستعداد للتکامل والتعالی إلى مراده ومطلوبه أبداً، وأنّه یعیش دائماً حاله المحدودیه، وذلک لأنّ التعلّق الدائم بالماده یقتضی المحدودیه، لأنّ النفس مجرده ذاتاً ومادیه فعلاً. فلو کان تعلّقها بالماده دائمیاً یلزم أن یکون فعله سبحانه على خلاف عنایته من إیصال کلّ موجود إلى کماله والواقع انّ المقصود من کمال الممکن هو کماله العلمی والعملی ، فإذا کان الإنسان یعیش متنقلاً من بدن إلى بدن آخر بصوره مستمره ودائمه، فمن المستحیل من الجهه العلمیه أو العملیه وانعکاس الحقائق على النفس وتنزیه النفس من الرذائل وتزینها بالفضائل، أن یصل إلى حدّ الکمال.
وبالطبع أنّ النفس فی عالم الإمکان تطوی المراحل العقلیه الأربعه من الهیوله إلى العقل بالملکه ثمّ إلى العقل بالفعل ثمّ تصل إلى العقل المستفاد، ولکنّها لو حصلت على التجرد التام واستقلت عن البدن بالکامل فلا شکّ انّها من ناحیه الوجهه المعرفیه والإدراکیه للحقائق تکون أکمل، ومن هنا حبس النفس فی البدن المادی بصوره دائمه على خلاف عنایه الحق تعالى ولا ینسجم مع تلک العنایه.( [۵])
والنکته الجدیره هنا هی: انّ إبطال الشق الثانی بالنحو الذی بیّن، غیر صحیح، وذلک لأنّ تعلّق النفس بالبدن لا یکون مانعاً عن سیرها وصعودها نحو الکمال، وأساساً إذا قلنا: توجد بین تعلّق النفس بالبدن وبین حکمه الحق تعالى منافاه، فإنّ هذا یستلزم أن یکون المعاد بصوره مطلقه روحانیاً، أو على أقلّ تقدیر یکون معاد طائفه من الکمّل روحانیاً، وهذا مخالف لصریح النصوص الدینیه، فإذاً لابدّ من توجیه آخر لإبطال الفرض الثانی، وهذا التوجیه هو: انّ التسلیم بالفرض الثانی یتنافى تماماً مع الأدلّه القطعیه التی تثبت حتمیه المعاد والحشر، وتعدّ ذلک من الأُمور الضروریه، فإذا سلّمنا بتلک الأدلّه القطعیه، فلا یبقى مجال حینئذ لقبول هذا الفرض الذی یرى أنّ النفس المستنسخه تتعلّق بالبدن بصوره دائمه ومستمره.
۳٫ التناسخ النزولی والتبعیه الدائمه
قد بیّنا أنّه ووفقاً لنظریه التناسخ النزولی تکون النفوس الکامله ـ علماً وعملاً ـ مطلقه العنان وتلتحق بالمجردات والمفارقات ولا تعود إلى الدنیا، والذی یرجع إلى هذه الدنیا النفوس الناقصه التی لم تنل حظاً وافراً من العلم والعمل. فترتبط بالماده مره أُخرى عن طریق الخلیه النباتیه أو الحیوانیه أو النطفه الإنسانیه.
ویکفی فی نقد هذه النظریه النظر إلى حقیقه النفس الإنسانیه التی تنفصل عن البدن، فلا ریب أنّ هذه النفس التی رافقت البدن أربعین عاماً مثلاً قد اکتسبت کمالاً خاصاً وتحوّل الکثیر من استعدادتها إلى کمالات فعلیه، ولا یشکّ أحد انّ النفس الإنسانیه بعد أربعین عاماً لا یمکن قیاسها بالنفس فی مرحله الطفوله، فلو فرضنا أن عادت النفس بعد أربعین عاماً إلى الدنیا وتعلّقت ببدن الجنین،فحینئذ لا تخرج النفس من أحد حالتین:
۱٫ أن تتعلّق بذلک البدن الجدید مع المحافظه على کمالاتها وفعلیاتها وتنقل تلک الفعلیات إلى الجنین الإنسانی أو الجنین الحیوانی، أو البدن الحیوانی الکامل.
۲٫ أن تتعلّق بذلک البدن بعد أن تحذف کمالاتها وفعلیاتها.
أمّا الصوره الأُولى فإنّها ممتنعه ذاتاً، لأنّه یشترط أن یکون بین النفس والبدن انسجام کامل بحیث کلّما نما البدن وسار إلى الأمام تسیر النفس بموازاته، فکیف یمکن أن نتصوّر انّ النفس التی رافقت البدن السابق أربعین عاماً قادره على تدبیر خلیه صغیره لا یوجد بینها و بین الروح أیّ نوع من الانسجام ؟
وبعباره أُخرى: انّ تعلّق النفس بهکذا بدن یقتضی الجمع بین الضدین، لأنّ المفروض انّ النفس من خلال مرافقتها للبدن السابق تمتلک من الکمالات والفعلیات المحیّره، هذا من جهه، ومن جهه أُخرى فرض تعلّقها (بالجنین) یقتضی انّها فاقده لتلک الکمالات والفعلیات، وهذا یعنی الجمع بین الضدین أو النقیضین.
وأمّا الصوره الثانیه: (تعلّق النفس مع حذف الکمالات) فغیر صحیح أیضاً، وذلک: لأنّ سلب تلک الکمالات إمّا أن یکون خصیصه ذاتیه للنفس، أو أنّه بسبب عامل خارج عن النفس.
أمّا الفرض الأوّل(الخصیصه الذاتیه) فغیر ممکن، إذ معنى ذلک انّ الحرکه من الکمال إلى النقص خصیصه الشیء وهو غیر متصوّر.
وأمّا الفرض الثانی: فإنّه یتنافى مع العنایه الإلهیه ولا ینسجم معها، وذلک لأنّ العنایه الإلهیه تعلّقت بإرسال القوى إلى الکمال وإیصال کلّ ممکن إلى غایته المنشوده لا سلب الکمالات والفعلیات عنه.
وهذا الذی ذکرناه بیان واضح لما ذکره صدر المتألّهین، وحصیله لکلامه فی «الأسفار».( [6])
۴٫ التناسخ الصعودی
کما ذکرنا أنّ التناسخ الصعودی هو عباره عن: تکامل النفس من خلال الانتقال عبر القنوات النباتیه ثمّ الحیوانیه ثمّ الإنسانیه بنحو یکون بینها فصل حقیقی، باعتبار أنّ النبات أکثر استعداداً لقبول الحیاه من الإنسان، والإنسان أجدر من باقی الأنواع ، فلابدّ أن تتعلّق النفس النباتیه بالنباتات وبعد طی مدارج معینه تنتقل إلى بدن الإنسان.
ویثار حول هذه النظریه التساؤل التالی: کیف یمکن أن نتصوّر ذلک من الناحیه الواقعیه، لأنّ النفس إمّا أن تکون صوره منطبعه فی النبات أو الحیوان أو الإنسان، أو تکون أمراً مجرداً.
فعلى الأوّل تکون للنفس هناک حالات ثلاث:
۱٫ وجودها منطبعه فی الموضوع الأوّل.
۲٫ وجودها منطبعه فی الموضوع المتأخّر.
۳٫ حاله الانتقال من الأوّل إلى الثانی.
والإشکال یرد على الحاله الثالثه، وذلک لقیام العرض بلا موضوع.
وأمّا إذا کانت النفس موجوداً مجرداً غیر قائم بالبدن وإنّما تحتاج إلیه فی مقام الفعل والعمل فقط، فیرد على هذه الصوره بنحو آخر وهو: کیف یمکن أن تتعلّق النفس الحیوانیه فی حدّها الحیوانی بالبدن الإنسانی، لأنّ کمال النفس الحیوانیه یکمن فی کونها ذات قوه شهویه وغضبیه غیر معدله ولا محدده، وعدم التعدیل والمحدودیه یُعدُّ فی الواقع کمالاً من نفس الحیوانیه، لأنّ کمالها یکمن فی شهوتها وغضبها، فإذا فقدت النفس الحیوانیه هاتین القوتین فإنّها فی الحقیقه تفقد قوتها الحقیقیه وتفقد حیوانیتها وکمالها. والحال انّ هاتین القوتین غیر المعدّلتین لا یعدّان کمالاً للإنسان، بل لو تعلّقت النفس الحیوانیه المذکوره بالبدن الإنسانی فستکون عائقاً عن تکامله ورقیّه، لأنّ تکامل الإنسان یکمن فی أن تکون قواه معدّله وشهوته وغضبه محدّده، وأمّا لو فرضنا انّ النفس الحیوانیه تعلّقت بالإنسان بعد تحدیدها وتعدیلها فسیکون ذلک نقصاً للنفس الحیوانیه وسیراً نزولیاً لها، وأمّا إذا تعلّقت النفس الحیوانیه بالبدن الإنسانی بمالها من الخصوصیات، فهذا لا یؤدّی إلى کمال الإنسان ورقیّه، بل یؤدّی إلى انحطاطه وتسافله وخروجه عن درجه الإنسانیه إلى حدّ الحیوانیه.
وبالطبع انّ القائلین بهذا النوع من التناسخ، أصابوا فی أصل المدّعى وأخطأوا فی التصویر، إذ أنّهم عدلوا عن التکامل المتّصل ومالوا إلى القول بالتکامل المنفصل والمنقطع، وهذه هی نقطه الخلاف الأساسیه بین التناسخ بهذا المعنى ـ من التکامل المنفصل حیث الانتقال عبر القنوات النباتیه ثمّ الحیوانیه ثمّ الإنسانیه ـ وبین الحرکه الجوهریه التی تذهب إلى تکامل النفس بصوره متّصله وفی بدن واحد.
وبتعبیر أوضح: انّه وفقاً لهذه النظریه تمتلک النفس النباتیه حاله من التعیّن ثمّ تتعلّق ببدن الحیوان بنفس تلک الخصوصیات، وهذه النفس الحیوانیه تنتقل إلى بدن الإنسان وهی تحمل تعیّناتها الحیوانیه من الغضب والشهوه لتطوی سیرها التکاملی فی بدن الإنسان ولکن فی الحقیقه انّ هذا النوع من الحرکه لا یُعدّ سبباً للتکامل والرقی، بل هو موجب لانحطاط الإنسان وهبوطه إلى درجه أسفل ومرتبه أدنى، لأنّ النفس الإنسانیه المشبعه بالغضب والشهوه تحوّل الإنسان إلى مخلوق مفترس وکائن متوحّش ووجود شرس لا یفهم إلاّ لغه الغضب والشهوه.
والحال انّ التکامل وفق الحرکه الجوهریه یطوی مسیره التکاملی من الحاله الجمادیه إلى الحاله الإنسانیه من دون أن تصل المراتب السابقه إلى مرحله التعیّن والتشخّص، ومن هنا یکون سیر الجماد من خلال هذا الطریق سبباً للتکامل والرقی، والحال أنّ السیر حسب نظریه التناسخ یُعدُّ سبباً للجمع بین المتضادات وعاملاً للانحطاط.
فهذا النوع من التناسخ یُعدُّ أصلاً باطلاً وإن کان فی حدّ ذاته لا یتنافى مع القول بالمعاد.( [۷])
تحلیل جامع للتناسخ
إلى هنا تعرّفنا على أقسام التناسخ وبطلان کلّ قسم منها بصوره مستقله، وقد حان الوقت للحدیث عن التناسخ بصوره جامعه وإبطاله من دون الالتفات إلى خصائص کلّ قسم من أقسامه، ولقد ذکرت لإبطال التناسخ الکثیر من الأدلّه، نکتفی بذکر دلیلین فقط، هما:
الدلیل الأوّل: تعلّق نفسین فی بدن واحد
إنّ لازم القول بالتناسخ المطلق هو تعلّق نفسین فی بدن واحد، واجتماع روحین فی جسد واحد، وهذا البرهان یبتنی على التسلیم بأصلین، هما:
أ. کلّ جسم ـ الأعم من النباتی أو الحیوانی أو الإنسانی ـ حین یصل إلى مرحله الاستعداد لتقبل الروح وتعلّقها به فإنّ اللّه سبحانه وتعالى یفیض علیه الروح، وذلک لأنّ المشیئه الإلهیه تعلّقت بأن یوصل کلّ ممکن إلى کماله المطلوب.
ففی هذه الحاله تطلب الخلیه النباتیه نفساً نباتیه، وتطلب النطفه الحیوانیه نفساً حیوانیه ویطلب الجنین الإنسانی نفساً إنسانیه، ومن المحتم أنّ اللّه سبحانه یفیض تلک النفوس علیها لتتعلّق بها.
ب: إذا تعلّقت النفس الإنسانیه ـ بعد الموت ـ بالجسم النباتی أو الحیوانی، ففی هذه الصوره یکون للجسم والبدن الذی تعلّقت به النفس نوع تشخّص وتعیّن وحیاه تتناسب مع ذلک الجسم والبدن.
ومن الواضح انّ التسلیم بهاتین المقدّمتین یستلزم تعلّق نفسین فی بدن واحد، إحداهما نفس ذلک البدن الذی تعلّقت به بسبب لیاقته واستعداده وأُفیضت علیه من قبل اللّه سبحانه، والنفس الأُخرى هی النفس المستنسخه التی انتقلت إلیه من بدن آخر.
ومن الواضح انّ اجتماع نفسین فی بدن واحد باطل لوجهین:
الأوّل: انّ ذلک خلاف الوجدان، ولم یحدّثنا تاریخ البشریه الطویل عن وجود مصداق واحد لمثل هذا الإنسان الذی یحمل روحین فی بدن واحد.
الثانی: یلزم من ذلک ـ من جهه الصفات النفسیه ـ تکرر الصفات النفسیه مثلاً لو أعلم ببزوغ الشمس أو أحبّ مخلوقاً ما، فلازمه أن یتکرر فی نفسه هذا العلم وکذلک یتکرر الحبّ أو أیّ صفه أُخرى تحصل فی النفس.( [۸])
وبعباره أُخرى: انّ النتیجه الطبیعیه لتعلّق النفسین فی بدن واحد أن یمتلک الإنسان الواحد شخصیتین وتعینین وذاتین فی آن واحد، ومعنى ذلک تکثّر الواحد ووحده الکثیر، وذلک لأنّ الفرد الخارجی هو إنسان کلّی ولازم الوحده أن تکون له نفس واحده، ولکن بناءً على نظریه التناسخ تکون له نفسان، وبالطبع هذا یعنی وجود فردین من الإنسان الکلّی، وهذا هو الإشکال المعروف بوحده المتکثّر وتکثّر الواحد.( [۹])
وهذا الفرض بالإضافه إلى کونه محالاً عقلاً، یوجد فیه محذور آخر، إذ یلزم منه أن یکون للإنسان فی کلّ واقعه أو حادثه فکران أو علمان، وهکذا سائر الصفات النفسیه الأُخرى.
الإجابه عن تساؤل
من الممکن أن یطرح التساؤل التالی: صحیح انّ الخلیه النباتیه أو النطفه الحیوانیه أو الجنین الإنسانی حینما یصل إلى مرحله اللیاقه والاستعداد لتلقّی الروح تفاض علیه الروح، ولکن فی الوقت نفسه یمکن أن یکون تعلّق النفس المستنسخه مانعاً من تعلّق النفس الأُخرى، وحینئذ لا یکون ذلک الموجود ذا شخصین وذا نفسین فی آن واحد؟
والجواب عن هذا التساؤل واضح، وذلک: لأنّ منع النفس المستنسخه من تعلّق النفس الجدیده فی الخلیه النباتیه أو النطفه الحیوانیه أو الجنین الإنسانی، لیست أولى من العکس، بل انّ النفس النباتیه أو الحیوانیه أو الإنسانیه التی تعلّقت بالنبات أو النطفه أو الجنین هی الأولى فی منع النفس المستنسخه من التعلّق بالبدن، ومن الواضح انّ ترجیح أحدهما على الآخر ترجیح بلا مرجح.
وبعباره أُخرى: انّ کلّ بدن من هذه الأبدان على استعداد لتقبّل نفس واحده، ومن الواضح أنّ تعلّق کلّ نفس منهما یمنع من تعلّق الأُخرى، فلماذا یاترى نقبل مانعیه النفس المستنسخه ونغض الطرف عن الأُخرى؟!
الدلیل الثانی: انعدام التنسیق والانسجام بین النفس والبدن
فی الحقیقه انّ الترکیب بین النفس والبدن لیس من قبیل الترکیب الصناعی بین المنضده والکرسی، أو من قبیل الترکیبات الکیمیاویه، بل هو ترکیب أسمى وأرقى، إذ هو ترکیب واقعی وحقیقی، یشکل فی الحقیقه نوعاً من الوحده بینهما و هذه الوحده حاکمه علیهما، وبسبب هذه الوحده الحقیقیه تسیر النفس سیراً متناسقاً ومنسجماً مع حرکه البدن ونموه، وتکامله، ولذلک تکتسب النفس شأناً وخاصیه تنسجم مع المرحله التی یعیش فیها البدن من الرضاعه إلى الطفوله إلى الفتوه والمراهقه، مروراً بالشباب ثمّ الکهوله والشیخوخه والهرم، وفی کلّ هذه المراحل تنتقل قوى النفس من مرحله القوّه والاستعداد إلى مرحله الفعلیه والاقتدار بما یناسب تلک المرحله.
ففی هذه الحاله التی اکتسبت النفس کمالاتها وانتقلت استعداداتها من مرحله القوه إلى الفعلیه، کیف یاترى أن تنتقل هذه النفس بهذه الخصائص لتتعلّق بالخلیه النباتیه أو النطفه الحیوانیه أو الجنین الإنسانی؟ وکیف یمکن لها أن تنسجم وتتناسق مع ذلک البدن والمفروض انّها وصلت من ناحیه الکمالات إلى حدّ الفعلیه، والبدن لا یزال یعیش فی المراحل الأُولى من کمالاته، بل إنّه یمتلک فقط القوّه والاستعداد للتکامل فقط؟!
ملاحظه: انّ هذا البرهان إنّما یصدق فی حاله واحده وهی فیما إذا تعلّقت النفس المتکامله ببدن أدنى منها، أی بالبدن الذی لم تصل کمالاته واستعداداته الذاتیه إلى حد الفعلیه، وأمّا إذا تعلّقت ببدن متکامل قد وصلت قدراته إلى حدّ الفعلیه، فحینئذ یمکنه التناسق والانسجام معها، ولا یصدق حینئذ ذلک البرهان.( [۱۰])
ونذکر فی الختام: انّ محور هذا البرهان قائم على انعدام الانسجام والتناسب بین الروح والبدن، والذی یصدق فی أغلب صور التناسخ ولا علاقه لهذا البرهان بالبرهان السابق الذی ذکرناه فی باب التناسخ النزولی، والذی قلنا إنّه یستلزم التبعیه دائماً ورجوع الفعلیات إلى القوّه.( [۱۱])
[۱] . قال فی « أقرب الموارد » : النسخ فی الأصل: النقل.
وقال الراغب فی مفرداته: النسخ إزاله شیء بشیء یتعاقبه، کنسخ الشمس الظلَّ، والظلّ الشمس، والشیب الشباب.
[۲] . وللمحقّق اللاهیجی فی هذا الصدد کلام قال فیه: أمّا التناسخ فلم یقل به من الحکماء المشائین أحدٌ، ولقد کان أرسطاطالیس وأتباعه من قدماء المشّائین المسلمین من الجادِّین فی إبطال نظریه التناسخ شکر اللّه سعیهم.
وفی مقابل هؤلاء کان حکماء الهند والصین وبابل من الجادّین فی إمکان التناسخ، بل وقوعه أیضاً. وادّعى شیخ الإشراق وأتباعه انّ قدماء حکماء الیونان ومصر وفارس مالوا جمیعاً إلى التناسخ فی نفوس الأشقیاء فقط، وهذه الطائفه وإن کانت مختلفه فی الانتقال من النوع إلى النوع الآخر، ولکنّهم یتّفقون على خلاص النفس وتحررها فی نهایه المطاف من التردّد بین الأبدان العنصریه، واتّصالها بعالم الأفلاک أو بعالم المثال. ثمّ إنّ هذا التردد فی الأبدان العنصریه یُعدّ عقاباً وتعذیباً لتلک النفوس الشّریره وفقاً لهذه النظریه.
وأمّا استمرار النفس بالتردّد فی الأبدان العنصریه دائماً فهو مذهب جماعه من الذین ینکرون الحکمه والتوحید والحشر والثواب والعقاب، وهذه النظریه تعدّ فی الواقع من أدنى وأسفه نظریات التناسخ المطروحه.( گوهر مراد:۴۷۲، المقاله۳، الباب۴ ، الفصل۷ وهو باللغه الفارسیه).
[۳] . شرح حکمه الإشراق:۵۱۹، المقاله الخامس، فصل فی بیان التناسخ.
[۴] . أسرار الحکم:۲۹۳ـ ۲۹۴٫
[۵] . شرح حکمه الإشراق:۴۷۶، الأسفار:۹/ ۷٫
[۶] . انظر الأسفار:۹/ ۱۶٫
[۷] . انظر الأسفار:۹/۲۲ـ ۲۳٫
[۸] . انظر کشف المراد:۲۰۳، انتشارات شکوری، قم.
[۹] . الأسفار:۹/۹ـ ۱۰٫
[۱۰] . انظر الأسفار:۹/۲ـ ۳٫
[۱۱] . منشور جاوید:۹/۱۹۰ـ ۲۳۰٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.