مفهوم العداله عند الإمام علی

0

لا تفتقر العداله إلى تعریف واحد مقبول فحسب، بل إنّ مصادیقها هی الأُخرى مختلفه. العداله، على صعیدی السیاسه والحقوق، إنّما تعنی مساواه الجمیع أمام القانون. أمّا من الناحیه الاقتصادیه والاجتماعیه فالمراد بها التکافؤ فی الإمکانات والقدرات المادیه بین الأفراد الذین یتمتعون بالحقوق نفسها.
ومن البداهه ألاّ یکون المقصود بالعداله، فی التوزیع، تقسیم الإمکانات بصوره متساویه بین الأفراد کافَّه. فالفرض المفروغ منه هو عدم تکافؤ الأفراد وتساویهم فی القضایا الاجتماعیه والاستعدادات والقابلیات. وطالما کان الاستحقاق هو الملاک الأصلی للعداله، فمن البدیهی أن تبرز قضیه عدم المساواه والتکافؤ. فالعداله، فی التوزیع، على أساس المبدأ الاقتصادی القائل بمحدودیه المصادر والإمکانات، إنّما تدعو لظهور العلاقه الطردیه بین استعداد کل فرد وقابلیته، ومدى استحقاقه أو استثماره لهذه المصادر والإمکانات. وعلیه فإقرار هذا التعریف للعداله سیستلزم حاله عدم المساواه والتکافؤ التی ستسود المجتمع.
العلاّمه المرحوم مرتضى المطهری یعتقد بأنّ "العداله، فی المدرسه الإسلامیه، تتفرع إلى فرعین هما: العدل الإلهی والعدل الإنسانی. والعدل الإلهی بدوره یقسم إلى العدل التشریعی والعدل التکوینی. أمّا العدل الإنسانی فهو الآخر یشمل العدل الفردی والعدل الاجتماعی".
ویشیر المطهری فی تقسیم آخر – بهدف بیان التعاریف العملیه الأکثر استعمالا وممارسه – إلى أربعه معانٍ، أو مجالات، لاستعمال العدل والعداله:
أ‌) التوازن:
ویقصد به رعایه الانسجام، أو الموازنه بین الأجزاء المؤلفه لمجموعه. وبعباره أخرى فإنّه یعتقد بأنّ حسن ترتیب أجزاء مجموعه وانسجامها إنّما یفید رعایه العداله فی إنشاء تلک المجموعه وتألیفها. فمثلاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار مجموعه تحتوی على أجزاء مختلفه، فمن اللازم أن نعد المقادیر المطلوبه لکل جزء، ونقوم بتنسیق کیفیه إرتباط الأجزاء بعضها مع بعضها الآخر؛ لتتمکّن تلک المجموعه من ممارسه دورها الموکل إلیها وتحقیقها للهدف الذی تشکَّلت من أجله…؛ فإذا ما أراد المجتمع، على سبیل المثال، أن یحافظ على دیمومته واستقراره وجب أن یعیش حاله التوازن، أی أن یحظى کل عنصر فیه بمقداره اللازم (لا بالمقدار المتساوی).
ب‌) المساواه وعدم التمییز:
ویقصد بها رعایه المساواه بین الأفراد الذین یتمتعون بالاستحقاقات والقابلیات نفسها. وأنموذج ذلک العداله فی القضاء وإصدار الأحکام؛ فإذا قیل: إنّ القاضی الفلانی عادل، فهذا لا یعنی أنه ینظر بعین واحده إلى الأفراد والدعاوى کافّه، بل یراد به عدم تسرُّب التمییز إلیه فی شأن الأفراد الذین یتمتعون بشروط متساویه ولهم القضایا والدعاوى نفسها. وعلیه فالعداله لا تعنی المساواه، بل تعنی رعایه المساواه فی المجالات التی تحکمها وتسودها الاستحقاقات المتساویه.
ج) رعایه حقوق الأفراد وإعطاء کل ذی حق حقه:
لابدّ من مراعاه هذا النَّوع من العداله فی القوانین البشریه، کما یتحتم على الأفراد احترامها. یعتقد المطهری أنّ هذا المفهوم للعداله إنّما یقوم – جانب – على أساس الأولویات التی یکتسبها أفراد البشر بالنسبه لبعضهم بعضاً، ثمّ ینسبه من جانب آخر لصفاتهم الذاتیه التی تحتم علیهم ممارسه بعض المقررات المطلوبه فی حیاتهم الیومیه، واجتناب بعض المحظورات على أساس انتزاع "الحسن" و"القبح"، والعداله لیست إلا رعایه هذه الأمور.
د) رعایه الاستحقاقات فی العطاء والإفاضه:
هناک معنى للعدل المرتبط بالتکوین من قبیل الإفاضه والرحمه المتوقِّفتان على الإمکان والاستعداد، وهو معنى لا نرى له من صله ببحثنا الحاضر.
إذا أمعنّا النظر فی التصنیف الذی وضعه المطهری فإنّ تعریفاته الأربعه – باستثناء التعریف الرابع الذی ساقه فی شأن العدل الإلهی الذی أخرجناه من موضوع البحث – قد ألمحت للتعریفات المشهوره التی ذکرت فی هذا الخصوص، من قبیل: "إعطاء کل ذی حق حقه" و"یضع الأمور مواضعها"، غیر أنّها سکتت عن تعیین مصادیق الحق وأصحاب الحق وما إلى ذلک. الأمر الذی یجعل من المتعذِّر اعتماد التعریفات آنفه الذکر، بهدف خلق صوره واضحه للعداله الاجتماعیه فی المدرسه الإسلامیه.
وللوقوف على مراد الإمام علی (ع) من العداله، فی شأن القضایا الاجتماعیه، نرى من الأفضل التوقُّف عند الجواب الذی أورده (ع) حین سُئل عن العدل والجود، سیّما إذا أخذنا بنظر الاعتبار کونه (ع) مصدر الجود والکرم.
فقد سئل (ع): أیُّهما أفضل العدل أم الجود؟ فقال (ع): "العدل یضع الأمور مواضعها، والجود یخرجها من جهتها، والعدل سائس عام، والجود عارض خاص، فالعدل أشرفهما وأفضلهما". "إنّما تنتظم شؤون الرعیه وتصلح أحوالها بالعدل". أمّا الجود فهو حاله استثنائیه قد تتطلبه بعض الحالات والظروف.
وقد صرّح المطهری، فی هذا الشأن، قائلاً: "لا یمکن اعتماد الجود والإیثار مبنیین رئیسیین للحیاه العامّه، وسن القوانین والمقررات على أساسهما؛ ذلک لأنّ الجود والإیثار إنّما یفقدان مسمیاتهما إذا ما خضعا لقوانین ومقررات نافذه المفعول. فالجود والإیثار إنّما یکتسبان صفتهما الواقعیه إذا ما کان وراءهما والدافع لهما الکرم والمروءه والعفو والمحبه، بعیداً عن القانون والمقررات، والالتزام بالتطبیق والتنفیذ. وعلیه فالعدل أفضل من الجود".
القضیه المهمّه الأخرى التی ینبغی التعرُّض لها والوقوف علیها، بغیه إدراک مفهوم العداله، هی المفهوم المخالف للعدل، والملموس فی الحیاه الیومیه، ولا نعنی به سوى مفهوم "الظلم". فکما أنّ الصحه تعنی السلامه من المرض وعدم السقم، فإنّ وجود العداله فی المجتمع إنّما یعنی انعدام الظلم فی المجتمع أیضاً. وإنّ الاعتداء على حقوق الآخرین المظلومین وهضم حقوقهم إنّما یمثل أحد المصادیق البارزه لمفهوم الظلم.
وهذا ما صرّح به الإمام علی (ع) فی إطار قبوله للخلافه؛ إذ قال: "أما والذی فلق الحبّه وبرأ النسمه، لولا حضور الحاضر، وقیام الحجّه بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألاّ یقارُّوا على کَظّه ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقیت حبلها على غاربها، ولسقیت آخرها بکأس أوّلها، ولألفیتم دنیاکم هذه أزهد عندی من عفطه عنز".
نهج الإمام (ع)، إبَّان خلافته، هو الآخر انطوى على الإصرار والتأکید على ضروره إصلاح مفاسد المجتمع، واسترداد کافّه الأموال التی أُخذت ظلماً وعدواناً من بیت المال.
فالإمام یرى ضروره إعاده هذه الأموال لأصحابها، وهو القائل: "والله لو وجدته قد تُزِوِّج به النساء، ومُلک به الإمام، لردَدته؛ فإنّ فی العدل سعه…".
وزبده الکلام، فإنّه (ع) یعدّ العداله مدعاه للتنمیه وإصلاح جمیع شؤون الأُمّه سیّما ضعفائها. وهذا ما أکّد علیه (ع) فی عهده الذی عهد به لمالک الأشتر حین ولاّه مصر قائلاً: "لن تقدَّس أُمّه لا یؤخذ للضعیف فیها حقه من القوی غیر متتعتع".
إنّ انقسام المجتمع إلى طبقتین: طبقه مسحوقه وأخرى ثریه یعدّ أحد إفرازات انعدام العداله، خصوصاً عند توافر الأرضیه المناسبه لنمو الثروه بشکل غیر عادل عند بعضهم من دون بعضهم الآخر فی المجتمع.
من جانب آخر، کان (ع) یشیر، فی غیر موضع، إلى آثار العدل المادیه والمعنویه الجمّه، إلى جانب نزول البرکات الإلهیه التی تستتبع تطبیق العداله وبسطها فی أوساط الأُمّه والمجتمع.
إنّ بسط العدل الذی یجعل الأُمّه تحب ولاتها یشکّل إحدى الوظائف المهمه التی یجب أن تنهض بها الحکومه، کما یرى ذلک الإمام علی (ع) حیث یقول: "وإنّ عین الولاه استقامه العدل فی البلاد، وظهورُ مودّه الرعیه. وإنّه لا تظهر مودَّتُهم إلا بسلامَه صدورهم…".
ولا یفوتنا، هنا، أن نورد ما صرّح به الکاتب إبراهیم العسل فی شأن هذه النظره للعداله من أنّها ستؤدی إلى أن "ینتظم سیر الأعمال والوظائف، ویحصل رضى الرعیه على سیاسه ولاتها، فلا تتردّد فی الوفاء بعهودها ومواثیقها التی قطعتها على نفسها تجاه الحکومه، فیسودها الأمن والاستقرار والدعه، الأمر الذی یجعلها تفجِّر طاقاتها لإعمار البلاد والنهوض بها قدماً".

Leave A Reply

Your email address will not be published.