آیه ابتلاء إبراهیم
آیه ابتلاء إبراهیم
المصدر : الإلهیات على هدى الکتاب والسنّه والعقل : للشیخ جعفر السبحانی ، ج۴ ، ص ۱۱۷ ـ ۱۲۵
الصفحه ۱۱۷
۲ـ آیه ابتلاء إبراهیم
قال سبحانه: { وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِیمَ رَبُّهُ بِکَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّی جَاعِلُکَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّیَّتِی قَالَ لاَ یَنَالُ عَهْدِی الظَّالِمِینَ} (۱).
إنّ تفسیر الآیه کما هو حقّها یتوقف على البحث عن النقاط التالیه:
أ ـ ما هو الهدف من الإبتلاء؟.
ب ـ ما هو المراد من الکلمات؟.
ج ـ ماذا یراد من الإتمام؟.
د ـ ما هو المقصود من الإمام { إِمَامًا }؟.
هـ ـ کیف تکون الإمامه عهداً إلهیاً { عَهْدِی }؟.
و ـ ما هو المراد من الظالمین؟.
و لکنّ إفاضه الکلام فی هذه الموضوعات ، یحوجنا إلى تألیف رساله مفرده ،
فنکتفی بالترکیز على اثنین من هذه المو ضوعات (۲).
الأوّل : ما هو المقصود من الإمامه التی أنعم الله سبحانه بها على نبیّه
الخلیل؟.
الثانی : ما هو المراد من الظالمین؟.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – سوره البقره: الآیه ۱۲۴٫
(۲)- وقد أشبع شیخنا الأستاذ ، البحث عن هذه الموضوعات الستّه فی موسوعته القرآنیه « مفاهیم
القرآن » : ج ۵، ص ۲۰۵ ـ ۲۵۹٫
الصفحه ۱۱۸
الأوّل : ما هو المراد من الإمامه فی الآیه؟
ذهب عدّه من المفسّرین منهم الرازی فی مفاتیحه ، إلى أنّ المراد من الإمامه
هنا ، النبوه ، وأنّ ملاک إمامه الخلیل ، نبوّته ؛ لأنّها تتضمن مشاقّاً عظیمه (۱).
و قال الشیخ محمّد عبده : « الإمامه هنا عباره عن الرساله ، وهی لاتنال بکسب الکاسب » (۲).
یلاحظ علیه : إنّ إبراهیم کان نبیّاً قبل الإبتلاء بالکلمات ، وقبل تنصیبه
إماماً ، فکیف یصحّ أن تفسّر الإمامه بالنبوّه على ما فی لفظ الرازی ، أو بالرساله ،
على ما فی لفظ المنار؟ ودلیلنا على ما ذکرنا ، أمران:
۱ـ إنّ نزول الوحی على إبراهیم ، وجعله طرفاً للخطاب بقوله : { إِنِّیجَاعِلُکَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } ، أوضح دلیل على أنّه کان نبیّاً متلقیاً للوحی قبل نزول
هذه الآیه . وأسلوب الکلام یدلّ على أنّه لم یکن وحیاً إبتدائیاً ، بل یعرب عن کونه استمراراً للوحی السابق ، والمحاوره الموجوده بینه وبین الله تعالى ، حیث طلب الإمامه لذریته ، تناسب الوحی الإستمراری لا الوحی الإبتدائی . وإن
کنت فی شکّ ، فلاحظ الوحی الإبتدائی ، النازل على موسى فی طور سیناء حیث
خوطب بقوله:
{ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِی مِنْ شَاطِئِ الْوَادِی الأَیْمَنِ فِی الْبُقْعَهِ الْمُبَارَکَهِ مِنَ الشَّجَرَهِ أَنْ یَامُوسَى إِنِّی أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِینَ} (۳).
۲ـ إنّ الخلیل طلب الإمامه لذرّیته ، ومن المعلوم أنّ إبراهیم کان نبیّاً قبل أن یرزق أیّ ولد من ولدیه إسماعیل وإسحاق ، أمّا أوّلهما فقد رزقه بعد تحطیم الأصنام فی بابل ، وإعداد العدّه للخروج إلى فلسطین ، حیث وافاه الوحی
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – مفاتیح الغیب : للرازی ، ج ۱، ص ۴۹۰٫
(۲) – المنار : ج ۱ ص ۴۵۵٫
(۳) – سوره القصص : الآیه ۳۰٫ ولاحظ سوره العلق: الآیات ۱ ـ ۵، فإنّها من الوحی الإبتدائی ،
وهی لاتشبه الخطاب الوارد فی الآیه الموجّه إلى الخلیل.
الصفحه ۱۱۹
وبشّره : { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِیمٍ} (۱). وأمّا ثانیهما ، فقد بشرته به الملائکه عندما دخلوا علیه ضیوفاً ، فقالوا : { إِنَّا نُبَشِّرُکَ بِغُلاَمٍ عَلِیمٍ } (۲).
وعلى ذلک ، یجب أن تکون الإمامه الموهوبه للخلیل غیر النبوه ، وإلاّ کان أشبه بتحصیل الحاصل.
والظاهر أنّ المراد من الإمامه ، القیاده الإلهیه للمجتمع ؛ فإنّ هناک مقامات
ثلاثه:
ـ مقام النبوه : وهو منصب تحمّل الوحی.
ـ مقام الرساله : وهو منصب إبلاغه إلى الناس.
ـ مقام الإمامه : وهو منصب القیاده وتنفیذ الشریعه فی المجتمع بقوه وقدره.
و یعرب عن کون المراد من الإمامه فی المقام هو المعنى الثالث ، قوله
سبحانه: { أَمْ یَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَیْنَا آلَ إِبْرَاهِیمَ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَآتَیْنَاهُمْ مُلْکًا عَظِیمًا} (۳).
فالإمامه التی أنعم بها الله سبحانه على الخلیل وبعض ذرّیته ، هی الملک العظیم الوارد فی هذه الآیه. وعلینا الفحص عن المراد من الملک العظیم ؛ إذ عند ذلک یتّضح أنّ مقام الإمامه ، وراء النبوه والرساله ، وإنّما هو قیاده حکیمه ،
وحکومه إلهیّه ، یبلغ المجتمع بها إلى السعاده . والله سبحانه یوضح حقیقه هذا الملک فی الآیات التالیه:
۱ـ یقول سبحانه ـ حاکیاً قول یوسف ـ علیه السَّلام ـ ـ: { رَبِّ قَدْ آتَیْتَنِی مِنْ الْمُلْکِ وَعَلَّمْتَنِی مِنْ تَأْوِیلِ الأَحَادِیثِ } (۴) .و من المعلوم أنّ الملک الذی مَنّ به
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – لاحظ سوره الصافات : الآیات ۹۱ ـ ۱۰۲٫
(۲) – لاحظ سوره الحجر: الآیات ۵۱ ـ ۵۵٫
(۳) – سوره النساء: الآیه ۵۴٫
(۴) – سوره یوسف: الآیه ۱۰۱٫
الصفحه ۱۲۰
سبحانه على عبده یوسف ، لیس النبوه ، بل الحاکمیه ، حیث صار أمیناً مکیناً فی الأرض . فقوله : { وَعَلَّمْتَنِی مِنْ تَأْوِیلِ الأَحَادِیثِ } ، إشاره إلى نبوته ، والملک إشاره إلى سلطته وقدرته.
۲ـ ویقول سبحانه فی داود ـ علیه السَّلام ـ : { وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْکَ وَالْحِکْمَهَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا یَشَاءُ } (۱). ویقول سبحانه: { وَشَدَدْنَا مُلْکَهُ وَآتَیْنَاهُ الْحِکْمَهَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ}(۲).
۳ـ ویحکی الله تعالى عن سلیمان أنّه قال : { وَهَبْ لِی مُلْکًا لاَ یَنْبَغِی ِلأَحَدٍ مِنْ بَعْدِی إِنَّکَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} (۳).
فملاحظه هذه الآیات یفسّر لنا حقیقه الإمامه ، وذلک بفضل الأمور
التالیه:
أ ـ إنّ إبراهیم طلب الإمامه لذریته ، وقد أجاب سبحانه دعوته فی بعضهم.
ب ـ إنّ مجموعهً من ذریته ، کیوسف وداود وسلیمان ، نالوا ـ وراء النبوه
والرساله ـ منصب الحکومه والقیاده.
ج ـ إنّه سبحانه أعطى آل إبراهیم الکتاب ، والحکمه ، والملک العظیم .
فمن ضمّ هذه الأُمور بعضها إلى بعض ، یخرج بهذه النتیجه : إنّ ملاک
الإمامه فی ذریّه إبراهیم ، هو قیادتهم وحکمهم فی المجتمع ، وهذه هی حقیقه
الإمامه ، غیر أنّها ربما تجتمع مع المقامین الآخرین ، کما فی الخلیل ، ویوسف ،
وداود ، وسلیمان ، وغیرهم ، وربما تنفصل عنهما ، کما فی قوله سبحانه: { وَقَالَ لَهُمْ نَبِیُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَکُمْ طَالُوتَ مَلِکًا قَالُوا أَنَّى یَکُونُ لَهُ الْمُلْکُ عَلَیْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْکِ مِنْهُ وَلَمْ یُؤْتَ سَعَهً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَیْکُمْ وَزَادَهُ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – سوره البقره الآیه ۲۵۱٫
(۲) – سوره ص: الآیه ۲۰٫
(۳) – سوره ص: الآیه ۳۵٫
الصفحه ۱۲۱
بَسْطَهً فِی الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ یُؤْتِی مُلْکَهُ مَنْ یَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِیمٌ} (۱).
والإمامه التی یتبناها المسلمون بعد رحله النبی الأکرم ، تتّحد واقعیتها مع هذه الإمامه.
* * *
الثانی : ما هو المراد من الظالمین؟
الظُلم فی اللغه هو وضع الشیء فی غیر موضعه ، ومجاوزه الحدّ الذی عیّنه العرف أو الشرع ، فالمعصیه ، کبیرها وصغیرها ، ظلم ؛ لأنّ مقترفهما یتجاوز عن الحدّ الذی رسمه الشارع.
و الظلم له مراتب ، والمجموع یشترک فی کونه تجاوزاً عن الحدّ ، ووضعاً للشیء فی غیر الذی موضعه.
و لمّا خلع سبحانه ثوب الإمامه على خلیله ، ونصبه إماماً للناس ، ودعا إبراهیم أن یجعل من ذریته إماماً ، أجیب بأنّ الإمامه وثیقه إلهیه ، لا تنال الظالمین ؛ لإنّ الإمام هو المطاع بین الناس ، المتصرف فی الأموال والنفوس ، وقائد
المجتمع إلى السعاده ، فیجب أن یکون على الصراط السویّ ، حتى یکون أمره ، ونهیه ، وتصرّفه ، وقیادته ، نابعه منه ، والظالم المتجاوز عن الحدّ ، لا یصلح لهذا المنصب.
إنّ الظالم الناکث لعهد الله ، والناقض لقوانینه وحدوده ، على شفا جرف هارٍ ، لا یؤتمن علیه ، ولا تلقى إلیه مقالید الخلافه ، ولا مفاتیح القیاده ؛ لأنّه على مقربه من الخیانه والتعدّی ، وعلى استعداد لأن یقع أداهً للجائرین ، فکیف یصحّ
فی منطق العقل أن یکون إماماً مطاعاً نافذاً قوله ، مشروعاً تصرّفه ، إلى غیر ذلک من لوازم الإمامه؟.
إنّ بعض المناصب والمقامات ، تُعیَّن شروطُها بالنظر إلى ماهیتها وواقعیتها ،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – سوره البقره: الآیه ۲۴۷٫
الصفحه ۱۲۲
فمدیر المستشفى مثلاً ، له شروط تختلف عن شروط القائد . فالإمامه التی لا تنفک عن التصرف فی النفوس والأموال ، وبها یناط حفظ القوانین ، یجب أن ییکون القائم بها إنساناً مثالیاً ، مالکاً لنفسه ، ولغرائزه ، حتى لا یتجاوز فی حکمه
عن الحدّ ، وفی قضائه عن الحق.
الجمع المحلّى باللام العموم الظاهر من صیغه الجمع المحلّی باللام ، أنّ الظلم بکل ألوانه وصوره ، مانعٌ عن نیل هذا المنصب الإلهی ، فالإستغراق فی جانب الأفراد ، یستلزم الإستغراق فی جانب الظلم ، وتکون النتیجه ممنوعیه کل فرد من أفراد الظلمه عن الارتقاء إلى منصب الإمامه ، سواء أکان ظالماً فی فتره من عمره ثمّ تاب وصار غیرظالم ، أو بقی على ظلمه. فالظالم عند ما یرتکب الظلم یشمله قوله سبحانه:
{ لاَ یَنَالُ عَهْدِی الظَّالِمِینَ} ، فصلاحیته بعد ارتفاع الظلم تحتاج إلى دلیل.
و على ذلک ، فکل مَن ارتکب ظلماً ، وتجاوز حدّاً فی یوم من أیام عمره ، أو عبد صنماً ، أو لاذ إلى وثن ، وبالجمله : ارتکب ما هو حرام ، فضلاً عمّا هو کفر ، ینادى من فوق العرش{ لاَ یَنَالُ عَهْدِی الظَّالِمِینَ} ، أی أنتم الظلمه الکفره المتجاوزون عن الحدّ ، لستم قابلین لتحمل منصب الإمامه من غیر فرق بین أن یصلح حالهم بعد تلک الفتره ، أو یبقوا على ما کانوا علیه.
و هذا یستلزم أن یکون المؤهّل للإمامه ، طاهراً من الذنوب من لدن وضع علیه القلم ، إلى أن أدرج فی کفنه وأدخل فی لحده ، وهذا ما نسمیه بالعصمه فی مورد الإمامه.
سؤال وجوابه السؤال :
لسائل أن یسأل ویقول : إنّ الآیه إنّما تشمل من کان مقیماً على الظلم ، وأمّا التائب منه ، فلا یتعلق به الحکم ؛ لأنّ الحکم إذا کان معلقاً على صفه ،
الصفحه ۱۲۳
وزالت الصفه ، زال الحکم . ألاترى أنّ قوله: { وَلاَ تَرْکَنُوا إِلَى الَّذِینَ ظَلَمُوا } (۱) ، إنّما هو ینهى عن الرکون إلیهم ما أقاموا على الظلم ، فقوله تعالى :
{ لاَ یَنَالُ عَهْدِی الظَّالِمِینَ} ، لم یَنْفِ به العهد عمّن تاب عن ظلمه ، لأنّه فی هذه الحاله ، لایسمّى ظالماً ، کما لا یسمّى مَن تاب من الکفر ، کافراً.
والجواب :
إنّ هذا الإعتراض ذکره الجصاص ( م 370 ) فی تفسیره على آیات الأحکام (۲). ولکنه عزب عنه أنّ قوله : الحکم یدرو مدار وجود الموضع ، لیس ضابطاً کلّیاً ، بل الأحکام على قسمین ، قسم کذلک ، وآخر یکفی فیه اتّصاف
الموضوع بالوصف والعنوان آناً ما ، ولحظهً خاصه ، وإن انتفى بعد الإتصاف ، فقوله : « الخمر حرام » ، أو : « فی سائمه الغنم زکاه » ، من قبیل القسم الأوّل ، وأمّا قوله : « الزانی یحدّ » ، و « السارق یقطع » ، فالمراد منه أنّ الإنسان
المتلبس بالزنا أو السرقه یکون محکوماً بهما وإن زال العنوان ، وتاب السارق والزانی ، ومثله : « المستطیع یجب علیه الحج » ، فالحکم ثابت ، وإن زالت عنه
الإستطاعه تقصیر لا عن قصور.
و على ذلک فالمدعى أنّ الظالمین فی الآیه المبارکه کالسارق والسارقه (۳) ، و الزانی والزانیه (۴) ، والمستطیع (۵) ، و أمهات نسائکم (6) ، فی الآیات الراجعه إلیهم.
نعم المهم فی المقام إثبات أنّ الموضوع فی الآیه من قبیل القسم الثانی ، وأنّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(۱) – سوره هود: الآیه ۱۱۳٫
(۲) – تفسیر آیات الأحکام، ج ۱، ص ۷۲٫
(۳) – سوره المائده: الآیه ۳۸٫
(۴) – سوره النور: الآیه ۲٫
(۵) – سوره آل عمران: الآیه ۹۷٫
(۶) – سوره النساء: الآیه ۲۳٫ فمَن صدق علیها الأمومه للزوجه یحرم على الزوج تزوّجها، وإن طلق إبنتها.
الصفحه ۱۲۴
التلبس بالظلم ولو آنا ما ، وفتره یسیره من عمره یسلب من الإنسان صلاحیه الإمامه وإن تاب من ذنبه.
ویدلّ على ذلک أمران:
الأوّل: إنّ الهدف الأسمى من تنصیب کل إنسان على الإمامه ، تجسید الشریعه الإلهیه فی المجتمع ، فإذا کان القائد رجلاً مثالیاً نقی الثوب ، مشرق الصحیفه ، لم یر منه عصیان ولا زَلّه ، یتحقق الهدف من نصبه فی ذلک المقام.
و أمّا إذا کان فی فتره من عمره مقترفاً للمعاصی ، ماجناً ، مجترحاً للسیئات ، فیکون غرضاً لسهام الناقدین ، ومن البعید أن ینفذ قوله ، وتقبل قیادته بسهوله ، بل ینادى علیه إنّه کان بالأمس یقترف الذنوب ، وأصبح الیوم
آمراً بالحق وممیتاً للباطل!!
و لأجل تحقق الهدف یحکم العقل بلزوم نقاوه الإمام عن کل رذیله ومعصیه فی جمیع فترات عمره ، وأنّ الإنابه لو کانت ناجعه فی حیاته الفردیه ، فلیست کذلک فی حیاته الاجتماعیه ، فلن تخضع له الأعناق ، وتمیل إلیه القلوب.
الثانی : إنّ الناس بالنسبه إلى الظلم على أقسام أربعه:
۱ـ مَن کان طیله عمره ظالماً.
۲ ـ مَن کان طاهراً ونقیاً فی جمیع فترات عمره .
۳ ـ مَن کان ظالماً فی بدایه عمره ، وتائباً فی آخره.
۴ـ مَن کان طاهراً فی بدایه عمره ، وظالماً فی آخره.
عند ذلک یجب أن نقف على أنّ إبراهیم ـ علیه السَّلام ـ ، الذی سأل الإمامه
لبعض ذریته ، أیّ قسم أراد منها ؟
حاش إبراهیم أن یسأل الإمامه للقسم الأوّل ، والرابع من ذرّیته ، لوضوح
أنّ الغارق فی الظلم من بدایه عمره إلى آخره ، أو المتصف به أیام تصدیه
للإمامه لا یصلح لأن یؤتمن علیها.
الصفحه ۱۲۵
فبقی القسمان الآخران : الثانی والثالث ، وقد نصّ سبحانه على أنّه لا ینال عهده الظالم ، والظالم فی هذه العباره لا ینطبق إلاّ على القسم الثالث ، أعنی : مَن کان ظالماً فی بدایه عمره ، وکان تائباً حین التصدی.
فإذا خرج هذا القسم ، بقی القسم الثانی ، وهو مَن کان نقی الصحیفه طیله عمره ، لم یر منه لا قبل التصدی ولا بعده أیّ انحراف عن جادّه الحق ، مجاوزه للصراط السوی .