النجاح والفشل فی الدعوه لیسا معیارین للحقّ والباطل
إنّ کمال الدعوه وصحّتها یتمثّل فی قوّه المحتوى ورصانه حجّتها، بحیث تکون الدعوه مطابقه للفطره، وموافقه لحکم العقل السلیم، ومتماشیه مع الحیاه الإنسانیه الفردیه والاجتماعیه، عند ذلک تتم الحجّه من اللّه سبحانه على العباد، وأمّا اشتراط کون الداعی ناجحاً فی دعوته، وتربیه جیله، فلم یدلّ علیه شیء من العقل والشرع، إذ النجاح والفوز لیس دلیلاً على صحّه الدعوه، ولا تولّی الناس وعدم استجابتهم برهاناً لبطلانها، والعجب انّ المنطق الذی اعتمده صالح بن عبد اللّه الدرویش فی بیانه مما تکرّسه الملاحده من أتباع المارکسیه والبهائیه وغیرهم من الأحزاب الباطله، فهم یستدلون على صحّه خططهم فی مجال الحیاه بالنفوذ والاستیلاء على الأفکار فی مختلف الأقطار، ویقولون إنّه لم یمض على موت مارکس وانجلس مده حتّى غطت فلسفتهما ربع المعموره واعتنقها ملایین الناس، وهذه البهائیه البغیضه تشترط فی صحّه دعوى النبوه أُموراً أربعه:
۱٫ ادّعاء النبوّه ۲٫ النفوذ والنجاح فی الدعوه ۳٫ ثبات المدّعی فی طریقها، ۴٫ وکونه صاحب شریعه وبرنامج.
هذه هی الأُمور التی نسمعها من المارکسیه والبهائیه، وما یدعو إلى الحیره والدهشه هو کیفیه تسرّب هذه الأفکار المنحرفه إلى ذهن الکاتب، فقام بادّعاء لا یفترق عن ادّعائهم قید شعره؟!!
ما أشبه اللیله بالبارحه
والعجب انّ یهود أبناء قریظه والنضیر وقین قاع، تمسکوا بهذا العذر عندما دعاهم النبی إلى الطریق المهیع.
فقالوا: یا محمد إلى مَ تدعو؟ قال: «إلى شهاده أن لا إله إلاّ اللّه وأنّی رسول اللّه، وأنّی الذی تجدوننی مکتوباً فی التوراه، والذی أخبرکم به علماؤکم ان مَخْرجی بمکه ومهاجری بهذه الحره، یبلغ سلطانی منقطع الخفّ والحافر». فقالوا له: قد سمعنا ما تقول، وقد جئناک لنطلب منک الهدنه على أن لا نکون لک ولا علیک ولا نعین علیک أحداً، ولا نتعرض لأحد من أصحابک، ولا تتعرض لنا ولا لأحد من أصحابنا حتّى ننظر إلى ما یصیر أمرک.( [۱])
قدّمنا إلیک موجزاً عن هذه النظریه التی تعتبر النفوذ دلیلاً على کون الدعوه حقاً، وانحسار الدعوه على خلافه، ولیس هذا إلاّ منطقاً باطلاً لا یدعمه القرآن ولا العقل، فهذا هو الذکر الحکیم یصف لفیفاًمن أنبیائه بأنّهم لم ینجحوا فی دعوتهم طیله حیاتهم، فیقول فی دعوه نوح: (وما آمَنَ مَعَهُ إلاّ قَلِیل ) ( [۲]) وقد قام بالدعوه وإرشاد الناس ( فَلَبِثَ فِیهِمْ أَلْفَ سَنه إِلاّ خَمْسِینَ عاماً ) ( [۳]) ، فما آمن به إلاّ عدّه قلیله حملهم على الفلک.
إنّ الاعتماد على الکثره هو منطق الفراعنه، وقد کان فرعون یصف أتباع موسى بقوله: (إِنّ هؤلاءِ لَشِرْذِمَهٌ قَلِیلُون ) ( [۴]) ، وعلى العکس یصف سبحانه أتباع الحق، ویقول: (إِلاّ الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلیلٌ ما هُمْ ) .( [۵])
ففی منطق العقل الحصیف لا ملازمه بین صحّه دعوه الداعی وإجابه المدعوین، فربّما یکون الداعی کاملاً فی دعوته قوّیاً فی منطقه، رصیناً فی بیانه، إلاّ أنّ الظروف لا تسمح للتجاوب معه والإقبال علیه ، أو یکون المدعوون أُسراء شهوه وطلاّب لذّه وحینئذ لا یحالف الداعی ـ مهما بالغ فی النصیحه ـ النجاح.
إنّ فضیله الشیخ صالح بن عبد اللّه الدرویش قد تأثر بهذا المنطق من غیر وعی، فزعم انّ سلب العداله عن بعض الصحابه وجرحهم یکون طعناً فی الداعی والمربّی وصدق الدعوه حیث یقول بعد کلام طویل:
«فهل یعقل بعد ذلک وصف هؤلاء(صحابه الرسول) بأنّهم نکصوا على أعقابهم إلاّ النادر منهم؟ یعنی الغالبیه لم تنتفع بالتربیه والتوحید، کلّ ذلک الجهد ذهب سدى، وباعوا دینهم لأجل مال، من أخذه؟ ومن الذی دفعه؟
تقول: لا بل لأجل جاه وشرف ما هو ذلک؟ وهل یعادل شرف صحبه الإمام وخدمته؟ لماذا نکصوا؟ لا أدری.
المهم انّ الناقد یطعن فی عدالتهم وانّهم غیر ثقاه، وأقل ما یصف الطاعن هؤلاء الذین تربوا على ید الإمام القدوه بأنّهم ضعاف الإیمان، نعم هذا أضعف وصف.
قل … بربک العیب فی الإمام المربّی، أم فی الذین بَذل جَهْده فی تربیتهم ومدحهم وزکّاهم وعلّمهم؟ أم العیب فی الناقد الطاعن»؟( [۶])
یلاحظ علیه: أنّ هذا التساؤل لا یختص بدعوه النبی ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ بل یعمّ دعوه سائر الأنبیاء، فانّ نجاحهم فی مجال دعوتهم کان شیئاً لا یذکر.
فهذا هو شیخ الأنبیاء نوح قد لبث فی قومه (ألف سنه إلاّ خمسین ) ومع ذلک (وما آمن معه إلاّ قلیل ) ، وعندئذ نخاطب الشیخ ونسأله ونقول:
قل لی بربک هل العیب فی الإمام المربی أم فی الذین بذل جهده فی تربیتهم ومدحهم وزکّاهم وعلّمهم؟
أم فی الناقد الطاعن؟! هذا هو نبی اللّه الکلیم موسى بن عمران، قد تحمل العبء الکبیر فی هدایتهم وإنقاذهم من مخالب آل فرعون وعبر بهم البحر، فلمّا جاوزوه مالوا إلى الوثنیه وطلبوا من موسى أن یجعل لهم إلهاً کما لهم آلهه، یقول سبحانه: (فأتَوْا على قَوْم یَعْکُفُونَ عَلى أَصْنام لَهُمْ قَالُوا یا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً کَما لَهُمْ آلِهَهٌ قالَ إِنَّکُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون ) .( [۷])
فنسأل فضیله الشیخ:
هل کان العیب فی الإمام المربی؟ أم فی الذین بذل جهده فی تربیتهم ومدحهم وزکاهم وعلمهم؟
أم العیب فی الناقد الطاعن؟!
وقد ابتلى الکلیم بنفس تلک البلیه فی فتره أُخرى من فترات حیاته، عندما ذهب إلى میقات ربّه، ارتد قومه ولجأوا إلى الوثنیه، وأخبره سبحانه بذلک وقال: (فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَکَ مِنْ بَعْدِکَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِىّ ) .( [۸])
فنسأل فضیله الشیخ ما هو سبب هذا النکوص والارتداد مع وجود المربی الکبیر موسى بن عمران؟
هل کان العیب فی الإمام المربی، أم فی الذین بذل جهده فی تربیتهم ومدحهم وزکاهم وعلمهم، أم العیب فی الناقد الطاعن؟!
وهکذا سائر الأنبیاء الذین لم یکن لهم نجاح باهر فی دعوتهم ولم یلتف حولهم إلاّ القلیل من المستضعفین، فجواب فضیله الشیخ فی حقّهم هو جوابنا فی موقف نبینا الخاتم ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ .
وبما انّ الشیخ یضع وزر هذه الفکره على الشق الثالث ویعبّر عنه بقوله أم العیب فی الناقد الطاعن؟ فنحن نلفت نظر الشیخ إلى أنّ الناقد الطاعن فی أُمّه نوح والکلیم هو اللّه سبحانه، فهل یرضى الشیخ بهذه النتیجه؟! ولکن الإجابه الواضحه عن تلک الاستفسارات هو انّ العیب فی موضع آخر وراء ما ذکره، و هو اختلاف قابلیات نفس الأُمه وخصیصه تربیه الجیل العظیم، فانّ الأسالیب التربویه تقتضی بطبیعتها أن تؤمن به فئه دون فئه، ویصلح حال فئه دون فئه، وما سمعت أذن التاریخ انّ مصلحاً حمل رساله إلى قومه ، وکُتب له النجاح التام ولم یتخلّف عن دعوته أحد من قومه.
لقد التف حول النبی ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ من المهاجرین والأنصار والأعراب وغیرهم ما ربّما ینوف على مائه ألف، فلا ضیر من أن یجیب دعوته أُلوف ویتخلّف عنها أُلوف أُخرى، وهذا أمر لا غبار علیه، بخلاف قول الشیخ: إنّ دعوه النبی ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ جعلت کلّ من رآه وصحبه إنساناً مثالیاً عادلاً قائماً بوظائفه طیله عمره خیر قیام وإن کان قبل الدعوه من المتوغّلین فی الرذائل ومساوئ الأخلاق.
[۱] -إعلام الورى بأعلام الهدى: ۷۶٫
[۲] -هود:۴۰
[۳] -العنکبوت:۱۴
[۴] -الشعراء:۵۴
[۵] -ص: ۲۴٫
[۶] -صحبه رسول اللّه ـ صلَّى الله علیه وآله وسلَّم ـ : ۱۲٫
[۷] -الأعراف: ۱۳۸٫
[۸] -طه: ۸۵٫