صبر یوسف علیه السلام

0

لا شکّ أنّ الصبر إنّما یتحقّق إذا فرضنا أنّ هناک ابتلاءً ، أو امتحاناً یمرّ به الإنسان فیصبر علیه ، ومن ثمّه ینبثق السؤال الآتی : ما هو الابتلاء الذی مرّ به یوسف علیه السلام وعلى ماذا صبر ؟
یظهر للمتدبّر فی قصّته التی عرضها القرآن أنّ هناک مجموعه من الابتلاءات مرّ بها هذا النبی الصدّیق ، ویمکن تلخیصها بما یلی :
إنّ یوسف (علیه السلام) کما تحدّثنا السوره عن مقاطع حیاته ، کان ذلک الطفل الصغیر الذی حوّلته أیدی المقادیر ، وسلکته فی سبل الابتلاءات ، فمن کید إخوته إلى رمیه فی غیابه الجبّ ، إلى بیعه بثمن بخس إلى أن وصل إلى بیت العزیز ، ومن هنا أیضاً تبدأ مرحله أُخرى من الابتلاء ، أشدّ وأصعب ممّا مرّ به سابقاً .
إلاّ أنّه فی خضم هذه المحن والبلایا التی تواترت علیه کان ملیء القلب بما یشاهده من لطیف صنع الله به ، فهو على ذکر دائم ممّا بثّه إلیه أبوه یعقوب النبی من حقیقه التوحید ومعنى العبودیه ، ثمّ ما بشّر به من الرؤیا أنّ الله سیخلصه لنفسه ویلحقه بآبائه إبراهیم وإسحاق ویعقوب ، ولم یکن لینسى ما فعله به إخوته ، ثمّ ما وعده به ربّه فی غیابه الجبّ حین ما انقطع عن الأسباب کافّه ، من أنّه تحت الولایه الإلهیه والتربیه الربوبیه ، وسینبئ إخوته بأمرهم هذا وهم لا یشعرون .
وهذا هو الذی هوّن علیه ما نزل به من النوائب والبلایا ، فصبر علیها على ما بها من المراره ، وفی کلّ هذه الأحوال لم نره شکّ أو أظهر شیئاً من الجزع ، بل کان محبوراً بصنائع ربّه الجمیله ، لا یرى إلاّ خیراً ولا یواجه إلاّ جمیلاً ، وهذا ما حکته لنا آیات متعدّده من السوره کقوله : (( مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّی )) وقوله: (( مَا کَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِکَ بِاللهِ مِنْ شَیْء )) وقوله : (( إِنْ الْحُکْمُ إِلاَّ للهِِ )) وقوله: (( أَنْتَ وَلِیِّی فِی الدُّنْیَا وَالآخِرَهِ )) (۱) ، فلم یکن یرى إلاّ ربّه ومالک أمره ، وهو الذی یسدّده کیف یشاء .
ولعلّ الاختبار الأصعب الذی مرّ به ؛ هو ما جرى من حکایته مع امرأه العزیز ، فإنّ هذه القصّه تقرّر أنّ جمیع الإمکانات الفردیه ، وظروف الزمان والمکان التی تؤدّی إلى الانحراف ، قد توفّرت بید یوسف (علیه السلام) على أحسن وجه ممکن .
فکان مع هذه المرأه فی خلوه ـ کما تتصوّر هی ـ وقد غلقت الأبواب وأرخت الستور ، وکانا فی أمن من ظهور الأمر وانهتاک الستر ، لأنّها کانت عزیزه بیدها أسباب الستر والتعمیه ، ولم یکن مع یوسف ما یدفع به عن نفسه ، وینتصر به على هذه الأسباب القویه ؛ إلاّ أصل التوحید وهو الإیمان بالله ، وبعباره أُخرى ، لیس له إلاّ أن یتترّس فی خندق المحبّه الإلهیه ، التی ملأت وجوده وشغلت قلبه ، فلم تترک لغیرها محلاً ولا موضع إصبع .
یقرّر العلاّمه الطباطبائی هذه الحال التی مرّ بها یوسف بهذا التعبیر الرائع : ( فهذه أسباب وأُمور هائله ، لو توجّهت إلى جبل لهدّته ، أو أقبلت على صخره صمّاء لأذابتها ) (۲) ، إلاّ أنّ کلّ شیء یضمحل ویتفتّت أمام المحبّه الإلهیه التی یمتلکها أولیاء الله المخلصون .
هذا على المستوى الفردی ، أمّا على المستوى الاجتماعی فقد ابتلاه الله عزّ وجلّ بذلک المنصب الذی وصل إلیه فی دوله مصر آنذاک ، وهو أن یکون أمیناً على خزائن الدوله ، ولا یخفى أنّ هذا المنصب المالی الکبیر قد انزلق فیه کثیر من الخلق ، وهلکت فیه أسماء کبیره ، عندما وجدت نفسها على محکّ الاختبار المباشر ، المتمثّل بالسیطره على الأموال الضخمه العائده إلى خزائن الدول .
إلاّ أنّ حال یوسف (علیه السلام) لم یکن کذلک ، وهل ثمّه مکان للمال فی قلبه الشریف لکی یمیل إلیه أو یطمع فیه ؟ ! کلاّ .. بالتأکید ، بل وجدناه هو الذی جمع أرزاق الناس ، وادّخرها للسنین السبع الشداد التی ستستقبل الناس وتنزل علیهم جدبها ومجاعتها ، ویقوم بنفسه لقسمه الأرزاق بینهم وإعطاء کلّ منهم ما یستحقّه ، من غیر حیف أو ظلم .
قال تعالى حکایه عنه (علیه السلام) : (( قَالَ اجْعَلْنِی عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّی حَفِیظٌ عَلِیمٌ )) (۳) ، انظر کیف خصّ بالذکر صفتی (حفیظ) و (علیم) ، فإنّهما الصفتان اللازم وجودهما فیمن یتصدّى لهذا المقام الخطیر .
________________
(۱) یوسف: ۲۳ ، ۳۸ ، ۴۰ ، ۱۰۱ .
(۲) المیزان فی تفسیر القرآن، مصدر سابق، ج۱۱، ص۱۲۹٫
(۳) یوسف: ۵۵٫

Leave A Reply

Your email address will not be published.