ملامح الإعجاز فی القرآن العظیم
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیمِ
الإعجاز بمفهوم بدیهی : عباره عن خرق لنوامیس الکون ، وتغییر فی قوانین الطبیعه ، وقلب للنظام الثابت فی الموازین إلى نظام متحوّل جدید .
فالثابت هو الأصل الجاری على سنن الحیاه ، والمتحوّل هو الحاله المغایره لأنظمه المعادلات الکونیه المتکافئه . هناک إذن مَعْلَمان : معلم طبیعی بسیط ، ومعلم خارق معقّد ، والمعلم الطبیعی : لا تجد عنه متحوّلاً ، فهو سنّه الله فی الإبداع ، والمعلم الخارق : ما تجد فیه قلباً لتلک السنن ، ومجابهه لمجریات الأحداث الرتیبه ، بأخرى إعجازیه . فزوجیه الکائنات هی الأصل فی بعث حقائق الأشیاء ، والطریق إلى تسییر حیاه الکائنات فی العوالم المرئیّه والمسموعه والمدرکه والمتخیّله بدلیل قوله تعالى : ( سُبْحَانَ الَّذِی خَلَقَ الأَزْوَاجَ کُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا یَعْلَمُونَ ) (۱) .
وفی هذا الضوء یکون الإیجاد الطبیعی للإنسان منسجماً مع نظام الزوجیه العام فی حاله متأصّله اعتیادیه ، ویکون الأصل التکوینی للبشریه فی خلْق آدم من التراب دون الطریق الطبیعی فی التناسل هو الحاله الفریده ، وهی الإعجاز ، ویحمل علیها کلّما قابل العاده ، ولم یخضع إلى التجربه کما فی إیجاد عیسى علیه السلام بما مثّله القرآن : ( إِنَّ مَثَلَ عِیسَى عِنْدَ اللَّهِ کَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ کُنْ فَیَکُونُ ) (۲) .
ولیس السَبْق فی العلم إعجاز ، بل هو من مفردات اکتشاف المجهول ، وتحقیق الزیاده فی أوّلیه الاستقراء والاستنباط ، إذ قد یتوصّل الکثیرون إلى ذلک فیما بعد بنظام أفضل ، ومواصفات متکامله ، فیکون الرائد فی الاکتشاف أو الاختراع قد سبق الآخرین وحقّق ما لم یحقّقوه دون إعجاز کما هی الحال فی التقنیات الحدیثه ، وإنّما الإعجاز هی التفرّد بالشیء فی محور إلهی على ید الأنبیاء بین یدی رسالاتهم على سبیل التحدّی ، فالسبق إلى الاکتشاف کیفیه مشترکه بین فرد أو جماعات على نحو الابتکار ، لا على سبیل التحدّی ، والمعجزه مختصّه بالنبی على سبیله ، فالمبتکر ـ إذن ـ یحقّق سَبْقاً علمیّاً ، والمتحدّی یحقّق إعجازاً إلهیاً ، وفرْق بین الأمرین .
والمعجزه الإلهیّه فی هذا الملحظ على نوعین : وقتیه ودائمیه ، وجمیع معاجز الأنبیاء وقتیّه ـ کما یدلّ علیه الاستقراء ـ ذهبت بذهابهم ، إلاّ معجزه محمّد ـ وهی القرآن ـ فإنّها باقیه ما بقی الدهر ؛ على أنّ النبی قد شارک سائر الأنبیاء فی معاجزهم الموقوته ، فکان له انشقاق القمر وتسبیح الحصى ، وسعْی الأشجار ، وشهاده الغیب .. الخ .
ومعجزه کل نبی شیء ورسالته شیء آخر ، فمعجزه موسى علیه السلام فی العصا والید البیضاء والآیات البیّنات ، ولکنّ رسالته هی التوراه ، ومعجزه عیسى فی إبراء الأکمه والأبرص وإحیاء الموتى بإذن الله تعالى ، ولکنّ رسالته هی الإنجیل ، إلاّ نبیّنا محمّد فإنّ معجزته عین رسالته ، ورسالته هی معجزته ، وهما معاً القرآن (۳) .
وبراعه الإعجاز تتجلّى فی ملائمه قضیّه الإعجاز لکلّ نبی بما یلائم عصره ، وینسجم مع فنون جِیْلِهِ ، ویُعزى إلى حیاه قومه فیما هو طبیعی أو خارق دون تحدٍّ .
وکان الإمام علی بن موسى الرضا علیه السلام أوّل مَن نبّه إلى هذه الحقیقه العالیه فیما رواه ابن السکّیت ( ت : ۲۴۴ هـ ) قال ابن السکّیت للإمام الرضا علیه السلام : لماذا بعث الله موسى بن عمران علیه السلام بالعصا ویده البیضاء ، وآله السحر ؟ وبعث عیسى بآله الطب ؟ وبعث محمّداً صلّى الله علیه وآله وسلّم بالکلام والخطب ؟ فقال الإمام الرضا : ( إنّ الله لمّا بعث موسى علیه السلام کان الغالب على أهل عصره السحر ، فأتاهم من عند الله بما لم یکن فی وسعهم مثله ، وما أبطل به سحرهم ، وأثبت به الحجّه علیهم ، وأنّ الله بعث عیسى علیه السلام فی وقت قد ظهرت فیه الزمانات ، واحتاج الناس إلى الطب ، فأتاهم من عند الله بما لم یکن عندهم مثله ، وبما أحیا به الموتى ، وأبرأ الأکمه والأبرص بإذن الله ، وأثبت به الحجّه علیهم .
وأنّ الله بعث محمّداً صلّى الله علیه وآله وسلّم فی وقت کان الغالب على أهل عصره الخطب والکلام ـ وأظنه قال : الشعر ـ فأتاهم من عند الله من مواعظه وحکمه ما أبطل به قولهم ، وأثبت به الحجه علیهم ) . قال : فقال ابن السکّیت : تالله ما رأیت مثلک قط ، فما الحجّه على الخلق الیوم ؟ فقال علیه السلام : ( العقل یُعرف به الصادق على الله فیصدّقه والکاذب على الله فیکذّبه ) . فقال ابن السکیت : هذا والله هو الجواب (۴) .
ولم یکن الأنبیاء لیستعملوا الطریق الطبیعی فی المعجز ، وإنّما کانوا یتحدّون هذا الطریق ، فموسى تحدّى سحر السحره ( وَأُلْقِیَ السَّحَرَهُ سَاجِدِینَ * قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِینَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ) (۵) فکان اعترافهم بصحّه دعوى موسى دلیلاً على إعجازه ؛ لأنّ ما جاء به لیس من سنخ ما یعرفون .
وعیسى لم یستعمل مضادّات الأمراض ، وإعطاء الدواء ، فیحقّق سَبْقاً طبّیاً ، وإنّما کان یُبرئ الأکمه والأبرص ویحیی الموتى بإذن الله دون وسائل الأطبّاء ، والرسول الأعظم لم یصکّ العرب ببلاغه القرآن ؛ إلاّ لأنّهم أئمّه البلاغه وأرباب البیان ، ولکنّه مِن الله : ( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَیْنَا بَعْضَ الأَقَاوِیلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْیَمِینِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِینَ ) (۶) .
فکلّه مِن عند الله ( وَمَا یَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وُحْىٌ یُوحَى ) (۷) .
قال الجاحظ ( ت : ۲۵۵ هـ ) : ( ولأنّ رجلاً من العرب لو قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سوره واحده طویله أو قصیره ، لتبیّن له فی نظامها ومخرجها ، وفی لفظها وطبعها أنّه عاجز عن مثلها ، ولو تحدّى بها أبلغ العرب لظهر عجْزه عنها ) (۸) .
فعباره القرآن إذن من سنخ ما یعرفون ویدرکون ، ولکنّها لیس من جنس ما یحسنون لا کمّاً ولا کیفاً ، فطلب إلیهم الإتیان بمثله فما استطاعوا ، وتنزّل على عشر سوره فما أطاقوا ، فتحدّاهم بسوره واحده فقال : ( وَإِنْ کُنْتُمْ فِی رَیْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَهٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَکُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ کُنْتُمْ صَادِقِینَ ) (۹) ، وقد دلّ الاستقراء أنّ أقصر سور القرآن هی الکوثر : بسم الله الرحمن الرحیم : ( إِنَّا أَعْطَیْنَاکَ الْکَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّکَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَکَ هُوَ الأَبْتَرُ ) (۱۰) .
فما بال الأمم لا تأتی بسطر واحد من هذا الجنس ؟ وإذا کان القرآن قد أعجز العرب ، فغیر العرب أشدّ عجزاً ؛ لأمرین :
الأوّل : أنّ العرب هم أهل اللسان ، وقد عجزوا عن مجاراه القرآن ، فغیر أهل اللسان عاجزون من باب أولى .
الثانی : أنّ اللغه العربیه الشریفه لیست لغزاً من الألغاز ، وهی قابله للتعلّم ، وقد نبغ فیها کثیر من مسلمی غیر العرب ، وأتقنها جمله من المستعربین والمستشرقین حتى ترجموا القرآن إلى لغاتهم ، وقدّموا أفضل الدراسات القرآنیه ، وإنّما التحدّی أو یتحدّى الإعجاز القرآنی من کلّ أُمّه علماءها ، وعلماء الأمم یتمکّنون من العربیّه ، فتوجّه إلیهم التحدّی وعجزوا عن ذلک فی کل زمان ومکان .
( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ یَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا یَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ کَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِیراً ) (۱۱) .
وقد یُقال بأنّ الله قد صرف قلوب الناس ، وحبس ألسنتهم عن أنْ یأتوا بمثل هذا القرآن ، فیسمّى ذلک إعجازاً بالصرفه ، وهو رأی المعتزله (۱۲) .
ولکنّ الرأی الأمثل ، أنّ الله قد یسّر جمیع القدرات البیانیه ، ووهب مستلزمات البلاغه للناس وتحدّاهم ، فلم یتمکّنوا من الإتیان بمثل لهذا القرآن ، وذلک أبلغ فی الإعجاز .
فما هی وجوه هذا الإعجاز فی القرآن وما هی مظاهره ؟ أحاول فیما یلی أنْ أضع ملخّصاً بأبرز وجوه الإعجاز ومظاهره على نحو الإجمال .
۱ ـ الإعجاز الغیبی : ویتمثّل بما تحدّث عنه القرآن الکریم بضرس قاطع فی الأنباء عن الغیب الماضی والمستقبلی :
أ ـ عرض القرآن سیره الأمم السالفه وجزئیّات أحداثها ، وکبریات أنبائها بلهجه الجزم والیقین ، فأخبر عن آدم ونوح وإبراهیم وموسى وعیسى وذی القرنین وأهل الکهف ، وقوم عاد وثمود ولوط وشعیب ، وجمهره عظیمه ممّن أصابهم عذاب الاستئصال بمجریات أحوالهم بما یعتبر کشفاً لأدقّ التفصیلات التاریخیه بما لا علم لأحد به على وجه الکمال ، وهی حاله لا عهْد بها للمجتمع العربی فی مکّه ، ممّا جعلهم یتهافتون على هذه الأخبار ، ویتمثّلون وقائعها بالمقیاس التاریخی للإفاده من عبرها وأحداثها ومواردها .
ب ـ وتحدّث القرآن عن الأحداث المستقبلیه بلغه التأکید بعدّه مناسبات ، أبرزها : وقعه بدر : ( سَیُهْزَمُ الجَمْعُ وَیُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) (۱۳) ، وغلبه الروم وانتصارها فیما بعد : ( الم * غُلِبَتِ الرُّومَ * فِی أَدنَى الأَرضِ وَهُم مِّن بَعدِ غَلَبِهِم سَیَغلِبُونَ ) (۱۴) .
وعن فتح مکّه : ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِینَ ) (۱۵) ، وهزمت قریش بعلیائها وجبروتها فی معرکه بدر الکبرى ، وانتصر الروم على الفرس بعد سنین من غلبه الفرس (۱۶) ، ودخل النبی مکّه فاتِحاً ، وقد کان فتح مکّه غیر وارد فی الحساب التخطیطی ، إذ کیف یمکن لهذا المهاجر مع طائفه قلیله من أهل بیته وأصحابه ـ وهو ضعیف مستضعف ـ أنْ یقتحم جبروت قریش ویغزوها فی عقر دارها ، وکان ذلک دلیلاً واضحاً ومنتشراً فی البلاد على الإعجاز الغیبی . .
۲ ـ الإعجاز التشریعی : ویتمثّل بما فصّله القرآن بآیات الأحکام وفقه القرآن بما لا عهْد لمناخ الجزیره بتفصیلاته الدقیقه ، فقد نظّم حیاه الفرد والأُمّه بأحکام لا مزید على إبرامها برباط الحریه دون فوضى وبریقه الامتثال دون استعباد ، فالأحوال الشخصیّه قد نُظّمت بأحکامها الجدیده فی الزواج والطلاق والعدّه والنفقه والمواریث والوصایا والحدود والدیات والجروح والقصاص والدیون والعقود بما لم تسبق إلیه أعرق الأمم تشریعاً ، وأعمقها تفقّهاً ، بل کانت مفردات حیاه جدیده متأطّره بإطار التطویر الإنسانی ، ثمّ تکفّل القرآن ببیان فروض وواجبات وطقوس منظمه ضمن الحیاه الیومیه کالصلاه بفرائضها ونوافلها ، وفی جمله من الشهور کالصوم والحج والعمره ، وفی خلال السنه کالزکاه والخمس فی المحاصیل والغنائم .
إنّ هذه الأبعاد المترامیه الأطراف فی التشریع لا یمکن أنْ یصدر تعالیمها إلاّ خالق هذا الکون ومنظّم شؤونه ؛ إذ لم تَعرف الحضاره البشریّه هذا التفصیل الدقیق فی نوعیه الأحکام وجزئیّتها .
۳ ـ الإعجاز العلمی : ونرید به ما أورده القرآن من نظریّات وقوانین توصّل إلیها العلم الحدیث فیما بعد فی مسار الأرض وانشطار النجوم ، وتعدّد الأفلاک ، وإبعاد السماوات ، وزوجیه الکائنات ، دون استعمال القرآن لقوانین الحس والتجربه والمعادله وإنّما جاء ذلک ابتداء ، وما ورد فیه کان دون سابق معرفه بشریه بالحیثیّات المتناثره فیه حتى ثبت أنّ القرآن لا یعارِض ما یتوصّل إلیه العلم ، بل هو الأساس فی ذلک فیما أفاده جمله من المتخصّصین ، ولا یُراد بهذا الإعجاز الاتّساع الفضفاض الذی یُخرِج بالقرآن عن مهمّته الأولى والأساسیه ، فهو کتاب هدایه وتشریع لا کتاب صناعه وتقنیّات ، مع دعوته للتفکّر والتدبّر فی بدائع السماوات والأرض (۱۷) .
۴ ـ الإعجاز الصوتی : ویتمثّل فی جزء منه فی الحروف المقطّعه بفواتح بعض السور القرآنیه ، فهی حاله فریده من الاستعمال وقف عندها العرب موقف المتحیّر ، ولا سابق عهد لهم بأصدائها الصوتیه ، ممّا قطعوا به أنّ هذه الأصوات المرکّبه من جنس حروفهم هی نفسها التی ترکّب منها القرآن ولکنْ لا یستطیعون أنْ یأتوا بمثله ، وهو ما أفردنا بعمل مستقل (۱۸) .
۵ ـ الإعجاز العددی : وقد وُفّق الأُستاذ عبد الرزّاق نوفل إلى استخراج الإعجاز العددی فی القرآن ، فی مقارنات سلیمه ، وموازنات حسابیه دقیقه ، فقد قام بعملیّات إحصائیّه لورود الألفاظ المتناظره ، والمتقابله ، والمتضادّه ، والمتناقضه ، وقابلها بعضها ببعض بالعدد نفسه ، أو نصیفه ، أو شطره ، أو ما یقاربه ، ممّا شکّل ثروه عددیّه تُنبِئ بالضروره أنّ القرآن لم یستعملْها صدفه ، بل بمیزان ، وذلک المیزان لا یمکن أنْ یکون من صُنع البشر ، فهو إذن من أدلّه إعجازه (۱۹) .
۶ ـ الإعجاز الاجتماعی : إنّ المتمرّس بتأریخ الجزیره العربیه ، فی بدء الرساله الإسلامیه لیُبْهِر ـ حقّاً ـ بهذا التوحید المفاجئ ، والتغییر الاجتماعی العاجل ، والتسخیر لطاقات العرب فی ظلّ القرآن حتّى جعل منهم أُمّه تَحمِل هذه الرساله للأجیال ، فتتناسى حروبها وشحنائها ، وتضرب صفحاً عن عرقیّتها وعشائریّتها ، لتنتظم فی ظلّ الإسلام ، وتهتدی بشعله القرآن ، فیفتح الله على یدیها شرق الأرض وغربها ، وتتسلّم مقالید الإسلام بعد الوثنیّه ، وأوّلیّه التوحید بعد الإشراک ، وإذا بکیانها ینصهر بتعالیم القرآن فجأه ، وهو ما یحقّق الإعجاز الاجتماعی فی جمله التغییر الجذری للأعراف والتقالید والمخلّفات .
۷ ـ الإعجاز البیانی : ویتمثّل بالترکیبه الخاصّه المتمیّزه لألفاظ القرآن ومعانیه ، وفی مجموعه العلاقات المجازیه والاستعاریه والتشبیهیه والکنائیه والرمزیه والإیحائیه بین المعانی والألفاظ ، وذلک السرّ الأکبر فی إعجاز القرآن ، فالعرب أُمّه بیان ، ورجال بلاغه ، تطربهم الکلمه ، وتهزّهم الخطبه ، ویستهویهم الشعر ، وقد وقفوا عند بلاغه القرآن باهتین بما عبّر عنه الولید : ( والله لقد سمعت من محمّد کلاماً ما هو من کلام الإنس ولا من کلام الجنّ ، وإنّ له لحلاوه ، وإنّ علیه لطلاوه ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمُغدِق ، وإنّه لیعلو ولا یُعْلَى علیه ، وما یقول هذا بشر ) (۲۰) .
والحدیث عن الإعجاز البیانی مستفیض ینهض بعمل مثقل مستقل ، ویکفی فی عظمته أنّ الإمام علیّاً علیه السلام من أوائل روّاده فی الإفاده والاستفاده ، وأنّ ما ورد فی نهج البلاغه کان امتداداً طبیعیاً للإعجاز البیانی فی القرآن لتأثّر الإمام فی القرآن ، وهذا المنهج مدین إلى علماء الإعجاز کعلی بن عیسى الرمّانی ( ت : ۳۸۶ ) (۲۱) ، وحمد بن سلیمان الخطابی ( ت : ۳۸۸ ) (۲۲) ، والشریف الرضی ( ت : ۴۰۶ ) (۲۳) ، وعبد القاهر الجرجانی ( ت : ۴۷۱ هـ ) (۲۴) ، حتى تسلّمه جار الله الزمخشری ( ت : ۵۳۸ هـ ) ، فجعل تفسیره الکشّاف مضماراً للإعجاز البیانی ، وفتح فیه عمق دراسه جدیده فی البلاغه القرآنیه التطبیقیه التی اعتمدت التسلسل المصحفی ، إذ فسّر القرآن کاملاً ناظراً فیه الوجوه البیانیه ، ومستلهماً المناخ الفنّی حتى عاد تفسیره کنزاً بیانیاً لا تنتهی فرائده ، وقد تجلّى فیه ما أضافه من دلالات جمالیه فی نظم المعانی ، وما بحثه من المعانی الثانویه فی تقدیم العباره ، وعائدیه الضمائر ومعنى المعنى ، وتعلّق البیان بعضه ببعض (۲۵) .
إنّ الحضاره الإنسانیه الیوم بحاجه إلى هذا المنهج فی استجلاء جمال القرآن ، واستقراء خفایا مکنوناته ، أمّا التعدّی على مقام القرآن ووحدته الفنّیه بالإیغال فی النزاعات التقلیدیه ، والإصحار بمتاهات الخصومات ، فأمْر ترفضه عقلیه المثقّف العصری ، وتلفظه روحیه البحث الموضوعی ، وحسبک فی کتب الکلام ومصنّفات الاحتجاج وصنوف المقالات غنیّه عن ذلک .
فإنّ صاحب هذا المنهج فی القرن العشرین هو أستاذنا العلاّمه الشیخ أمین الخولی ( ت : ۱۹۶۶ م ) حینما أنیط به تدریس التفسیر والأدب معاً فی الجامعه المصریه ، فأتى على درس التفسیر وجعله کاشفاً عن إعجاز القرآن البیانی ، وأوضح منهجه بذلک فی مناهج تجدید ، وترجمه بمحاضراته فی أمثال القرآن (۲۶) . فالقرآن کما یقول : ( کتاب العربیه الأکبر ، وأثرها الأدبی الأعظم ، فهو الکتاب الذی أخلد العربیه ، وحمى کیانها ، وخلد معها ، فصار فخرها ، وزینه تراثها … إنّ التفسیر الیوم هو : الدراسه الأدبیه الصحیحه المنهج ، الکامله المناحی ، المتّسقه التوزیع ، والمقصد الأول للتفسیر أدبی محض صرف ) (۲۷) .
واتّجه لهذا المنهج کوکبه من أساتذه الجامعات فی الوطن العربی غیرهً منهم على القرآن وترسیخ مبادئ إعجازه ، ومن أبرزهم فی هذا المضمار الدکتوره بنت الشاطئ ، فأصدرت الإعجاز البیانی للقرآن الکریم والتفسیر البیانی للقرآن الکریم .
وهناک ملحظ مهم یتعلّق بهذا المنهج ، وهو الحفاظ على سلامه اللغه العربیه من التدهور والضیاع فهی لغه کتاب مقدّس ، والحفاظ علیها یرتبط بالحفاظ على هذا الکتاب تاریخیّاً ، وهذا التاریخ المشترک یمثّل مظهراً اجتماعیاً مرکزیاً متلازماً ، فالتقصیر فی جانب یطبع أثره على الجانب الآخر ، وقد مرّت اللغه العربیه بظروف وبیئات مختلفه ، خضعت معها إلى عوامل اللهجات المتباینه ، وامتزجت بها ثقافه اللغه الأخرى ، وتطوّر من مفرداتها ما تطوّر ، وبقی ما بقی ، وهذه عوامل کان من الممکن أنْ تخضع اللغه معها إلى کثیر من التبدّل والتغییر ، وأنْ تتعرّض مفرداتها للنسخ أو التجوّز ، ومع هذا فقد بقیت هذه اللغه سلیمه لم تتأثّر بعوامل الانحطاط والضعف ، ولم تتلکّأ مسیرتها التاریخیه بوهن أو خور ، وسبب هذا البقاء والسیروره یرجع إلى بیان القرآن ، والدفاع عن القرآن ، وصیانه لغه القرآن ، ففی الوقت الذی تتجاوز فیه هذه اللغه موطنها الأصلی ، ویمتد سلطانها إلى أرجاء فسیحه من العالم ، فإنّها تبقى متمیّزه بمناخ الصحراء لهجه ، وبطابع البداوه مصدراً ؛ لأنّها اللغه الرسمیه للقرآن ، وهو لا یتهاون فی قدسیّه لغته ، ولا یجد عنها منصرفاً ، فارتبط وجودها بوجوده ، واستمرار رقیّها باستمراره ، ولم یداهمها الفناء أو الاضمحلال أو التقلّب ، فی حین تنطوی به الأمم ولغاتها ، وتتلاشى الشعوب وتراثها ، بینما تطوی العربیه أمدها الطویل سلیمه متناسقه تتسنّم مدارج الخلود ، وتناطح هجمات الدهر .
ولمّا کان القرآن الکریم معجزه محمّد صلّى الله علیه وآله وسلّم الخالده ، وهو مرقوم بهذه اللغه الشریفه ، فالخلود ملازم لهما رغم عادیه الزمن ، وهذا أمر یدعو إلى الاطمئنان على سلامه اللغه ، وأصاله منبتها ، وهنا یتجلّى أثر تیسیر القرآن وفهمه بیانیاً بالکشف عن الأسرار ، فهو یشدّ إلیه الباحث شدّاً ، دون عسر أو عناء ، وبکل یسر وسماح .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمین .
ـــــــــــــــــ
(۱) یس : ۳۶ .
(۲) آل عمران : ۵۹ .
(۳) ظ : مالک بن نبی ، الظاهره القرآنیه : ۱۳۰ .
(۴) الکلینی ، الأصول من الکافی : ۱ / ۲۴ .
(۵) الأعراف : ۱۲۰ ـ ۱۲۲ .
(۶) الحاقه : ۴۴ ـ ۴۶ .
(۷) النجم : ۳ ـ ۴ .
(۸) الجاحظ ، رسائل الجاحظ ، تحقیق السندوبی : ۱۲۰ .
(۹) البقره : ۲۳ .
(۱۰) الکوثر : ۱ ـ ۳ .
(۱۱) الإسراء : ۸۸ .
(۱۲) ظ : عبد الکریم الخطیب ، الإعجاز فی دراسات السابقین : ۱۷۶ ـ ۱۷۸ .
(۱۳) القمر : ۴۵ .
(۱۴) الروم : ۱ ـ ۳ .
(۱۵) الفتح : ۲۷ .
(۱۶) ظ : للتفصیل : الخوئی ، البیان فی تفسیر القرآن : ۶۸ وما بعدها .
(۱۷) للتفصیل فی الإعجاز العلمی ظ : طنطاوی جوهری : تفسیر الجواهر .
(۱۸) لتفاصیل هذه النظریه ظ : بحثنا : الصوت اللغوی فی فواتح السور القرآنیه .
(۱۹) ظ : عبد الرزاق نوفل ، الإعجاز العددی فی القرآن الکریم .
(۲۰) القرطبی ، الجامع لأحکام القرآن : ۱۹ / ۷۲ .
(۲۱) ظ : النکث فی إعجاز القرآن .
(۲۲) ظ : بیان القرآن .
(۲۳) ظ : تلخیص البیان فی مجازات القرآن .
(۲۴) ظ : أسرار البلاغه ودلائل الإعجاز .
(۲۵) ظ : المؤلف ـ المبادئ العامه لتفسیر القرآن الکریم : ۱۰۴ .
(۲۶) ظ : أمین الخولی ـ مناهج تجدید فی التفسیر والأدب والنحو + محاضرات فی أمثال القرآن ـ مخطوطه فی حوزه الدکتور مصطفى ناصف .
(۲۷) أمین الخولی ـ دائره المعارف الإسلامیه ، ماده تفسیر : ۳۶۶ ـ ۳۶۷ .