الصدفه التاریخیه ونقض قانون العلّیه والمعلولیه
إنّ للصدفه معانی مختلفه ومتعدده، وکلّ معنى منها یتطلّب لنفسه حکماً خاصاً به، وهذه المعانی عباره عن:
۱٫ الصدفه: بمعنى وجود الشیء من دون علّه، الأعم من العلّه الطبیعیه وغیر الطبیعیه.
وهذا المعنى للصدفه مرفوض من قبل المفکّرین والعلماء، ولا یوجد مفکّر ـ حقّاً ـ یؤمن بهذا المعنى من الصدفه.
نعم یوجد مفکّر واحد فقط أنکر قانون العلّیّه والمعلولیه وهو الفیلسوف الإنجلیزی «هیوم»، وأنّ الذی دعاه إلى اتّخاذ هذا الموقف هو انّه یعتقد أنّ الطریق الوحید لإثبات العلوم هو الحس والتجربه فقط، وبما أنّ هذا القانون خارج عن مجال الحسّ والتجربه، ولا یمکن إثباته من خلالهما، فلذلک أنکر هیوم هذا القانون.( [۱]) وإذا ما وجد من یصطلح على بعض التحوّلات الطبیعیه أو التاریخیه مصطلح «الصدفه» فلیس مراده ـ قطعاً ـ انّ هذه التحوّلات قد حدثت من دون علّه، بل مراده هنا من لفظ «الصدفه» هو «الاتّفاق».
۲٫ الصدفه: بمعنى صدور النظم والسنن عن سلسله من العلل غیر العاقله وغیر المدرکه ومن دون أی محاسبات عقلیه، وحسب الاصطلاح : تفسیر العالم على أنّه ولید سلسله من العلل المادیه الفاقده للشعور والإدراک.
إنّ الصدفه بهذا المعنى قبلها وتبنّاها المفکّرون المادیون ودافعوا عنها حیث إنّهم اعتقدوا أنّ النظام العالمی ولید انفجار هائل حدث فی عالم الماده فأوجد حالات کثیره من الفعل والانفعال أدّت إلى وجود العدید من النظم، ثمّ ومن خلال اجتماع تلک النظم الصغیره، تولّد ذلک النظام العالمی المحیّر للعقول، فعلى هذا الأساس لا یکون النظام العالمی مولوداً بدون علّه وإنّما هم یسلّمون أنّه ولید علّه ما، ولکنّهم لا یفسّرون تلک العلّه بالعلّه العاقله المدرکه والواعیه.
والحال أنّ التساؤل التالی یطرح نفسه وبقوه: هل یاترى یمکن لهذا العالم الواسع والبدیع والعجیب المبتنی على النظام من الذره إلى المجرّه، أن یکون ولید تلک الصدفه والماده الصمّاء؟!!
ونحن هنا لسنا بصدد الإجابه عن هذا التساؤل ولکن نقول على نحو الإجمال: إنّه یستحیل لهذه الصدف ان تولد حاله واحده من ملیارات الحالات المنظمه فی العالم فضلاً عن تکوین کلّ هذا النظم.
۳٫ الصدفه: بمعنى حدوث الظواهر الکونیه أو التاریخیه من خلال علّه وعامل، إلاّ أنّ هذا العامل وهذا السبب لا یخضع لقانون وضابطه کلّیه عامّه، ولا یمکن اعتبار ظهور تلک الحوادث ـ بعد ذلک العامل أو السبب ـ قانوناً کلّیاً وقاعده عامه.
إنّ الصدفه بهذا المعنى من المصطلحات الرائجه على ألسنه عموم الناس، مثلاً یقول: لقد صادفت فی سفری إلى کربلاء صدیقی فلاناً بعد سنین طویله من الفراق، أو أنّه حفر بئراً فصادف کنزاً، أو غیر ذلک من الأمثله.
ومن المسلّم به انّ ظهور وحدوث تلک الوقائع ـ مشاهده الصدیق أو العثور على الکنز ـ تحت تلک الشروط لا یخضع لضابطه کلّیه وقانون عام، بمعنى أنّه لیس کلّ من یسافر فإنّه سیلتقی لا محاله بصدیق قد افتقده مدّه طویله، أو کلّ مَن یحفر بئراً یعثر على کنز، بل هناک علل وشروط خاصه اقتضت أن یعثر فی هذا البئر على الکنز، ولکن ذلک لا یمثل ـ أبداً ـ قاعده کلّیه وقانوناً عامّاً ودائماً.
وبالنتیجه هناک فرق أساسی بین عدم وجود العلّه أساساً وبین عدم عمومیه وکلّیه هذه العلّه، وحسب التعبیر الفلسفی «انّ هذه الظاهره لیست ملازمه لنوع العلّه» بمعنى أنّه «لیس کلّ حفر بئر یؤدی إلى العثور على الکنز» و إن کان الحفر فی حاله خاصه قد أدّى إلى الوصول إلى تلک النتیجه.
وأمّا جواب الشطر الثانی من السؤال فهو:
إنّ تفسیر الحوادث التاریخیه من خلال الصدفه یتماشى مع التفسیر الثالث للصدفه، فعلى سبیل المثال: یذکر المؤرخون فی سبب نشوب الحرب العالمیه الأُولى: انّ الحرب نشبت على أثر اغتیال ولی عهد النمسا، ممّا أدّى إلى إشعال فتیل الحرب فی أُوروبا بأسرها ثمّ العالم، وهذا یعنی أنّ حدثاً صغیراً قد وقع والذی قتل على أثره أحد الأُمراء، سبّب وقوع تلک الفاجعه العظیمه فی العالم.
فهنا إطلاق الصدفه یراد منه أنّه وبسبب بعض الشروط والأسباب الخاصه فی المنطقه، اشتعل فتیل الحرب، وصار ذلک الحدث ذریعه لدخول الجیوش میدان القتال وساحات الحرب واتّساع نطاقها لیشمل جمیع العالم. ولکن هذا الحدث الناتج من قتل الأمیر النمساوی، لا یمکن اعتباره قانوناً کلّیاً وضابطه عامه لنشوب حروب عالمیه، لأنّه طالما قتل أُمراء وأولیاء عهد فی العالم ومع ذلک لم تحدث فی العالم أدنى ردّه فعل ولو یسیره جداً، فضلاً عن حدوث تلک الفاجعه العظیمه.
وبالطبع أنّه کان یختفی وراء نشوب الحرب العدید من الأسباب والشروط الکثیره من الاضطراب والفوضى السیاسیه والاقتصادیه،والتضاد الفکری، التی برمّتها تمثّل الأرضیه الأساسیه للحدث وأنّ قتل ولی العهد لا یعدو عن کونه مثّل الفتیل والصاعق الذی فجر مخزن المتفجرات لا غیر.
الصدفه التاریخیه
حدّثنا التاریخ عن الکثیر من الوقائع والحوادث ومصیر الأُمم السالفه، التی من الممکن تفسیرها على أساس الصدفه بالمعنى الثالث، ویوجد فی هذا المجال کم هائل من القصص بحیث لا یمکن الرکون إلیها جمیعاً والاعتماد علیها، کذلک لا یمکن لنا نقل القسم الأکبر منها هنا، لأنّ ذلک خارج عن رساله الکتاب، ولکن نکتفی بذکر قصتین منها فقط:
۱٫حاصر عماد الدوله الدیلمی مدینتی اصفهان وفارس وأخرج منهما ممثل الخلیفه ووالیه. ولکن واجهته مشکله خطیره جداً کادت أن تخلق له أزمه حقیقیه وهی نفاد الخزینه التی أعدّها للحرب والمواجهه، ولذلک أقلقه هذا الأمر جداً خوفاً من أن یشعر الجنود بخلو الخزینه ونفادها، ممّا یضطرهم إلى الاعتداء والتجاوز على أموال الناس وممتلکاتهم الأمر الذی یولّد رده فعل لدى الجماهیر لا تحمد عقباها أبداً. فأخذ یفکر فی الأمر جلیاً لیرى ماذا یفعل لمعالجه هذه الأزمه الخطیره، فرفع رأسه إلى سقف الدار وإذا بأفعى تخرج رأسها من فجوه ثمّ تختفی وراءها، وهکذا تکررت الحاله أکثر من مرّه، فأمر عماد الدوله الدیلمی جنوده بإزاله سقف الدار ومتابعه أمر هذه الأفعى، فامتثل الجنود أوامره وتابعوا مسیر الأفعى وإذا بهم یعثرون على خزین من العمله الذهبیه القاجاریه والتی کانت یطلق علیها لفظ (أشرفی) کان قد أعدّها حاکم الولایه السابق لیوم بؤسه وفاقته، فکانت من نصیب عماد الدوله وجیشه.
۲٫ القصه الثانیه فی هذا المجال: انّ الأمیر السامانی إسماعیل حینما هاجم «هراه» نفدت خزینته، ولکی لا یعتدی الجنود على أموال الناس أمر الجیش أن یعسکر خارج المدینه، فامتثل الجیش أوامره وخرجوا من دون تحدید الجهه والمکان الذی یریدون النزول بها، فإذا بهم یرون فی السماء غراباً یحمل فی منقاره قلاده، تابعوا الغراب وإذا به یضع تلک القلاده فی بئر، فنزل الجنود إلى أسفل البئر فوجدوا صندوقاً من المجوهرات، اتّضح فیما بعد أنّ غلمان الأمیر الصفاری عمرو بن لیث قد سرقوه من الخزینه أیام المحنه وألقوه فی هذا المکان، ولکنّهم لم یوفّقوا لإخراجه والاستفاده منه.
إنّ هاتین القصتین وغیرهما من القصص تُعدّ من الحوادث الاستثنائیه التی لا یمکن اعتبارها أساساً کلیّاً للحرکه والعمل، ولا یمکن أبداً بناء الحیاه والتحرک السیاسی أو العسکری اعتماداً على هذا النوع من الصدف، بل الأُمم والشعوب الحیّه والواعیه تحل مشکلاتها على أساس التدبیر والحکمه والتخطیط الدقیق، ولا ترکن إلى الصدفه وظهور کرامات الأولیاء والصالحین، بل تعتمد الجد والمثابره للتغلّب على المصاعب وحلّ عقد الحیاه التی تواجههم، لأنّهم یدرکون جیداً أنّ العالم یبتنی على سلسله من العلل والأسباب الطبیعیه، وانّ المجتمع الإنسانی ملزم ـ لنیل مطالبه ـ أن یطرق باب تلک العلل والأسباب ویلج هذا الطریق للوصول إلى أهدافه ومقاصده.
إنّ الأنبیاء العظام والأولیاء الصالحین لم یرکنوا فی حیاتهم ـ الفردیه أو الاجتماعیه ـ على المعجزه والکرامه، وما شابه ذلک، بل کانوا ـ بالإضافه إلى الرکون إلى فضله سبحانه وکرمه ـ یعدّون العدّه لکلّ شیء، ویجدّون فی العمل والمثابره وبذل أقصى الجهود لنیل أهدافهم، وحتّى فی الحالات التی تتأزّم فیها الأُمور وتبلغ القلوب الحناجر وتحبس الأنفاس فی الصدور وتوصد جمیع الأبواب والسبل، نجدهم (علیهم السلام) لا ینهزمون ولا ینحنون أمام تلک العواصف، بل یتوجّهون إلى ربّهم بالدعاء والتوسّل ـ التی تعد أیضاً من الأسباب الطبیعیه التی ینبغی التمسّک بها ـ و لذلک یعتمدون على اللّه وعلى أنفسهم وجهودهم، ولا ینتظرون من الآخرین حلّ المشاکل والأزمات لهم انطلاقاً من المثل العربی السائد«نفس عصام سوّدت عصاما…».
إنّهم(علیهم السلام) لا یعتمدون فی ساحه الجهاد والحریه والاستقلال على الصدفه، ولا یرکنون إلى الأمل والتمنّی فی أن تقع معجزه ما تحل لهم المشکله. کلا أنّ ذلک لم یکن منهج الأنبیاء والرسل والصالحین.
ثمّ إنّ القرآن الکریم یؤکد أنّ السعاده من نصیب الناس الذین یکون إیمانهم مقترناً بالعمل الصالح والجد والمثابره،ولیس اعتباطاً أن تتکرر جمله ( إِلاّ الّذینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات ) ثلاث وستین مرّه، حیث تقرن الإیمان بالعمل، وکأنّ الإیمان الحقیقی هو ذلک الإیمان المستتبع للعمل والجد والنشاط.( [۲])
[۱] . لمزید الاطّلاع انظر کتاب « نظریه المعرفه » للأُستاذ آیه اللّه السبحانی(دام ظله).
[۲] . منشور جاوید:۱/۳۴۵ـ ۳۵۰٫