تفاعلات الخوف والحذر فی سوق الدنیا وسوق الآخره
لا شک أن “العقل یوجب الحذر”، وأن ” الحذر یغلبه القدر”، إلا أن الإنسان قد یشغله هاجس الحذر وهو متلبّس بالخوف، فیکون أسیراً مرتهناً لذلک الخوف، فلا یحرک ساکناً تجاه ما ینفعه.
الداعی لهذا الکلام هو ما رأیناه فی موسم الحج لعام ۱۴۳۰ للهجره، حیث أصاب الناس الهلع والخوف جراء انتشار الوباء الشهیر بانفلونزا الخنازیر, الذی اتخذت الدول إزاءه الإجراءات الکبیره من أجل محاربته وانتشاره، کونه وباءاً عالمیاً.. وقد تسبب فی موت بعض الناس فی کافه أرجاء العالم.
لقد ظهرت التأثیرات على موسم الحج بدءاً بالحدیث فی أروقه حکومات الدول الإسلامیه عن فکره منع الحج أو تقییده أو وضع اشتراطات على الحجاج، بهدف الحد من ذلک الوباء، وبسبب نلک الأحادیث الرسمیه، إضافه إلى التناول الإعلامی الواسع، بدأ الناس فی إعاده التفکیر فی التوجه لبیت الله الحرام، وقد تجلت بالفعل تلک التخوفات فی إعلان الکثیر من أرباب الحملات التی تقدم خدمات الحج، بالامتناع هذا العام عن التوجه للحج لمعاناتها من عدم تسجیل العدد الکافی، وقد تقلصت بالفعل أعداد الحملات، بل أعداد الوافدین إلى بیت الله بشکل عام نسبهً للأعوام السابقه، حتى أن بعض الدول الإسلامیه أعلنت أنها ألغت ۵۰% من عقود إیجارات العمارات التی تستأجرها فی کل عام، وأعلنت العدید من الدول أن أکثر من ۵۰ % من حملاتها ألغت ذهابها إلى الحج.
وقد طالعتنا صحیفه الشرق الأوسط فی عددها الصادر فی ۲۸ ذو القعده۱۴۳۰هـ أنه قبل یومین من إغلاق أبواب تصاریح حجاج الداخل – بالسعودیه – نقلاً عن رئیس لجنه الحج والعمره أن انخفاضاً یعد بـ ۷۰ % من أعداد حجاج الداخل نسبه عن کل عام لنفس الفتره، وأعلنت أن هذا سیکبد شرکات ومؤسسات حجاج الداخل خسائر مالیه تقدر بمئات ملایین الریالات، وعزا هذا التراجع الکبیر فی أعداد حجاج الداخل إلى الخوف من تفشی مرض انفلونزا الخنازیر بین حجاج هذا العام.
فهذا العزوف النسبی یعد کبیراً أمام أهمیه الحج بالنسبه للمسلمین، وأمام أهمیه الحج بالنسبه لبناء الشخصیه المؤمنه، وهنا نحن بحاجه لوعی التوازنات المفاهیمیه فی مسأله الخوف والحذر والقدر، لکی یکون سلوکنا متوازناً ولا تفوتنا بسببه الفوائد العظمى فی رحاب بیت الله الحرام.
یمکننا أن نلاحظ النظره العامه لارتیاد الأسواق والمناسبات الاجتماعیه والترفیهیه فی مقابل النظره حول الإقبال على الحج، فإن المقطوع به لمن یخشى شیئاً فانه یأخذ الحیطه والحذر لکی یؤدی حیاته بشکلها الطبیعی، وهذا ما حدث بالفعل فی مسأله ارتیاد الأسواق من أجل أن یوفر الإنسان لنفسه الغذاء أو اللباس، بل حتى لکی یمارس حیاته الاجتماعیه والترویحیه بشکل طبیعی، فقد بدأ الناس بأخذ احتیاطاتهم فی الأسواق والمدارس والمناسبات لتجنب أی إصابه بالمرض. إلا أن هذا التوجه لم یحدث عند الکثیر من الناس إزاء فریضه الحج فامتنع الکثیر منهم عن أصل الذهاب إلى الحج..
ویبدوا أن أهم الأسباب هو فی ذلک العزوف هو التلبس بالخوف الذی یجعل الإنسان ینشغل بالحذر ویتعذر به، متناسیاً أو غافلاً عن الفوائد العظمى لحج بیت الله الحرام، فعندما شعر الإنسان بفائده سوق الدنیا فی أطعمتها وألبستها، وعندما شعر بفائده التعلیم فی المدارس والجامعات وکذا شعر بفائده التواصل الاجتماعی، أخذ على عاتقه اتخاذ إجراءات الحیطه العادیه من أجل الوقایه من الوباء بناءاً على أن “العقل یوجب الحذر” وأن “درهم وقایه خیر من قنطار علاج”، کما یقول الإمام علی (ع).
إلا أن الکثیر من العازفین عن الحج لم یستشعروا تلک الفوائد التی لا یمکن أن تقدر بثمن فی سوق الآخره وهو الحج، کما فی الأحادیث الکثیره، ومنها قول الإمام علی (ع): ((الحاج والمعتمر وفد الله وحق على الله تعالى أن یکرم وفده ویحبوه بالمغفره)).
وقال الإمام علی بن الحسین (ع): ((حجوا واعتمروا تصح أبدانکم وتتسع أرزاقکم وتکفون مؤونات عیالکم)).
ویتحدث الإمام الصادق (ع) عن هذا السوق العظیم بقوله: (الحج والعمره سوقان من أسواق الآخره اللازم لهما فی ضمان الله، إن أبقاه أدّاه إلى عیاله وإن أماته أدخله الجنه)).
فأمام هذا الفضل العظیم لابد أن یجدّ الإنسان فی التفکیر على الحرص بأن یکون ضمن وفد الله، خصوصاً أولئک الذین أدمنوا الحج فی أوقات الرخاء والدعه، فیترکوه عند أول خوف، فکما أخذت الاحتیاطات لأسواق الدنیا فینبغی أن تؤخذ الاحتیاطات لأسواق الآخره، بغیه نیل فوائدها الجمّه.
فالحل هو استحضار عظمه الحج، والإیمان الحقیقی بتلک الفوائد التی ترجع إلى الحاج فی الدنیا والآخره معاً..
فإن قلب الإنسان عندما یمیل إلى تبریر واقعه بناءً على موازین الهوى، فإنه ینحرف ولا یتخذ القرارات الصائبه، فلابد أن یستحضر العقل والإیمان من أجل الوصول إلى النضج فی القرارات..
یقول الإمام علی (ع) فی هذا الصدد: ((أعجب مافی الإنسان قلبه، له موارد من الحکمه وأضداد من خلافها – إلى أن یقول- وإن سعد بالرضا نسی التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر)).
ففی نهایه المطاف ومع أخذ الحیطه والحذر، فإن القدر لا مفر منه، فعلى الإنسان أن یسعى ویعمل ما فی وسعه لکی یدفع عن نفسه الأمراض، وکافه أشکال الأذى، ولکنه لا یملک أجله، لهذا قال أمیر المؤمنین (ع): ((القدر یغلب الحذر)). مع الفارق بین أسواق الدنیا وأسواق الآخره، فی أن الأذى فی أسواق الآخره یثاب علیه الإنسان وهو بعین الله تعالى، “فإن أماته أدخله جنته” کما قال الإمام الصادق (ع).
بل إن إدمان أسواق الآخره أمانٌ فی الدنیا والآخره، فعن الإمام الصادق (ع): ((علیکم بحج هذا البیت فأدمنوه، فإن فی إدمانکم الحج دفع مکاره الدنیا عنکم، وأهوال یوم القیامه