الکذب .. حرمته .. أثاره .. أنواعه

0

تعریف الکذب والأدله على حرمته وبیان شیء من أضراره:
الکذب هو الإخبار المزیف عن الواقع بإعطاء صوره للسامع تخالف الحقیقه، وهذا الداء الخبیث والمرض العضال قد أصیب به الکثیرون، فتجد الابن یکذب على أبیه والأب یکذب على ابنه، والزوج یکذب على زوجته، والزوجه تکذب على زوجها، والصدیق یکذب على صدیقه، والأخ یکذب على أخیه، وتجد البائع یکذب على المشتری والمشتری یکذب على البائع، فالکثیرون مصابون بهذا الداء إلاّ من عصم الله سبحانه وتعالى.
ومع أنَّ الشریعه الإسلامیه حرّمت الکذب إلاّ أنَّ البعض یمارسه بدون أدنى تحرّز أو تردد، فقد أصبح الکذبُ عند الکثیرین شیئاً عادیاً وکأنه لم تأت فی حقّه حرمهٌ من الله سبحانه وتعالى.
لقد نهت الشریعهُ الإسلامیهُ عن الکذبِ، فقال الله سبحانه وتعالى فی کتابه المجید: (إِنَّمَا یَفْتَرِی الْکَذِبَ الَّذِینَ لاَ یُؤْمِنُونَ بِآیَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِکَ هُمُ الْکَاذِبُونَ) (۱)، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا یَهْدِی مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ کَذَّابٌ) (۲)، وقال سبحانه وتعالى أیضاً : (وَیْلٌ لِّکُلِّ أَفَّاکٍ أَثِیمٍ) (۳)، وقال رسول الله "صلى الله علیه وآله" : (…وَإِیَّاکُمْ وَالْکَذِبَ، فَإِنَّ الْکَذِبَ یَهْدِی إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ یَهْدِی إِلَى النَّارِ، وَمَا یَزَالُ الرَّجُلُ یَکْذِبُ، وَیَتَحَرَّى الْکَذِبَ حَتَّى یُکْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ کَذَّابًا) (۴)، وقال "صلى الله علیه وآله" : (وَیْلٌ لِلَّذِی یُحَدِّثُ فَیَکْذِبُ لِیُضْحِکَ بِهِ الْقَوْمَ وَیْلٌ لَهُ وَیْلٌ لَهُ) (۵)، وقال "صلى الله علیه وآله": (کَبُرَتْ خِیَانَهً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاکَ حَدِیثًا هُوَ لَکَ بِهِ مُصَدِّقٌ، وَأَنْتَ لَهُ بِهِ کَاذِبٌ) (۶).
وینقل أن رجلاً جاء إلى النبی "صلى الله علیه وآله" فقال: (یَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَمَلُ الْجَنَّهِ؟ قَالَ: الصِّدْقُ، وَإِذَا صَدَقَ الْعَبْدُ بَرَّ، وَإِذَا بَرَّ آمَنَ، وَإِذَا آمَنَ، دَخَلَ الْجَنَّهَ "، قَالَ: یَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَمَلُ النَّارِ؟ قَالَ: " الْکَذِبُ، إِذَا کَذَبَ الْعَبْدُ فَجَرَ، وَإِذَا فَجَرَ کَفَرَ، وَإِذَا کَفَرَ دَخَلَ -یَعْنِی النَّارَ -) (۷).
إنّ البعضَ یختلق الأخبارَ والأحداثَ ویُخبر بغیرِ الواقعِ بهدفِ المزاحِ وإضحاکِ الآخرین، وهذا لا یجوز، فالکذبُ حرامٌ فی الجد والهزل، فقد أثر عن النبی "صلى الله علیه وآله" أنّه قال: (وَیْلٌ لِلَّذِی یُحَدِّثُ فَیَکْذِبُ لِیُضْحِکَ بِهِ الْقَوْمَ وَیْلٌ لَهُ وَیْلٌ لَهُ).
وقال الإمام زین العابدین علی بن الحسین "علیه السلام": (اتقوا الکذب الصغیر والکبیر فی کل جد وهزل، فإن الرجل إذا کذب فی الصغیر اجترئ على الکبیر…) (۸).
وقال الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب "علیه السلام": (لا یجد عبد طعم الإیمان حتى یترک الکذب هزله وجده) (۹).
وإنّ بعض الآباءِ والأمهاتِ یدفعون أبناءَهم إلى التخلق بهذا الخلق الذمیم – الکذب – من حیث یشعرون أو لا یشعرون، فمثلاً عندما تطرق البابُ أو یَرُنُّ جرسُ الهاتف یقول الأبُ أو الأمُ للأبناء: إذا سأل أحدٌ عنی فقولوا له أنی غیرُ موجود، فأنت أیها الأب تدفع بهذا التصرف أبناءَک إلى الکذب وتُعوّدهم علیه وأنتِ أیتها الأم کذلک تدفعین أبناءَک إلى الکذب وتعودینهم علیه، فإذا کنت أیها الأب مشغولاً ولا ترید أن تقابل من جاءَ وطرق بابَ بیتک فقل لابنک أن یُعلم الطارق بأنک تعتذر عن اللقاءِ معه الآن، وإذا کنتِ أیتها الأم لا تریدین التحدثَ مع من اتصل بک فأخبری ابنک أو ابنتک بالاعتذار عن التحدث مع المتصل أو المتصله … فعلى الوالدین أن یکونا قدوه حسنه لأبنائهم لا قدوه سیئه ..
والشریعهُ الإسلامیهُ إنّما حرّمت الکذبَ لما له من آثارٍ سلبیهٍ وخطیرهٍ، فهو یُؤدی إلى سوءِ سمعهِ الکاذبِ وسقوطِ کرامتِهِ، وانعدامِ الثقهِ به فلا یصدق وإن نطق بالصدق، ولا یثقُ الناسُ بمواعیده، ولا تُقبل شهادتُهُ، وإذا تفشى الکذبُ فإن ثقهَ الناس تضعفُ ببعضهم البعض، أو تنعدم، وهو باعثٌ على تضییع الوقتِ لتمییز الواقعِ الحقیقی من المزیفِ والصدقِ من الکذبِ، فلهذه الأسبابِ وغیرِها من الآثارِ السلبیهِ الکثیرهِ والخطیرهِ للکذبِ حرّمت الشریعهُ الإسلامیهُ الکذب.
فالکذب من الصفاتِ الذمیمهِ القبیحهِ جداً، والتی تعودُ على صاحِبِها بالذمِّ والسقوطِ من أنظارِ أفرادِ المجتمعِ الذی یعیش فیه، فهو مرضٌ یُصیبُ النفسَّ الإنسانیهَ بعد أن کانت طاهرهً، فحریٌّ بمن ابتلى بهذا الذنبِ الخطیرِ والخلقِ الذمیمِ أن یُعالجَ نفسَهُ منه، فما هو السبیلُ لکی یُعالجُ الإنسانُ نفسَهُ من هذا المرض ویُعیدُها إلى ما کانت علیه من الطهاره؟
أولاً: علیه أن ینظرَ ویتأملَ فی مفاسدِ الکذبِ الکثیرهِ والخطیرهِ وآثارهِ السلبیهِ علیه فی الدنیا والآخره، ویکفی قولُ النبی "صلى الله علیه وآله": (… وَإِیَّاکُمْ وَالْکَذِبَ، فَإِنَّ الْکَذِبَ یَهْدِی إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ یَهْدِی إِلَى النَّارِ، وَمَا یَزَالُ الرَّجُلُ یَکْذِبُ، وَیَتَحَرَّى الْکَذِبَ حَتَّى یُکْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ کَذَّابًا) فی ابتعادِ الإنسانِ عن هذا الخلقِ الذمیمِ.
ثانیاً: علیه أن یستعرضَ فضائلَ الصدقِ ومآثرَهُ الجلیله، ویکفی فی بیان مآثرِ الصدقِ الحدیثُ المأثورُ عن النبی الأکرم "صلى الله علیه وآله" أنّه قال: (عَلَیْکُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ یَهْدِی إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ یَهْدِی إِلَى الْجَنَّهِ، وَمَا یَزَالُ الرَّجُلُ یَصْدُقُ وَیَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى یُکْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّیقًا …) (۱۰).
الکذب على الله والأنبیاء والأئمه:
إنّ شدّهَ حُرمَهِ الکذبِ تختلفُ باختلافِ أنواعِهِ، فأعظمُهُ الکذبُ على اللهِ سبحانه وتعالى، وعلى النبیِّ الأکرمِ محمدٍ "صلى الله علیه وآله" وعلى سائِرِ الأنبیاءِ وعلى الأئمه "علیهم السلام"، فهذا من أبشعِ صورِ الکذبِ وأعظمِهِ إثماً، قال الله سبحانه وتعالى فی کتابه المجید : (وَیَوْمَ الْقِیَامَهِ تَرَى الَّذِینَ کَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّهٌ…) (۱۱)، وقال سبحانه وتعالى أیضاً: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُکُمُ الْکَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْکَذِبَ إِنَّ الَّذِینَ یَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْکَذِبَ لَایُفْلِحُونَ) (۱۲)، وقال رسول الله "صلى الله علیه وآله": (مَنْ تَعَمَّدَ عَلَیَّ کَذِبًا فَلْیَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار) (۱۳)، وفی روایه أخرى عنه "صلى الله علیه وآله" أنّه قال: (مَنْ یَقُلْ عَلَیَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْیَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار) (۱۴)، وقال "صلى الله علیه وآله": (مَنْ حَدَّثَ عَنِّی بِحَدِیثٍ، وَهُوَ یَرَى أَنَّهُ کَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْکَاذِبِینَ) (۱۵)، وقال "صلى الله علیه وآله" : (مَنْ کَذَبَ عَلَیَّ مُتَعَمِّدًا بُنِیَ لَهُ بَیْتٌ فِی جَهَنَّمَ یَرْتَعُ فِیهِ) (۱۶). وقال "صلى الله علیه وآله": (إِنَّ کَذِبًا عَلَیَّ لَیْسَ کَکَذِبٍ عَلَى غَیْرِی, فَمَنْ کَذَبَ عَلَیَّ مُتَعَمِّدًا فَلْیَتَبَوَّأْ مَقْعَده مِنْ النَّار) (۱۷)، فإنّ عاقبهَ الکذبِ على رسولِ اللهِ "صلى الله علیه وآله" لیست کعاقِبَهِ الکذبِ على غیرِهِ من سائِرِ النّاس، لأنَّ کلامَ رسولِ اللهِ "صلى الله علیه وآله" فی أمورِ الدِّینِ، وفعلُهُ وتقریرُهُ تشریعٌ للأمَّهِ کالقرآنِ الکریمِ، قال الله سبحانه وتعالى: (وَمَا یَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْیٌ یُوحَى) (۱۸)، فمن یَکْذِبُ على رسولِ اللهِ "صلى الله علیه وآله" فإنّه یکونُ قد کذَبَ على اللهِ عز وجل أیضاً، وقد قال اللهُ سبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ کَذِبًا أَوْ کَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ) (۱۹).
وقال الإمام الصادق "علیه السلام": (الکذب على الله وعلى رسوله صلى الله علیه وآله من الکبائر) (۲۰).
وقد أفتى بعض الفقهاء بأن الکذب على الله ورسوله والأئمه الطاهرین من أهل البیت "علیهم السلام" مما یفطر الصائم، ففی الخبر الموثق عن أبی بصیر قال: (سمعت أبا عبد الله علیه السلام یقول: إن الکذبه لتفطر الصائم، قلت: وأیّنا لا یکون ذلک منه؟! قال: لیس حیث ذهبت؛ إنّما ذلک الکذب على الله وعلى رسوله وعلى الأئمه صلوات الله علیه وعلیهم) (۲۱).
الیمین الکاذبه:
ومن صنوفِ الکذبِ الذی یُعّدُّ من کبائِرِ الذنوبِ الیمینُ الکاذبهُ، بأنْ یُقْسِمَ المرءُ باللهِ عزّ وجل کاذباً، فهی جرأهٌ على اللهِ سبحانه وتعالى بالحَلِفِ به کَذِباً وبهتاناً، وقد وردت النصوصُ الشریفهُ فی ذمّها والتحذیرِ منها، ففی صحیحه أبی عبیده الحذاء عن الإمام محمد بن علی بن الحسین الباقر "علیه السلام" قال: (إن فی کتاب علی علیه السلام أن الیمین الکاذبه وقطیعه الرحم تذران الدّیار بلاقع من أهلها وتنغل الرحم – یعنی انقطاع النسل-) (۲۲)، ومعنى بلاقع: أی : تذرُها قاعاً صفصفاً خالیهً من کلِّ خیٍر بعد أن کانت عامره .
وفی الخبر الموثق عن الإمام جعفر بن محمد الصادق "علیه السلام" قال: (من حلف على یمین وهو یعلم أنّه کاذب فقد بارز الله عزّ وجل) (۲۳).
ومن ذلک ما روی عن النبیِّ المصطفى "صلى الله علیه وآله" أنه قال: (إیّاکم والیمینَ الفاجرهَ، فإنها تذرُ الدیارَ من أهلها بلاقع) (۲۴).
وقال "صلى الله علیه وآله": (لَیْسَ شَیْءٌ أَعْجَلَ ثَوَابًا مِنْ صِلَهِ الرَّحِمِ، وَلَیْسَ شَیْءٌ أَعْجَلَ عُقُوبَهً مِنَ الْبَغْیِ وَقَطِیعَهِ الرَّحِمِ، وَالْیَمِینِ الْفَاجِرَهِ تَدَعُ الدِّیَارَ بَلَاقِعَ) (۲۵).
وقال "صلى الله علیه وآله": (من حَلَفَ على یمین وهو یعلمُ أنّه کاذبٌ فقد بارز اللهَ بالمحاربه، وإنّ الیمینَ الکاذبهَ تذر الدیار بلاقعَ من أهلها، وتورثُ الفقرَ فی العقب) (۲۶).
وعن الإمام الصادق "علیه السلام" قال: (قال رسول الله "صلى الله علیه وآله": الیمین الصبر الفاجره تدع الدیار بلاقع) (۲۷).
ومن أعظمِ أصنافِ الیمینِ الکاذبَهِ أن یحلِفَ العبدُ بالله کاذباً لیقتطعَ بالیمین الکاذبه حقَّ المسلمِ لنفسِهِ أو لغیرِهِ، فعن عبدالله بن مسعود قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وآله وَسَلَّمَ یَقُولُ : (مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَیْرِ حَقِّهِ لَقِیَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَیْهِ غَضْبَان) " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مسعود: ثُمَّ قَرَأَ عَلَیْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَسَلَّمَ مِصْدَاقَهُ مِنْ کِتَابِ اللَّهِ (إِنَّ الَّذِینَ یَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَیْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِیلاً أُوْلَئِکَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِی الآخِرَهِ وَلاَ یُکَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ یَنظُرُ إِلَیْهِمْ یَوْمَ الْقِیَامَهِ وَلاَ یُزَکِّیهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِیمٌ) (۲۸).
وقال رسول الله "صلى الله علیه وآله": (مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِیَمِینِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَیْهِ الْجَنَّهَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَإِنْ کَانَ شَیْئًا یَسِیرًا یَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ وَإِنْ قَضِیبًا مِنْ أَرَاکٍ) (۲۹).
فمن یحلف یمیناً کاذبه لیعتدی على حق مسلمٍ فهو بهذا الفعل یُسیءُ إلى نفسِهِ إساءهً کبیرهً بتعریضها لسخطِ اللهِ سبحانه وتعالى وعقابِهِ، ویسیءُ أیضاً إلى من اختلقَ علیه الیمینَ الکاذبَهَ بإضاعَهِ حقوقِهِ، ویُسئ کذلک إلى من ساندَهُ وساعدَهُ حیثُ شجَعَهُ على بخسِ حقوقِ النّاسِ وابتزازِ أموالهِم وهدرِ کراماتِهم.
والیمینُ التی یؤاخذُ علیها العبدُ هی تلک الیمینُ المعقودهُ فی القلبِ والمقصودهُ لتوثیقِ الکلامِ، أما ما یَنْطِقُ به الإنسانُ من أیمانٍ بحکم جریانِ العادهِ فلا یؤاخذ علیه، وهو من لغوِ الیمین، کالقولِ فی غضونِ الکلامِ لا والله، وبلى والله، فإنه لا یقصدُ بذلک الحلِفُ ولا تأکیدُ القولِ، قال الله سبحانه وتعالى : (لا یُؤَاخِذُکُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِی أَیْمَانِکُمْ وَلَکِنْ یُؤَاخِذُکُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَیْمَانَ) (۳۰)، على أنّ الشریعهَ الإسلامیهَ توجه المسلمَ لأن ینزه اللهَ تبارک وتعالى عن أن یجعَلَهُ عرضهً لأیمانه، حتى ولوکان صادقاً فی قوله، قال اللهُ سبحانه وتعالى: (وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَهً لأَیْمَانِکُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَیْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ* لاَ یُؤَاخِذُکُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِی أَیْمَانِکُمْ وَلَکِن یُؤَاخِذُکُم بِمَا کَسَبَتْ قُلُوبُکُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِیمٌ) (۳۱).
شهاده الزور:
ومن أقسام الکذبِ الذی یعد من الکبائرِ (شهادهُ الزور) فقد نهى اللهُ سبحانه وتعالى عنها فی کتابه المجید بقوله : (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)(۳۲)، وقال النبیُّ "صلى الله علیه وآله" محذراً منها: (لا ینقضی کلامُ شاهدِ الزورِ من بینِ یدیِ الحاکمِ حتى یتبوأ مقعدَهُ من النار، وکذلک من کتم شهاده) (۳۳)، وقال "صلى الله علیه وآله": (…ومن شَهِدَ شهادهَ زور على رجلٍ مسلمٍ أو ذمیٍّ أو مَنْ کانَ من النّاس، عُلِّقَ بلسانِهِ یومَ القیامهِ وهو مع المنافقین فی الدَّرْکِ الأسفلِ من النّارِ) (۳۴)، وقال "صلى الله علیه وآله" أیضاً: (یُبْعَثُ شاهدُ الزورِ یومَ القیامَهِ یَدْلَعُ لسانَهُ فی النّار کما یَدْلَعُ الکلبُ لسانَهُ فی الإناء)(۳۵)، فشهادهُ الزورِ بکافه أفرادها وأنواعها من المعاصی الکبیره التی توعد الله سبحانه وتعالى علیها بالنّار على لسان نبیّه الأکرم، وفی صحیحه هشام بن سالم عن الإمام جعفر بن محمد الصادق "علیه السلام" قال: (شاهدُ الزورِ لا تزولُ قدماه حتى تجب له النار) (۳۶)، وعن الإمام محمد بن علی الباقر "علیه السلام" : ( ما من رجل یشهد بشهاده زور على مال مسلم لیقطعه إلاّ کتب الله له مکانه صکاً إلى النار) (۳۷)، وأعظمها وأشدّها إثماً وعذاباً شهادهُ الزور التی بسببها یُسفک دمُ الإنسانِ ظلماً وبدون حق.
فإنّ شاهدَ الزّورِ بارتکابه لهذا الذنبِ العظیمِ یَظلمُ نفْسَهُ حیثُ أنّه یُعرّضها لعذابِ اللهِ سبحانه وتعالى وعقابِهِ العظیم، ویَظلِمُ من شَهِدَ علیه حیثُ أخُذَ منه مالُهُ أو حقُّهُ أو أُزهقت روحُهُ بشهاده شاهدِ الزورِ الکاذبه، وقد حذرت الشریعهُ الإسلامیهُ من ظلمِ الآخرین قولاً وفعلاً، وزجرت عنه أشدَّ الزجر، قال الله تعالى: (وَاللَّهُ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ)(۳۸)، وقال سبحانه وتعالى أیضاً: (وَأَمَّا الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَیُوَفِّیهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا یُحِبُّ الظَّالِمِینَ) (۳۹)، وقال عزّ من قائل: (وَإِنَّ الظَّالِمِینَ لَفِی شِقَاقٍ بَعِیدٍ)(۴۰)، وقال تعالى أیضاً: (إِنَّهُ لا یُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (۴۱)، وقال رسول الله "صلى الله علیه وآله": ( … وإیاکم والظلم ، فإن الظلمَ عند اللهِ هو الظلماتُ یومَ القیامه ) (۴۲)، فهو یؤدی إلى سخطِ اللهِ عزّ وجل ونقمتِهِ على عبدِهِ الظالم، وبالتالی فهو موجبٌ من موجباتِ الدخولِ إلى النار ، ففی الروایه عن النبیِّ الأکرمِ "صلى الله علیه وآله" أنّه قال : (إِنَّ الرَّجُلَ لَیَجِیءُ یَوْمَ الْقِیَامَهِ، وَقَدْ سَرَّتْهُ حَسَنَاتُهُ، فَیَجِیءُ الرَّجُلُ، فَیَقُولُ: یَا رَبِّ ظَلَمَنِی، فَیُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَیُجْعَلُ فِی حَسَنَاتِ الرَّجُلِ فَمَا یَزَالُ کَذَلِکَ حَتَّى مَا یَبْقَى لَهُ حَسَنَهٌ ، فَإِذَا جَاءَ مَنْ یَسْأَلُهُ نَظَرَ إِلَى سَیِّئَاتِهِ فَجُعِلَتْ مَعَ سَیِّئَاتِ الرَّجُلِ ، فَلَا یَزَالُ یَسْتَوْفِی مِنْهُ حَتَّى تُدْخِلَهُ النَّارَ) (۴۳)، وفی روایه أنّه "صلى الله علیه وآله" قال: (أَتَدْرُونَ من الْمُفْلِسُ ؟ قالوا : الْمُفْلِسُ فِینَا من لا دِرْهَمَ له ولا مَتَاعَ ، فقال : إِنَّ الْمُفْلِسَ من أُمَّتِی من یَأْتِی یوم الْقِیَامَهِ بِصَلَاهٍ وَصِیَامٍ وَزَکَاهٍ وَیَأْتِی قد شَتَمَ هذا وَقَذَفَ هذا وَأَکَلَ مَالَ هذا وَسَفَکَ دَمَ هذا وَضَرَبَ هذا فَیُعْطَى هذا من حَسَنَاتِهِ وَهَذَا من حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِیَتْ حَسَنَاتُهُ قبل أَنْ یُقْضَى ما علیه أُخِذَ من خَطَایَاهُمْ فَطُرِحَتْ علیه ثُمَّ طُرِحَ فی النَّارِ)(۴۴)، وإنَّ هناک عقبهً على الصراطِ فی یومِ القیامهِ لا یجتازها عبدٌ بمظلمهٍ حتى یُقتَصَّ منه، وهی من أصعبِ وأشدِّ العقباتِ التی یواجهها العبد، ففی الروایه عن رسول الله "صلى الله علیه وآله" قال : (بین الجنّهِ والعبدِ سبعُ عقابٍ، أهونُها الموتُ ، قال أنس: قلت : یا رسول الله فما أصعبُها ؟ قال : الوقوفُ بین یدی الله عز وجل إذا تعلّق المظلومون بالظالمین) (۴۵).
ومن الآثارِ السلبیهِ لشهادهِ الزورِ أنّها سببٌ فی تخلیصِ المجرمِ من عقوبهِ الإجرامِ، وفی ذلک تشجیعٌ له على الاستمرارِ فی ممارسهِ الجرائمِ، وإغراءٌ للآخرین بفعلها اتکالاً على وجودِ شهودِ الزورِ الذین سیخلصونَهُم من تبعاتِ جرائِمهم، وبالتالی فإنَّ فی تفشی شهادهِ الزورِ تعمُّ الفوضى فی المجتمعِ وتنتشرُ فیه الجرائمُ وتُنتهکُ الأعراضُ وتسلبُ الحقوقُ وترتکبُ الجرائمُ بشکل واسعٍ وکبیرٍ.
والشریعهُ الإسلامیه کما أنّها نهت عن شهادهِ الزورِ نهت أیضاً أشدَّ النهیِّ عن أخذ المسلمِ ما لیس له بحق، والذی حُکِمَ له به بسبب شهادهِ الزورِ أو بسبب عدمِ تقدیمِ صاحبِ الحقِّ الأدلهَ الکافیه التی تثبت له هذا الحق، فعن النبیِّ الأکرمِ "صلى الله علیه وآله" أنّه قال: (إِنَّکُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَیَّ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَلَعَلَّ بَعْضَکُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَیْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِیهِ شَیْئًا فَلَا یَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُهُ بِهِ قِطْعَهً مِنْ النَّارِ) (۴۶) .
وکما أنّ الشریعهَ الإسلامیه نهت عن شهادهِ الزّورِ فکذلک أمرت بالإدلاءِ بالشهادهِ بالحقِّ، قال الله سبحانه وتعالى: (وَالَّذِینَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ) (۴۷)، وقال تعالى أیضاً: (وأقِیمُوا الشَّهادهَ لله) (۴۸)، وقال رسول الله "صلى الله علیه وآله": (من شهدَ شهادهَ حقٍّ لیحمی بها حقَّ امرئٍ مسلمٍ أتى یومَ القیامَهِ ولوجهِهِ نورٌ مدَّ البصر، یَعرِفُهُ الخلائقُ بإسمِهِ ونسبِهِ)(۴۹) ، ونهت نهیّاً شدیداً عن التقاعسِ عن أدائِها أو کِتمانِها، قال الله سبحانه وتعالى: (وَلا یَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) وقال تعالى أیضاً: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن کَتَمَ شَهَادَهً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)(۵۰)، وقال سبحانه وتعالى أیضاً: (وَلا تَکْتُمُوا الشَّهَادَهَ وَمَنْ یَکْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِیمٌ) (۵۱)، وقال رسول الله "صلى الله علیه وآله": (مَنْ کَتَمَ شَهَادَهً إِذَا دُعِیَ إِلَیْهَا کَانَ کَمَنْ شَهِدَ بِالزُّورِ) (۵۲)، وفی الرّوایه عن الإمام جعفر الصادق "علیه السلام" عن النبی الأکرم "صلى الله علیه وآله" أنّه قال: ( لا ینقضی کلام شاهد الزور بین یدی الحاکم حتى یتبوأ مقعده من النّار، وکذلک من کتم الشهاده) (۵۳).
الموارد التی یجوز فیها الکذب:
وقد جوّز الفقهاء الکذب إذا تحقق به دفع ضرر عن النفس أو العرض أو المال سواء کان الضرر متوجها إلیه أو إلى غیره، بل فی بعض الموارد حیث یکون الضرر على النفس أو العرض أو المال کبیراً أو فاحشاً یصبح الکذب واجباً، بل ورد فی الرّوایات جواز الحلف بالله کاذباً من أجل نجاه النفس وصیانه العرض والمال فعن الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام، عن آبائه "علیهم السلام"، عن الإمام علی "علیه السلام"، قال: (احلف بالله کاذباً ونجّ أخاک من القتل) (۵۴).
وفی صحیحه إسماعیل بن سعد الأشعری عن الإمام علی بن موسى الرضا "علیه السلام" قال: ( … وسألته عن رجل یخاف على ماله من السلطان فیحلف لینجو به منه؟ قال "علیه السلام": لا جناح علیه.
وسألته: هل یحلف الرجل على مال أخیه کما على ماله؟ قال "علیه السلام": نعم) (۵۵).
وبالرغم من أنّ الکذب جائز فی الموارد التی ذکرناها إلاّ أن الضرر إذا کان قلیلاً کما إذا کان الضرر واقعاً على المال ویمکن تحمله فإنه ینبغی حینئذ تحمل هذا الضرر وعدم الکذب، فقد ورد فی الرّوایه عن الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب "علیه السلام" أنّه قال: (علامه الإیمان أن تؤثر الصدق حیث یضرّک على الکذب حیث ینفعک) (۵۶).
کذلک إذا کان قادراً على دفع الضرر بالتوریه فإن الأحوط أن یدفع الضرر بها لا بالکذب.
ومن الموارد التی جوّز الفقهاء فیها الکذب مورد الإصلاح بین المتخاصمین المؤمنین وکان طریق الإصلاح بینهما منحصراً فی الکذب ولا یمکن بغیره أو بالتوریه فیجوز حینئذ الکذب ولا إثم على الکاذب، ففی صحیحه معاویه بن عمّار عن الإمام جعفر بن محمد الصادق "علیه السلام" قال: (المصلح لیس بکاذب) (۵۷).
وفی وصیه النبی "صلى الله علیه وآله" إلى أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب "علیه السلام" قال: (یا علی إن الله عزّ وجل أحب الکذب فی الصلاح، وأبغض الصدق فی الفساد) (۵۸).
وجوّزوا أیضاً الکذب على العدو فی الحرب فیما إذا کان الکذب سبباً فی الانتصار على العدو والغلبه علیه.
_______________
(۱) النحل: ۱۰۵٫
(۲) غافر: ۲۸٫
(۳) الجاثیه: ۷٫
(۴) مسند أحمد ۱/۳۸۴٫
(۵) مسند أحمد ۵/۵٫
(۶) سنن أبی داود ۲/۴۷۱٫
(۷) مسند أحمد ۲/۱۷۶٫
(۸) بحار الأنوار ۶۹/۲۳۵٫
(۹) مرآه العقول ج۱۰ ص ۳۳۲ .
(۱۰) مسند أحمد ۱/۳۸۴٫
(۱۱) الزمر: ۶۰٫
(۱۲) النحل: ۱۱۶٫
(۱۳) صحیح البخاری ۱/۳۵٫
(۱۴) بحار الأنوار ۱۰۴/ ۳۰۰٫
(۱۵) سنن ابن ماجه ۱/۱۵٫
(۱۶) جزء أبی طاهر السلفی حدیث رقم: ۲۰٫
(۱۷) صحیح البخاری ۲/۸۲٫
(۱۸) النجم: ۳-۴٫
(۱۹) العنکبوت: ۶۸٫
(۲۰) الکافی ۲/۳۴۰٫
(۲۱) الکافی ۲/۳۴۰٫
(۲۲) الکافی ۵/۴۷۷ .
(۲۳) الکافی ۵/۴۷۶ .
(۲۴) الکافی ۷/۴۳۶٫
(۲۵) السنن الکبرى للبیهقی ۱۰/۳۶٫
(۲۶) بحار الأنوار ۱۰۱/۲۸۳٫
(۲۷) الکافی ۵/۴۷۶ .
(۲۸) صحیح مسلم ۱/۸۶٫
(۲۹) سنن الدارمی ۲/۲۶۶٫
(۳۰) المائده: ۸۹٫
(۳۱) البقره: ۲۲۴- ۲۲۵٫
(۳۲) الحج: ۳۰٫
(۳۳) الکافی ۷/۳۸۳٫
(۳۴) ثواب الأعمال صفحه ۲۸۶٫
(۳۵) میزان الحکمه ۲/۱۵۰۸٫
(۳۶) الکافی ۵/۴۱۸ .
(۳۷) الکافی ۵/۴۱۸ .
(۳۸) الصف: ۷ .
(۳۹) آل عمران : ۵۷٫
(۴۰) الحج: ۵۳٫
(۴۱) القصص: ۳۷٫
(۴۲) بحار الأنوار ۷۰/۳۰۴٫
(۴۳) میزان الحکمه ۲/۱۷۷۱٫
(۴۴) صحیح مسلم ۸/۱۹٫
(۴۵) میزان الحکمه ۲/۱۷۷۱٫
(۴۶) السنن الکبرى للنسائی ۳/۴۷۲٫
(۴۷) المعارج: ۳۳٫
(۴۸) الطلاق: ۲٫
(۴۹) الکافی ۷/۳۸۱٫
(۵۰) البقره: ۱۴۰٫
(۵۱) البقره: ۲۵۳٫
(۵۲) کنز العمال ۷/۱۵٫
(۵۳) الکافی ۵/۴۱۸ .
(۵۴) تهذیب الأحکام ۸/۳۰ .
(۵۵) الکافی ۷/۴۴۰ .
(۵۶) وسائل الشیعه ۱۲/۲۵۵ .
(۵۷) الکافی ۲/۳۱۰ .
(۵۸) من لا یحضره الفقیه ۴/۳۵۴ .

Leave A Reply

Your email address will not be published.