رجال حول الوصی محمّد بن أبی بکر ( رضی الله عنه )

0

 
توطئه :
لم یشهد المسلمون اختلافاً وقع فیما بینهم أدّى إلى تمزیق وحدتهم منذ وفاه رسول الله ( ص ) کما شهدوه فی خلافه عثمان بن عفّان ، لقد اتَّهَمَ المسلمون عثمانَ بمخالفه السُنّه النبویّه ، وتغییر سیره الخلفاء الذین سبقوه ؛ لذا اسقطوا عدالته وأبلغوه بترک الخلافه ، لقد آثر عثمان قومه على بقیّه المسلمین حیث اقتصر فی عهده توزیع الولایات فی الأمصار على أقربائه ، واقتطع لهم القطائع الکبیره من أراضى المسلمین ، وأهدى لهم القسْم الکبیر من غنائم المسلمین فی الحروب ، وأبعد الکثیر من الصحابه عن الاستشاره والإداره ، ممّا سبّب نقمه المسلمین علیه والثوره ضدّه .
وکان علی ( ع ) هو الرسول بین الثائرین وعثمان ، وکان عثمان یَعِدُ المسلمین فی کلّ مرّه بتغییر سیرته وجعْلها أکثر إنصافاً وعدْلاً ، لکنّه فی کلّ مرّه لم یفِ بما قَطَعَه على نفسه ، بلغت الأحداث ذروتها حینما أرسل کتاباً إلى والیه فی مصر عبد الله بن سعد بن أبی سرح بمعاقبه وفْد مصر الذین اشتکوه عنده ، لم یصبر المسلمون عندها ، فقُتل عثمان .
بلغ محمّد بن أبی بکر رشده فی هذه الفتره الحَرِجه من تاریخ المسلمین ، وأثّرت تأثیراً فی نفسیّته وساهمتْ فی صیاغه شخصیّته ، وأضافتْ الکثیر من المعرفه بدقائق الأمور إلى معلوماته ، فقد غربلتْ هذه الأحداث الشخصیّات المهمّه على الساحه ، ومیّزت بصوره دقیقه ولاءاتهم ، لقد رأى محمّد بأُمّ عینَیه ظُلْم بنی أمیّه لعلیّ ( ع ) ، وبُغْضهم له ، فقد نسبوا إلیه ثوره الثائرین ، على الرغم من دفاع علی ( ع ) عن عثمان وقومه ، ومَنْعه للثائرین من الإساءه إلیه ، حتّى أنّه أمر الحسن والحسین سیّدا شباب أهل الجنّه بحراسه دار عثمان ، لقد عرّفت هذه الأحداث محمّداً أین جانب الحقّ بصوره لا تشوبها شائبه لیقف معه ، ویتّبع أثره مهما کانت الشدائد والصعوبات ، فاندفع بحماسه الشباب وروح الإیمان المترسّخ عنده لممارسه التغییر والقیام بدوره وفی إرجاع الحقّ إلى نصابه ، فاتُّهِمَ ظلْماً فی جمله مَن اتُّهِمَ بقَتْل عثمان .
ولادته ونشأته :
نشأ محمّد بن أبی بکر بن أبی قحافه ، فی بیت النبوّه والخلافه ، فی بیت تربّى فیه الحسن والحسین ( ع ) ، وترعرع عندهم وهو یرتشف من منهل أخلاقهم ویسمو بعزّ فضائلهم ، وشرف مکانتهم ، ربّاه أمیر المؤمنین کأحد أبنائه یُنفق علیه کما ینفق علیهم ویعلّمه کما یعلّمهم ، وقد قال ( ع ) : ( محمّد ابنی من ظهر أبی بکر ) .
فشبّ وهو عارف بحقیقه أهل البیت ( ع ) ، ومکانتهم من الله ورسوله ، وفضلهم على بقیّه الناس ، وخصائصهم التی خصّهم الله تعالى بها ، وأحقّیّتهم فی الخلافه والزعامه ، روى ابن سعد فی طبقاته (۱) أنّ أبا بکر تزوّج أسماء بنت عمیس بعد جعفر بن أبی طالب فولدت له محمّداً ، نفست به بذی الحلیفه ، وفی روایه فی البیداء ، وهم یریدون حجّه الوداع ، ثمّ توفّی عنها أبو بکر ، فتزوجها علی بن أبی طالب فأنجبت له یحیى ، کانت أمّه أسماء بنت عمیس ، من الصحابیّات الجلیلات اللواتی أسلمْنَ منذ بدء الدعوه النبویّه فی مکّه ، وهاجرت الهجرتین مع زوجها جعفر بن أبی طالب رضوان الله علیه ، فقد هاجرت معه أوّلاً إلى الحبشه ، وأنجبت له هناک ثلاثه أولاد عبد الله ، ومحمّداً ، وعوناً .
ثمّ هاجرتْ معه إلى المدینه المنوّره ، فصادف یوم وصولهم وصول خبر فتح خیبر ففرح رسول الله ( ص ) بِمَقْدَمهم وقال : ( والله ما أدری بما أفرح ، أفرح بفتح خیبر أَمْ أفرح برجوع جعفر ) ، لازمتْ أسماء الولاء لأهل البیت ، وصاحبت مولاتها فاطمه الزهراء ، وظلّت على موالاتها حتّى عندما تزوّجها أبو بکر ، لقد رضع محمّد بن أبی بکر الولاء والحبّ لأهل بیت النبوّه( ع ) من ثدی أُمّه ، وتعلّم الإسلام والإیمان من مربّیه علی ( ع ) .
واقعه الجمل :
شهد محمّد بن أبی بکر واقعه الجمل ، وقاتل بکلّ بساله وشجاعه إلى جانب مولاه أمیر المؤمنین ( ع ) ، ولمّا استقرّ القتال واشتبکتْ الصفوف ، نادى أمیر المؤمنین ( ع ) بعَقْر الناقه ، فکان محمّد بن أبی بکر من بین المتقدّمین فی الصفوف لعقر الناقه ، وبعد أنْ عُقرت وفرّ أصحاب الجمل ( قطع محمّد بن أبی بکر البطان وأخرج الهودج ، فقالت عائشه : مَن أنت ؟ )۲٫
فقال محمّد : أبغض أهلک إلیک .
فقالت عائشه : ابن الخثعمیّه .
فقال محمّد : نعم ، ولم تکن دون أمّهاتک .
فقالت عائشه : لعمری ، بل هی شریفه ، دع عنک هذا ، الحمد لله الذی سلّمک .
فقال محمّد : قد کان ذلک ما تکرهین .
فقالت عائشه : یا أخی لو کرهته ما قلتُه .
فقال محمّد : کنت تحبّین الظفر وأنّی قتلت ؟
فقالت عائشه : قد کنت أحبّ ذلک ، ولکنّه لمّا صرنا إلى ما صرنا إلیه أحببتُ سلامتک لقرابتی منک ، فاکفف ولا تعقب الأمور ، وخذ الظاهر ولا تکن لومه ولا عذله ، فإنّ أباک لم یکن لومه ولا عذله .
وجاء علی فقرع الهودج برمحه وقال : ( یا شقیراء بهذا أوصاک رسول الله ؟
فقالت : یا ابن أبی طالب ملکتَ فاصفح وظفرتَ فاسجع .
فقال أمیر المؤمنین ( ع ) : والله ما أدری متى أشفی غیظی ؟ أحین أقدر على الانتقام فیقال لی : لو عفوتَ ، أَمْ حین أعجز عن الانتقام فیُقال لی : لو صبرتَ ، أصبر فإنّ لکلّ شیء زکاه ، وزکاه القدره والمکنه العفو والصَفْح . ثمّ التفت ( ع ) إلى محمّد بن أبی بکر وقال : شأنک بأُختک ، فلا یدنو منها أحد سواک ) (۲) .
ولایته لمصر :
ولّى أمیر المؤمنین محمّد بن أبی بکر على مصر ، بعد أنْ عزل عنها والِیْهَا قیس بن سعد ، وکان أمیر المؤمنین قد ولاّه مصر بعد محمّد بن أبی حذیفه ، وکان سبب عزْله أنّ قریه من قرى مصر أَبَتْ الدخول فی طاعه أمیر المؤمنین وکان رأی قیس بن سعد أنْ یُهادنهم ویتألّفهم حتّى ینتهی أمیر المؤمنین من قتال الخارجین علیه فیرى فیه رأیهم ، فکتب بذلک کتاباً إلى أمیر المؤمنین یخبره بالموقف فی مصر :
( بسم الله الرحمان الرحیم ، أمّا بعد ، فأنّی أخبر أمیر المؤمنین أکرمه الله أنّ قبلی رجالاً معتزلین قد سألونی أنْ أکفّ عنهم وأنْ أدعهم على حالهم حتّى یستقیم أمر الناس فترى ویروا رأیهم ، فقد رأیتُ أنْ أکفّ عنهم وألاّ أتعجّل حربهم ، وأنْ أتألّفهم فیما بین ذلک لعلّ الله عزّ وجل أنْ یقبل قلوبهم ویفرّقهم عن ضلالتهم إنْ شاء الله ) .
فکتب إلیه أمیر المؤمنین ( ع ) :
( بسم الله الرحمن الرحیم ، أمّا بعد ، فَسِر إلى القوم الذین ذکرتَ ، فإنْ دخلوا فیما دخل المسلمون وإلاّ فناجِزْهم إنْ شاء الله ) .
ولم یتمالک قیس بن سعد أنْ کتب إلى أمیر المؤمنین :
( أمّا بعد ، یا أمیر المؤمنین فقد عجبت لأمرک ، أتأمرنی بقتال قوم کافین عنک مفرغیک لقتال عدوّک ، وأنّک متى حاربتهم ساعدوا علیک عدوّک ، فأطعنی یا أمیر المؤمنین واکفف عنهم فإنّ الرأی ترکهم والسلام ) .
فلمّا أتاه هذا الکتاب قال له عبد الله بن جعفر : یا أمیر المؤمنین ابعث محمّد بن أبی بکر على مصر یکفیک أمرها واعزل قیساً ، والله لقد بلغنی أنّ قیساً یقول : والله إنّ سلطاناً لا یتمّ إلاّ بقتل مسلمه بن مخلّد لسلطان سوء ، والله ما أحبّ أنّ لی ملک الشام إلى مصر وإنّی قتلتُ بن مخلّد . قال ـ وکان عبد الله بن جعفر أخاً لمحمّد بن أبی بکر لأُمّه ـ : فبعث علیٌّ محمّد بن أبی بکر على مصر وعزل عنها قیساً ) (۳) .
ولمّا وصل محمّد بن أبی بکر إلى مصر قرأ علیهم کتاب أمیر المؤمنین ( ع ) :
( بسم الله الرحمن الرحیم ، هذا ما عَهِدَ به عبد الله علیّ أمیر المؤمنین إلى محمّد بن أبی بکر حین ولاّه مصر ، وأمره بتقوى الله فی السرّ والعلانیه ، وخوْف الله عزّ وجل فی الغیب والمشهد ، وباللین على المسلمین ، وبالغلظه على الفجّار ، وبالعدل على أهل الذمّه ، وبإنصاف المظلوم ، وبالشدّه على الظالم ، وبالعفو عن الناس ، وبالإحسان ما استطاع ، والله یجزی المحسنین ویعذّب المجرمین ، وأمره أنْ یدعو مَن قبله إلى الطاعه والجماعه ، فإنّ لهم فی ذلک من العافیه وعظیم المثوبه ما لا یقدرون قدره ولا یعرفون کُنْهَه ، وأمره أنْ یجبی خِراج الأرض على ما کانت تُجبى علیه من قَبل لا ینقص منه ولا یبتدع فیه ، ثمّ یقسّمه بین أهله على ما کانوا یقسّمون علیه من قَبل ، وأنْ یلین لهم جناحه ، وأنْ یواسی بینهم فی مجلسه ، ولْیکن القریب والبعید فی الحقّ سواء ، وأمره أنْ یحکم بین الناس بالحقّ ، وأنْ یقوم بالقسط ولا یتّبع الهوى ، ولا یخف فی الله عزّ وجل لومه لائم ، فإنّ الله جلّ ثناؤه مع مَن اتّقى وآثر طاعته وأمره على ما سواه ) .
ثمّ إنّ محمّد بن أبی بکر قام خطیباً فحمد الله وأثنى علیه ، ثمّ قال :
الحمد لله الذی هدانا وإیّاکم لِمَا اختُلِفَ فیه من الحقّ ، وبصّرنا وإیّاکم کثیراً ممّا عَمِیَ عنه الجاهلون ، إلاّ أنّ أمیر المؤمنین ولاّنی أَمْرکم وعَهِدَ إلیّ ما قد سمعتم ، وأوصانی بکثیر منه مشافههَ ، وأنْ ألوکم خیراً ما استطعت ، وما توفیقی إلاّ بالله علیه توکّلتُ وإلیه أُنیب ، فإنْ یکن ما تَرَون من إمارتی وأعمالی طاعه لله وتقوى فاحمدوا الله عزّ وجل على ما کان من ذلک ، فإنّه هو الهادی ، وإنْ رأیتم عاملاً لی عمل غیر الحقّ زائغاً فارفعوا إلیّ وعاتبونی فیه ، فإنّی بذلک أسعد وأنتم بذلک جدیرون ، وفّقنا الله وإیّاکم لصالح الأعمال برحمته . ثمّ نزل .
لم یفعل محمّد بن أبی بکر أیّ شیء لتعزیز مرکزه ، ولم یَقْدم على أیّ خطوه تؤهّله لقتال هؤلاء المعتزلین کما أمره بذلک أمیر المؤمنین ( ع ) ، بل بعث برساله یبلغهم فیها أمّا بالدخول فی الطاعه أو الخروج من البلاد . ذکر هشام عن أبی مخنف قال : ولم یلبثْ محمّد بن أبی بکر شهراً کاملاً حتّى بعث إلى أولئک القوم المعتزلین الذین کان قیس بن سعد وادعهم ، فقال : یا هؤلاء إمّا أنْ تدخلوا فی طاعتنا وإمّا أنْ تخرجوا من بلادنا . فبعثوا إلیه : إنّا لا نفعل ، دعنا حتّى ننظر إلى ما تصیر إلیه أُمورنا ، ولا تعجل . فأبى علیهم . فامتنعوا منه وأخذوا حذرهم ، فکانت وقعه صفّین وهم لمحمّد هائبون ، فلمّا أتاهم صبر معاویه وأهل الشام لعلی ، وأنّ علیّاً وأهل العراق قد رجعوا عن معاویه وأهل الشام وصار أمرهم إلى الحکومه اجترءوا على محمّد بن أبی بکر وأظهروا له المبارزه ، فلمّا رأى ذلک محمّد بعث الحارث بن جمهان الجعفی إلى أهل خربتا وفیها یزید بن الحارث من بنی کنانه فقاتلهم فقتلوه ، ثمّ بعث إلیهم رجلاً من کلب یُدعى ابن مضاهم فقتلوه .
لقد ضعف مرکز محمّد بن أبی بکر بعد مقتل ابن مضاهم ، وتأثّر الناس بالدعایه الأمویّه حیث بَثّتْ وسائل إعلام المعادین فی أهل مصر بالطلب بدم عثمان الذی قتل ظلماً ، لقد تجاهل محمّد بن أبی بکر وسائل إعلام الأمویّین ، ولم یفعل إزاءها ما هو مناسب ولم یأخذ حذره منهم ، فترک کثیر من الناس معسکره .
فلمّا علم أمیر المؤمنین ( ع ) بتضعضع قوّه محمّد وانفضاض الناس من حوله کتب إلى مالک بن الحارث الأشتر ـ وهو یومئذ بنصیبین :
( أمّا بعد فإنّک ممّن استظهرتُه على إمامه الدین وأقمع به نخوه الأثیم ، وأسدّ به الثغر المخوف ، وکنت ولّیتُ محمّد بن أبی بکر مصرَ فخرجتْ علیه بها الخوارج ، وهو غلام حدث لیس بذی تجربه للحرب ولا بمجرّب للأشیاء فأقدم علیّ لننظر فی ذلک فیما ینبغی ، واستخلف على عملک أهل الثقه والنصیحه من أصحابک والسلام ) .
فأقبل مالک إلى علی حتّى دخل علیه فحدّثه حدیث أهل مصر وخبّره خبر أهلها وقال لیس لها غیرک ، أُخرج رحمک الله ، فخرج الأشتر من عند علی فأتى رحله فتهیّأ للخروج إلى مصر ، وأتتْ معاویه عیونه فأخبروه بولایه علی الأشتر فعظم ذلک علیه ، فبعث معاویه إلى الجایستار رجل من أهل الخراج ، فقال له : إنّ الأشتر قد وُلّی مصر فإنْ أنتَ کفیتنیه لم آخذ منک خراجاً ما بقیت .
فخرج الجایستار حتّى أتى القلزم وبعدها خرج الأشتر من العراق إلى مصر ، فلمّا انتهى إلى القلزم استقبله الجایستار فقال له هذا منزل وهذا طعام وعلف فنزل به الأشتر وأتاه بشربه من عسل قد جعل فیه سمّاً فأطعمه إیّاه ، فلمّا شربها مات . ولمّا سمع معاویه بن أبی سفیان ذلک قال :
إنّ لله جنوداً مِن عسل ، ثمّ أقبل على أهل الشام وقال : کان لعلی ابن أبی طالب یمینان أحدهما قطعتْ فی صفّین وهو عمّار بن یاسر ، والآن قطعتْ الثانیه وهو مالک الأشتر .
أمّا مسلمه بن مخلّد ومعاویه بن حدیج ومَن شایعهم من العثمانیّه فی مصر فقد کتبوا کتاباً إلى معاویه بن أبی سفیان :
( أمّا بعد ، فإنّ هذا الأمر الذی بذلنا له أنفسنا واتّبعنا أمر الله فیه ، أمرٌ نرجوا به ثواب ربّنا والنصر ممّن خالفنا وتعجیل النقمه لِمَن سعى على إمامنا وطأطأ یرکض فی جهادنا ، ونحن بهذا الحیّز من الأرض قد نَفینا مَن کان به من أهل البغی وأنهضنا مَن کان به من أهل القسط والعدل ، وقد ذکرت المواساه فی سلطانک ، ودنیاک وبالله إنّ ذلک لأمر ما له نهضنا ، ولا إیّاه أردنا ، فإنْ یجمع الله لنا ما نطلب ویؤتنا ما تمنّینا فإنّ الدنیا والآخره لله ربّ العالمین وقد یؤتیهما الله معاً عالماً مِن خلقه کما قال فی کتابه ولا خلف لوعوده قال : ( فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْیَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَهِ وَاللَّهُ یُحِبُّ الْمُحْسِنِینَ ) ، عجِّل علینا خیلک ورجلک فإنّ عدوّنا قد کان علینا حرباً وکنّا فیهم قلیلاً فقد أصبحوا لنا هائبین وأصبحنا لهم مقرّنین فإنْ یأتنا الله بمدد من قِبلک یفتح الله علیکم ، ولا حول ولا قوّه إلاّ بالله وحسبنا الله ونعم الوکیل ، والسلام علیک ) .
فجاءه الکتاب وهو یومئذ بفلسطین ، ففرح بذلک ، وقال لعمرو بن العاص : تجهّز یا أبا عبد الله ، فبعثه إلى مصر فی ستّه آلاف رجل .
فلمّا وصل عمرو بن العاص إلى مصر ، اجتمعت إلیه العثمانیّه . وکتب إلى محمّد بن أبی بکر کتاباً :
( أمّا بعد ، فَتَنَحّ عنّی بدمک یا ابن أبی بکر ، فإنّی لا أحبّ أنْ یصیبک منّی ظفر ، إنّ الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافک ورفْض أمرک ، وندموا على اتّباعک ، فهم مسلموک لو قد التقتْ حلقتا البطان ، فاخرج منها فإنّی لک من الناصحین والسلام ) .
وبعث إلیه عمرو أیضاً بکتاب معاویه إلیه :
( أمّا بعد ، فإنّ غب البغی والظلم عظیم الوبال ، وإنّ سفْک الدم الحرام لا یسلم صاحبه من النقمه فی الدنیا ومن التبعیّه الموبقه فی الآخره ، وإنّا لا نعلم أحداً کان أعظم على عثمان بغیاً ولا أسوأ له عیباً ولا أشدّ علیه خلافاً منک ، سعیتَ علیه فی الساعین وسفکتَ دمه فی السافکین ، ثمّ أنت تظنّ أنّی عنک نائم أو ناسٍ لک ، حتّى تأتی فتأمر على بلاد أنت فیها جاری وجُلّ أهلها أنصاری ، یرون رأیی ویرقبون قولی ویستصرخونی علیک ، وقد بعثتُ إلیک قوماً حناقاً علیک یستسقون دمک ویتقرّبون إلى الله بجهادک ، ولا أنذرتک ، ولأحببت أنْ یقتلوک بظلمک وقطیعتک وعدْوک على عثمان یوم یطعن بمشاقصک بین خُششائه وأوداجه ، ولکن أکره أنْ أمثل بقرشی ، ولن یسلّمک الله من القصاص أبداً أینما کنت ، والسلام ) .
فلمّا قرأ محمّد بن أبی بکر الکتابین کتب کتاباً إلى أمیر المؤمنین ( ع ) یطلب فیه العون والمدد ، ویخبره بالموقف عنده . وأرسل مع کتابه کتابی معاویه بن أبی سفیان وعمر بن العاص ، فلمّا قرأ أمیر المؤمنین الکتب ، کتب إلى محمّد :
( أمّا بعد ، فقد جاءنی کتابک تذکر أنّ ابن العاص قد نزل بأدانی أرضَ مصر فی لَجَبٍ من جیشه خراب ، وإنّ مَن کان بها على مثل رأیه قد خرج إلیه ، وخروج مَن یرى رأیه إلیه خیرٌ لک من إقامتهم عندک ، وذکرتَ أنّک قد رأیتَ فی بعض من قِبلک فشلاً ، فلا تفشل ، وإنْ فشلوا فحصّن قریتک ، واضمم إلیک شیعتک واندب إلى القوم کنانه بن بشر المعروف بالنصیحه والنجده والبأس . فإنّی نادبٌ إلیک الناس على الصعب والذّلول ، فاصبر لعدوّک وامضِ على بصیرتک وقاتلهم على نیّتک ، وجاهدهم صابراً محتسباً ، وإنْ کانت فئتک أقل الفئتین فإنّ الله قد یعزّ القلیل ، ویخذل الکثیر . وقد قرأتُ کتاب الفاجر بن الفاجر معاویه والفاجر ابن الکافر عمرو ، المتحابّین فی عمل المعصیه ، والمتوافقین المرتشین فی الحکومه ، المفکّرین فی الدنیا ، قد استمتعوا بخلاقهم ، کما استمتع الذین من قبلهم بخلاقهم ، فلا یَهُلْک إرعادهما وإبراقهما ، وأجبهما إنْ کنتَ لم تجبْهما بما هما أهله ، فإنّک تجد مقالاً ما شئت ، والسلام ) .
ثمّ وبعد أنْ وصله کتاب أمیر المؤمنین ( ع ) ، کتب إلى معاویه بن أبی سفیان وعمرو بن العاص ، یردّ فیهما بما قالاه ، وینتدب لقتالهما ، ثمّ قام خطیباً فی الناس ، یحضّهم فیه على جهاد أعداء الله ، فقال :
( أمّا بعد ، معاشر المسلمین والمؤمنین ، فإنّ القوم الذین کانوا ینتهکون الحرمه وینعشون الضلال ، ویشبّون نار الفتنه ، ویتسلّطون بالجبریّه ، قد نصبوا لکم العداوه ، وساروا إلیکم بالجنود ، عباد الله ! لَمَنْ أراد الجنّه والمغفره فلْیخرج إلى هؤلاء القوم فلیجاهدهم فی الله ، انتدبوا إلى هؤلاء القوم رحمکم الله مع کنانه بن بشر ) .
فانتدب معه نحو ألفی رجل ، وخرج محمّد بن أبی بکر فی ألفی رجل ، وکان على رأس جیش الشام عمرو بن العاص .
والتقى الجیشان ودارتْ بینهما معرکه عظیمه ، فکانت الغلبه فی البدایه لجیش محمّد ، إلاّ أنّ عمرو بن العاص استنجد بجیش الشام ، فجاءه المدد وکان یفوق جیش محمّد أضعافاً ، فاحتوشوا جیش محمّد مِن کلّ مکان وقتلوا معظم رجاله وفرّ الباقون، وقُتل بشر بن کنانه ، وفرّ محمّد بن أبی بکر ، ثمّ ألقی القبض علیه من قِبل معاویه بن حدیج فقتله ثمّ جعله فی جوف حمار فأحرقه ، وذلک فی صفر سنه ۳۸ هجریّه .
أسباب سقوط مصر :
لقد فرح أهل الشام فرحاً کبیراً عند سقوط مصر فی أیدیهم ، وقیل إنّ السرور لم یُرَ فیهم قبل سقوطها ، وحق لهم فی ذلک ، فقد کانت مصر تعدل کفّتی المیزان فی الصراع ؛ لِمَا لها من أهمِّیّه کبرى فی ترجیح الموازنات العسکریّه والسیاسیّه .
لقد أَمِنَ معاویه الجانب الغربی من إمارته ، التی کانت تشکّل علیه الخطر الأکبر لو استطاع ولاه أمیر المؤمنین ( ع ) السیطره علیهما وتوجیه قوّتها العسکریّه نحو الشام ، فکان یمکن الإطباق علیه من الجهه الشرقیّه والجهه الغربیّه وإنهاء سطوه معاویه فی بلاد الشام .
کما أضاف إلیه سقوط مصر بیده الکثیرَ من الرجال والمُؤَن والعِتاد وخرّاج أهلها ؛ لکونها أکبر بلاد العرب خیرات فی ذلک الزمان .
وکذلک سقوط مصر یعنی سقوط بقیّه بلدان المغرب العربی بیده ؛ لأنّها المَنْفذ الوحید إلى تلک البلاد ، فأضیفت خیراتها إلى نصیب معاویه . ولسقوط مصر أیضاً الجانب النفسی المؤثّر فی نفوس رعیّه أمیر المؤمنین ( ع ) المتخاذلین أصلاً عن نصرته ، فقد کان معاویه یحاربهم فیما قَبل بأهل الشام فقط ، والآن یمکنه أنْ یحاربهم بأهل الشام ومصر وبلاد المغرب العربی إنْ رجعوا إلى محاربته .
لقد أصبح معاویه یشکّل خطراً کبیراً على أمیر المؤمنین ، بعد أنْ کان مهزوزاً مهزوماً فی حرب صفّین ، وقویتْ شوکتُه وتوسّع نفوذه ، ووهى سلطان أمیر المؤمنین ( ع ) وقلّت قدرته ، بقدر خسارته لمصر وبلاد المغرب العربی .
لقد سقطت مصر لأسباب وعوامل کان یمکن تجاوزها بقلیل من الحزم وحسن التدبیر ویمکن إجمال هذه الأسباب فی عدّه نقاط :
۱ ـ تهاون ولاه أمیر المؤمنین ( ع ) فی معالجه الأمور فی مصر :
حیث لم یقدّروا بشکل حقیقی وواقعی المعتزلین من أهل خربتا ، فبالنسبه للوالی الأوّل وهو قیس بن سعد کانت له أخطاء عدیده منها :
* أنّه هادَنَ هؤلاء المعتزلین على الرغم من قلّتهم : وکان یعرف یقیناً أنّ هؤلاء من العثمانیّه الذین یبغضون أمیر المؤمنین ( ع ) ؛ ولذلک لم یبایعوه .
لقد خُدع قیس ، ولم یعلم أنّ مهادنتهم له کانت خدیعه منهم ولعبه مکشوفه کی یتملّصوا بها إلى حین انتهاز أقرب فرصه لهم للإجهاز على ولایته .
لقد برّر قیس خطّته بالمهادنه فی رسائله إلى أمیر المؤمنین ( ع ) ، وحین قدومه علیه وهو بالکوفه بعد عزله ، ولکنّ تبریراته هذه لیست مقنعه إطلاقاً ، فإنْ کان یخاف معاویه عند قتاله لأهل خربتا فمعاویه کان أخوف منه ؛ لأنّه کان یتجهّز لقتال أمیر المؤمنین ( ع ) ، لأنّه یعلم یقیناً أنّ دوره یأتی بعد أصحاب الجمل ، فهو لیس بهذا الغباء کی یفتح على نفسه جبهه أخرى ، ویقع بین نارین ، لذلک أخذ یرسل برسائله إلى قیس یستمیله إلى جانبه ، ولم یعلم قیس أنّ هذه الرسائل تعبّر عن خوف معاویه وضعفه ، وأنّه لیس بمقدوره أنْ یفتح جبهه أخرى ، ولم یعلم قیس أنّ عامل الوقت لیس فی صالحه ، وإنّما فی صالح معاویه وأهل خربتا ، فانطلتْ علیه خدیعه معاویه وأهل خربتا ، وهو یحسب أنّه یحسن صنعاً .
* والخطأ الثانی الذی ارتکبه قیس : هو عصیانه لأوامر أمیر المؤمنین الصریحه بقتال هؤلاء ، واستئصال شأفتهم کی لا یشکّلوا أی تهدید لولایته . لقد کان المفروض بقیس أنْ یقاتل هؤلاء مهما کانت النتائج ولا یقدّم رأیه على رأی أمیر المؤمنین ( ع ) .
* والخطأ الثالث الذی ارتکبه : هو غضبه عندما عُزل من ولایه مصر ، حیث ترک مصر وذهب إلى المدینه المنوّره ، ولکنّه عندما خاف القتل ترکها والتحق بأمیر المؤمنین فی الکوفه .
لقد کان المفروض به کشیعی موالی لأهل البیت أنْ یتقبّل ذلک بکلّ رحابه صدر ، وکذلک لکونه صحابیّاً ، وأنْ یبقى فی مصر لمسانده محمّد بن أبی بکر ونجدته فی المواقف التی یفشل فیها .
لقد کان من الواجب على قیس وهو المعروف بولائه الشدید لأهل البیت أن یقضی على هذه الزمره المنافقه قبل أن یستفحل أمرها، کی یتفرغ لقتال معاویه من الجهه الغربیه، فیصبح بذلک بین فکی کماشه ویسهل القضاء علیه.
وأمّا محمّد بن أبی بکر ، فقد زاد الطین بلّه ، وأساء التصرّف بسوء تدبیره وقلّه خبرته ، فهو لم یهادنهم ، کما فعل سابقه قیس ؛ لأنّه أرسل بالأساس لمناجزتهم القتال ، ولم یقاتلهم فور وصوله إلى مصر ، کما أمره بذلک أمیر المؤمنین ( ع ) ، وکلّ ما فعله هو استفزازهم حینما أبى أنْ یهادنهم ، لذلک استعدّوا لمواجهته عسکریّاً ، بعد أنْ أعطاهم الفرصه الکافیه ، بتسویفه معاجله الأمور .
وقد بیّن ذلک أمیر المؤمنین بقوله : ( وقد أردتُ تولیه مصر هاشم بن عتبه ، ولو ولَّیْتُه إیّاها لَمَا خلّى لهم العرصه ، ولا انهزم الفرصه ، بلا ذمّ لمحمّد بن أبی بکر ، فلقد کان إلیّ حبیباً وَلِیَ ربیباً ) .
لقد کان المفروض على محمّد بن بکر ، أنْ ینفّذ أوامر أمیر المؤمنین ( ع ) بکلّ دقّه ؛ لأنّه یعرف أکثر من غیره مَن هو إمامه ، فکان علیه أنْ یباشر قتالهم فور وصوله إلى مصر ، وعدم إعطائهم فرصه للاستعداد له ، لکنّه لم یفعل ذلک ، ولم یتّخذ أیّه تدابیر أخرى للحدّ من نشاط هؤلاء ، وفشل فشلاً ذریعاً فی القضاء على هذه الزمره التی قضتْ علیه فی النهایه .
۲ ـ إهمال محمّد بن أبی بکر مواجهه العثمانیّین فی بثّ عقیدتهم بین الناس :
لقد أدّت وسائل إعلامهم إلى تفریق الناس عن محمّد بن أبی بکر وخذلانه ، ولم یتّخذ محمّد بن أبی بکر أیّ تدابیر واقیه لمواجهه هذا المدّ الإعلامی المغرض والمزیّف ، لقد کان أهل مصر لبعدهم عن مقرّ الإداره الإسلامیّه لا یعرفون حقیقه ما جرى فی المدینه المنوّره ، فکانوا عرضه سهله للدعایات العثمانیّه التی تدّعی بأنّ عثماناً قُتل مظلوماً ؛ لذلک تفرّق الناس عن محمّد بن أبی بکر ، ولم یکتفوا بذلک ، بل التحقوا بمعسکر المعتزلین .
لقد أدرک أمیر المؤمنین ( ع ) مواقع الخلل والضعف فی شخصیّه محمّد بن أبی بکر ؛ لذلک أرسل فی طلب مالک وبعثه إلى مصر والیاً بدلاً عنه ، لقد کان محمّد بن أبی بکر فعلاً مثل ما قال أمیر المؤمنین حدث السنّ قلیل التجربه .
لقد کان المفروض على محمّد بن أبی بکر إنْ لم یقاتلهم فوراً ، أنْ یضرب على قریتهم طوقاً عسکریّاً ، ویمنع تسرّبهم بین أهل مصر کی یبثّوا دعایاتهم ، هذا بالإضافه لِمَا للحصار العسکری من تأثیر على اقتصادیّاتهم ومعنویّاتهم ، فالحصار العسکری ، یؤدّی إمّا إلى استسلامهم وخضوعهم لطاعته ، أو یؤدّی إلى فرارهم إلى معاویه ، فبذلک تتخلّص مصر من وجودهم على أراضیها ، وینتهی بذلک تهدیدهم .
۳ ـ خذلان الناصر من أهل العراق :
لقد أرسل محمّد بکتاب إلى أمیر المؤمنین یطلب فیه العون والمدد ، ووعده أمیر المؤمنین بذلک ، وقام ینادی فی أهل العراق لإغاثه محمّد بن أبی بکر ، فلم یخرج أحد استجابه لطلبه ، فقام فیهم خطیباً وقال :
( أمّا بعد ، فإنّ هذا صریخ محمّد بن أبی بکر ، وإخوانکم فی مصر ، قد سار إلیها ابن النابغه عدوّ الله ، وولی مَن عادى الله ، فلا یکون أهل الضلال إلى باطلهم والرّکون إلى سبیل الطاغوت أشدّ اجتماعاً منکم على حقّکم هذا ، فإنّهم قد بدءوکم وإخوانکم بالغزو ، فأعجلوا إلیهم بالمؤاساه والنصر ، عباد الله ، إنّ مصر أعظم من الشام ، أکثر خیراً ، وخیرٌ أهلاً فلا تُغلبوا على مصر ، فإنّ بقاء مصر فی أیدیکم عزٌ لکم ، وکبتٌ لعدوّکم ، اخرجوا إلى الجرعه بین الحیره والکوفه ، فوافونی بها هناک غداً إنْ شاء الله ) ، فلمّا کان من الغد خرج یمشی فنزلها بکره ، فأقام بها حتّى انتصف النهار یومه ذلک ، فلم یوافه منهم رجلٌ واحد ) .
لقد کان سقوط مصر فاجعه مؤلمه بالنسبه لأمیر المؤمنین ( ع ) ؛ لأنّها تشکّل أعظم موقع عسکری واستراتیجی ، وهذا مبیّن فی ما قاله آنفاً .
وأرى أنّ المسبّب الأوّل فی سقوط مصر هو والیها الأوّل قیس بن سعد ، ولو أنّ ما أخبر به عبد الله بن جعفر أمیر المؤمنین( ع ) ، کان صحیحاً فتلک مصیبه ، فکیف یؤثِر قیس رجلاً مبغضاً لأمیر المؤمنین ( ع ) على مصالح الأُمّه الإسلامیّه ، لقد نسی قیس بن سعد مصر عندما قال للحسن ( ع ) ، یا مذلّ المؤمنین .
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
۱ ـ تاریخ الأمم والملوک ، الطبری .
۲ ـ نهج البلاغه .
۳ ـ أعیان الشیعه .

Leave A Reply

Your email address will not be published.