حوار مع الشیخ عبدالعزیز بن باز فی دعاء الانبیاء و الاولیاء

0

قال الشیخ فی (ص ۴۳ـ ۴۴): وأمّا دعاء الأنبیاء والأولیاء والاستغاثه بهم والنذر لهم ونحو ذلک فهو الشرک الأکبر، وهو الّذی کان یفعله کفار قریش مع أصنامهم وأوثانهم، وهکذا بقیه المشرکین یقصدون بذلک أنّها تشفع لهم عند اللّه، وتقربهم إلیه زلفى، ولم یعتقدوا أنّها هی الّتی تقضی حاجاتهم وتشفی مرضاهم وتنصرهم على عدوهم کما بیّن اللّه سبحانه ذلک عنهم فی قوله سبحانه:( وَیَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ یَضُرُّهُمْ وَلاَ یَنْفَعُهُمْ وَیَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤنَا عَنْدَ اللّهِ ) ( [۱]) فردّ علیهم سبحانه بقوله:( قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لا یَعْلَمُ فِی السَّماواتِ وَلاَ فِی الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعالى عَمَّا یُشْرِکُونَ ) .( [۲]) وقال عزّ وجلّ فی سوره الزمر:( فَاْعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّینَ * أَلاَ للّهِ الدِّینُ الْخَالِصُ وَالَّذِینَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلیاءَ مَا نَعْبُدُهمْ إِلاَّ لِیُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى إِنَّ اللّهَ یَحْکُمُ بَیْنَهُمْ فِی مَا هُمْ فِیهِ یَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللّهَ لاَ یَهْدِی مَنْ هُوَ کاذِبٌ کَفَّارٌ ) ( [۳]) فأبان سبحانه فی هذه الآیه الکریمه: أنّ الکفّار لم یقصدوا من آلهتهم أنّهم یشفون مرضاهم، أو یقضون حوائجهم وإنّما أرادوا منهم أنّهم یقربونهم إلى اللّه زلفى، فأکذبهم سبحانه وردّ علیهم قولهم بقوله سبحانه:( إِنَّ اللّهَ لاَ یَهْدِی مَنْ هُوَ کَاذِبٌ کَفَّارٌ ) فسماهم کذبه وکفاراً بهذا الأمر.
أقول: ما ذکره الشیخ فی المقام قد سمعنا مثله من کافه من سلک مسلک ابن تیمیه ویعتقد منهج تلمیذه ابن عبد الوهاب. فهم جمیعاً یستدلّون بهذه الآیات على أنّ دعاء الأنبیاء والأولیاء عباده لهم نظیر دعاء المشرکین إلهتهم المزعومه حیث کان دعاؤهم لها عباده لها.
وهذا هو بیت القصید ومفترق الطرق بین منهج أحمد بن تیمیه ومنهج الآخرین. ولو بُذلت الجهود فی تنقیح الأُمور التالیه لقصرت الفاصله بین المنهجین، ولکن مع الأسف انّ الشیء الّذی لم یرکّزوا علیه منذ أن ظهر هذا المنهج فی القرن الثامن إلى یومنا هذا، هو ما سنذکره فی الأُمور التالیه:
۱٫ تعریف العباده وتحدید معناها.
۲٫ عرض التمسّح والتوسّل على الضابطه.
۳٫ تحلیل الآیات الّتی وقعت ذریعه لرمی التوسّل بالشرک.
ولو أُقیم مؤتمر أو أُعدّت حول هذه الأُمور على نحو یمیّز الإنسان بین العباده والتکریم ویتبیّن مبادئ الدعاء بین الفریقین لسقط عامه ما یستدلون به من الآیات على أنّ دعاء الأنبیاء والأولیاء والتوسل بهم شرک وبدعه، وعلى ضوء ذلک فسنرکز جهدنا فی شرح هذه الأُمور، مبتدئین بالأمر الأوّل:

۱٫ تعریف العباده وتحدید معناها
إنّ أصحاب المعاجم وإن فسروا العباده بالخضوع والتذلّل أو الطاعه( [۴]). لکن تفسیرها بها تفسیر بالأعم ولیس تعریفاً دقیقاً جامعاً مانعاً، بشهاده أنّ القرآن الکریم یحثّ بصراحه على الخضوع للوالدین أوّلاً، ویقول سبحانه:( وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرِّحْمَهِ ) ( [۵]) ، ویأمر الملائکه بالسجود لآدم ثانیاً، ویقول: ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِکَهِ اسْجُدُوا ) ( [۶]) ، ویحکی عن أنّ نبی اللّه یعقوب وزوجته وأولادهما سجدوا لیوسف ثالثاً، ویقول سبحانه: ( وَرَفَعَ أَبَوَیْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً ) ( [۷]) ، فالسجود من أعلى مظاهر الخضوع ومنتهاه مع أنّه لم یکن عباده لآدم ولا لیوسف(علیهما السلام) .
ومن المعلوم أنّ السجود لو کان عباده للمسجود له فلا یخرج عن کونه عباده بأمره سبحانه، فالعباده عباده سواء أمر بها أو لم یؤمر.
کلّ ذلک یدفعنا إلى تعریف العباده تعریفاً دقیقاً حتّى تخرج هذه الموارد من تحتها.
فنقول: إنّ العباده تتقوم بعنصرین ولا یغنی أحدهما عن الآخر:
الأوّل: الاعتقاد الخاص فی حق المعبود، أعنی: الاعتقاد بأنّه رب أو بیده مصیر العابد عاجلاً وآجلاً فی تمام شؤون الحیاه أو بعضها، فلو کان الخضوع والتذلّل مجرّداً عن هذا الاعتقاد لا یُعدّ العمل عباده.
نعم یمکن أن یکون حراماً موجباً للعقاب لا لأنّه عباده، بل لکونه عملاً محرّماً کسائر المحرمات، کما هو الحال فی السجود فی الشریعه الإسلامیه لغیر اللّه، إذ أنّه یحرم حتّى وإن کان عاریاً عن ذلک الاعتقاد، للنهی عنه لغیره سبحانه.
الثانی: العمل الحاکی عن الخضوع، ویکفی فی ذلک أبسط الخضوع إلى أعلاه، سواء أکان باللفظ و البیان أم بسائر الجوارح.
فإذا کان الخضوع نابعاً عن الاعتقاد الخاص فی حق المخضوع له یوصف العمل بالعباده.
أمّا العنصر الثانی فلم یختلف فی وجوده اثنان، إنّما الکلام فی مدخلیه العنصر الأوّل فی صدق العباده ودخوله فی واقعها، وهذا یُعلم من دراسه عباده الموحدین والمشرکین.
لم یکن الموحِّد والمشرک منفکَّیْن ـ فی عبادتهما ـ عن اعتقاد خاص لمعبودهم، وهو الّذی کان یدفعهم إلى الخضوع والتذلّل، ولولاه لما سجدوا وما خضعوا وما تذلّلوا.
کان المشرکون یرون أنّ العزه والذلّه والنصره والهزیمهوما یفید وما یضر الإنسان فی حیاته بید معبوداتهم.
غیر أنّ الموحّد کان یؤمن بأنّ هذه الأُمور بید اللّه تعالى الّذی أعطى کلّ شیء خلقه ثم هدى، ولکن المشرک یعتقد بأنّ هذه الأُمور فوِّضت إلى آلهتهم المزعومه. وهذا ما تشرحه لنا الآیات التالیه:
۱٫ الموحد یعبد اللّه، لأنّ العزه والذله بیده سبحانه، قال تعالى: ( فَللهِ العِزَّهُ جَمیعاً ) .( [۸])
ویقول:( وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ) .( [۹])
وأمّا المشرک فهو یعبد الآلهه المزعومه باعتقاد أنّ العزه بیدها، کما یحکی عنهم سبحانه ویقول:( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَهً لِیَکُونُوا لَهُمْ عِزّاً ) ( [۱۰]) .
۲٫ أنّ الموحّد یعبد اللّه سبحانه، لأنّ النصر بید اللّه سبحانه کما یقول تعالى: ( وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ الْعَزِیزِ الْحَکیمِ ) .( [۱۱])
وأمّا المشرک فهو یعبد الأصنام منطلقاً من أنّ النصر بیدهم کما یحکیه سبحانه ویقول:( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَهً لَعَلَّهُمْ یُنْصَرُونَ ) .( [۱۲])
۳٫ أنّ الموحّد یعبد اللّه سبحانه منطلقاً من أنّ الشفاعه بید اللّه سبحانه وأنّه لا یشفع أحد إلاّ بإذنه.
قال سبحانه:( قُلْ للّهِ الشَّفاعَهُ جَمیعاً لَهُ مُلْکُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ ) .( [۱۳]) ولکن المشرک یعتقد بأنّ الآلهه المزعومه تملک الشفاعه وأنّهم یشفعون لعبدتهم، ولذلک یرد سبحانه على عقیدتهم بأنّه: ( مَا مِنْ شَفِیع إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ) .( [۱۴])
۴٫ أنّ الموحّد یعبد اللّه سبحانه بحجّه أنّ مصدر النعم والنقم هو اللّه سبحانه، وهذا هو منطق الموحّد الّذی یحکیه سبحانه عن النبی إبراهیم الخلیل(علیه السلام) 🙁 الّذی خَلَقَنی فَهُوَ یَهْدِینِ * وَالّذی هُوَ یُطْعِمُنی وَیَسْقِینِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ یَشْفِینِ* وَالَّذِی یُمیتُنی ثُمَّ یُحْیِینِ* وَالَّذِی أَطْمَعُ أَنْ یَغْفِرَ لِی خَطِیئَتی یَوْمَ الدِّینِ ) .( [۱۵])
إنّ إبراهیم(علیه السلام) ـ بطل التوحید ـ ینسب إلى اللّه الواحد الأحد الأفعال التالیه: الهدایه، الإطعام والسقی، الشفاء من المرض، الموت والحیاه، وغفران الذنوب. وبما أنّه (علیه السلام) فی مقام الرد على مشرکی عصره فی مدینه (بابل) یظهر لنا وبجلاء ـ من خلال عنصر المقابله ـ أنّهم کانوا یعتقدون أنّ تلک الأفعال والنعم بید آلهتهم الباطله، إذ بإمکانها أن تهدیهم وتطعمهم وتسقیهم وتشفیهم من الأمراض وتمیتهم وتحییهم و… ومن هنا خضعوا لها وعبدوها.
۵٫ أنّ الموحّد یعتقد بأنّه لیس للّه سبحانه ند ولا مثل، لا فی الذات ولا فی الصفات ولا فی الأفعال، وأنّ الأنبیاء والأولیاء عباد للّه لا یملکون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا حیاه ولا موتاً، غیر أنّه سبحانه أکرمهم وأعزّهم، وجعل لکلّ منهم مقاماً یستجاب دعاؤهم، وتنزل الرحمه بطلبهم.
وأمّا المشرک فهو یعتقد بأنّ الأصنام والأوثان أنداد للّه سبحانه، قال تعالى:( وَمِنَ النّاسِ مَنْ یَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْداداً یُحِبُّونَهُمْ کَحُبِّ اللّهِ ) ( [۱۶]) . والأنداد لغه جمع «ند» بمعنى المثل والنظیر، بمعنى أنّهم یعتقدون أنّ آلهتهم تناظر اللّه وتشابهه فی القدره على القیام بالأفعال الّتی یقوم بها سبحانه من الإحیاء والإماته والرزق والشفاء والهدایه وغفران الذنوب وحطّ الخطایا.
۶٫ أنّ الموحّد یعتقد بأنّ اللّه سبحانه لا یماثله ولا یساویه ولا یدانیه شیء من المخلوقات، أخذاً بقوله: ( لَیْسَ کَمِثْلِهِ شَیءٌ وَهُوَ السَّمیعُ الْبَصیرُ ) ، وقوله تعالى( [۱۷]): ( لَهُ مَقالِیدُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ وَیَقْدِرُ إِنَّهُ بِکُلِّ شَیْء عَلِیمٌ ) .( [۱۸])
أمّا المشرک فهو یعبد الأصنام وینطلق من عقیده خاصه فیها، وهی التسویه بینه سبحانه وبین الآلهه، ولمّا یتبیّن له جهله وبطلان عقیدته فسوف یظهر الندامه ویندد بآلهته ویخاطبهم یوم القیامه بقوله:( قَالُوا وَهُمْ فِیهَا یَخْتَصِمُونَ* تَاللّهِ إِنْ کُنّا لَفِی ضَلال مُبین* إِذْ نُسَوِّیکُمْ بِرَبِّ الْعَالَمینَ ) ( [۱۹]) .
فالمراد من التسویه هی التسویه فی الربوبیه وتدبیر العالم والشفاعه وغیرها، وحتّى ولو فُسّرت بالمساواه فی العباده فهو یلازم عقیده خاصه فی حق الأصنام وهی صفات الإلوهیه، إذ لا یعبد إنسان شیئاً إلاّ ویعتقد استحقاقه لها بشیء من الأُمور الغیبیه.
فالآیه تنادی: أنّهم کانوا یعتقدون فیها ضرباً من المساواه للحق تعالى، تعالى اللّه عمّا یقولون.
فالموحّد والمشرک وإن کانا یصدران عن مبدأین مختلفین، ولکن الجمیع یشهد بأنّ العباده لا تنفک إلاّ عن عقیده خاصه بالنسبه إلى المعبود، غیر أنّ تلک الخصیصه عند الموحّد للّه سبحانه، ولکنّها لدى المشرکین فی آلهتهم وأصنامهم وأوثانهم.
وعند ذلک نخرج بالنتیجه التالیه: أنّ مقوم العباده أمران، وأنّ لها عنصرین: أحدهما یتقوّم بأعمال العابد وفعله ، والثانی یرتبط باعتقاده ومنطلقه.
وعلى ضوء ذلک فلو أردنا أن نعرّف العباده تعریفاً جامعاً فلنا أن نقول: العباده هی الخضوع بین یدی من یعتبره رباً. أی مالکاً لمصیر العابد فی الدنیا والآخره. فإذا اعتقد إنسان بربوبیه المخضوع له فما یصدر عنه من الخضوع لفظاً وعملاً فهو عباده، ولذلک نرى أنّ المسیح(علیه السلام) عندما یأمر بعباده اللّه سبحانه یعلقها بعنوان الربوبیه، کما حکاه عنه:( وَقَالَ الْمَسیحُ یَا بَنی إِسْرائیلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّی ورَبَّکُمْ ) .( [۲۰])
وقال سبحانه: ( إِنَّ اللّهَ رَبِّی وَربُّکُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقیمٌ ) .( [۲۱])
وربّما یعتبر القرآن العباده من شؤون الخالقیه، قال سبحانه:( ذَلِکُمُ اللّهُ رَبُّکُمْ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ کُلِّ شَیْء فَاعْبُدُوهُ ) .( [۲۲])
فلو کان الخضوع نابعاً عن تلک العقیده فهو عباده للمخضوع له وإن لم یبلغ غایته. وأمّا إذا کان نابعاً عن غیر تلک العقیده مثلاً بما انّه عالم خادم للأُمّه فلا یعد عباده وإن لم یبلغ غایته، ولنفسر ذلک بالمثال التالی:
انظر إلى نفسک فإنّه قد یقضی علیک أدبک مع أبیک واحترامک له أن لا تسمح لنفسک بالجلوس أو الاضطجاع بین یدیه، فتقف أو تقعد ساعه أو فوقها، ولا یکون ذلک منک عباده له، لماذا؟ لأنّه لم یقارن هذا الفعل منک اعتقاد شیء من خصائص الربوبیه فیه. وتقف فی الصلاه قدر الفاتحه وتجلس فیها قدر التشهد وهو قدر دقیقه أو دقیقتین فیکون ذلک منک عباده لمن صلّیتَ له، وسرّ ذلک هو أنّ هذا الخضوع المتمثل فی قیامک وقعودک یقارنه اعتقادک الربوبیه لمن خضعتَ له عزّ وجلّ.
وتدعو رئیسک فی عمل من الأعمال أو أمیرک أن ینصرک على باغ علیک، أو یغنیک من أزمه نزلت بک وأنت معتقد فیه انّه لا یستقل بجلب نفع أو دفع ضرّ، ولکنّ اللّه جعله سبباً فی مجرى العاده یقضی على یدیه من ذلک ما یشاء تفضّلاً منه سبحانه، فلا یکون ذلک منک عباده لهذا المدعوّ، وأنت على ما وصفنا، فإن دعوتَه وأنت تعتقد فیه أنّه مستقل بالنفع، أو الضرّ، أو نافذ المشیئه مع اللّه لا محاله، کنت له بذلک الدعاء عابداً، وبهذه العباده أشرکته مع اللّه عزّ وجلّ، لأنّک قد اعتقدت فیه خصیصه من خصائص الربوبیه، فإنّ الاستقلال بالجلب أو الدفع ونفوذ المشیئه لا محاله هو من خصائص الربوبیه، والمشرکون إنّما کفروا بسجودهم لأصنامهم ونحوه لاعتقادهم فیها الاستقلال بالنفع، أو الضرّ ونفوذ مشیئتهم لا محاله مع اللّه تعالى، ولو على سبیل الشفاعه عنده، فانّهم یعتبرونه الربّ الأکبر ولمعبوداتهم ربوبیه دون ربوبیته، وبمقتضى ما لهم من الربوبیه وجب لهم نفوذ المشیئه معه لا محاله.
وبالإمعان فیما ذکرنا یتبیّن لک صدق أمرین:
الأوّل: أنّ العنصر فی صدق العباده هو الاعتقاد بأنّ المخضوع له یتمتع بقدره غیبیه وراء القدره العادیه الموجوده فی عامه الناس والّتی یقوم بها بقضاء حاجه من یعبده. وقد عرفت أنّ الفریقین الموحّدین والمشرکین کانا متّفقین على ذلک، وإن کانا مختلفین فی مَن یتمتّع بهذه القدره.
الثانی: أنّ الاعتقاد بالقدره الغیبیه فی المعبود هو عباره أُخرى عن الاعتقاد بکونه ربّاً بیده مصیر العابد إمّا فی کلّ الأُمور کما هو الحال فی عقیده المؤمن باللّه سبحانه، أو فی بعض الأُمور، کالإعزاز والإذلال والنصر والخذلان والشفاعه ومغفره الذنوب، وغیر ذلک من الأُمور، کما هو الحال فی عقیده المشرک، فکأنّ العابد على الإطلاق ینطلق من الاعتقاد بربوبیه المعبود.
ویؤید ذلک أنّ سیدنا المسیح(علیه السلام) یدعو بنی إسرائیل إلى عباده اللّه سبحانه ویقول:( یَا بَنِی إِسْرائِیلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّی ورَبَّکُمْ ) ( [۲۳]) ، وفی آیه أُخرى: ( إِنَّ اللّهَ رَبِّی وَربُّکُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقیمٌ ) ( [۲۴]) نرى أنّه ـ صلوات اللّه علیه ـ یعلّق الحکم على عنوان الرب فی کلتا الآیتین، وهو یدلّ على أنّ الموحّدین والمشرکین متّفقون فی هذا الأصل وهو أنّ العباده من شؤون الربوبیه، فمن کان رباً فهو مستحق للعباده دون غیره، لکن المشرک خاطئ فی الصغرى أی فی الاعتقاد بربوبیه معبوداته، ولذلک نرى یوسف یتکلم بلسان القوم ویصف آلهتهم بالربوبیه ویقول:( أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَیْرٌ أَمِ اللّهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ ) .( [۲۵])
إلى هنا تمّ تحدید العباده تحدیداً منطقیاً معتمداً على الکتاب وما درج علیه العُبّاد فی عباداتهم، سواء أکان المعبود مستحقّاً للعباده أم غیر مستحق. فهلمّ معی، نعرض ما یقوم به المسلمون فی الحرمین الشریفین على الضابطه.

۲٫ عرض التمسّح والتوسّل على الضابطه
وعلى ضوء ذلک نعرض على هذه القاعده الأعمال الّتی یقوم بها عشاق الحرم النبوی أو الحرم المکی من التمسّح بالجدران وتقبیل الشبابیک وغیر ذلک، فقد وصفها الشیخ بکونها شرکاً وعباده لغیر اللّه، کما عدّ طلب الحاجات منهم ودعاءَهم کذلک.
کان على الشیخ أن یُفرّق بین أمرین ـ فهو قد رمى الجمیع بسهم واحد ـ وهو هل المتبرّک والمتمسح والداعی یعتقد فی الأبواب والجدران والشبابیک وأرکان الکعبه والنبی والأولیاء قدره غیبیه خارقه للعاده یقدر بها المعبود على إنجاز حاجته، أو أنّه یتمسّح ویقبّل ویتبرّک حباً بالنبی وآثاره من دون أن یعتقد أی تأثیر غیبی له فیها؟
لا أظن أنّ الشیخ یجد على أدیم الأرض فی الحرمین الشریفین من یقوم بهذه الأعمال، فعامه المسلمین من کلّ الطوائف لا ینطلقون إلاّ من مبدأ الحب والتکریم لا غیر.
کما أنّ دعاءهم والاستغاثه بهم لیس إلاّ لأجل طلب الدعاء منهم، فهم ینطلقون بعد رحله النبی (صلى الله علیه وآله وسلم) عمّا کانوا ینطلقون فی حیاته، فقد أمر اللّه سبحانه المؤمنین بالتوسّل بدعاء النبی فقال: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوکَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِیماً ) .( [۲۶])
فلو کان طلب الدعاء من النبی بعد رحیله شرکاً وعباده له یکون الطلب منه فی حال حیاته شرکاً وعباده له أیضاً، إذ الحیاه والموت لیسا ملاکین للتوحید والشرک، بل أقصى ما یمکن أن یقول القائل بأنّهما ملاکان للجدوى وعدمها.
وکلامنا فی المقام فی کون الدعوه شرکاً وعدمه، وأمّا کونها مفیده أو لا، فهو أمر ثان یطلب لنفسه مجالاً آخر.

۳٫ تحلیل الآیات الّتی وقعت ذریعه لرمی التوسل بالشرک
لم یزل أساتذه الشیخ من أوّلهم إلى آخرهم یستدلّون على أنّ التوسّل بالأنبیاء والأولیاء وعلى رأسهم النبی الأعظم(صلى الله علیه وآله وسلم) ، شرک بالآیتین التالیتین:
الأُولى: قال تعالى:( وَیَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ یَضُرُّهُمْ وَلاَ یَنْفَعُهُمْ وَیَقُولُونَ هَؤلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ یَعْلَمُ فِی السَّماواتِ وَلاَ فِی الأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا یُشْرِکُونَ ) .( [۲۷])
الثانیه: قال تعالى: ( أَلاَ للّهِ الدِّینُ الْخَالِصُ وَالَّذِینَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِیاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِیُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى إِنَّ اللّهَ یَحْکُمُ بَیْنَهُمْ فِی مَا هُمْ فِیهِ یَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللّهَ لاَ یَهْدِی مَنْ هُوَ کَاذِبٌ کَفَّارٌ ) .( [۲۸])
أمّا الآیه الأُولى فقد ذکر الشیخ فی کیفیه الاستدلال بها أنّ عمل المسلمین کعمل بقیه المشرکین، فقال: إنّ المشرکین یقصدون بذلک أنّها تشفع لهم عند اللّه وتقربهم إلیه زُلفى، ولم یعتقدوا أنّها هی الّتی تقضی حاجاتهم وتشفی مرضاهم وتنصرهم على عدوهم، کما بیّن اللّه سبحانه ذلک عنهم فی قوله: ( وَیَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لا یَضُرُّهُمْ وَلاَ یَنْفَعُهُمْ وَیَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ ) .( [۲۹])
یلاحظ علیه :
أوّلاً: هناک فرق بین عمل المشرکین والموحّدین ، فإنّ المشرکین یقومون بعملین مختلفین:
۱٫ یعبدون أصنامهم وآلهتهم المزعومه کما قال سبحانه:( وَیَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ یَضُرُّهُمْ وَلاَ یَنْفَعُهُمْ ) .
۲٫ یعتقدون بأنّ آلهتهم شفعاؤهم کما یقول: ( وَیَقُولُونَ هَؤلاءِ شُفَعاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ ) .
وهذا یدلّ على أنّ ملاک شرکهم هو عباده غیر اللّه سبحانه، لا قولهم بأنّ الآلهه شفعاؤهم عند اللّه.
وعند ذلک فکیف یصحّ حمل عمل الموحّدین على المشرکین؟ أفیصح أن یعطف من یعبد اللّه سبحانه على مَنْ یعبد الأصنام والأوثان بمجرد اشتراکهما فی الاعتقاد بالشفعاء؟
ثانیاً: أنّ المشرکین کانوا یعتقدون بقدره غیبیه فی أصنامهم وأوثانهم، وأنّ آلهتهم یقومون بقضاء حاجاتهم مستقلین عن اللّه سبحانه، وقد مرّت الآیات الّتی تؤکّد أنّهم کانوا یعتقدون أنّ العزه والذله والنصر والخذلان بأیدیهم، کما کانوا یعتقدون أنّهم یملکون مقام الشفاعه ویشفعون لعبادهم، وأین هذا من عمل الموحّد الّذی یعتقد بأنّ العزه والذله والنصر والخذلان والشفاعه وغیرها بید اللّه سبحانه؟!
فمجرد اشتراکهم بالاعتقاد بالشفاعه لا یجمعهم تحت خیمه واحده مع أنّ شفعاءهم شفعاء غیر واقعیین بخلاف شفعاء الموحّدین، کالنبی ومَن نصّ الکتاب والسنّه على قبول شفاعتهم.
ومع هذین الأمرین کیف یقول الشیخ:«لم یعتقدوا أنّها هی الّتی تقضی حاجاتهم، وتشفی مرضاهم، وتنصرهم على عدوهم؟!».
أفیصح أن نجعل فی صف واحد مَنْ یسوی بین الأصنام ورب العالمین ویصورها نداً للّه سبحانه، ومَن یعبد اللّه سبحانه ولا یرى له نداً ولا مثلاً، ویتلو کلّ یوم ولیله قوله سبحانه:( قُلِ اللّهُمَّ مَالِکَ الْمُلْکِ تُؤْتِی الْمُلْکَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْکَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِیَدِکَ الْخَیْرُ إِنَّکَ عَلى کُلِّ شَیْء قَدِیرٌ ) .( [۳۰])
وقد روى ابن هشام فی سیرته أنّ عمرو بن لُحیّ کان أوّل من أدخل الوثنیه إلى مکه ونواحیها ، فقد رأى فی سفره إلى البلقاء من أراضی الشام أُناساً یعبدون الأوثان وعندما سألهم عمّا یفعلون بقوله: ما هذه الأصنام الّتی أراکم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أفلا تعطونی منها صنماً، فأسیر به إلى أرض العرب فیعبدوه؟ فأعطوه صنماً یقال له هُبَل، فقدم به مکّه، فنصبه وأمرَ الناس بعبادته وتعظیمه.( [۳۱])
فمع هذه القصه والآیات الّتی تلوناها علیک کیف یقول الشیخ: بأنّهم لم یعتقدوا بأنّ آلهتهم هی الّتی تقضی حاجاتهم وتشفی مرضاهم وتنصرهم على عدوهم؟!
وأمّا الاستدلال بقوله سبحانه:( مَا لاَ یَضُرُّهُمْ وَلاَ یَنْفَعُهُمْ ) ، فهو تندید من اللّه سبحانه بهم، ونقد لعقائدهم حیث کانوا یعتقدون بأنّ أصنامهم تضرهم وتنفعهم، لا أنّه من کلامهم ولا یعبر عن عقائدهم.
إلى هنا تم الکلام حول الآیه الأُولى الّتی أوردها الشیخ وأنّها لا تصلح لإثبات مدّعاه، لو لم تکن دلیلاً على خلافه.
وإلیک الکلام فی الآیه الثانیه:
یقول الشیخ فی (ص۴۳) فی ذیل هذه الآیه: إنّ الکفّار لم یقصدوا من آلهتهم أنّهم یشفون مرضاهم أو یقضون حوائجهم، وإنّما أرادوا منهم أنّهم یقربونهم إلى اللّه زلفى.
یلاحظ علیه: أوّلاً: أنّ قوله سبحانه: ( إِنَّ اللّهَ یَحْکُمُ بَیْنَهُمْ فِی مَا هُمْ فِیهِ یَخْتَلِفُونَ ) دلیل على أنّ قولهم:( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِیُقَرِّبُونَا إِلى اللّهِ زُلْفَى ) لم یکن أمراً متّفقاً علیه وإنّما هو کلام بعضهم لا کلّهم.
فکیف یمکن أن یکون ذلک منطق عامه الوثنیین، مع أنّ قسماً کبیراً منهم إذا دُعُوا إلى عباده اللّه أخذهم الکبر، کما یقول سبحانه:( إِنَّهُمْ کَانُوا إِذَا قِیلَ لَهُمْ لاَ إِلهَ إِلاّ اللّهُ یَسْتَکْبِرُونَ ) ( [۳۲]) ، فلو کان الداعی إلى عباده الآلهه المزعومه، مجرد أنّهم یقربونهم إلى اللّه زلفى وکان التقرب إلیه سبحانه هو الغایه القصوى، لما وجدوا فی أنفسهم حرجاً وتکبّراً إذا دعوا إلى عبادته.
کلّ ذلک یدلّ على أنّ المشرکین لم یکونوا متّفقین على أنّ عبادتهم للأصنام لأجل تحصیل التقرب إلى اللّه تعالى.
ثانیاً: أنّ ذیل الآیه، وهو قوله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ لاَ یَهْدِی مَنْ هُوَ کَاذِبٌ کَفَّارٌ ) یشهد بأنّ ما لهجوا به کان غطاءً لعقیدتهم الحقیقیه، وانّهم کانوا یکذبون فی قولهم:( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِیُقرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى ) ، بل کانوا یعتقدون بأنّ لآلهتهم قدره غیبیه على قضاء حوائجهم، وأنّهم أرباب بیدهم مصیرهم وفلاحهم فی الدنیا والآخره. وبعباره أُخرى: لمّا واجه المشرکون إحتجاج الموحّدین على سفاهه عقولهم وأحلامهم فی الاعتقاد بأنّ آلهتهم تضر وتنفع، حاولوا تصحیح عملهم بأنّهم لا یعبدونها عن اعتقاد بأنّ بیدها الخیر والشر، وإنّما یعبدونها لأجل أمر واحد، وهو أنّ عباده الآلهه تقرّبهم إلى اللّه زلفى فقط، وعندئذ فضحهم سبحانه وکذبهم فقال:( إِنَّ اللّهَ لا یَهْدِی مَنْ هُوَ کَاذِبٌ کَفَّارٌ ) .
_____________________________
[۱] . یونس: ۱۸٫
[۲] . یونس: ۱۸٫
[۳] . الزمر:۲ـ ۳٫
[۴] . لاحظ: لسان العرب; مفردات الراغب; القاموس المحیط; مقاییس اللغه: ماده«عبد».
[۵] . الإسراء: ۲۴٫
[۶] . البقره: ۳۴٫
[۷] . یوسف: ۱۰۰٫
[۸] . فاطر: ۱۰٫
[۹] . آل عمران: ۲۶٫
[۱۰] . مریم: ۸۱٫
[۱۱] . آل عمران: ۱۲۶٫
[۱۲] . یس: ۷۴٫
[۱۳] . الزمر: ۴۴٫
[۱۴] . یونس: ۳٫
[۱۵] . الشعراء:۷۸ـ ۸۲٫
[۱۶] . البقره: ۱۶۵٫
[۱۷] . الشورى: ۱۱٫
[۱۸] . الشورى: ۱۲٫
[۱۹] . الشعراء:۹۶ـ ۹۸٫
[۲۰] . المائده: ۷۲٫
[۲۱] . آل عمران: ۵۱٫
[۲۲] . الأنعام: ۱۰۲٫
[۲۳] . المائده: ۷۲٫
[۲۴] . آل عمران: ۵۱٫
[۲۵] . یوسف: ۳۹٫
[۲۶] . النساء: ۶۴٫
[۲۷] . یونس: ۱۸٫
[۲۸] . الزمر: ۳٫
[۲۹] . یونس: ۱۸٫
[۳۰] . آل عمران: ۲۶٫
[۳۱] . السیره النبویه:۱/۷۶ـ ۷۷٫
[۳۲] . الصافات: ۳۵٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.